الأهــــواز.. أسرار العرب المعارضون لـ «الملالى»
الأهواز ليست مجرد إقليم عربى على الخريطة الإيرانية، وإنما مساحة تتجاور فيها لغتان وثقافتان وذاكرتان مختلفتان. وفى هذا التداخل بين الجغرافيا والهوية تتشكل حكاية مجتمع عربى يعيش داخل دولة فارسية، يحاول أن يحفظ لغته ويستدعى ذاكرته فى الشعر والحكايات والعادات، كأن الثقافة هنا ليست مجرد ميراث قديم، وإنما خيط يصل الحاضر بماضٍ لم ينقطع فى الوجدان.
ولأن الهوية لا تعيش فى الكتب وحدها، بل فى تفاصيل الحياة اليومية، تبدو الأهواز أقرب إلى فسيفساء اجتماعية تتجاور فيها القبيلة مع المدينة، والعربية مع الفارسية، والذاكرة المحلية مع سرديات الدولة الحديثة. فهناك، حيث يجرى نهر كارون بين البيوت والحقول، ظل المجتمع يحتفظ بكثير من ملامحه القديمة حتى بعد أن تغير الإطار السياسى الذى تشكلت داخله هذه الحياة لقرون طويلة.
لقد طبع التاريخ العربى للمنطقة بصماته على أسماء المدن والقبائل، وفى التراث الشفاهى الذى تناقلته الأجيال، وفى الشعر الذى ظل أحد أكثر أشكال التعبير حضورًا عن الأرض والهوية. وربما لهذا بقيت الثقافة، بما تحمله من لغة وطقوس وعادات، مساحة تحفظ الذاكرة وتمنح المجتمع قدرة على الاحتفاظ بملامحه الخاصة داخل واقع سياسى أوسع. غير أن الأهواز ليست فقط موطنًا لذاكرة ثقافية ممتدة، فهى أيضًا واحدة من أكثر مناطق إيران ثراء بالموارد الطبيعية، حيث تقع فى قلب الحوض النفطى للبلاد. لذا تتقاطع فى الإقليم ثلاث طبقات متشابكة: هوية عربية ضاربة الجذور، وثروة اقتصادية هائلة، وبنية دولة مركزية تحكمها حسابات السياسة والموارد.
ومن ثم فإن الحديث عن الأهواز يتحرك بطبيعته بين أكثر من مستوى؛ بين الثقافة التى تحفظ الذاكرة، والسياسة التى ترسم الإطار العام للحياة، والاقتصاد الذى يضيف بعدًا آخر إلى معادلة معقدة تتجاور فيها الأرض والهوية والسلطة.

الذاكرة العربية للأهواز.. الجغرافيا- القبيلة- الإمارة
قبل أن تصبح الأهواز محافظة إيرانية تحمل اسم «خوزستان»، كانت هذه المنطقة جزءًا من فضاء عربى أوسع يمتد على ضفاف الخليج وجنوب العراق. فالجغرافيا هنا لعبت دورًا حاسمًا فى تشكيل ملامحها التاريخية؛ تقع الأهواز بين العراق والخليج العربى، ويخترقها نهر كارون الذى ظل عبر قرون شريان الحياة الرئيسى للمنطقة، رابطًا بين القرى والقبائل وموانئ التجارة، ما جعل المنطقة على تماس دائم مع المجال العربى فى جنوب العراق وسواحل الخليج.. وعلى امتداد هذه الضفاف تشكل مجتمع له علاقاته الاقتصادية والثقافية مع الموانئ العربية القريبة، حتى بدت المنطقة أقرب إلى حلقة وصل بين ضفتين عربيتين أكثر منها هامشًا بعيدًا عن محيطها.
قبل أن تصبح الأهواز محافظة إيرانية كانت جزءًا من فضاء عربى واسع امتد عبر ضفاف الخليج وجنوب العراق
ومع هذا الموقع الجغرافى تشكل الحضور العربى فى الأهواز عبر القبائل التى استقرت فى المنطقة منذ قرون، وأسهمت فى بناء بنيتها الاجتماعية. فقد عرفت المنطقة قبائل عربية عديدة، مثل بنى كعب وبنى طرف وآل كثير وبنى لام، وغيرها من القبائل التى امتدت مواطنها بين جنوب العراق وسهول الأهواز وسواحل الخليج. ولم يكن وجود هذه القبائل مجرد استقرار سكانى عابر، إذ تشكلت حوله أنماط من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية القائمة على القبيلة واللغة والعادات المشتركة، لتصبح العربية لغة الحياة اليومية ومجالس القبائل فضاءً تتشكل فيه الروابط الاجتماعية وتُروى فيه حكايات الأرض والأنساب.
