الخميس 02 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

البلوش.. سُنّة على هامش شيعة إيران

حرف

- قبل أن تضمها إيران قسرًا عرفت منطقة الخانيات البلوشية وهى كيانات حكم محلى قادها زعماء قبليون

- المذهب داخل إيران لا يظل مجرد اختلاف دينى بل يتحول إلى موقع يُعاد من خلاله تعريف الحضور داخل الدولة

- يشكّل البلوش واحدة من أكبر الكتل السُّنية فى إيران فى تمركز جغرافى نادر داخل دولة يغلب عليها الطابع الشيعى

- انطلق الخطاب البلوشى من مطالب اقتصادية ودينية قبل أن تتجه بعض مساراته إلى أشكال أكثر حدة

- الاحتكاك بالدولة يبدأ من نقاط التفتيش والحضور الأمنى لا من الخدمات أو المؤسسات

ليست كل المناطق التى تظهر على الخرائط تُرى حقًا، بعض الأماكن تظل موجودة كهوامش صامتة، تُذكر حين يتصاعد التوتر، وتُنسى حين تهدأ العناوين.

هناك، فى الجنوب الشرقى من إيران، حيث تمتد الأرض قبل أن تستقر، وتتشابه الحدود قبل أن تُغلق، يعيش البلوش.. لا كقضية معلنة، بل كظل طويل فى جغرافيا مزدحمة بالصراعات.

غير أن هذا الظل لا يتشكل من غياب واحد، ولا يمكن ردّه إلى سبب مباشر، فالمسألة لا تبدأ من الفقر وحده، ولا من الجغرافيا، ولا حتى من الانتماء المذهبى، رغم حضوره الواضح. إذ يتقاطع فى هذه المنطقة أكثر من مستوى فى آن واحد؛ سُنة داخل دولة شيعية، وقومية غير فارسية داخل مركز شديد المركزية، ومجتمع يمتد عبر الحدود بينما تُدار حياته داخلها.

فى هذا التداخل، لا يبدو الدين مجرد خلفية، لكنه لا يعمل منفردًا أيضًا. يتحول أحيانًا إلى علامة تمييز، وأحيانًا إلى موقع داخل الدولة، بينما تظل الجغرافيا تضيف طبقة أخرى، تجعل من هذا الاختلاف أقرب إلى «حالة مستمرة» لا إلى ظرف عابر. ولعل ما يزيد هذا التعقيد أن الإقليم، رغم موقعه الحساس وثرواته المحتملة، يُصنف فى الوقت نفسه ضمن أكثر مناطق إيران فقرًا وتهميشًا.

لذلك لا تعود الحكاية عن أقلية يمكن تعريفها بسهولة، بقدر ما تعبر عن وضع مركب تتداخل فيه الهوية مع الأمن، والتنمية مع السياسة، والدين مع الجغرافيا، بحيث يصبح من الصعب فصل أحدها عن الآخر دون أن نفقد جزءًا من الصورة. وربما لهذا، يظل البلوش حاضرين فى الواقع..وغائبين فى السرد، كأن قصتهم لم تُكتب بعد بالقدر الذى يوازى تعقيدها.

قبل أن يصبحوا أقلية.. ماذا كان البلوش؟ 

لا تبدأ الحكاية من الهامش، بل من مكان كان، فى لحظة ما، أقرب إلى مركزه الخاص. قبل أن تُرسم الحدود بشكلها الحالى، وقبل أن تستقر الدولة الحديثة على أطرافها، كان البلوش يعيشون داخل فضاء أوسع مما نعرفه اليوم؛ لا تُحدده دولة واحدة، ولا تُقيده خطوط فاصلة إنما تشكّله حركة القبائل، ومسارات التجارة، وعلاقات ممتدة عبر ما أصبح لاحقًا إيران وباكستان وأفغانستان. لم تكن الأرض هنا مقسّمة بقدر ما كانت ممتدة، ولا الهوية محصورة بقدر ما كانت تتحرك داخل هذا الامتداد.

فى هذا الفضاء، لم تكن الهوية البلوشية مجرد انتماء ثقافى عابر، حيث تشكلت داخل بنية اجتماعية وسياسية خاصة بها. ولم تكن هذه الهوية منفصلة عن لسانها، إذ تنتمى البلوشية إلى الفرع الإيرانى من اللغات الهندو-أوروبية، ما يعكس جذورًا أقدم من الحدود السياسية نفسها. كانت اللغة هنا، كما فى كثير من المجتمعات القبلية، وسيلة لحفظ التاريخ، لا مجرد أداة للتواصل؛ تحمل الذاكرة، وتنقل الامتداد، وتربط بين جماعات موزعة على مساحة واسعة دون أن تفقد تماسكها.

ولعل هذا ما يفسر أن المنطقة لم تكن دولة بالمعنى الحديث، لكنها لم تكن أيضًا فراغًا بلا تنظيم. فقد عرفت ما يُسمى بالخانيات البلوشية، وكان أبرزها خانية قلات، التى شكلت، فى فترات مختلفة، مركزًا سياسيًا مهمًا للبلوش، خاصة فى الجزء الذى أصبح لاحقًا داخل باكستان. هذه الكيانات لم تصبح دولًا مركزية، لكنها لم تعد هامشًا تابعًا أيضًا فقد نظمت نفسها عبر تحالفات قبلية، ونُظم حكم محلية، وعلاقات متغيرة مع القوى المحيطة، من الدولة الفارسية إلى النفوذ البريطانى الذى بدأ فى التمدد داخل المنطقة فى القرن التاسع عشر.

غير أن هذا الوضع لم يستمر. فمع صعود الدولة الإيرانية الحديثة فى عهد رضا شاه، بدأ مشروع واضح لإعادة تشكيل المجال كله، عبر إخضاع الأطراف ودمجها داخل مركز واحد. لم يكن الهدف فقط بسط السيطرة، وإنما إعادة تعريف العلاقة بين الدولة وما يقع خارجها. وفى عام ١٩٢٨، تم إنهاء ما تبقى من هذا الحكم المحلى بالقوة، وإدماج بلوشستان قسرًا داخل الدولة الإيرانية. لم يكن ذلك مجرد ضم جغرافى، بل تحول عميق أعاد تعريف الإقليم وسكانه؛ من كيان يمتلك قدرًا من الاستقلال، إلى منطقة تُدار من مركز بعيد، وفق منطق مختلف تمامًا.

