هل الله حقيقى؟.. رحلة «البحث الصادق» عن الخالق
- يظل التساؤل الأكبر يلوح فى الأفق: لماذا يسمح الله بالشر والألم؟
هناك تساؤلات نحتفظ بها فى داخلنا؛ نؤجلها، نتجاهلها، ونتهرب منها لسنوات، لكنها لا تختفى أبدًا وتظل منتظرة على أبواب وعينا. لا نطرحها بحثًا عن إجابة بقدر ما نطرحها لأن إلحاحها فى داخلنا يصبح أعلى من قدرتنا على تجاهلها.
تلك التساؤلات تبدأ عادة من لحظة هشّة؛ كلّما مررنا بتجربة فاصلة، أو فقد، أو لحظة تأمل صامتة، أو حتى مشهد صغير يوقظ شيئًا فى الروح. ومن بين هذه التساؤلات يبرز سؤال واحد يبدو بسيطًا فى صياغته، لكنه بالغ العمق فى تبعاته: هل الله حقيقى؟
هذا السؤال، شغل الفلاسفة والمفكرين والروحانيين عبر القرون، يتخفّى أحيانًا فى ثوب الشك، وأحيانًا أخرى فى هيئة بحث صادق عن معنى، أو رغبة خفية فى الطمأنينة. نادرًا ما يُطرح فى لحظات القوة، وغالبًا لا يخرج إلى السطح إلا حين تتصدّع يقيناتنا وتفشل اللغة اليومية فى تفسير ما يحدث لنا.

حد فاصل بين القلب والعقل
ولعلّ ما يجعل هذا السؤال مربكًا إلى هذا الحد، أنه لا ينتمى بالكامل إلى العقل ولا إلى القلب. إنه يقف على الحدّ الفاصل بينهما. العقل يطالب بالدليل والبرهان، والنظام المنطقى الصارم، بينما القلب لا يسأل بالطريقة نفسها؛ هو يريد حضورًا، أثرًا، شعورًا بأن هذا الكون ليس صامتًا تمامًا تجاه آلامنا وأسئلتنا. ومن هنا يبدأ التوتر: هل نبحث عن الله كفكرة، أم كتعريف؟ أم كعلاقة؟
عبر التاريخ، حاولت الفلسفة أن تُفنّد هذا التساؤل من أوجه مختلفة، بداية من براهين الوجود العقليّة، إلى نفيه باسم العبث أو الصدفة، إلى الوقوف فى المنتصف حيث الشك نفسه يتحوّل إلى موقف وجودى. لكن السؤال ظلّ عصيًّا على الحسم النهائى، ربما لأنه لا يُراد له أن يُحسم. ربما لأنه ليس سؤالًا عن حقيقة خارجية بقدر ما هو سؤال عن موقعنا نحن داخل هذا العالم: هل نحن وحدنا؟ أم أن هناك معنى يتجاوز ما نراه ونلمسه ونعيشه؟ هل الله موجود حقًا؟
فى التجربة الإنسانية الفردية، يظل السؤال مُلحًّا. يعود فى كل مرحلة، متبدّلًا فى نبرته، متلوّنًا بتجاربنا، وأحزاننا، وبما فقدناه أو ربحناه. قد نؤمن به فى لحظة، ونشك فيه فى أخرى، دون أن يعنى ذلك خيانة للإيمان أو انتصارًا للشك، بل اعترافًا بأن الإنسان كائن متحوّل، وأن الأسئلة الكبرى لا تطلب إجابات جاهزة، بل شجاعة البقاء معها، والإصغاء لما تفتحه فى داخلنا من مسارات جديدة للفهم والوعى. بعيدًا عن جنون من يحرّمون السؤال والبحث والتحقق.
استكشاف السؤال الأهم
فى كتابه «هل الله حقيقى؟ استكشاف السؤال الأهم فى الحياة»، يحاول الكاتب والصحفى الأمريكى لى ستروبل فهم العلاقة المعقدة بين العقل والإيمان، بطريقة تحقيقية وتحليلية أقرب إلى رحلة بحث شخصية. لا يقدّم فيها إجابات جاهزة، بل يدعو القارئ إلى مصاحبته فى مراجعة الأدلة، والشكوك، واللحظات التى يتقاطع فيها الإيمان مع العلم والتجربة الإنسانية.