وفى قلب هذا الحضور القبلى برزت إمارة «بنى كعب» بوصفها التجربة السياسية الأبرز للعرب فى الأهواز. فقد تمكن شيوخ بنى كعب منذ القرن الثامن عشر من بسط نفوذهم على مساحات واسعة من الإقليم، مستفيدين من موقع المنطقة الاستراتيجى على الخليج ومن قوة القبائل التى ساندتهم. ومع مرور الوقت أصبحت الإمارة كيانًا سياسيًا واضح المعالم، حتى إن كثيرًا من المصادر التاريخية أطلقت على المنطقة اسم «عربستان» فى إشارة إلى طابعها العربى.
وفى القرن التاسع عشر تعزز نفوذ الإمارة بشكل أكبر، خصوصًا فى عهد الشيخ خزعل الكعبى، ١٨٦١- ٢٧ مايو ١٩٣٦، الذى استطاع أن يحكم الأهواز لسنوات طويلة محتفظًا بقدر واسع من الاستقلال فى إدارة الإقليم. وقد نسج الشيخ خزعل علاقات مع القوى الإقليمية والدولية آنذاك، فحافظ على توازن دقيق فى علاقاته مع الدولة العثمانية من جهة، ومع البريطانيين الذين كان لهم حضور متزايد فى الخليج من جهة أخرى. غير أن هذه المعادلة لم تستمر طويلًا، إذ تغيرت موازين القوة مع صعود الدولة الإيرانية الحديثة فى عهد رضا شاه، الذى عمل على إخضاع الأقاليم الطرفية للسلطة المركزية. وفى عام ١٩٢٥ انتهت إمارة بنى كعب بعد أن أُزيح الشيخ خزعل عن الحكم، لتدخل الأهواز مرحلة جديدة ضمن حدود الدولة الإيرانية.
غير أن التحولات السياسية التى شهدتها المنطقة لم تمحُ آثار القرون التى تشكلت خلالها الحياة العربية فى الأهواز. فقد ظلت اللغة العربية حاضرة فى البيوت والمجالس، وبقيت الحكايات الشعبية وقصص الأنساب والبطولات تنتقل عبر الذاكرة الشفاهية من جيل إلى آخر. وفى قلب هذه الذاكرة ظل الشعر العربى الأهوازى أحد أكثر أشكال التعبير حضورًا عن الأرض والقبيلة والانتماء، حيث حملت القصائد والأهازيج الشعبية تفاصيل المكان وملامح الحياة التى عرفها المجتمع عبر تاريخه.
لا يقتصر الحضور العربى فى الأهواز على صفحات التاريخ، بل يتغلغل فى نسيج الواقع الاجتماعى للمنطقة حتى اليوم.. ففى إقليم خوزستان، الذى يمثل القلب الجغرافى للأهواز، يعيش ملايين العرب الذين تشير التقديرات إلى أن عددهم يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين نسمة، موزعين بين المدن الكبرى مثل الأهواز وعبادان والمحمرة، وبين القرى الممتدة على ضفاف كارون والسهول المحيطة به.
وعلى الرغم من التحولات السياسية التى شهدتها المنطقة عبر القرن الماضى، فقد احتفظ المجتمع الأهوازى بكثير من ملامحه الثقافية؛ فما زالت العربية حاضرة فى الحياة اليومية، وتظل العادات القبلية والروابط الاجتماعية عناصر أساسية فى تشكيل الهوية، كأن الذاكرة التى صنعتها الجغرافيا والقبيلة والتاريخ لا تزال تجد طريقها إلى الحاضر.