فى هذه اللحظة، لم يتغير شكل الحكم فقط، بل تغير معنى الوجود نفسه. فالمجتمع الذى كان جزءًا من امتداد أوسع، وجد نفسه داخل حدود مقطوعة، لا تعكس تاريخه ولا حركته. لم يعد الامتداد ممكنًا كما كان، ولم تعد الهوية تتحرك بحرية، بل أُعيد تعريفها داخل إطار جديد، لا يترك مساحة كبيرة للاختلاف.

ربما كان من الممكن أن يُعاد التوازن لاحقًا، مع التحولات السياسية الكبرى التى شهدتها إيران، خصوصًا مع ثورة ١٩٧٩، التى حملت وعودًا بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومجتمعاتها. غير أن ما حدث فى بلوشستان لم يسر فى هذا الاتجاه. إذ لم تؤدِّ الثورة إلى تغيير جوهرى فى موقع الإقليم، و استمر كثير من أنماط التهميش، وإن كان فى سياق جديد. كأن الدولة تغيّرت.. لكن موقع الإقليم داخلها لم يتبدل بالقدر نفسه.

هنا، تكتسب التجربة البلوشية خصوصيتها. فهى ليست مجرد حالة أقلية نشأت داخل الدولة، بل حالة مجتمع دخلها بعد أن فقد شكله السابق، ثم لم يجد، مع تغير الأنظمة، ما يعيد تعريف موقعه بشكل مغاير. كأن التحول لم يكن لحظة واحدة فى الماضى، بل مسارًا ممتدًا، يبدأ من الضم، ولا ينتهى عنده، ويستمر فى إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة حتى الآن.

وعند هذه النقطة، لا يبدو التاريخ مجرد خلفية بعيدة، بل طبقة حاضرة فى فهم الحاضر. فالسؤال لا يتعلق فقط بما كان عليه البلوش، بل بما تبقى من هذا الماضى داخل واقع لم يُغلقه بالكامل.. ولم يسمح له، فى الوقت نفسه، أن يستمر كما كان.

أكبر كتلة سُنّية

لا يظهر السُّنّة فى إيران بوصفهم كتلة واحدة يمكن الإمساك بها بسهولة، إذ يتوزعون فى مناطق متفرقة، ويختلف حضورهم من إقليم إلى آخر، بحيث يتشكل وجودهم فى صورة أقرب إلى فسيفساء واسعة منها إلى كيان متماسك. غير أن البلوش يشكّلون استثناءً لافتًا داخل هذا المشهد؛ ليس فقط لأنهم سُنّة، ولكن لأنهم يمثلون واحدة من أكبر التجمعات السُّنية المتماسكة جغرافيًا داخل البلاد، فى حالة نادرة يتحول فيها الانتماء المذهبى إلى نطاق مكانى واضح وليس مجرد انتشار ديموغرافى متباعد.

فى إقليم سيستان وبلوشستان، جنوب شرق إيران، يعيش ما يقارب ثلاثة إلى أربعة ملايين بلوشى، ينتمى أغلبهم إلى المذهب السُّنى الحنفى، فى امتداد سكانى يبدو متصلًا أكثر منه متناثرًا، وكأن هذا الامتداد لا يكتفى باستيعابهم، بل يعيد إنتاجهم ككيان قائم بذاته. هذه الكثافة، فى حد ذاتها، لا تجعل منهم مجرد أقلية دينية، بقدر ما تمنحهم شكلًا مختلفًا؛ كتلة لها حضورها المكانى الواضح، وحدودها الاجتماعية التى تتجاوز القرية أو القبيلة إلى نطاق إقليم كامل، حيث يتشكل نوع من التماسك الذى لا يقوم فقط على القرب المكانى، بل على إدراك ضمنى بالانتماء المشترك.

غير أن هذا التماسك لا يُترجم إلى موقع داخل المركز،إذ يبدو، على العكس، يتشكل على مسافة منه، وكأن كل ما يمنحهم وضوحًا فى الأطراف يسحبهم فى الوقت نفسه بعيدًا عن القلب. فالإقليم الذى يضم هذه الكتلة يُصنف، فى الوقت نفسه، كأحد أكثر أقاليم إيران فقرًا وتهميشًا، حيث تتراجع مؤشرات التنمية، وتضعف الخدمات، وتظل فرص الحضور فى مؤسسات الدولة محدودة، لا بوصفها استثناءً عابرًا، بل كحالة ممتدة تعيد إنتاج نفسها. فبدلًا من أن يمنحهم هذا التركز ثقلًا، يضعهم فى موقع أكثر وضوحًا.. لكنه أقل اقترابًا من القلب، وأكثر عرضة لأن يُرى بوصفه طرفًا لا امتدادًا.

ولأن المسألة لا تتوقف عند الأرقام وحدها، فإن هذا الوجود السُّنى لا يُقرأ داخل حدوده الدينية فقط، يتجاوزها إلى شبكة أوسع من المحددات. ففى سياق دولة يغلب عليها الطابع الشيعى، يتحول الانتماء المذهبى إلى علامة تُضاف إلى عناصر أخرى؛ قومية غير فارسية، ولغة مختلفة، وإقليم حدودى مفتوح، وامتداد سكانى خارج الدولة، بما يجعل الهوية هنا مركبة لا أحادية. حيث لا يعود السُّنى مجرد توصيف دينى، ولكنه يصبح جزءًا من بنية أوسع، يُعاد من خلالها تعريف الموقع داخل الدولة، ليس بوصفه مواطنًا فحسب، بل حالة تتقاطع فيها اعتبارات الهوية مع حسابات الجغرافيا والسياسة.

