الإثنين 09 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

الناشرون لا يشربون الويسكى!.. عن خرافة «لم يفعل الناشر شيئًا لكتابى»

حرف

- نسبة الإرهاق فى مجال النشر مرتفعة والعمليات متعددة والمؤلف لا يصبر

- لا ينبغى للمؤلفين أن يتوقعوا من دور النشر القيام بكل شىء.. إنه كتابك ويجب أن تكون شريكًا فى الترويج له

من واقع خبرتى العملية فى مجال النشر، محررًا للكتب ومديرًا ومستشارًا للنشر فى بعض أهم الدور المصرية والعربية لفترة تجاوزت ربع القرن، لم أجد مؤلفًا راضيًا عن دار النشر التى يتعامل معها، إلا قليلًا، ذلك أن الكاتب يتصور أن دار النشر ليس لديها عمل إلا كتابه، وبالتالى يتوقع الاهتمام الفائق منها به وبكتابه فور تسليمه العمل للدار، بداية يطلب رأى القائمين ويلح فى معرفة رأيهم، وكأنه يجبرهم على القراءة فى الوقت الذى يناسبه هو، ثم يبدأ فى التردد على المكان إذا كان قريبًا، أو يتصل تليفونيًا، ولا يكف عن الاتصال، بعض الكتاب فى العالم العربى تغمرهم الأوهام والتخيلات غير الواقعية، عن مهنة النشر والكتابة، ويتصورونها خلاصًا أو جنة، لا يخامرهم أى شك فى واقعية الأمر، وأنه ربما أحيانًا يساوى بين الرسالة والتجارة، لا تنس أن الناشر يدفع أموالًا لعشرات الجهات، حتى يكون الكتاب متاحًا للجمهور ولك شخصيًا، هذا الناشر، حريص على استرجاع هذه الأموال، أنت أيها الكاتب تفكر بشكل ثقافى بحت، بينما هو يفكر بشكل مزدوج ثقافى- تجارى، فإذا يكن لم واعيًا بظروف العملية الثقافية والقارئ الذى يستهدفه كتابك، سيخسر بذلك أمواله، تفرح أنت بكتابك، وهو يدفع ثمن الفرحة،

البديل لذلك هو النشر الحكومى، إذا لم ترد أن تكون مشاركًا بالصبر والتفهم فى نجاح عملية النشر، وهذا له أحكامه وظروفه التى نعرفها جميعًا، الناشر الخاص، فى مصر تحديدًا، يقوم بنفسه بالعديد من العمليات الخاصة بإنتاج الكتاب، نعم الكتاب منتج، له العديد من عمليات التصنيع، والإعداد والتجهيز، ستحتج على أنه اختار هذه المهنة لأنه يكسب منها، وسوف تشهر فى وجهى مقولة الكاتب صلاح عيسى الشهير: «الناشرون يشربون الويسكى فى جماجم المؤلفين»، وسأرد عليك باأنى كنت أردد الكلام نفسه، حتى فى بداية عملى فى مجال النشر، إلى أن بدأت الأمور تنهار شيئًا فشيئًا، وكان الناشر الكبير محمد رشاد يقول دائمًا: النشر يحتاج إلى مال قارون وصبر أيوب، نعم فى الماضى كان لناشرون يكسبون، كانت وزارة التربية والتعليم لا تزال تقوم بتزويد مكتباتها، وتشترى الكتب من الناشرين، وكذلك كانت تفعل وزارة الشباب لمد مكتبات مراكز الشباب فى المدن والقرى بالكتب، وكذلك أيضًا كانت تفعل الهيئة العامة لقصور الثقافة التى تجدد مكتباتها كل عام، كل ذلك اختفى وأصبح من الماضى، ضمن أشياء أخرى تخص الكتاب والثقافة ليس هنا مجالها، وفى فترة من الفترات، إن كنت تذكر ظهرت مكتبة الأسرة، وبدت كأنها الحل السحرى لمشاكل النشر فى مصر، وذلك أنها كانت تتعاقد مع دور النشر على طباعة كتبهم، وبكميات مرضية للبعض، حتى تنبه للأمر بعض الحيتان، واستولوا عليها وحولوها إلى سبوبة شخصية لهم، وسيطر ناشران كبيران على نصيب الأسد ودمرا بقية الدور الصغيرة، وبعض الدور تم تأسيسها خصيصًا كباب للمكسب من مكتبة الأسرة. 

