الجمعة 24 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

المخلّص.. وعدٌ مؤجَّل أم وهمٌ مستمر؟

حرف

- كل دين لا يكتفى بتبنى فكرة المخلص بل يعيد تشكيلها بحيث تعكس رؤيته للعالم

- تتعدد صور المخلص فى الأديان والأساطير القديمة بينما يبقى البناء واحدًا: انتظار ثم ظهور ثم لحظة يُعاد فيها التوازن

- يتحول الخلاص فى بنية العقيدة من أفق إنسانى عام إلى وعد يخص جماعة بعينها مرتبط بتاريخها وذاكرتها ولا يتجاوزها

- يظهر «المهدى» فى التراث الإسلامى كسلسلة من الروايات التى تتجاور وتختلف دون أن تنصهر فى بناء واحد

دعنا نتفق أن فكرة النهاية لا تُقلق الإنسان بقدر ما يُقلقه شكلها. ليس السؤال متى تنتهى الأشياء؟ إنما كيف تنتهى؟ وهل يمكن أن يُغلق هذا العالم صفحته دون أن يُعاد فيه ترتيب ما اختلّ؟

فى أكثر من تصور دينى، لا تأتى النهاية وحدها، إنما يسبقها حضور كثيف لفكرة «المخلّص»، كأن العالم، وهو يقترب من نهايته، يحتاج إلى من يعبر به من الفوضى إلى العدل. تتغير الأسماء، وتختلف التفاصيل، لكن الإيقاع يكاد يكون واحدًا: انتظار، ثم ظهور، ثم زمن يُستعاد فيه التوازن، قبل أن تكتمل الصورة.

غير أن ما يلفت الانتباه هنا لا يتعلق بتكرار الفكرة فى حد ذاتها، بقدر ما يرتبط بثبات بنيتها. فـ«المخلّص» لا يظهر بوصفه تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه، إنما كعنصر يكاد يكون ضروريًا داخل تصور النهاية، كأن الحكاية لا تُغلق إلا بعد أن تمر عبر هذه اللحظة.

هذا الثبات، رغم اختلاف البيئات والعقائد، يفتح مسارًا آخر للفهم. إذ لا يبدو الأمر وكأنه مجرد تلاقٍ عابر بين تصورات متباعدة، إنما أقرب إلى حاجة تتشكل بنفس الطريقة، وتجد لنفسها تعبيرات متعددة، دون أن تفقد ملامحها الأساسية.

وعند الاقتراب أكثر، لا تقف المسألة عند حدود الفكرة، لكنها تمتد إلى ما تصنعه داخل الواقع نفسه. ففكرة «المخلّص» لم تبقَ حبيسة التصورات الدينية، وإنما وجدت طريقها إلى المجال السياسى، حيث تُستدعى فى لحظات بعينها، وتُقدَّم بوصفها أفقًا مفتوحًا يعوّض ما تعجز اللحظة الراهنة عن تحقيقه.

فى هذه اللحظات، لا تُطرح الفكرة كتصور غيبى فقط، إنما كأداة قادرة على إعادة ترتيب المشهد، أو على الأقل منحه معنى يمكن احتماله. كأن الانتظار لا يعمل فى الوعى الفردى وحده، إنما يمتد ليصوغ حالة جماعية، تتماسك حول وعد مؤجل، يمنح الحاضر قدرًا من التفسير، أو التبرير أحيانًا.. ومن ثم، لا تعود النهاية حدثًا بعيدًا، لكنها تدخل فى حسابات الواقع نفسه، وتتحول إلى عنصر فاعل فى طريقة قراءته. هنا، لا يكون السؤال متعلقًا بما سيحدث فى النهاية، بقدر ما يتصل بما تفعله هذه الفكرة قبل أن تحدث: كيف تُستخدم؟ ومتى تُستدعى؟ ولماذا تحضر بقوة فى لحظات بعينها دون غيرها؟

المخلص فى الوعى الإنسانى.. لماذا تظهر الفكرة بهذا الاتساع؟

لا يبدو حضور فكرة «المخلّص المنتظر» مرتبطًا بسياق واحد يمكن حصره، ولا بدين بعينه يمكن ردّه إليه. فهو يظهر فى أكثر من بناء دينى، ويمتد إلى معتقدات متباعدة فى أصلها، حتى تلك التى لا تقوم على فكرة النبوة أو الوحى. هذا الامتداد لا يجعله مجرد تفصيلة مشتركة، بل يضعه فى موضع يثير التساؤل حول طبيعته نفسها.

فقد تأسست كل المفاهيم الدينية على مفهوم الخلاص المنتظر، والتى لا تقتصر بالضرورة على البعد الأخروى. فالعالم الآخر فى عدد من التصورات يُنظر إليه كامتداد للحياة ولكن الخلاص المقصود هنا هو الخلاص الدنيوى، نهاية آلام وأوجاع معتنقى هذا الدين، أى دين. ومن ثم، تعتمد بنية الدين على تقديم رؤية مختلفة للواقع، تسمح للمؤمنين بتعليق آمالهم على هذا التصور. حيث يرتبط أغلب الديانات الكبرى بفكرة وجود موعود من سلالة مختارة إلهيًا، يأتى ليضع حدًا للعذاب ويقيم حالة من العدل فى العالم.

فى الديانات الإبراهيمية، تأخذ الفكرة صورًا معروفة؛ يظهر فى اليهودية تصور «المسيّا»، وفى المسيحية يرتبط الأمر بعودة المسيح، بينما يتشكل فى الإسلام تصور «المهدى». ورغم تباين الخلفيات اللاهوتية، يظل البناء العام متقاربًا: انتظار، يعقبه ظهور، ثم لحظة يُعاد فيها ضبط ما اختلّ.