وربما لهذا، لا يمكن النظر إلى البلوش باعتبارهم مجرد «سُنّة إيران»، لأن هذا الوصف، رغم دقته، يظل ناقصًا، إذ يلتقط بعدًا واحدًا ويترك ما عداه. فهذه الكتلة، التى تبدو متماسكة فى ظاهرها، تتحرك داخل سياق أكثر تعقيدًا، حيث لا يكفى الترابط ليُنتج حضورًا، أو العدد ليُنتج تأثيرًا. إذ إن ما يبدو كتلة دينية متماسكة، يتحول فى الواقع إلى نقطة بداية لمسار أكثر تعقيدًا، يتحول فيه الحضور العددى إلى موقع ملتبس؛ واضح فى مكانه... لكنه بعيد عن مركزه، حاضر فى الأطراف.. لكنه غير مكتمل فى الداخل.

المذهب يرسم حدود الموقع

الانتماء السُّنى، فى حالة البلوش داخل إيران، لا يظل مجرد اختلاف مذهبى يمكن احتواؤه ضمن تنوع أوسع، إذ يتجاوز حدوده العقائدية ليصبح مدخلًا يُعاد من خلاله تعريف موقعهم داخل الدولة. ففى الإقليم حيث يتمركز البلوش ككتلة متماسكة، لا يُترجم هذا الثقل الاجتماعى إلى حضور مماثل داخل بنية السلطة، لتبقى الكتلة هنا واضحة فى المجتمع.. لكنها أقل تمثيلًا داخل مؤسسات الدولة.

وتزداد المفارقة وضوحًا حين ننظر إلى طبيعة الإدارة داخل الإقليم نفسه. إذ بينما يشكّل البلوش من ٧٠ إلى ٨٠٪ من السكان، لا ينعكس ذلك بالقدر ذاته على مواقع القرار، سواء فى المناصب التنفيذية العليا أو فى الأجهزة ذات الطابع الأمنى، التى تمثل الحضور الأكثر تأثيرًا للدولة فى هذه المناطق. وفى كثير من الحالات، تُسند هذه المواقع إلى عناصر من خارج الإقليم، أو إلى خلفيات مذهبية مختلفة، بما يجعل الإدارة أقرب إلى سلطة تُمارَس على المجتمع، لا امتدادًا له. كأن الانتماء هنا لا يمنع المشاركة بشكل كامل، لكنه يحدد سقفها، ويعيد توزيعها بما يضمن بقاء مركز القرار بعيدًا. 

أما على الصعيد الدينى، فلا يبدو الوضع منفصلًا عن هذا السياق، بل يكشفه بشكل أكثر حدة. فعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، لم تقتصر القيود على تنظيم النشاط الدينى، بل امتدت إلى إعادة تشكيله. إذ أُغلقت معظم المدارس التى كانت تُدرّس المذهب السُّنى داخل الإقليم، ولم يتبقَّ منها سوى عدد محدود لا يتجاوز أربع مدارس فقط. وفى الوقت نفسه، تم إبعاد عدد كبير من رجال الدين البلوش- المعروفين بالمولويين- عن مواقعهم، فى حين قُتل أكثر من عشرين منهم فى ظروف وُصفت بأنها غامضة، فى مسار يعكس أن المسألة لا تتعلق فقط بتنظيم المجال الدينى، بل بالتحكم فى من يمثله.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد. إذ تشير تقديرات إلى أن ما لا يقل عن نصف المساجد فى مناطق البلوش خضع لسيطرة مباشرة أو غير مباشرة، حيث جرى تعيين رجال دين من خارج البيئة السُّنية فى بعض الحالات، لإدارة الخطاب الدينى داخل هذه المساجد. و كأن المسجد، الذى يُفترض أن يكون امتدادًا طبيعيًا للمجتمع، يتحول إلى مساحة تُعاد صياغتها من الخارج، لا من داخله.

وفى هذا السياق، لا يبدو أن الحديث عن «حرية دينية» يُفهم بالمعنى التقليدى، بقدر ما يُعاد تعريفه ضمن حدود ضيقة. إذ لا يُلغى الوجود السُّنى بالكامل، لكنه يُعاد تنظيمه بطريقة تمنعه من التحول إلى بنية مستقلة أو مؤثرة. حتى محاولات الحفاظ على الهوية المذهبية، فى بعض الحالات، واجهت ضغوطًا مباشرة، وصلت إلى حد دفع بعض الفئات نحو تبنّى الصيغة الرسمية للمذهب الشيعى، فى سياق لا يمكن فصله عن طبيعة الدولة نفسها بعد الثورة.

ولا يتوقف أثر هذا التحديد عند المجال الدينى، بل يمتد إلى طبيعة التمثيل السياسى. فعلى الرغم من وجود تمثيل برلمانى للإقليم، بعدد من ٨ إلى ١٠ مقاعد داخل مجلس الشورى الإيرانى، فإن هذا الحضور يظل شكليًا ومحدود التأثير، ولا يمتد إلى المواقع التنفيذية العليا أو دوائر صنع القرار. كما لا يظهر تمثيل سُنّى واضح داخل الحكومات المتعاقبة، وهو ما يعكس سقفًا غير معلن للمشاركة، لا يُقال بشكل مباشر.. لكنه يُفهم من خلال تكراره.

ولعل ما يلفت النظر أن هذا النمط لا يُطرح فى صورة سياسة واحدة واضحة، ولكنه يتشكل عبر مسارات متوازية؛ تضييق فى المجال الدينى، محدودية فى التمثيل، وإعادة توزيع للسلطة داخل الإقليم. لا يُقصى البلوش بشكل كامل، لكنهم لا يُمنحون أيضًا موقعًا يسمح لهم بتغيير موازين العلاقة مع الدولة.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال تجربة البلوش فى كونهم سُنّة داخل دولة شيعية، إذ إن هذا الوصف، على دقته، لا يكشف كل ما وراءه. فالمذهب لا يفسر كل شىء، لكنه يحدد نقطة الانطلاق داخل بنية تُعاد فيها صياغة العلاقة بين المركز والأطراف عبر هذا الانتماء نفسه، قبل أن تتداخل معه محددات أخرى؛ قومية، ومجال جغرافى، وموقع سياسى. بحيث لا يعيش السُّنّى هنا اختلافه فحسب.. بل الموقع الذى يتشكل عند تقاطع هذه العناصر. ومن ثم، لا يعود المذهب مجرد خلفية، ولا تفسيرًا مكتملًا، بل بداية يُبنى عليها، ويتحدد عبرها ما يأتى بعدها دون أن تنفرد بصياغته.