وفى هذه القراءة، أحاول الاقتراب من هذه الرحلة: ما الأسئلة التى يطرحها الكتاب؟ وكيف يعيد صياغة علاقتنا بما نؤمن به أو نشك فيه؟ وما الذى يمكن أن تقدّمه مثل هذه الكتب لقراء يسعون إلى فهم أعمق للعالم ولأنفسهم؟
أرى أن ما يميّز حجج ستروبل فى هذا الكتاب هو توازنها بين العقلانى والوجدانى؛ فهو لا يكتفى بالدليل الفلسفى أو العلمى وحده، بل يجمع بينهما مع الخبرة الشخصية والتجربة الإنسانية. فالأدلة الكونية والوراثية تمنحه أساسًا عقلانيًا، والحجج الفلسفية تزوده بإطار منطقى للتفكير، فى حين أن السرد الشخصى وتجارب الآخرين تضيف بعدًا وجدانيًا يجعل القارئ يشعر بالتواصل المباشر مع القضية.

بحث لا يهدأ
يقول ستروبل: «لأكثر من مئتى مرة فى الثانية، على مدار الساعة، يوجد شخص يسأل فى بحث على الإنترنت عن الله، وعادة ما يكون سؤالًا بسيطًا، «هل الله حقيقى؟». وإذا كتبْتَ هذا السؤال على مُحرِّك البحث، فسوف تحصُل على ٣.٧ مليار إجابة فى ثُلثى ثانية. سوف تغمرك موجة رقميَّة هائلة تؤدِّى إلى الحيرة أكثر ممَّا تؤدِّى إلى الاستنارة».
ويضيف: أمَّا لمن يطلبون الحكمة من الصوت غير الإنسانى، مثل مساعدة أبل سيرى «voice of Siri»، فلن يلقوا إلَّا الإحباط. إذا سُئلَت هذه البرامجُ ما إذا كان الله حقيقيًّا، فهى تُجيب بما يُشبه قلبَ الشفاه ورَفع الكتفَين فى عدم يقين وتقول: هذا لُغزٌ غامضٌ لى. حتَّى الذكاء الاصطناعى يفشل؛ عندما يُسأل، يُقدِّم مُراجعة نظريَة سطحيَّة لمفاهيم ومنظورات مُتنافسة قبل أن يُخلص إلى نتيجة نهائيَّة تقول: لا أستطيع أن أعطى رأيًا شخصيًّا فى الموضوع!
الإحساس بغياب الله
يوجّه ستروبل سؤالًا للقارئ أظنّه الأهم فى هذه الرحلة المُربكة، وهو: هل كان هناك وقتٌ طلبتَ الله فيه أثناء أزمة، وشعرتَ بأنك لا تُكلِّم إلا نفسك؟
هذه هى النقطة المحورية؛ فإذا كان الله موجودًا، فأين هو إذن؟ يرى البعض أن الله مُحتجب، إلى حدٍّ يجعل وجوده ذاته محلّ شك. ويسرد ستروبل أمثلة لأشخاص فقدوا إيمانهم كليًّا بسبب هذه اللحظة، مثل تشارلز تمبلتون، الذى كان راعيًا لكنيسة مزدهرة فى تورنتو، قبل أن يُصبح المتشكك الكندى الأشهر.
فيقول ستروبل فى كتابه: «عندما سألت تمبلتون إن كان هناك شىءٌ محدد تسبّب فى فقدانه إيمانه بالله، قال إنها كانت صورة فوتوغرافية فى مجلة لايف، لسيّدة سوداء فى شمال إفريقيا، حيث كانوا يتعرّضون لجفافٍ مروّع. كانت تحمل طفلها الرضيع الميت بين يديها، وتنظر إلى السماء بأحد أكثر التعبيرات بؤسًا. نظرتُ إليها وقلت فى نفسى: هل يمكن أن أؤمن بوجود إلهٍ محبٍّ وخالقٍ يرعى خليقته، وكلّ ما تحتاج إليه هذه السيّدة هو المطر؟ فى الحال، علمتُ أن هذا ما كان ليحدث لو كان هناك بالفعل.. لا يمكن».
بعد كلماته تلك، انهار تمبلتون باكيًا، لأنه كان يشتاق إلى الله.
يضيف الكاتب بعد سرده القصة أنه يعتقد أن تمبلتون عاد إلى الإيمان على فراش موته بعد ذلك بسنوات قليلة. ويفسّر ظنّه هذا بأن شوقنا إلى المُتسامى قد يكون دليلًا على وجوده حقًّا. لكنه غير متأكد؛ إذ يظل متشككًا. فقد يكون هناك تفسير آخر: ربما اخترع خيالنا فكرة الله لأننا نريد بشدة أن نُنقَذ من الخوف، ومن الموت.