غير أن الفكرة لا تقف عند حدود هذه الأديان السماوية. فى الديانة الهندوسية، يظهر «كالكى» بوصفه التجسد الأخير للإله فيشنو، الذى سيأتى فى نهاية دورة الزمن ليقضى على الفساد ويعيد النظام. وفى البوذية، لا يتوقف الأمر عند شخصية غوتاما بوذا بوصفه مصلحًا تاريخيًا، بل يمتد إلى تصور «ميتريا» بوذا المستقبلى، الذى سيظهر حين تضعف التعاليم ليعيدها من جديد. وفى الزرادشتية، يظهر «ساوشيانت» الذى يقود المواجهة النهائية بين الخير والشر، وينتهى بانتصار كامل يعيد العالم إلى نقائه.

حتى فى الأساطير القديمة، تتكرر الفكرة بصيغ أخرى. فى الميثولوجيا الاسكندنافية، لا تُروى نهاية العالم «راجناروك» بوصفها فناءً مطلقًا، بل تمر عبر صراع أخير يعقبه تجدد للعالم. وفى بعض المرويات الصينية، يظهر تصور عن «الملك العادل» الذى يعود ليعيد الانسجام حين يختل النظام الكونى. حتى فى حضارات أمريكا الوسطى، مثل الأزتيك والمايا، ارتبطت نهاية الدورات الزمنية بعودة كيان أو قوة تعيد التوازن.

هذا التعدد لا يلغى التشابه، ولكن يضعه فى موضع أوضح. ففى كل مرة، لا تُترك النهاية فى صورتها المجردة، إنما تمر عبر لحظة فاصلة، يظهر فيها «منقذ» أو «مُصلح» أو حتى «قوة حاسمة» تعيد ترتيب العالم قبل أن يكتمل مشهده الأخير. الاختلاف يقع فى اللغة والأسطورة، أما البناء فيظل متقاربًا.

هنا، لا يظل حضور المخلص مقصورًا على النصوص، ويمتد إلى طريقة فهم الزمن نفسه. ففى هذه التصورات، لا يتحرك العالم نحو نهاية صامتة، إنما يمر عبر ذروة، لحظة تتكثف فيها الأحداث، ويظهر فيها هذا العنصر الذى يعيد تشكيل المسار. كأن النهاية، فى أكثر من ثقافة، تحتاج إلى وسيط يعبر بها من الفوضى إلى النظام.

كما لا يبدو هذا الامتداد مجرد صدفة، ولا يمكن تفسيره بسهولة عبر انتقال مباشر بين الأديان. فالفكرة تظهر فى سياقات لم تنشأ معًا، وتحتفظ رغم ذلك بنفس موقعها تقريبًا. وهو ما يجعلها أقرب إلى نمط يتكرر، لا إلى تصور منفرد داخل عقيدة بعينها.

ومن ثم، لا يعود السؤال متعلقًا بوجود الفكرة، بقدر ما يتجه إلى سبب هذا الامتداد. لماذا تتكرر فى أديان لم تلتقِ فى نشأتها؟ ولماذا تحتفظ بنفس البناء رغم اختلاف العقائد؟ وهل نحن أمام عقيدة تشكلت داخل الأديان، أم أمام تصور أوسع، وجد طريقه إليها؛ لأنه يعبر عن حاجة تتكرر كلما طُرحت النهاية بوصفها لحظة غير مكتملة؟

من التصور إلى العقيدة.. كيف يتحول إلى بناء ثابت؟

إذا كانت فكرة «المخلّص» قد ظهرت بهذا الاتساع، وعبرت بين أديان وثقافات مختلفة دون أن تفقد بنيتها الأساسية، فإنها لا تبقى فى هذه الحالة المفتوحة طويلًا. لا تظل مجرد تصور عام عن لحظة خلاص، ولا تكتفى بأن تكون إحساسًا مرنًا يمكن لكل سياق أن يعيد تشكيله بطريقته. سرعان ما تبدأ فى اكتساب ملامح أكثر تحديدًا، كأنها تنتقل تدريجيًا من كونها فكرة قابلة للتخيل... إلى عقيدة مغلقة و بناء يمكن الإيمان به.

فى هذه اللحظة تحديدًا، يحدث التحول. فالدين لا يتعاطى مع الفكرة بوصفها احتمالًا مفتوحًا، إنما يمنحها شكلًا واضحًا، يخرجها من المساحة الواسعة إلى نطاق أكثر تحديدًا. لا يعود «المخلّص» مجرد تصور عن شخص سيأتى، يصبح له اسم، ونسب، ودور محدد، وزمن للظهور مع إشارات تمهّد لهذا الحضور. ومع هذا التشكّل، تغادر السردية حالتها المفتوحة، وتستقر داخل تصور أقرب إلى الاكتمال.

فى اليهودية، لم يبق «المسيّا» وعدًا غامضًا، فقد انغلق داخل تصور قومى محدد، يرتبط بشعب بعينه، وبسلالة داودية واضحة، وبمهمة سياسية ودينية تتعلق بإعادة الملك وبناء الهيكل. يأخذ الخلاص طابعًا خاصًا له حدود، وله هوية، وله وظيفة محددة داخل تاريخ بعينه.. يتحول الخلاص من أفق إنسانى عام إلى وعد يخص جماعة بعينها، مرتبط بتاريخها وذاكرتها، لا يتجاوزها. 

ويأخذ هذا الانغلاق مسارًا مختلفًا فى المسيحية. إذ لا يُترك تصور الخلاص مفتوحًا لظهور شخصية جديدة، يُعاد ربطه بشخص واحد بعينه: المسيح نفسه. لا تتعدد الصور هنا أو تُعاد صياغتها فى أكثر من احتمال، بل تُحسم فى «عودة» لا فى «قدوم». لم يعد الانتظار متعلقًا بمن سيأتى، بل بمن سيعود، وبذلك تُغلق الدائرة، ويُربط الخلاص بنقطة واحدة محددة فى التاريخ، لا تقبل التكرار ولا التبديل. حيث يُختزل المعنى كله فى شخصية واحدة، فلا يُسمح بتعدد الصور أو تكرار التجربة.