الجغرافيا كقدر سياسى يثبت الموقع

لا يتوقف أثر الانتماء السُّنى عند كونه اختلافًا مذهبيًا داخل دولة يغلب عليها الطابع الشيعى، إذ يبدو، فى حالة البلوش تحديدًا، وكأنه يفتح على طبقة أخرى لا تقل تأثيرًا: طبقة المكان. فالموقع الذى يشغله هذا الانتماء داخل الدولة لا يتشكل فقط بما يحمله من معنى دينى، بل أيضًا بالمجال الجغرافى الذى يحتضنه.

إذ تتدخل الجغرافيا لتمنحه قدرًا من الثبات، بل وربما من التعقيد. فالإقليم يمتد على حدود طويلة مع باكستان وأفغانستان، فى واحدة من أكثر مناطق إيران اتصالًا بما هو خارجها. هذا الامتداد، الذى كان يومًا جزءًا من طبيعة الحياة، يتحول داخل الدولة الحديثة إلى عنصر يُعاد تفسيره ضمن حسابات مختلفة.

حيث لا تتوقف العلاقات عند الخطوط السياسية. القبائل موزعة بين الجانبين، والعائلات ممتدة، واللغة تتحرك فى مساحة تتجاوز الإقليم نفسه، بما يجعل الانتماء، فى كثير من الأحيان، أقرب إلى شبكة مفتوحة منه إلى إطار مغلق. غير أن هذه السيولة، التى تبدو من الداخل امتدادًا طبيعيًا، تُقرأ من الخارج بوصفها انفتاحًا يصعب ضبطه، لا تواصلًا يمكن استيعابه.

ولعل هذا ما يضع الإقليم فى موقع مختلف داخل تصور الدولة له. إذ تتحول المناطق الحدودية، بطبيعتها، إلى مساحات ترتبط بملفات حساسة؛ من التهريب إلى الهجرة غير النظامية، وتُدار غالبًا بمنطق يغلّب الرقابة على الإدماج. وفى حالة بلوشستان، حيث يتداخل المجال الجغرافى مع وجود كتلة سُنّية متماسكة، يزداد التعقيد، بحيث لا يُفهم أحد العنصرين دون الآخر.

فى هذا السياق، لا تكون الجغرافيا مجرد خلفية يعيش فيها البلوش، بل عنصرًا يشارك فى رسم حدود دورهم ومكانتهم . فالسُّنى الذى يعيش فى مركز الدولة ليس كالسُّنى الذى يعيش على حدود ممتدة، والاختلاف الدينى لا يُقرأ بالطريقة نفسها حين يقترن بامتداد خارجى مستمر. كأن المكان هنا لا يكتفى باحتضان الهوية، بل يعيد تشكيل معناها داخل الدولة.

وربما عند هذه النقطة، تتضح العلاقة بين ما بدأ كموقع مذهبى وما تكرّسه الجغرافيا، فالمسافة التى تشكّلت داخل بنية الدولة، تجد فى المكان ما يجعلها أكثر رسوخًا، إذ لا تكتفى الحدود بوضع الإقليم على الهامش، بل تعيد إنتاج هذا الهامش بشكل مستمر، ومن ثم، لا تضيف الجغرافيا اختلافًا جديدًا، بقدر ما تمنح الاختلاف القائم عمقًا واستمرارية.

بهذا المعنى، لا تعزل الجغرافيا البلوش عن الدولة، لكنها تجعل موقعهم داخلها أكثر تحديدًا، وأقل قابلية للتبدل، إذ يتحول الامتداد الذى يمنحهم اتصالًا بما حولهم، إلى عنصر يُكرّس المسافة بينهم وبين المركز، فى معادلة لا تُفهم إلا من خلال تداخل المذهب مع المكان، لا انفصال أحدهما عن الآخر.

ولأن الحدود لا تُقرأ فقط كخطوط، بل كمساحات حساسة، يتحول هذا الموقع إلى مدخل لفهم الإقليم كله. فالقرب من باكستان وأفغانستان، بما يحمله من حركة مستمرة، يجعل من بلوشستان نقطة ترتبط بملفات تتجاوزها؛ من التجارة غير الرسمية، إلى التهريب، إلى التحركات العابرة. كأن المكان، بحكم موقعه، لا يُسمح له بأن يكون ساكنًا، بل يُعاد تعريفه باستمرار من خلال ما يمر عبره.

بيد أن هذه الجغرافيا لا تتوقف عند اليابسة، إذ يمتد الإقليم على بحر عُمان، فى موقع يمنح إيران منفذًا خارج مضيق هرمز، ويضع بلوشستان داخل معادلة أوسع تتعلق بطرق التجارة الدولية، و يظهر ميناء تشابهار كأحد أهم تجليات هذا الموقع، ليس فقط كمشروع اقتصادى، إنما كنقطة تعيد ربط الإقليم بشبكات إقليمية تمتد إلى آسيا الوسطى والهند.

لكن هذا الحضور الاستراتيجى لا يغير مكانة الإقليم داخل الدولة بقدر ما يعمّقه. فبدلًا من أن يتحول إلى مدخل للإدماج، يصبح سببًا إضافيًا للحذر، إذ لا تُدار هذه المساحة بوصفها مجالًا مفتوحًا للتنمية، وإنما كنقطة تماس تحتاج إلى ضبط مستمر، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الأمن، والموقع مع التصنيف.

ربما عند هذه النقطة، تتضح العلاقة بين ما سبق كله. فالمذهب الذى حدد موقع البلوش داخل الدولة، لا يعمل وحده، حيث يجد فى الجغرافيا ما يثبّته. إذ لا تكتفى الحدود بوضع الإقليم على الهامش، بل تعيد إنتاج هذا الهامش بشكل مستمر.