فهل يمكن أن نكون خائفين من الموت إلى الحدّ الذى يدفعنا، على نحوٍ غير واعٍ، إلى اختلاق أفكارٍ عن الإله المحبّ والأبدية، فقط لنخفّف من قلقنا من الفناء؟
محاولات التوصل إلى إجابة
ولتدعيم هذه المرافعة العقلية، يفتح ستروبل، الذى كان ملحدًا سابقًا، المجال لآراء عدد من العلماء والفلاسفة والمؤرخين، ويعيد ترتيبها فى سرد مكثّف، أقرب إلى مرافعة عقلية مُحكّمة، يسعى من خلالها إلى الدفاع عن الإيمان بوجود الله. ويستشهد على سبيل المثال بالفيلسوف دوجلاس جروثيوس، الذى يذهب إلى أن إحدى الحُجج التى تشير إلى وجود الله هى ألمُ البشر من غيابه عن الخبرة الإنسانيَّة. من ناحية، يوجدُ داخلنا ألمُ الجوع لكلِّ ما هو سامٍ ومتجاوز للمادَّة، وعلى الناحية الأخرى، الإحساس المؤلم بعدم كفاية كلِّ المباهجِ الأرضيَّة لإشباع ذلك الجوع… كلُّنا نختبر اشتياقًا عميقًا إلى شىءٍ لا يستطيع أن يملأه العالمُ الطبيعى الحالى- شىءٌ متسامٍ مجيدٌ٪
لا يعتمد ستروبل، الذى كان ملحدًا سابقًا، على تجربته الشخصية وحدها، بل يستدعى آراء عدد من المفكرين المعاصرين والعلماء والمؤرخين، بوصفها ركائز أساسية فى حجّته للدفاع عن الإيمان بوجود الله. ويستشهد، على سبيل المثال، بالفيلسوف دوجلاس جروثيوس، الذى يذهب إلى أن إحدى الحُجج التى تشير إلى وجود الله هى ألم البشر من غيابه. فمن ناحية، يوجد داخلنا ألم الجوع لكل ما هو سامٍ ومتجاوز للمادة، وعلى الناحية الأخرى الإحساس المؤلم بعدم كفاية كل المباهج الأرضية لإشباع ذلك الجوع، كلّنا نختبر اشتياقًا عميقًا إلى شىءٍ لا يستطيع أن يملأه العالم الطبيعى الحالى؛ شىءٌ متسامٍ مجيدٌ.
ويطرح ستروبل حُجّة أخرى مفادها أن المخلوقات لا تُولَد برغباتٍ إلا إذا كان لها ما يُشبعها. يشعر الوليد بالجوع؛ حسنًا، يوجد شىء اسمه الطعام. فرخ البطّ يريد العوم؛ حسنًا، يوجد شىء اسمه الماء. يشعر البشر بالرغبة الجنسية؛ حسنًا، يوجد شىء اسمه الجنس.
يضيف: إذا وجدتُ فى نفسى رغبةً ولا يوجد فى هذا العالم ما يُشبعها، فالتفسير الأرجح أننى مصنوعٌ لعالمٍ آخر. وإذا لم تستطع أيٌّ من لذّاتى الأرضية أن تُشبعها، فهذا لا يُثبت أن الكون مجرّد أكذوبة؛ ربما لم يُقصد للملذّات الأرضية أن تُشبع هذه الرغبة، بل فقط أن تُثيرها، وتشير إلى الشىء الحقيقى.
وإذا كانت الحجج السابقة قد انطلقت من التجربة الإنسانية الداخلية-من الاشتياق والرغبة والإحساس بالغياب- فإن ستروبل لا يكتفى بهذا المستوى الوجدانى، بل ينتقل خطوة أبعد نحو ميدان العلم والكونيات، باحثًا عن إجابات أكثر صرامة على السؤال ذاته: هل يشير وجود الكون نفسه إلى خالق؟
لغة الفيزياء والعلم تطرح آراءها المنطقية، ففى أحد الفصول، فنّد الكاتب نظرية الانفجار الكونى كما يقدّمها غير المؤمنين بوصفها تفسيرًا لخلق الكون من العدم، مستندًا إلى أدلّة وبراهين فيزيائية وفلسفية من علم الكونيّات المعاصر. وبعد استعراضٍ منهجى لهذه الحجج، يصل إلى خلاصة حاسمة، إذ يقرّ بأن الدليلين العلمى والفلسفى يشيران، بصورة مُقنعة، إلى وجود خالقٍ شخصىٍ للكون. ويختتم الفصل بفتح أفقٍ جديد للنقاش، معلنًا الانتقال إلى تساؤلٍ آخر لا يقل أهمية: قوانين الفيزياء ذاتها، وحدودها الدقيقة؛ فهل ثمة مصداقية للاعتقاد بأنها ضُبطت بعناية لتهيئة بيئة صالحة للحياة البشرية؟ وهل تمثّل هذه القوانين بدورها فئة أخرى من الأدلة التى تشير بالفعل إلى وجود الله؟
ضابط الكون والمصصم الخفى
وإذا كان التساؤل عن أصل الكون قد دفع ستروبل إلى استبعاد الصدفة بوصفها تفسيرًا مقنعًا، فإن الدليل، فى نظره، لا يقتصر على أن للكون بداية، بل يمتد ليشمل الكيفية التى صيغت بها قوانينه، والمستوى المذهل من التنظيم والمعلومات الذى تقوم عليه الحياة.