أما فى الإسلام، فتبدو الفكرة فى ظاهرها أكثر مرونة، لكنها سرعان ما تدخل فى مسار مشابه من التحديد. «المهدى» يتحول إلى شخصية لها نسب معروف، وملامح محددة، وسيناريو ظهور تفصيلى فى كثير من الروايات. ومع الاختلاف بين التصور السنى والشيعى، إلا أن الاتجاه العام واحد: تثبيت الفكرة داخل بناء يمكن التعرف عليه، بيد أن المذهب الشيعى يذهب أبعد من ذلك، حيث يجعل منها عقيدة قائمة على «الغياب» نفسه، فيصبح المخلّص حاضرًا بوصفه غائبًا، ومعروفًا رغم عدم ظهوره، وهو شكل خاص من الإغلاق، لا يقوم على الظهور.. بل على تثبيت الغياب ذاته.

ولا يختلف الأمر كثيرًا خارج الأديان السماوية. ففى الهندوسية، تجاوز «كالكى» كونه مجرد رمز لنهاية الفساد، وأُدرج داخل نظام كونى دقيق، كآخر تجليات الإله فيشنو، مرتبط بزمن محدد داخل دورة كونية مغلقة، لا يخرج عنها. الفكرة هنا تخطت حدود الاحتمالات، وأضحت جزءًا من نظام زمنى محسوب، له بداية ونهاية.

وفى البوذية، يتشكل «ميتريا» كأمل له ملامح واضحة، يتخذ موقعه داخل تصور دورى للتاريخ الدينى، حيث يظهر حين تندثر التعاليم، فى توقيت محدد ضمن دورة متكررة. ليحدث الخلاص وفق نظام محسوب يحدد متى يظهر «المنقذ»، ولماذا، وفى أى سياق.

اللافت هنا أن هذا التحول، رغم اختلاف صوره، يسير فى اتجاه واحد تقريبًا. فالفكرة تبدأ مفتوحة، ثم تميل إلى التحديد، تبدأ كإحساس عام، ثم تتحول إلى يقين، تبدأ كاحتمال، ثم تستقر داخل نص. كأن العقل لا يكتفى بوجود الفكرة فى صورتها المرنة، وإنما يسعى إلى تثبيتها، وإعطائها شكلًا يمكن الإمساك به.

وسط زخم تلك المسارات، يبدأ دور الدين فى الظهور بشكل أوضح، فهو لا يبتكر «المخلّص» من فراغ، بقدر ما يعيد تنظيمه داخل بناء أكثر تحديدًا. يمنحه اسمًا، ويضع له نسبًا، ويحدد له زمنًا، ويصوغ له دورًا، فيتحول من فكرة يمكن تخيلها.. إلى عقيدة يمكن الدفاع عنها. بحيث تصبح غير قابلة للتغيير، وتدخل ضمن منظومة أوسع، تُدافع عنها النصوص، وبعاد تشكيلها عبر التفسير، وتُربط بسياق إيمانى لا يسمح لها بالعودة إلى حالتها الأولى.

مع هذا التثبيت، يتبدل موقع المخلص نفسه من سؤال حول نهاية الظلم، ليغدو جزءًا من بنية الإيمان. ويغادر الانتظار حالته المفتوحة، ليتحول إلى يقين مرتبط بنص، وإلى وعد له شروط وعلامات، وإلى تصور يُعاد إنتاجه جيلًا بعد جيل.

ورغم هذا التباعد فى الصور، فإن القاسم المشترك يظل واضحًا: أن العالم، فى هذه التصورات، لا يُترك ليستمر فى اختلاله. لا بد من لحظة فاصلة، يظهر فيها عنصر يعيد التوازن بينما تتبدل دلالته من سياق لآخر، ففى اليهودية.. هو استعادة ما فُقد. وفى المسيحية.. اكتمال ما بدأ وفى الإسلام.. إصلاح ما اختلّ قبل النهاية، وفى الهندوسية ضرورة داخل دورة الزمن، وفى البوذية إعادة إحياء لما اندثر.

لذلك لا تبدو فكرة «المخلّص» واحدة بقدر ما هى مرآة. كل دين لا يكتفى بتبنيها، بل يعيد تشكيلها بحيث تعكس رؤيته للعالم: هل الزمن خط مستقيم؟ أم دائرة؟ هل الخلاص حدث قادم؟ أم استعادة؟ أم اكتمال؟

ربما لا يكون السؤال الأقرب هنا بعد أن أصبحت الفكرة أكثر وضوحًا وأشد تماسكًا: لماذا توجد الفكرة؟

بل: كيف تحولت، بكل هذا التنوع، إلى عقائد مغلقة لا تقبل هذا التعدد؟

فى المنظور الإسلامى.. فكرة واحدة وصور لا تستقر 

على الرغم من ميل سرديات «المخلّص» داخل الأديان إلى التماسك، فإنها داخل التراث الإسلامى لا تستقر على هذا النحو، إذ لا يظهر «المهدى» بوصفه بناءً واحدًا يمكن الإمساك به، وإنما كسلسلة من الصور التى تتجاور، وتتعارض أحيانًا، دون أن تنصهر فى بناء واحد.

تتشكل صورة «المهدى» فى المجال السُّنّى عبر روايات متفرقة، فى سنن أبى داود، والترمذى، ومسند أحمد بن حنبل، تتقاطع عند ملامح عامة: رجل من أهل البيت، يوافق اسمه اسم النبى، يظهر فى زمن الفتن، ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا. غير أن هذه الملامح لا تتجمع فى صورة واحدة محكمة، إذ تختلف الروايات فى تفاصيل أساسية: اسم الأب، مدة الحكم، ترتيب الأحداث، وطبيعة المرحلة التى يخرج فيها. هذا التفاوت لا يظل على مستوى الرواية فقط، وإنما يمتد إلى طريقة تلقيها.