ومن ثم، لا تبدو بلوشستان هامشًا بسيطًا، بل مساحة تتداخل فيها خطوط متعددة، تجعلها حاضرة فى قلب معادلات إقليمية معقدة، حتى وإن ظلت بعيدة عن مركز القرار. ولا يبدو هذا الوضع قابلًا لإعادة التعريف بسهولة، لأنه لا يقوم فقط على الانتماء، بل على مكان يعيد تثبيته، مرة بعد أخرى.

الدولة لا تهمّش فقط.. بل تغيّر التركيبة السكانية

إن ما يجرى فى سيستان وبلوشستان يتجاوز حدود الإقصاء والتهميش، ليكشف من خلال الوقائع عن مسار مختلف، تتحول فيه السياسات إلى أداة لإعادة تشكيل الإقليم نفسه،. ففى الوقت الذى يُصنف فيه الإقليم ضمن أفقر مناطق إيران، تتحرك مشاريع بعينها فى اتجاه آخر تعيد ترتيب الخريطة السكانية والاقتصادية داخله.

ولعل فكرة «هندسة السكان» تقدم مدخلًا لفهم هذا التحول. إذ لا تتعامل الدولة مع الإقليم فقط باعتباره منطقة تحتاج إلى تنمية، لكن كمساحة حدودية يجب إعادة ضبطها ديموغرافيًا، خاصة مع النظر إلى سكانها البلوش، السُّنة، بوصفهم عاملًا حساسًا داخل هذه المنطقة. ومن هنا، لا تأتى السياسات فى صورة مباشرة، بل عبر مسارات تبدو منفصلة: مشروعات اقتصادية، نقل سكان، إعادة توزيع للوظائف.

إذ تشير تقارير إلى أن هذا التوجه ليس جديدًا، بل يمتد من مرحلة الدولة البهلوية، حين جرى تشجيع الهجرة الفارسية إلى الإقليم، إلى ما بعد الثورة، حيث أصبح المزج بين الأمن والتنمية أداة لتغيير التركيبة السكانية بشكل تدريجى. وفى هذا السياق، لا تُفهم التنمية كهدف قائم بذاته، بل كوسيلة لإعادة توزيع السكان.

وينعكس ذلك بوضوح فى مشروعات الساحل، خاصة ما يُعرف بخطة «تطوير سواحل مكران»، التى تستهدف إنشاء مدن وموانئ كبرى على الساحل البلوشى، مع نقل ملايين السكان من الداخل الإيرانى إلى هذه المناطق. هذه الخطة، التى يُقدَّم لها بوصفها مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا، تحمل فى جوهرها تحولًا ديموغرافيًا واسعًا، قد يجعل البلوش أقلية داخل مناطقهم التاريخية.

فعلى صعيد الواقع المحلى، فلا يبدو أن هذه المشروعات تُترجم إلى تحسن مباشر فى حياة السكان. فالموانئ، والطرق، والمناطق الصناعية، تُبنى غالبًا فى إطار يخدم شبكات التجارة أو الربط بالمركز، دون أن تنعكس بنفس القوة على من زاوية أوضاعه المعيشية. كوأن التنمية هنا لا تتجه إلى الداخل، بل تمر عبره.

ربما ما يجعل فكرة «النقل السكانى» أكثر حضورًا مما تبدو عليه أنه لا يأتى التغيير عبر تهجير مباشر، ولكن من خلال إدخال كتل سكانية جديدة، ترتبط بالمشروعات أو بالمؤسسات، بما يغير تدريجيًا من التوازن داخل الإقليم. هذا النمط، الذى يظهر فى توزيع الوظائف وفى طبيعة الحضور الإدارى، يعيد تشكيل العلاقة بين الأرض ومن يعيش عليها، دون إعلان صريح.

أما على مستوى الخطاب، لا تُطرح هذه السياسات بوصفها تغييرًا للتركيبة، إنما كجزء من «التنمية» أو «تعزيز الاقتصاد». غير أن جمع هذه التفاصيل يكشف اتجاهًا واحدًا: ليس فقط إدارة الإقليم، بل إعادة صياغته. فالمكان لا يُترك مهمشًا، إذ يُعاد ترتيبه بطريقة تجعله أكثر قابلية للضبط، وأقل ارتباطًا بتركيبته الأصلية.

هنا، تتضح المفارقة الأساسية. فالإقليم الذى يعانى من الفقر، لا يُترك خارج الاهتمام، يُستهدف بمشروعات كبرى، لكن هذه المشروعات لا تعمل على إدماجه بقدر ما تعمل على تغييره. كأن المشكلة، فى تصور الدولة، ليست فى نقص التنمية، بل فى طبيعة الإقليم نفسه.

وبالتالى لا يكون ما يعيشه البلوش مجرد تهميش يمكن معالجته، إنما جزء من مسار أوسع، تتحول فيه السياسات إلى أدوات لإعادة تشكيل الواقع. ومن ثم، يكون عن الكيفية التى يُعاد بها ترتيب الإقليم.. ومن يعيشون فيه، بحيث لا يبقى كما كان، حتى وإن ظل فى المكان ذاته. 

أغنى أرض.. أفقر إقليم

لا يحتاج التأمل طويلًا فى سيستان وبلوشستان كى تنكشف مفارقة أقرب إلى الثبات منها إلى الاستثناء. فالإقليم، الممتد على أطراف إيران، لا يفتقر إلى الموارد بقدر ما يفيض بها؛ نحو ٣٧٠ موقعًا تعدينيًا تتوزع بين الذهب والنحاس والكروميت، وقرب جغرافى من أكبر حقول الغاز فى البلاد، ما يضعه، نظريًا، ضمن خرائط الثروة الممكنة. غير أن ما يُنتج هنا، لا يبدو أنه يُعاد تدويره داخل حدوده، بل يمضى فى مسارات أبعد، كأن الأرض تُعطى.. دون أن تستعيد.