كاثلين شميدت

على أى حال بدا أن الدولة الرسمية قامت بما عليها، تجاه النشر، سواء بمكتبة الأسرة أو إقامة المعارض للكبار والصغار، حتى جرى حدثان كبيران الأول ثورة يناير ٢٠٢٥، وما رافقها من اضطراب عام، جرى على إثره تسريح الكثير من العاملين فى مجال النشر، وعندما بدأت الأمور فى الاستقرار النسبى، وقعت جائحة كورونا وتم الإغلاق العام، وجرى أيضًا تسريح العاملين من دور النشر، والبعض منها أبقى على عمالة رمزية، انتظارًا لتحسن الأمور، لكن الأمور لم تتحسن، فقد رافق كارثة الكورونا، الصعود المزلزل للدولار فى مواجهة الجنيه المصرى، ووصل سعر طن الورق لما يتجاوز الخمسين ألف جنيه، الأمر الذى دفع بعض الدور إلى طباعة عدد محدود جدًا من أى كتاب، للتمثيل فقط فى المعارض، ووقت المعارض تحديدًا، والأمر يسير من سيئ إلى الأسوأ، فى منطقة تراجع وضعها الاقتصادى كثيرًا، وانتعش إنتاجها الثقافى بشكل مذهل.

لماذا أقول لك هذا الكلام، لا لأطالبك بأن تعمل خادمًا عند كتابك، أو عند دار النشر لا قدر الله، ولا حتى لكى تدفع أموالًا لنشر كتابك، فأنا ضد هذا الأمر على طول الخط، وأرى أنه جريمة ثقافية وأخلاقية، وفى مرة زارتنى كاتبة جزائرية مهمة، وطلبت أن نذهب لدار محددة وقابلتنا المديرة، ونظرت فى الرواية وقالت لمساعدها: شوفها تتكلف كام؟ فنظر فى الكتاب لمدة نصف دقيقة وقال موجهًا كلامه للمؤلفة: ١١ ألف جنيه، الرواية كانت لا تتجاوز المائة وعشرين صفحة فقط، وهناك حكايات مزرية فى هذا السياق، ليس أغربها أن ناشرًا كان ينتظر أن يمر عليه مؤلف بكتاب ليأخد الخمسمائة جنيه، ويذهب للبار، أو لاستقضاء متطلبات السهرة من المكيفات، لا تشغل بالك بهذا الكلام أيها المؤلف النقى، المتجاوز هذا الواقع البائس، واسألنى لماذا أقول لك هذا الكلام؟ أولًا لأن النشر عملية مشتركة بين أطراف متعددة أنت واحد منها، وليس كلها، وإن كنت أهمها، ثانيًا الناشر يعمل فى عشرات الكتب إلى جوار كتابك وليس متفرغًا لك، فكن متفهمًا وشريكًا صبورًا، معينًا وليس موترًا: هناك محرر يعمل على كتابك، هناك من يقرأه ليجيزه للنشر أساسًا، هناك المدقق اللغوى، هناك مصمم الأغلفة، وكل واحد من هؤلاء يأخذ وقته، ويتصور أنه أهم واحد فى سياق هذه الصناعة، مثلك تمامًا، عزيزى المؤلف أنت مهم جدًا، لكن الناشر لا يعمل عندك، وأنت لا تعمل خادمًا عند كتابك، الجميع يصنعون معًا حالة ثقافية مزدهرة فى واقع اقتصادى بائس، واقرأ هذه الشهادة من ثقافة أخرى لتعرف أن الهم عام، شهادة كتبتها: كاثلين شميدت، وهى خبيرة مخضرمة فى صناعة النشر، ومؤلفة كتاب: «أسرار النشر»، ولديها خبرة تتجاوز العقدين فى مجال الدعاية والتسويق وكل ما هو مطلوب تقريبًا لإيصال كتاب إلى السوق، تدير موقع «Publishing Confidential» الذى يسعى إلى تقديم تحليل ورؤية ثاقبة للقضايا التى تواجه صناعة النشر خارج نطاق ما تغطيه المنشورات التجارية ووسائل الإعلام التقليدية، كاثلين؛ كذلك هى المؤسسة والمديرة لشركة كاثلين شميدت للعلاقات العامة، المتخصصة فى العلامات التجارية والعلاقات العامة، والتسويق والاستشارات واستراتيجية الأعمال للمؤلفين والناشرين وبائعى الكتب.