الدليل هنا يتراكم: كونٌ تحكمه فيزياء مضبوطة على نحو بالغ الدقة، لا يترك مجالًا حقيقيًا للمصادفة، وحياةٌ تقوم على كمٍّ هائل من التنظيم، لا يمكن تفسيره إلا بوجود عقلٍ وراءها. ومن هذا المنطلق، يميّز ستروبل بين مستويين متكاملين من البرهان: فالكون، كما يقول، يتطلب ضابطًا، لأن قوانينه دقيقة تنفى تمامًا ادّعاء نشأته بالصدفة. وكذلك الحمض النووى؛ إذ يكشف علم الوراثة الجزيئى عن أدلّة هى الأكثر إقناعًا على وجود تصميم فى العالم. فالذكاء -والذكاء وحده- هو القادر على تفسير وجود هذه المعلومات الدقيقة فى المادة الوراثية. وعندما يُؤخذ هذا الدليل جنبًا إلى جنب مع الدليل المتعلق بأصل الكون، تصبح حُجّة وجود الله، فى نظره، قوية ومتماسكة على نحو يصعب تجاهله.
لماذا هناك ألم؟
فى كتابه، ينتصر ستروبل للمسيحية باعتبارها الدين الذى اختبره شخصيًا، ويحاول من خلال إثبات وجود الله أن يؤكد صحة إيمانه. لكن الأهم- من وجهة نظرى- هو طرحه لتساؤل مثير للجدل: لماذا يوجد الشر والألم إذا كان هناك إله؟خاصة أن توزيع الألم ودرجته لا يخضعان لأىّّ قانون أو قاعدة، بل يحدُثان عشوائيًّا. فكيف يمكن ذلك مع عدالة الله ومحبته؟
يرى ستروبل أن وجود الشر لا يتناقض مع الإيمان بالله، إذ منح الله البشر إرادة حرّة، وبواسطتها يمكن للإنسان أن يختار الخير أو الشر، وأن يحبّ أو يكره.
لتوضيح الفكرة، يستشهد بمثال: الإنسان الآلى يفتقر إلى الإرادة، لذا لا يُحاسب على أفعاله ولا يمكنه تجربة الحب أو صنع الخير. بالمقابل، البشر الأحرار يمكنهم اختيار الخير أو الشر، وهذا ما يفسر وجود الألم والمعاناة فى العالم، دون أن يكون الله هو مصدرها. فالحرية ضرورية لتجربة القيم العليا مثل المحبة والصلاح، ولو خلق الله عالمًا بلا حرية، لكان بلا بشر حقيقيين، وبالتالى بلا حب حقيقى.
يمكن لإله محبّ أن يسمح بحدوث أشياء رهيبة، مثل المجاعات أو الصعوبات، إذا كانت تؤدى على المدى الطويل إلى نمو الإنسان، واكتساب الخبرة والتعلّم والنضج. كما يوضح ستروبل، حتى أسوأ الأحداث فى التاريخ يمكن أن تؤدى إلى نتائج عظيمة، فالألم جزء من عملية صناعة الأرواح وبناء الشخصية الإنسانية.
أسئلة بلا إجابات نهائية
ورغم كل الحجج والأمثلة التى يعرضها ستروبل، يظل التساؤل الأكبر يلوح فى الأفق: لماذا يسمح الله بالشر والألم؟ هل تكفى الحرية التى منحنا إياها لفهم كل المعاناة، أم أن هناك جانبًا من الغيب يبقى محجوبًا عن عقلنا؟
وبينما نحاول أن نجد معنى للخير فى هذا العالم المعقّد، تظل الحرية، المحبة، والمعاناة متشابكة، كلوحة ضخمة لم تكتمل ألوانها بعد، تدعونا للتأمل والمساءلة، وتبقى الباب مفتوحًا أمام كل قارئ ليتساءل ويبحث عن دوره فى هذا الكون الغامض.
وفى النهاية، يظل السؤال حيًّا فى تفاصيل حياتنا اليومية: كيف نمارس الحرية التى مُنحناها، ونختار الحب، ونتعامل مع الألم والمعاناة لنصنع معنىً للخير فى عالم دائم البحث عن الحقيقة والغاية؟