ولا يقرأ هذا التفاوت من حجم الموارد، بل من أثرها الغائب. إذ تشير التقديرات إلى أن قرابة نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما تتأرجح معدلات البطالة فى بعض المناطق بين ٤٠٪ و٨٠٪، أرقام لا تقف عند حدود الإحصاء، وإنما تتسلل إلى التفاصيل اليومية؛ فى نوع العمل المتاح، فى هشاشة الدخل، فى ضيق الخيارات، وفى تلك المسافة الصامتة بين ما يُستخرج من باطن الأرض.. وما يصل إلى من يقيمون فوقها.

أما الحياة فى صورتها المباشرة، فتبدو كأنها تعيد إنتاج هذا الخلل فى كل تفصيلة. نحو ١٧٠٠ قرية تفتقر إلى مصادر مياه مستقرة، والبنية الأساسية لا تتجاوز حدودًا بالكاد تسمح بالاستمرار، لا بالنمو. وفى حين ترتفع نسب التعليم فى أقاليم أخرى، يتوقف هنا عند حدود تقارب ٧٦٪، كأن الفجوة لا تُقاس بين مناطق متباعدة فحسب، وإنما داخل الدولة ذاتها، بين مركز يراكم، وأطراف تُترك لتدبر أمرها.

وتتضح هذه الصورة بشكل أكثر تحديدًا عند تخوم تشابهار. الذى يُقدَّم بوصفه رهانًا اقتصاديًا كبيرًا، وتُضخ فيه استثمارات بمليارات الدولارات، يتحرك بإيقاع عالمى، بينما يظل محيطه الأقرب على هامش هذا الإيقاع. طرق تُرسم، وتجارة تتدفق، وبنية تُشيَّد، غير أن فرص العمل الأكثر استقرارًا لا تتسع بالقدر نفسه للسكان المحليين، أو تبقى محدودة بما لا يعكس حجم المشروع. ليتحول المكان إلى ممر للحركة.. لا إلى نقطة استقرار لها.

فى هذا الفراغ، تتشكل مسارات أخرى للحياة، تبدأ من نقل الوقود، ولا تنتهى عند أشكال متعددة من الاقتصاد غير الرسمى؛ أنماط لا تمنح استقرارًا بقدر ما تملأ فجوة، ولا تؤسس أفقًا بقدر ما تؤجل الغياب. وربما يطرح ذلك سؤالًا لا يخص الفقر وحده: هل ما نراه تأخرًا يمكن تجاوزه، أم نمطًا يتكرر بحيث يصعب اعتباره عابرًا؟.

ولأن الصورة لا تُفهم من زاوية واحدة، فإن النظر إلى طريقة إدارة الموارد يكشف طبقة أعمق. فالمشروعات الكبرى لا تنشأ من داخل الإقليم، ولا تُدار عبر بنيته الاجتماعية، ترتبط بمراكز أبعد تتحكم فى مساراتها وعوائدها، بحيث تمر العلاقة بين الأرض وسكانها عبر وسيط دائم؛ ولا يحجب الثروة، لكنه يعيد توزيعها على نحو يجعل الإقليم حاضرًا فى الإنتاج، وغائبًا فى العائد.

لا تبدو المفارقة بين «أغنى أرض» و«أفقر إقليم» مجرد تناقض رقمى، وإنما تعبيرعن نمط يجعل الثروة تمر عبر المكان.. دون أن تستقر فيه. ومن ثم، لا يكون الفقر هنا نتيجة لعجز فى الإمكانات، بقدر ما يعكس وضعًا تُستبعد فيه الكتلة السكانية المحلية تدريجيًا من دوائر الاستفادة، لصالح ترتيبات اقتصادية تُدار من خارجها. بحيث لا تكمن المشكلة فى ما تملكه الأرض.. بل فى من يُسمح له بالوصول إليها.

 

أقلية مُصنّفة كـ«تهديد أمنى»

إن توصيف البلوش كحالة أمنية فى الخطاب العام لا ينفصل عن طبيعة الواقع الذى يعيشه الإقليم، إذ يُعد إفرازًا طبيعيًا لحالة التشابك بين المذهب والجغرافيا وسياسات الاقصاء والتهميش من قبل الدولة.. ففى سيستان وبلوشستان، لا يبدأ الاحتكاك بالدولة من المدرسة أو الخدمات، بل من نقاط التفتيش المنتشرة على الطرق، ومن الحضور الدائم للقوات الأمنية، بحيث يصبح المرور نفسه فعلًا مراقبًا، لا حركة عادية.

ولعل أكثر ما يكشف هذا التحول هو ما يُعرف محليًا بـ«حَمَلة الوقود» أو السوختبر. وهم مجموعة من الشباب الذين ينقلون الوقود عبر الحدود إلى باكستان، لا بوصفه نشاطًا إجراميًا منظمًا، بل كوسيلة بقاء فى إقليم تُعد فرص العمل فيه من الأضعف على مستوى إيران. غير أن هذا النشاط، الذى نشأ من الفقر، يُقابل بإجراءات أمنية حادة، وصلت فى أكثر من واقعة إلى إطلاق النار المباشر على الناقلين، وسقوط قتلى منهم، كما حدث فى احتجاجات سراوان ٢٠٢١، حين تحولت واقعة استهداف ناقلى الوقود إلى اشتباكات واسعة داخل الإقليم.

هنا، لا يبدو الفارق واضحًا بين «التهريب» كجريمة، و«العمل» كضرورة. فالفعل نفسه، الذى يمارسه آلاف الشباب، يُقرأ داخل الدولة بوصفه تهديدًا حدوديًا، لا نتيجة لغياب البدائل. كأن الجغرافيا، حين تقترن بالفقر، لا تنتج سياسة اجتماعية، بل استجابة أمنية.