تبدأ كاثرين مقالها الذى نشرته على موقعها بتاريخ الثانى والعشرين من يناير من عام ٢٠٢٢: لا تعنى تجربة النشر السلبية عدم بذل أى جهد فى الكتاب، ربما تم بذل الكثير من الجهد، لكن هذا الجهد غير مرئى، وتضيف: 

هناك الكثير من النقاشات على الإنترنت بين المؤلفين حول تقصير دور النشر فى دعم كتبهم، ينطبق هذا عادةً على التسويق والإعلان، ولكنه قد يمتد أيضًا إلى التحرير، مع وجود العديد من القصص الحقيقية عن دور نشر لم تُنصف المؤلفين، أود التركيز تحديدًا على دور النشر الخمس الكبرى ودور النشر المستقلة الكبيرة، لأنها تبذل جهدًا كبيرًا فى دعم كتبهم، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذا الجهد يبقى غير مرئى.

منذ لحظة اقتناء الكتاب، يبدأ العمل عليه، تبدأ العملية بمذكرات الاقتناء، وجداول الإنتاج، وإدخال البيانات الوصفية لتزويد تجار التجزئة بمعلومات الكتاب، وغير ذلك، فور أن يُسلّم المؤلف مخطوطته، تبدأ عملية التحرير، وأحيانًا يكتب المحررون جزءًا من الكتاب «لا يُذكر هذا صراحةً، ولكنه يحدث، ولا يحصل المحررون على أجر إضافى مقابل ذلك»، بعد اكتمال عملية التحرير «التى تستغرق وقتًا»، تخضع المخطوطة للتدقيق اللغوى، والتنضيد، والتنسيق، وغيرها من الخطوات، هنا يأتى دور الإنتاج، يُعدّ العاملون فى الإنتاج أبطالًا مجهولين فى عالم النشر، وظائفهم مُرهقة، يرغب الناشرون فى إنجاز الأمور بسرعة، قد يُواجه فريق الإنتاج صعوبة فى مواكبة ذلك، لكنهم يُنجزون العمل على أكمل وجه، أنا دائمًا مُعجبة بهم.

خلال المراحل المذكورة أعلاه، يعمل قسم التصميم الفنى على غلاف الكتاب، ويعرض نسخًا منه على المحررين والناشرين والمسوقين ومندوبى المبيعات والمسئولين الإعلاميين، بعض الناشرين يتقبلون الكثير من الملاحظات على الغلاف، وبعضهم الآخر لا، سبق لى أن حصلت على كتاب وكانت لدىّ فكرة محددة لغلافه، لكننى خسرت معركتى مع الناشر، ما زلت أعتقد أن الكتاب كان سيحقق مبيعات أفضل لو كان الغلاف الذى فكرت به، ما أقصده هنا هو أن الناشرين أكثر ميلًا لتغيير الغلاف إذا كان لدى أحد المتاجر مشكلة كبيرة معه «مرحبًا وول مارت- لمن يعرف»، لأنهم يريدون أن يحصل المتجر على نسخ كثيرة.

يُعقد أيضًا مؤتمر مبيعات، حيث يعرض الناشرون وأعضاء مختارون من فريقهم عناوين الكتب لفريق المبيعات، يتطلب إعداد عروض تقديمية لهذا المؤتمر الكثير من التحضير، قبل سنوات، كُلفتُ بكتابة نصوص عروض مؤتمرات المبيعات لمديرى، ولاحقًا، كررتُ الأمر نفسه كنائب رئيس قسم العلاقات العامة، كان الأمر أشبه بالاستعداد المكثف للامتحانات، بعد مؤتمر المبيعات، تُعقد اجتماعات لمناقشة ملاحظات فريق المبيعات، قد ينتج عن ذلك تغيير غلاف كتاب، أو زيادة جهود الدعاية والتسويق، أو إرسال مؤلف فى جولة ترويجية، وغير ذلك، إذا لم تكن هناك حماسة كافية لكتاب ما، فهذا هو الوقت المناسب لإيجاد طريقة لتغيير مساره حتى لا يضيع وسط الزحام.

خلال كل ما سبق، تقوم أقسام التسويق والإعلان بتوزيع الكتب على الموظفين، وتخصيص الميزانيات لها «لقد عملتُ فى هذا المجال لسنوات عديدة، ورغم أننى بارعة فى خفض الميزانيات، فإن ذلك ليس بالأمر السهل»، وتحديد عدد نسخ المراجعة المسبقة والكتب الجاهزة المطلوبة، ومراجعة جداول الإنتاج لتحديد ما سيصل وموعد وصوله، إذا لاحظ مدير الإعلان ضيقًا فى جدول الإنتاج، فقد يقترح تغيير تاريخ نشر أحد الكتب، على سبيل المثال: كنتُ غالبًا ما أشير إلى أن الكتاب «أ» مشابه جدًا للكتاب «ب»، لذا نحتاج إلى زيادة الفاصل الزمنى بين تاريخى النشر، عادةً ما كان الناشرون يستجيبون، ما لم يكن هناك سبب وجيه للإبقاء على تاريخ النشر كما هو.