يتوقف ابن خلدون عند هذه المادة الحديثية فى «المقدمة» وقفة نقدية مفصلة، لا تنفى الفكرة ابتداءً، لكنها تُخضعها لميزان الصناعة الحديثية. يتتبع الأسانيد واحدًا تلو الآخر، ويشير إلى علل متكررة: إرسال، وانقطاع، وضعف فى بعض الرواة، واضطراب فى المتون، بل وتعارض بين الأخبار نفسها.

ويخلص فى النهاية إلى أن أحاديث المهدى لم تسلم من النقد، وأن القليل الذى يمكن تحسينه لا يكفى لبناء تصور تفصيلى مغلق. هذه النتيجة لا تُسقط الفكرة، لكنها تنقلها من دائرة «المعطى المحسوم» إلى «المادة المختلف عليها»، وهو فارق يحدد موقعها داخل الوعى السُّنّى: حضورٌ عبر الرواية، لا تأسيسٌ للعقيدة.

ويُضاف إلى ذلك أن هذا الاتجاه النقدى لم يتوقف عند هذه اللحظة، بل امتد فى قراءات لاحقة رأت أن هذه الأخبار لا ترقى إلى مستوى التأسيس العقدى؛ فقد ألّف الشيخ السلفى عبدالله بن زيد آل محمود، رئيس المحاكم الشرعية فى قطر، رسالة مهمة فى نفى وجود المهدىّ بعنوان «لا مهدىَّ يُنتظر بعد الرسول خير البشر»، وتكمن أهمية هذه الرسالة فى أنها صادرة من أحد فقهاء السلفية الكبار المهتمين بعلم الحديث وتتبُّع الأخبار. واستدل فيها على أن هذه المسألة ليست من عقائد أهل السُّنَّة ولم تكُن مسألة مثارة فى عهد الصحابة والتابعين ولم تأتِ على لسان أحد منهم، وأن الأحاديث الواردة كلها ضعيفة، ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، بل مجروحة وضعيفة. وقال إنّه حتى ابن تيمية- المهتمّ جدًّا بالجانب العَقَدِىّ- لم يذكر المهدىّ فى أى كتاب من كتبه العَقَدِيّة. 

وعلى مقربة من هذا الاتجاه، ظهرت قراءات أخرى- كما عند محمد عبده، وتلميذه محمد رشيد رضا- ترد الفكرة إلى أصول تفسيرية أقدم، وتضعها فى سياق الإسرائيليات التى تسربت إلى بعض الروايات، كذلك أشار الشيخ على جمعة إلى أن الاعتقاد بالمهدى ليس من معهود العقيدة السُّنية، وأن تعدد من ادّعوا هذه الصفة يكشف هشاشة الصورة حين تنتقل من النص إلى الواقع.

ولا يقف التباين عند حدود السند والمتن، بل يمتد إلى موقع الفكرة داخل البناء. ففى المجال السُّنّى، لا يتحول «المهدى» إلى أصل تُبنى عليه العقيدة، ولا يُفرد له باب فى أركان الإيمان، حيث يظل جزءًا من سرد أوسع لأشراط الساعة، يمكن استدعاؤه دون أن يُلزم، ويُقبل دون أن يُحسم، وهو ما يفسر استمرار الجدل حوله عبر القرون دون أن ينتهى إلى صيغة واحدة.

أما داخل التصور الشيعى الإمامى، فإن المسار يتغير من الأساس. تنتقل الفكرة من حدود الرواية، إلى مركز البناء العقدى. يُحدَّد «المهدى» بوصفه الإمام الثانى عشر محمد بن الحسن المهدى، الذى وُلد فى القرن الثالث الهجرى، ثم دخل فى «الغيبة الكبرى»، وفق ما ترويه مصادر مثل «الكافى». هنا لا نتعامل مع ملامح عامة أو أخبار متفرقة، لكن مع شخصية محددة، بتاريخ ونسب وسلسلة إمامية متصلة، يتحول معها «المهدى» من احتمال يُنتظر إلى وجودٍ مُثبَتٍ غائب. حيث تقرأ الغيبة بوصفها صيغة حضور ممتد، يُعاد من خلالها تفسير الواقع، وتُبنى عليها تصورات الشرعية والقيادة، وهو ما يفتح مساحة أوسع للتوقف عند معنى هذا الغياب داخل التصور الشيعى فى موضع لاحق.

غير أن هذا التحديد لا يشمل كل التيارات الشيعية. فالزيدية، مثلًا، لا تقول بإمام غائب ممتد عبر القرون، ولا تربط الخلاص بشخص واحد مؤجل، وترى أن الإمامة يمكن أن تنهض فى كل عصر عبر من تتوفر فيه شروطها، وأن العدل يُمارس داخل التاريخ ولا يُعلّق على غيبة. فى هذا الأفق، تذوب فكرة «المهدى» فى تصور أوسع للإصلاح المتجدد، فتتحرك داخل الزمن بدلًا من أن تُعلّق عليه.

لا يعود «المهدى» فكرة واحدة اختلفت تفاصيلها، بل حقلًا تتجاور داخله صيغ متعددة: فى صيغة، خبر حديثى تتنازعه الأسانيد وفى أخرى، عقيدة تُؤسِّس لبنية كاملة وفى ثالثة، تصور للإصلاح لا يتقيد باسم ولا بغيبة.

هذا التعدد لا يبدو عرضيًا، بل يكشف مسار تشكّل تدريجى، حيث تتداخل الرواية مع التاريخ، ويُعاد إنتاج المعنى بحسب الموقع الذى توضع فيه الفكرة: داخل النص، أو فى مركز العقيدة، أو فى حركة الواقع. ومن ثم لا يُطرح السؤال عن «المهدى» بوصفه حقيقة واحدة يمكن تثبيتها أو نفيها، بل بوصفه فكرة تتغير بتغير موقعها.