أما على صعيد التعامل مع الأفراد، فلا يقف الأمر عند حدود النشاط الاقتصادى. إذ تشير تقارير متكررة إلى حملات اعتقال تستهدف شبابًا من البلوش، أحيانًا فى إطار الاشتباه أو الوقاية، لا بناءً على تورط مثبت. ومع وجود جماعات مسلحة مثل «جيش العدل»، التى تنفذ عمليات ضد قوات الأمن، يتسع نطاق الاشتباه، بحيث لا يظل محصورًا فى الفاعلين، بل يمتد إلى البيئة التى يُعتقد أنهم خرجوا منها.

هذا المنطق هو ما يجعل الانتماء نفسه يدخل ضمن معادلة الأمن. فالسُّنى فى هذا الإقليم، لا يُنظر إليه فقط من زاوية مذهبية، لكن داخل سياق أوسع يربط بين المذهب والحدود والامتداد الخارجى. ومع تكرار الخطاب حول «الاختراق عبر الحدود» أو «التهديدات العابرة»، يصبح هذا الانتماء جزءًا من قراءة أمنية، لا مجرد تعريف دينى.

أما الحضور العسكرى، فلا يبدو بعيدًاعن هذه الصورة. إذ يشهد الإقليم انتشارًا مكثفًا للحرس الثورى وحرس الحدود، إلى جانب دوريات مستمرة ونقاط تفتيش، لا تقتصر على الشريط الحدودى، إذ تمتد إلى داخل المدن والطرق الرئيسية. هذا الانتشار لا يعكس فقط أهمية الإقليم،إنما طبيعة التعامل معه، بوصفه مساحة تحتاج إلى ضبط دائم.

هنا، تتضح ملامح الاختلال. فالإقليم الذى يعانى من ضعف الخدمات وارتفاع معدلات الفقر، لا يُقابل بسياسات تنموية مكثفة بقدر ما يُقابل بحضور أمنى كثيف. لتبدو الدولة، فى قراءتها للمكان، لا ترى مجتمعًا يحتاج إلى إدماج، بقدر ما ترى منطقة تحتاج إلى ضبط.

لا يُختزل توصيف البلوش كـ«تهديد أمنى» فى أفعال بعينها، بقدر ما يتشكل داخل الموقع الذى وُضعوا فيه. موقع تتداخل فيه الجغرافيا مع المذهب، ويتقاطع فيه الفقر مع الحدود، بحيث لا يُقرأ الفرد بمعزل عن هذا السياق، وإنما من خلاله. ومن ثم، لا يصبح الاشتباه استثناءً.. بل نمطًا مستقرًا فى النظر، يبدأ من المكان، ويمتد إلى الإنسان نفسه».

من المطالب إلى السلاح: كيف يتغير شكل الصوت؟

لا يتحرك الصوت فى سيستان وبلوشستان فى اتجاه واحد، إذ يكشف تتبع مساره عن تداخل مستويات مختلفة، لا تبدأ جميعها من النقطة نفسها، ولا تنتهى عند الهدف ذاته. ففى هذا الإقليم، لا يمكن الحديث عن خطاب واحد، بقدر ما يمكن الحديث عن طبقات؛ تبدأ من مطالب داخل الدولة، وتمتد إلى تصورات تتجاوزها، تصل، فى بعض صورها، إلى فكرة استعادة كيان كامل.

البداية لم تكن هنا. فقبل أن يظهر السلاح، لم يكن الخطاب البلوشى يتجاوز، فى معظمه، المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية، ورفع مستوى الخدمات، وإتاحة مساحة أكبر للتعبير الدينى السُّنى داخل الدولة. غير أن هذا المسار، مع الوقت، لم يختفِ، لكنه لم يبقَ وحده.

ومع مطلع الألفية، بدأ يتشكل مستوى آخر، أكثر حدة، تمثل فى ظهور تنظيم «جند الله» بقيادة عبد المالك ريغى. هذا التنظيم لم يطرح نفسه، فى بدايته، كحركة انفصالية صريحة، إنما كمدافع عن حقوق البلوش السُّنة، فى مواجهة ما اعتبره تهميشًا ممتدًا. غير أن أدواته، القائمة على العمل المسلح، نقلت الإقليم إلى مساحة مختلفة، لم يعد فيها الصوت محصورًا فى المطالبة، فقد ارتفع إلى حد المواجهة.

ومع تفكك هذا التنظيم بعد ٢٠١٠، لم تختفِ الفكرة التى حملها، فقد أعادت إنتاج نفسها فى صورة أخرى، عبر «جيش العدل»، الذى أعلن عن نفسه عام ٢٠١٢. وهنا، لا يبدو التطور فى الشكل فقط، بل فى الخطاب أيضًا. إذ لم يعد الحديث مقتصرًا على الحقوق، حيث بدأ تدريجيًا فى الاقتراب من تصور أوسع، يربط بين الهوية البلوشية السُّنية، وبين فكرة «تحرير الإقليم»، فى مواجهة ما يُقدَّم كهيمنة للدولة.

فى هذا المستوى، لا يظهر البعد الدينى منفصلًا عن القومى، إذ يتداخل معه. فخطاب هذه الجماعات لا يتحدث فقط عن السُّنة، وإنما عن البلوش ككيان، له تاريخ، وله امتداد، ويُفترض—فى بعض التصورات— أن يستعيد موقعه. ومن هنا، يظهر استدعاء فكرة «بلوشستان التاريخية»، لا كمرجعية ثقافية فقط، ولكن كإطار سياسى محتمل، حتى وإن لم يتحول إلى مشروع مكتمل.

غير أن هذا الاتجاه، رغم حضوره، لا يقف وحده. إذ يتشكل إلى جواره مسار آخر، أقل ظهورًا داخل الإقليم، وأكثر حضورًا خارجه، يتمثل فى تنظيمات وشخصيات سياسية تنشط فى المنفى. ومن بين هذه الأسماء، يبرز ناصر بليدة، المرتبط بحزب الشعب البلوشى، الذى يتبنى خطابًا أكثر وضوحًا فى الحديث عن حق البلوش فى الاستقلال.