كثيرًا ما أشير إلى العمل غير المرئى الذى يقوم به مسئولو العلاقات العامة والتسويق، من المهم أن يفهم الناس ما يعنيه ذلك: البحث عن جهات الاتصال، وإنشاء قوائم وسائل الإعلام، وكتابة المواد الصحفية، وإرسال الرسائل البريدية، والتواصل مع المؤثرين، وعرض الأفكار على وسائل الإعلام «وهو أمر يستغرق وقتًا طويلًا إن لم يتم استخدام حملات البريد الإلكترونى الجماعية»، ومتابعة وسائل الإعلام، وإنشاء المحتوى الرقمى، وحجز الحملات الإعلانية، وتصميم الإعلانات، وحضور الاجتماعات، وإبقاء الوكلاء والمحررين على اطلاع، والتواصل مع المؤلفين، هناك الكثير غير ذلك، لكن أعتقد أن الفكرة واضحة.

تخيّل أن تُضطر للقيام بكل ما ذكرته هنا لعدة كتب فى آنٍ واحد، دون وجود فريق عمل كافٍ، هذا سيناريو شائع، ولهذا السبب أيضًا، كمؤلف، قد تشعر وكأنك لم تُنجز شيئًا، ربما لا يبادر وكيلك الإعلامى بالتواصل معك بالقدر الكافى، أو لا يردّ على رسائلك الإلكترونية بسرعة، أنا نفسى فعلت ذلك، ولكن ليس لأننى أستمتع بوقتى على متن يخت، بل لأننى مُنهمكٌة فى عرض أفكارى، وتوقيع عقود مع عملاء جدد، والعديد من الأمور الأخرى التى أقوم بها، أحيانًا يكون هناك حاجة مُلحة لإصدار كتاب، ويتعيّن على الوكلاء الإعلاميين التخلى عن كل شىء آخر للعمل عليه «أقصد هنا الوكلاء الإعلاميين العاملين داخل الشركات»، صدّقنى، جميعنا نفكّر فى كل كتاب نعمل عليه، ولا أحد يُريد أن يفشل كتابه، لذا، لا عجب أن تكون نسبة الإرهاق فى مجال النشر مرتفعة.

النشر ليس مثاليًا، لكن هناك أشخاصًا طيبين يعملون فى هذا المجال، وبينما يكون انتقاد هذا القطاع مبررًا فى بعض الأحيان، إلا أن التسامح مطلوب أيضًا، الجميع يبذل قصارى جهده، أود أيضًا أن أقول إنه لا ينبغى للمؤلفين أن يتوقعوا من دور النشر القيام بكل شىء، إنه كتابك، ويجب أن تكون شريكًا فى الترويج له، صحيح أن دور النشر أحيانًا لا تكون شفافة بالقدر الكافى فى تقديم المعلومات، وأنا أنتقد ذلك، مع ذلك، هذا لا يعنى أننى أعتقد أن الجميع يجلسون مكتوفى الأيدى. فى الواقع، أتذكر فترات عملت فيها ٣٠ يومًا متواصلة «نعم، حتى فى عطلات نهاية الأسبوع» دون انقطاع، هذا ليس استعراضًا للقوة؛ إنما هى طريقتى فى القول إن أعباء العمل فى مجال النشر تُرهق الناس، وهذا أحد الأسباب العديدة التى تدفعهم لترك وظائفهم الداخلية «سبب آخر هو إجبارهم على تركها، لكن هذا موضوع آخر»، لقد كنت أعمل فى كل عطلة نهاية أسبوع هذا الشهر حتى الآن، لكن على الأقل أنا أعمل لحسابى الخاص، ومع ذلك، أشعر بالتعاطف مع زملائى فى مجال النشر الذين يعانون ضغط العمل الزائد.

سأختم بالقول إن صناعة النشر صناعة كبيرة وصغيرة فى آن واحد، جميعنا نتواصل مع بعضنا البعض، ونعرف مَن هو المخطئ ومَن هو الملتزم، حافظ على التزامك، وتذكر أنه لو لم يبذل الناشر أى جهد يُذكر فى سبيل كتابك، لما كان متاحًا للشراء.