مصر ولّادة.. مواهب شابة ترسم المستقبل فى «آرتوكس»
- تتجلى فى جنبات المعرض رؤى بصرية مدهشة تعيد صياغة الهوية المصرية
بين أروقة الإبداع التى لا تنضب.. وفى قلب الحراك التشكيلى المصرى المعاصر..، تأتى الدورة الثانية من مبادرة «مصر ولّادة» التى يستضيفها جاليرى «آرتوكس» «ArtTalks Gallery»؛ لتؤكد أن رحم الأرض المصرية لا يزال يفيض بالمواهب التى تشكل ملامح المستقبل البصرى.. فبعد النجاح اللافت الذى حققه الإصدار الأول، تعود هذه المنصة المنسقة بعناية لترسخ مكانتها كجسر لاكتشاف ودعم الأجيال الجديدة من الفنانين المعاصرين الذين يمتلكون رؤى واعدة وقدرات فنية استثنائية.. من صخب القاهرة إلى سحر الإسكندرية.. ومن أعماق قنا وأسوان والفيوم والبحيرة إلى هدوء المنصورة وبنها وطنطا وسوهاج.. تجتمع كوكبة مصرية من قرابة 29 فنانًا ناشئًا فى هذه التظاهرة التى يحتضنها الجاليرى..، محتفية بالتنوع الجغرافى والثقافى، ومقدمة لغة فنية تتجاوز الحدود التقليدية عبر نحو 128 عملًا فنيًا تتنوع بين اللوحات الزيتية والمنحوتات والأعمال التركيبية.. ما يوفر فرصة فريدة للاستثمار فى مستقبل الفن المصرى الحديث.
تتجلى فى جنبات المعرض رؤى بصرية مدهشة تعيد صياغة الهوية المصرية بروح جديدة جسورة.. يستحضر الفنانون الشبان رموزًا خالدة فى هيئة وجوه ملكية تتدثر ببريق الذهب وجلال اللون الأزرق السماوى المقدس، فنشاهد بعثًا لملامح «نفرتيتى» برؤية مبتكرة.. وتداخل رمزى «الأنخ» و«قلادة إيزيس» مع التشكيلات الهندسية المعاصرة فى حوار بصرى يربط بين الماضى والحاضر.. وكأن هؤلاء المبدعين يغزلون خيوط الهوية من جديد، مستلهمين جينات الأجداد لتقديمها فى حلة تناسب صخب القرن الواحد والعشرين، وفى سياق الابتكار التقنى كما يظهر فى تلك اللوحات التى تدمج بين البورتريه والنصوص الوجدانية، مستحضرةً روح الفنانة العالمية «فريدا كالو» لكن بصبغة مصرية شرقية خالصة.. تضفى حسًا أدبيًا على التكوين البصرى وتجعل من اللوحة نصًا مفتوحًا.
ولم يقتصر الإبداع على اللوحة المسطحة، بل امتد ليعانق الفراغ ويستنطق الخامة فى تجليات نحتية وتشكيلية مبهرة؛ فنرى أعمالًا تجريدية.. وتكثيف السطح الملامس لتبدو كأنها قطع مستقطعة من ذاكرة الجدران العتيقة أو من تضاريس الأرض، تتماوج فيها تدرجات البنى والأزرق والرمادى لتخلق حالة من الغموض البصرى الذى يُجبر المشاهد على التأمل والبحث عن المعنى.. وفى زاوية أخرى تبرز الواقعية التعبيرية فى تصوير أشخاص من لحم ودم.. فتطل علينا ملامح الفلاحين والصيادين بوجوه نيلية أصيلة تحمل قلق الوجود وقوة الصبر.. بينما تتشابك ضفائر الفتيات فى لوحات أخرى لتشكل دوائر من الصمت والحيرة.. فى تكوينات تجمع بين خشونة الخامة وعذوبة الفكرة! وبين صرامة التشريح وإنسيابية المشاعر الإنسانية التى تجسد صراعات النفس وأحلامها المجهضة أو المرجأة أو المستحيلة.
تؤكد شيرين شفيق، مديرة القاعة، أن الجاليرى لم يكتفِ بمجرد العرض التقليدى، بل خاض رحلة تقصى واستكشاف طويلة.. من خلال التواصل مع الأساتذة والفنانين، للبحث عن هذه المواهب المدفونة التى لم تحصل على الفرصة التى تليق بموهبتها بعد.. خاصةً من حديثى التخرج الذين يمتلكون الموهبة الفطرية ويفتقرون إلى المنصة الاحترافية.. وتوضح أن «مصر ولّادة» تهدف بالأساس إلى تقديم الإرشاد الفنى لهؤلاء المبدعين، ومساعدتهم على إدراك نقاط قوتهم للبناء عليها، مشددة على أن وجود «جاليرى» متخصص يتبنى الفنان الناشئ هو أمر حيوى يدعم مسيرته الفنية بشكل احترافى يتجاوز دور وسائل التواصل الاجتماعى، التى تظل مجرد أداة ترويجية لا تمنح العمل الفنى قيمته التاريخية اللازمة للاستمرار.
إن هذا المعرض يثبت أن الفن التشكيلى يظل هو اللغة الأسمى التى لم تحتاج يومًا إلى ترجمة.. فهو النبض الذى يُحول الصمت إلى حوار.. والفراغ إلى حياة، وتكمن أهميته فى حياة الإنسان بكونه أداة للرقى الوجدانى..، فهو يهذب الحواس.. ويمنحنا القدرة على رؤية التفاصيل المنسقة فى زحمة الحياة.. محولًا جدراننا الصماء إلى نوافذ تطل على المطلق.
تقول فوقية حمودة، مساعدة مدير جاليرى آرتوكس: إن «مصر ولّادة ٢» هى دعوة مفتوحة لكل المتذوقين وجامعى الأعمال الفنية لاكتشاف ودعم هؤلاء المبدعين، والإيمان بقدرتهم على صياغة هوية بصريّة مصرية حديثة تليق بتاريخنا العريق وتتطلع إلى غدٍ أكثر إشراقًا.. حيث يلتقى الشغف بالإتقان، لتستمر مسيرة الفن المصرى فى التدفق كالنيل العظيم.. مؤكدةً أن الإبداع فى هذه الأرض هو قدرٌ محتوم ليس له نهاية.. وأن الإنسان فى جوهره كائنٌ محب للجمال.. ولا يكتمل رقيه إلا بالقرب من الفن والإبداع.