هذا الخطاب لا يتحرك فى المنطقة الرمادية نفسها، بل يطرح الفكرة بشكل مباشر: بلوشستان ككيان منفصل وحق تقرير المصير بوصفه مسارًا مشروعًا. لكن هذا المستوى، رغم وضوحه، يظل مرتبطًا فى الغالب بنشطاء الخارج، أكثر منه بحالة جماهيرية واسعة داخل الإقليم، حيث لا يزال الجزء الأكبر من الحركة يتحرك داخل إطار الدولة، حتى وإن كان هذا الإطار محل نزاع.

بيد أن ما يلفت النظر أن هذه المستويات لا تلغى بعضها، بل تتجاور. فالمطالب لا تختفى مع ظهور السلاح، كما أن خطاب الاستقلال لا يعنى بالضرورة غياب من لا يزال يطالب بالإصلاح. كأن المشهد لا يتحول من حالة إلى أخرى، إذ يتسع ليشملها جميعًا فى الوقت نفسه.

قد لا يكون السؤال الآن: عن أى هذه التيارات يمثل البلوش، بقدر ما يصبح عن المسار الذى يجعل كل هذه الاتجاهات ممكنة. إذ لا يظهر الخطاب الانفصالى فى البداية، كما لا يولد العمل المسلح من فراغ، هما يتشكلان عند نقطة تتقاطع فيها عناصر متعددة؛ تهميش، موقع، هوية، وتجربة ممتدة من عدم الاستجابة.

بالنهاية، لا يمكن قراءة ما يجرى فى بلوشستان بوصفه حركة واحدة، بل كحالة تتوزع بين مستويات؛ من المطالبة، إلى الاحتجاج، إلى السلاح، إلى خطاب الاستقلال. مسارات لا تبدأ جميعها من النقطة نفسها، لكنها تلتقى عند لحظة واحدة، حين لا يعود السؤال فقط: ماذا يريد البلوش؟ بل: ما الذى تبقى لهم من طرق ليقولوه؟

لماذا لا نراهم؟

لا يعكس توارى البلوش عن المشهد هدوءًا بقدر ما يعكس غيابًا آخر، يتعلق بما يُروى أصلًا. ففى الوقت الذى تحضر فيه قضايا أخرى داخل إيران— كالأكراد أو الأهواز— فى مساحة أوسع من التغطية والتحليل، يظل بلوشستان أقرب إلى الهامش، ليس لأن ما يحدث فيه أقل، بل لأن ما يجرى لا يجد الطريق نفسه إلى الظهور. كأن المسألة لا تتعلق بندرة الوقائع، بقدر ما تتصل بضيق المسارات التى تحمل هذه الوقائع إلى المجال العام، أو تعيد صياغتها بحيث تصبح قابلة للرؤية.

الغياب فى حالتهم لا يرتبط بعامل واحد، بقدر ما يتشكل عبر طبقات متداخلة. فالإقليم، بحكم موقعه الجغرافى، بعيد عن المركز، كما أن طبيعته الحدودية، وما يرتبط بها من حساسية أمنية، تجعل الوصول إلى تفاصيل ما يجرى داخله أكثر صعوبة. غير أن هذه العوامل، على أهميتها، لا تفسر وحدها هذا الاختفاء شبه المستمر. إذ لا يتراجع حضور القضايا فقط لأنها بعيدة، بل لأنها تظل، فى كثير من الأحيان، داخل دوائر مغلقة، لا تنتقل منها إلى ما هو أوسع.

وترتبط المسألة أيضًا بطبيعة القصة نفسها. فالقضية البلوشية لا تُقدَّم فى صورة واحدة سهلة الالتقاط؛ ليست صراعًا قوميًّا واضحًا كالذى يظهر فى الحالة الكردية، ولا تحمل البعد النفطى الصريح الذى يجعل من الأهواز ملفًا حاضرًا فى الحسابات الإقليمية. هى حالة أكثر تركيبًا، تتداخل فيها الدين مع الجغرافيا، والفقر مع الأمن، دون أن تختزل فى عنوان واحد. كأنها، فى كل مرة، تفلت من التعريف الجاهز، فلا تُلتقط بسهولة، ولا تُعاد صياغتها فى سردية مستقرة.

مع ميل الإعلام بطبيعته إلى ما يمكن تبسيطه، تبدو الحالة البلوشية أقل قابلية «للتسويق». فهى لا تقدم صورة جاهزة، ولا سردية واضحة يمكن تكرارها بسهولة، و تحتاج إلى تفكيك، وهو ما يجعلها، فى كثير من الأحيان، خارج دائرة الضوء. ليس لأنها بلا أهمية، إنما لكونها لا تمنح القارئ اختصارًا سريعًا لما يحدث، ولا تضعه أمام إجابة مباشرة يمكن تبنيها دون تردد.

أما على صعيد الداخل، فلا يبدو أن هذا الغياب منفصل عن طبيعة التعامل مع الإقليم نفسه. فالمساحات المتاحة للتعبير محدودة، والقدرة على نقل ما يحدث إلى الخارج تمر عبر قنوات ضيقة، ما يجعل كثيرًا من الوقائع، حتى حين تحدث، تظل محصورة فى نطاقها الجغرافى، دون أن تتحول إلى قضية عامة. فالحدث، كى يُرى، لا يكفى أن يقع،ويحتاج إلى من يلتقطه، ويعيد تقديمه، ويمنحه صيغة قابلة للتداول.

ومن ثم لا يعود السؤال عن سبب غياب البلوش، بقدر ما يصبح عن الشروط التى تجعل أى قضية مرئية. إذ لا يكفى أن يكون هناك توتر، أو حتى عنف، كى يتحول إلى قصة تُروى، يقتضى الأمر إطارًا يمكن من خلاله تقديم هذا التوتر، وربطه بسياق أوسع، يمنحه معنى يتجاوز حدوده المباشرة، ويجعله قابلًا للانتشار.

إذًا، لا تقف المسألة عند ما يُرى من بلوشستان، بل عند الكيفية التى يُعاد بها ترتيب هذا المرئى نفسه. فبين ما يحدث وما يُلتقط، مساحة تعمل بصمت، تحدد ما يدخل إلى الحكاية.. وما يظل على هامشها».