«الإمام الغائب».. آلية البقاء والتوظيف السياسى

يتمركز تصور «المهدى» داخل الإطار الشيعى حول غياب المنتظر، إذ لا يظهر بوصفه حضورًا مباشرًا، وإنما كوجود يستمر عبر أثره. إذ لم تعد تقوم على ظهور «المخلّص»، بقدر ما استقرت على غيابه، كأن الغياب هنا لا يأتى كتعطّل فى المسار، وإنما كإعادة صياغة له على النحو الذى يمنحها قدرة على الاستمرار، وقابلية لإعادة التوظيف داخل الزمن.

تبدأ هذه الصياغة من لحظة تبدو، فى ظاهرها، لحظة انقطاع: وفاة الحسن العسكرى دون إعلان عن إمام ظاهر، وهى لحظة كان يمكن أن تُنهى الفكرة أو تدفعها إلى التفتت، لكنها سلكت مسارًا آخر، إذ لم يُقبل بانقطاع السلسلة، وفى الوقت نفسه لم يظهر امتدادها بشكل مباشر، فاستقر التصور على وجود ابن، هو محمد بن الحسن المهدى، دون أن يكون حاضرًا فى المجال المرئى، وهنا تحديدًا لا يتوقف الأمر عند «إثبات وجود»، بقدر ما يبدأ تحول أعمق: تحويل الغياب نفسه إلى صيغة مستقرة للوجود. 

لم يكن وجود ابن للحسن العسكرى أمرًا محسومًا فى لحظته، فقد دار حول خلاف، داخل بعض الدوائر الشيعية المبكرة، حيث لم يُعرف له ولد ظاهر، ولم تُجمع الروايات على إثبات هذا الامتداد بشكل قاطع. وفى داخل هذه المساحة غير المحسومة، لم تختفِ الفكرة، لكنها لم تستطع أن تستمر بصيغتها القديمة، فكان لا بد من إعادة تعريفها. 

فى هذا التحول، لا يعود الغياب نقصًا يحتاج إلى تفسير، وإنما يصبح هو التفسير، إذ لا يُفهم الإمام بوصفه غائبًا عن عن الظهور لا الوجود، وهو فارق دقيق لكنه حاسم، لأنه ينقل الفكرة من مستوى يمكن التحقق منه، إلى مستوى لا يمكن إخضاعه للتجربة. فالإمام لا يظهر كى يُقاس، ولا يتحرك كى يُحاكم، ولا يدخل فى صراع يمكن أن يُهزم فيه، ومن ثم تُرفع الفكرة من المجال الذى يهددها بطبيعته وهو الواقع و تتحرر الفكرة من أخطر ما يمكن أن يهددها: التجربة. 

العمق الحقيقى لفكرة الغيبة، لا يتعلق بإخفاء الإمام، وإنما بإخراج الفكرة كلها من منطق الاختبار. فكل فكرة تدخل فى الواقع، تُعرّض نفسها لاحتمالات النجاح والفشل، أما تلك التى تبقى خارجه، فإنها تتحرر من هذه الثنائية بالكامل. لا يمكن تكذيبها، لأنها لم تُعرض على التجربة، أو إثباتها بالمعنى الحسى، لأنها لا تتحرك داخل شروط الواقع، ومن ثم تبقى معلقة، لكن هذه المرة ليس لكونها ضعيفة، وإنما بوصفها محصّنة.

ويمتد المسار إلى علاقة الفكرة بالزمن نفسه. ففى التصورات العادية، يعمل الزمن ضد الحالات المؤجلة، كل تأخير يضعفها، ويقربها من السقوط، أما هنا، فإن الزمن يُعاد إدخاله فى البناء وبالتالى فإن كل تأخير فى الظهور لا يُفهم كإخفاق، بل كجزء من النظام نفسه: الظهور مشروط، مؤجل، مرتبط بلحظة لم تكتمل بعد. وبذلك، لا يعمل الزمن كعامل ضغط، و يتحول إلى آلية دعم، يمد الفكرة بالاستمرار بدلًا من أن يستنزفها. 

من هذه الزاوية، لا يكون «الانتظار» حالة سلبية، إذ يصبح جزءًا من البنية. ينتظر المؤمن لأن الانتظار نفسه داخل فى منطق الفكرة، وبالتالى يتغير موقعها داخل الوعى: لم تعد حدثًا سيقع، إنما إطار يُفهم من خلاله الواقع، ويُعاد تفسيره فى ضوئه. 

ومع ذلك لا يمكن فصل التحول عن السياق الظرفى والتاريخى الذى تشكل فيه. ففى أواخر العصر العباسى، كانت السلطة تراقب البيت العلوى عن قرب، وتتعامل مع فكرة «الإمام» بوصفها مصدر تهديد سياسى مباشرًا. فى هذا المناخ، لم يكن ظهور إمام معلن ممكنًا دون أن يتحول إلى نقطة صدام. 

لذلك لا يمكن تجاهل قراءة ترى أن الغيبة لم تكن فقط تطورًا عقديًا، وجاءت أيضًا كصيغة سمحت للفكرة بالبقاء داخل واقع لا يسمح لها بالظهور. لم يعد الإمام حاضرًا يمكن ملاحقته، ولا غائبًا يمكن إنكاره، وإنما مؤجل، خارج متناول السلطة، وخارج مجال الصراع. هنا تحديدًا تقاطع المستويان إشكال الامتداد وضغط الواقع السياسى فنتج عنهما حل واحد هو: الغياب. 

غير أن هذا الغياب لم ينهِ دور الفكرة، بل أعاد تشكيله. فبعد أن كانت مرتبطة بحضور يقود الفعل، أصبحت متعلقة بغياب يمنع انهيارها، ويحررها من كلفة الاختبار. لم تعد تدخل السياسة مباشرة، لكنها أيضًا لم تخرج منها، ظلت فى موقع يسمح لها بالبقاء دون أن تُحسم.

ومن هنا يبدأ الوجه الآخر لهذا التحول. فالحصانة التى منحها الغياب للفكرة لم تُبقها معزولة، جعلتها أكثر قابلية للحضور. لم تعد مشروعًا سياسيًا مباشرًا، لكنها لم تفقد علاقتها بالسياسة، فقد أعادت تعريف هذه العلاقة، بحيث يمكن استدعاؤها دون أن تتحمل تبعات الفعل، أو ترتبط بزمن محدد.

فى صورتها التقليدية، كان «الانتظار» يعنى تعليق الفعل، وترك المجال للإمام الغائب وحده، وهو ما دفع كثيرًا من المرجعيات إلى الابتعاد عن العمل السياسى، باعتباره مؤجلًا إلى زمن الظهور. غير أن هذا الفهم لم يبقَ ثابتًا، ففى بعض اللحظات، تتحول الفكرة إلى أداة تعبئة، حيث يُعاد استدعاء «المهدى» بوصفه أفقًا للعدل، فتتحرك الجماعات باسمه، أو على وعدٍ مرتبط به، دون أن يكون حاضرًا فعليًا. وفى لحظات أخرى، تستخدم لتأجيل الفعل، حيث يتحول الانتظار إلى موقف، ويُعاد تفسير الواقع باعتباره مرحلة تسبق الظهور، لا لحظة تتطلب تغييرًا مباشرًا.

لكن الشكل الأكثر تعقيدًا والأشد وضوحًا تجسد الأوضح فى التجربة الحديثة، مع إعادة تفسير الغيبة داخل إطار سياسى كامل فى صياغة روح الله الخمينى لفكرة «ولاية الفقيه»، حين لا يُستدعى «المهدى» نفسه، بل الفكرة بوصفها مصدر شرعية. لا يُقال إن الإمام ظهر، لكن هناك من يتحرك بالنيابة عنه، أو فى ظل غيابه، أو تمهيدًا له بما يعنى تحول النيابة عن الإمام من مسألة دينية محدودة، إلى سلطة تدير الدولة نفسها، باعتبارها امتدادًا للإمام الغائب، لا بديلًا عنه.

إذًا نحن أمام الغيبة ليس بوصفها خروجًا من السياسة، بقدر ما هى دخولًا من باب آخر. فالدولة لا تُقدَّم نفسها كسلطة مكتملة، وإنما مرحلة انتقالية، تُدار باسم الإمام، وتُبرَّر باعتبارها تمهيدًا لحضوره، وإعدادًا لجيشه الذى سيُقيم العدل فى النهاية. 

بهذا المعنى، لا تُستخدم الفكرة رغم غيابها، بل بسببه. فهى لا تُختبر، فلا تسقط، ولا تتحقق بشكل نهائى، فلا تنتهى، ومن ثم تظل قابلة لإعادة التوظيف. يمكن أن تُفسَّر بها الأحداث، وتُبرَّر بها السياسات، وتُستدعى فى الصراع دون أن تُحسم. وبالتالى، لا يكون التوظيف السياسى طارئًا عليها، ولكنه نتيجة مباشرة لبنيتها نفسها.

إن الفكرة التى خرجت من الاختبار، ولم تُحسم بنص قاطع، ولم ترتبط بزمن محدد، لا تبقى ساكنة، تظل قابلة لأن تُستدعى، وتُعاد صياغتها، وتُستخدم دون أن تنتهى. وقد يكون من غير المنطقى ألا يجرى توظيفها سياسيًا وعقيديًا.

هل نؤمن بـ«المخلص»... أم نحتاجه؟

تتجاوز فكرة «المخلّص» كونها امتدادًا لنصوص وروايات، أو نتاجًا لتاريخ دينى طويل، إذ تكشف عن مستوى أعمق، يتصل بطبيعة الإنسان وحدود قدرته على العيش داخل عالم غير مكتمل.

فالإنسان، فى صورته العادية، قد يحتمل الظلم، ويتكيف معه، ويعيد ترتيب حياته داخله، لكنه لا يحتمل أن يكون هذا الظلم بلا نهاية. لا يحتمل فكرة أن يستمر الخلل دون أفق، أو أن يظل العالم مفتوحًا على احتمالات غير عادلة دون أن يحمل فى داخله إمكانية للتصحيح. فليست المشكلة فى وجود الظلم، وإنما فى غياب نهايته، ففى هذه اللحظة يفقد العالم قابليته للفهم، ليس لغياب النظام، إنما لغياب مآله.

هنا، لا تظهر فكرة «المخلص» كإجابة على سؤال دينى فقط، لكن كاستجابة لحاجة أعمق: حاجة إلى إغلاق هذا الانفلات، وإعادة إدخال العالم فى نظام يمكن الوثوق به. فالفكرة لا تضيف حدثًا إلى الواقع بقدر ما تعيد له توازنه، وتمنح الإنسان إمكانية أن يستمر داخله دون أن ينكسر تحت وطأته.

بيد أن هذه الحاجة لا تتوقف عند حدود الشعور، حيث تمتد إلى إدراك الإنسان للزمن نفسه. فالعالم كما يُعاش يوميًا، مفتوح، لا يحمل ضمانًا داخليًا بأن ما يختل فيه سيتوازن. وقد تمر الحياة كاملة دون أن يُصحَّح ما فيها، وقد ينتهى التاريخ دون أن يُنصف من ظُلموا داخله، وهو ما يجعل النهاية، فى صورتها المجردة، ليست مجرد خاتمة، بل ضرورة تُعيد ترتيب المعنى نفسه.

فالنهاية العادلة لا تأتى فقط لتُغلق العالم، إنما لتجعله قابلًا للاحتمال. بدونها، يصبح كل ما يحدث مفتوحًا على العبث، ليس لأن الواقع بلا نظام، لكن لأن النظام لا يضمن نتيجة يمكن قبولها. لذلك لا يعد «المخلّص» إضافة إلى العالم، بقدر ما يكون شرطًا نفسيًا لفهمه، وضمانًا ضمنيًا بأن ما يختل فيه لن يظل كذلك إلى الأبد.

ولا يكتفى الإنسان بفكرة أن النهاية ستأتى، إذ يسعى إلى تصورها، كأن حدوثها وحده لا يكفى، وإنما يحتاج إلى أن يراها وهى تتشكل. فالنهاية التى تقع بغتة، رغم حسمها، لا تُشبع هذا الاحتياج، ولا تمنحه فرصة أن يشهد اكتمال المعنى، أو يرى العدل وهو يتحقق داخل الزمن.

لذا، يميل الوعى إلى إعادة تشكيل النهاية، لا كحدث مفاجئ، إنما كمسار، له بداية، ومقدمات، ونقطة يصل عندها التوازن إلى صورته الممكنة. وهنا تحديدًا، يظهر «المهدى»، كاستجابة لهذا الاحتياج: أن يُرى العدل قبل أن تُغلق الصفحة، وأن يمر العالم بلحظة يُعاد فيها ضبطه، لا أن ينتهى فقط.

ولعل هذا ما يفسر أن الفكرة تبقى، حتى مع اختلاف تفاصيلها وتباين صورها ودخولها أحيانًا فى تناقضات واضحة. فهى لا تُختبر فقط من زواية صدقها، وإنما من جهة وظيفتها. لا تُقاس فقط بما تقوله النصوص عنها، وإنما بما تفعله داخل الوعى؛ إذ تمنح الإنسان قدرة على الاستمرار، ليس لأنه متأكد، وإنما لأنه لا يستطيع التخلى عن هذا الاحتمال دون أن يفقد معه توازنه.

إذ لا يعود التمسك بالفكرة تعبيرًا عن يقين مكتمل، بل عن رفض صامت لفكرة أخرى: أن يظل العالم كما هو.. دون تصحيح. رفضٌ لا يُعلن نفسه، لكنه يعمل فى الخلفية، ويدفع الإنسان إلى التمسك بأى تصور يمنح النهاية معنى.

ففى غياب هذا التصور، لا يختفى الظلم فقط، وإنما يتلاشى معه معنى مقاومته. وإذا لم يكن هناك احتمال يُستعاد فيه التوازن، يصبح كل فعل داخل العالم محكومًا بلحظته فقط، بلا امتداد، وبلا وعد يتجاوزها.

بما يعنى أن «المخلص» فى الوعى ليس مجرد شخص يُنتظر، إنما فكرة تحفظ للعالم إمكانية أن يكون مختلفًا. تمنح للزمن معنى، وللعدل مكانًا، وللإنسان قدرة على الاحتمال، ليس بوصفها إجابة جاهزة بقدر ما هى شرط لعدم انهيار السؤال نفسه.

لكن المعنى لا يتوقف عند حدود الاحتمال، إذ لا يمنح الانتظار فقط قدرة على الاستمرار، فقد يعيد تشكيل العلاقة بالفعل نفسه. فحين يُعاد ربط العدل بلحظة مؤجلة، لا يعود التغيير ضرورة عاجلة، بقدر ما يصبح معلقًا على ما سيأتى، لا ما يمكن صنعه الآن.

وبهذا، لا يفتح الانتظار أفقًا فقط، إذ يترك فراغًا أيضًا، وقد يتحول إلى شكل من أشكال التعليق، حيث يُفهم الخلل كجزء من مسار سيُستكمل لاحقًا، أكثر من كونه واقعًا يفرض الاشتباك الفورى، كأن الحل يرتبط بما يأتى من خارج اللحظة.

لذلك يتغير موقع السؤال؛ لا يتوقف عند وجود «المهدى»، بل يمتد إلى أثر غيابه. فالعالم الذى يخلو من هذا التصور يفقد أفقًا كان يمنحه قابلية للاحتمال، ويصبح مفتوحًا على نهايات لا تحمل تصحيحًا، ولا تمنح ما يجرى داخله معنى يتجاوز لحظته. وهنا، لا يبدو أن السؤال «هل نؤمن به؟» هو الأكثر دقة، بل: هل يمكن الاستغناء عنه؟

من النص إلى الرواية.. كيف تُعاد كتابة النهاية؟

تتشكل فكرة «المخلّص» فى الأديان داخل تصور أوسع للنهاية نفسها. ومع الاقتراب من لحظة المصير نجد أنفسنا أمام مستويين يتحركان جنبًا إلى جنب: نصوص تقترب منها فتقلّل ملامحها، وتتركها فى حدّها المفاجئ، وسرديات لاحقة تمدّ هذا الحد، وتحوّله إلى زمن ممتد يمكن تخيله.

فى القرآن، لا تُقدَّم الساعة بوصفها مسارًا طويلًا، ولا تُسبق بسيناريو مفصل، وإنما تظهر كحدث يقع بغتة، خارج الحساب والتوقع يستأثر الله تعالى بعلمه إذ يقول فى سورة الأعراف، الآية ١٨٧«يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً» وفى سورة لقمان «إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» بهذا المعنى، لا يوجد «زمن انتقالى» بين الواقع والنهاية وتظهر كقفزة مفاجئة، لا تترك مساحة لتخيل ما يسبقها.

غير أن الصورة تتسع حين ننتقل إلى الروايات، إذ تأخذ النهاية شكلًا مختلفًا. تتحول من لحظة واحدة إلى زمن يسبقها، ويظهر «المهدى» كبداية مرحلة تمتد فيها العدالة بعد امتلاء الأرض ظلمًا، وتُعاد فيها موازين الواقع قبل أن تأتى النهاية نفسها، حيث لا تقع الساعة مباشرة، بل يسبقها زمن يمكن العيش داخله: حكم، واستقرار، وإعادة ترتيب للعالم، كأن المصير يرتبط بمسار يُبنى قبل أن يُغلق.. 

ومع هذا التشكل يتغير الزمن نفسه. لم يعد لحظة تنتهى فجأة، إذ يتحرك كمسار له بداية داخل التاريخ ومقدمات يمكن تتبعها. ومن ثم، لا يصبح «المخلّص» مجرد شخصية، بل جزءًا من هذا الامتداد، يفتح الطريق قبل أن تُغلقه النهاية.

ولا يقف هذا النمط عند التجربة الإسلامية، إذ يتكرر فى سياقات أخرى. فى الأناجيل، تظهر النهاية أيضًا فى صورتها المفاجئة: «وَأَمَّا ذٰلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلَا يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلَا مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلَّا أَبِى وَحْدَهُ» «متى ٢٤:٣٦» لا تحديد، ولا زمن مرسوم، وإنما لحظة خارج الحساب. 

لكن هذه الصورة لا تبقى وحدها، إذ تتسع فى سفر الرؤيا، حيث تتحول النهاية إلى مشهد ممتد: صراع، أحداث متتابعة، وتحولات تسبق اكتمالها، كأن اللحظة المفاجئة لم تعد كافية، فتم مدّها داخل الزمن.

أما اليهودية، فلا تقدم التوراة تصورًا تفصيليًا لنهاية ممتدة، لكنها تترك مساحة مفتوحة، سرعان ما تُملأ فى نصوص لاحقة مثل التلمود والمدراش، حيث تُربط فكرة «المسيّا» بزمن يسبق تحققه، وأحداث تعيد تشكيل العالم قبل اكتمال الخلاص. وفى كثير من هذه التصورات، يرتبط حضوره بلحظة إعادة جمع وتأسيس، حيث لا يأتى المصير كقطيعة مفاجئة، ويتشكل داخل مسار تاريخى ممتد.

لا يبدو أننا أمام اختلاف بين أديان، بقدر ما نحن أمام نمط يتكرر، ولا يتعلق الأمر بتناقض صريح، بقدر ما يكشف عن توتر داخلى فى بناء الفكرة، بين نهاية تُترك فى حدّها المفاجئ، وأخرى يُعاد تشكيلها داخل زمن ممتد.

النص يقترب من النهاية فيُقلّلها، يتركها فى صورتها القصوى، لحظة لا تُحتمل ولا تُشرح، بينما تميل السرديات إلى مدّ هذه اللحظة، وإدخالها فى الزمن، حتى تصبح قابلة للتصور. بالتالى يكون وجود «المخلّص» جزءًا منطقيًا وضرورة داخل سرد يحتاج إلى بداية قبل النهاية، وزمن يُعاش قبل أن يُغلق.

عند هذا الحد، لا يعود السؤال عن صحة التفاصيل، ولكن عن الحاجة إليها: لماذا تترك النصوص النهاية فى حدّها المفاجئ؟

بينما تعود الروايات لتمنحها زمنًا يمكن تخيله؟ هل لأننا أصلًا لا نتخيل نهاية.. بلا تمهيد؟

ما لا يُحسم.. يبقى 

لا تختفى فكرة «المخلّص» لأنها مؤكدة، أو لأنها مجرد وهم يمكن إسقاطه بسهولة، إذ تظل معلقة فى مساحة لا تُحسم، بين ما يمكن إثباته وما لا يمكن نفيه بالكامل. فهى لا تنتمى إلى يقين ثابت، ولا تسقط مع الشك، ولكنها تستمر داخل هذه المنطقة الوسطى التى تمنحها قدرة على البقاء.

كما لا تقوم الفكرة فقط على ما تقوله النصوص، ولا تستند إلى ما تحمله الروايات وحدها، هى تمتد إلى ما يحتاجه الإنسان كى يواصل النظر إلى العالم دون أن ينكسر معناه فى عينيه. لهذا لا تبدو قابلة للحسم بالمعنى التقليدى؛ فالدليل لا يكفى لإثباتها بشكل نهائى، كما أن النقد لا يكفى لإسقاطها بالكامل، لأنها لا تعيش فقط فى مستوى «الصحة»، بل فى مستوى «الوظيفة».

فلا يُطرح «المخلص» بوصفه خبرًا عن المستقبل فحسب، وإنما كاحتمال يحفظ للعالم توازنه، ويمنح الزمن اتجاهًا، ويُبقى على تصور أن ما يختل الآن لا يُترك بلا نهاية. ويُضاف إلى ذلك أن استمراره —رغم اختلاف صوره وتباين تفاصيله، وحتى مع دخوله فى مسارات متعارضة— لا يرتبط باتفاق الناس عليه بقدر ما يتصل باحتياجهم إليه.

بالتالى لا يبدو هذا التصور فى حاجة إلى أن يُحسم، لأنه لا يقوم فقط على ما يثبته، وإنما على ما يمنع غيابه. فـ«المخلص» يظل حاضرًا داخل الوعى، حتى فى غياب اليقين الكامل، لأنه يؤدى وظيفة تتجاوز حدود الإثبات والنفى، وترتبط بقدرة الإنسان على الاستمرار داخل عالم لا يكتمل فيه العدل بشكل نهائى.

غير أن هذا الحضور لا يعنى بالضرورة اكتمال المعنى، ربما يعكس حاجة دائمة لإبقائه مفتوحًا. ولعل هذا ما يفسر أن انتظاره لا ينهى السؤال بقدر ما يمنع انهياره، ولا يقدم يقينًا نهائيًا بقدر ما يترك مساحة يمكن العيش داخلها دون أن يتحول القلق إلى عبء غير محتمل.

لهذا، لا تبدو فكرة «المنتظر» مجرد وعد بالخلاص، أو تفسيرًا مكتملًا للنهاية، بقدر ما تمثل الحد الأدنى الذى يجعل هذه النهاية قابلة للتصديق، ويمنح العالم —رغم اختلاله— إمكانية أن يُغلق على معنى، حتى لو ظل هذا المعنى نفسه محل سؤال.