كيف عاشت العربية فى الأهواز رغم حضور لغة أخرى؟
إذا كانت الذاكرة العربية للأهواز قد تشكلت عبر الجغرافيا والقبيلة والتاريخ، فإن اللغة تظل أكثر مظاهر هذه الهوية حضورًا فى الحياة اليومية. فالعربية هنا ليست مجرد وسيلة للتخاطب، وإنما إطار ثقافى كامل تتشكل داخله العلاقات الاجتماعية والحكايات الشعبية والذاكرة المشتركة للمجتمع. وفى البيوت والمجالس والأسواق لا تزال العربية لغة الحديث اليومى، تنتقل من جيل إلى آخر بوصفها جزءًا من الإرث الثقافى الذى حملته القبائل واستقر فى تفاصيل الحياة.
اللغة ليست مجرد أداة للتواصل بل وعاء يحمل الثقافة والذاكرة
غير أن المشهد اللغوى فى الأهواز لا يقتصر على هذا الامتداد العربى، إذ تحضر الفارسية بوصفها لغة الدولة والتعليم والإدارة. فمنذ اندماج الإقليم فى الدولة الإيرانية الحديثة أصبحت الفارسية اللغة الأساسية فى المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية، ما أوجد حالة من الازدواج اللغوى بين المجالين الخاص والعام. ففى الوقت الذى يتحدث فيه الأهوازيون العربية داخل بيوتهم وبيئتهم الاجتماعية، يجدون أنفسهم أمام الفارسية فى فضاءات التعليم والعمل والحياة المؤسسية.
ولأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل وعاء يحمل الثقافة والذاكرة، فقد ترك هذا التداخل اللغوى أثره على الأجيال الجديدة فى الأهواز. فالأطفال ينشأون وهم يتنقلون بين لغتين؛ العربية التى يسمعونها فى البيت والبيئة الاجتماعية، والفارسية التى يتعلمون بها فى المدارس ويتعاملون بها فى المؤسسات الرسمية. ومع مرور الوقت يصبح هذا التوازن اللغوى جزءًا من التجربة اليومية للأهوازيين، حيث تتجاور اللغتان داخل حياة واحدة.
ولعل هذه الحالة تفتح سؤالًا ثقافيًا أوسع: كيف تعيش لغة فى المجال الخاص، حيث تتشكل الهوية والذاكرة، بينما تحضر لغة أخرى فى المجال العام الذى تُدار عبره مؤسسات الدولة والتعليم؟ سؤال يعكس فى جوهره طبيعة العلاقة بين الثقافة والسلطة، وبين اللغة بوصفها تعبيرًا عن الانتماء، واللغة بوصفها أداة للحياة داخل إطار سياسى أوسع.
قد تكمن الإجابة عن هذا السؤال فى طبيعة العلاقة بين المجالين اللذين تتحرك فيهما اللغتان. فاللغة التى تنمو داخل المجتمع وثقافته اليومية تصبح تعبيرًا عن الانتماء قبل أن تكون مجرد وسيلة للتواصل، بينما تتحرك اللغة التى تعتمدها الدولة داخل فضاء مختلف تحكمه ضرورات السلطة ومؤسساتها. ومن هنا لم يكن حضور الفارسية فى المجال العام مجرد تطور لغوى طبيعى، بل ارتبط ببنية الدولة الحديثة التى جعلتها لغة التعليم والإدارة والحياة المؤسسية. بينما استمرت العربية فى الأهواز بوصفها لغة الذاكرة والانتماء الثقافى، اللغة التى تتشكل داخلها العلاقات الاجتماعية وتنتقل عبرها الحكايات والتقاليد.
وبين هذين المستويين تتجلى طبيعة العلاقة بين الثقافة والسلطة، حيث تحتفظ الثقافة بلغتها فى المجال الاجتماعى الذى تنمو داخله الهوية، بينما تحضر لغة الدولة فى المجال العام الذى تنتظم داخله مؤسسات الحكم. وهو ما صنعته العربية فى الأهواز، فقد عاشت داخل المجال الاجتماعى والثقافى للمجتمع، حتى فى اللحظة التى وجدت فيها نفسها محاطة بلغة أخرى تحكم المجال الرسمى للدولة.
ربما يكشف استمرار العربية فى الأهواز عن معنى أبعد من مجرد الاستخدام اليومى للغة، إذ يبدو تمسك المجتمع بها كنوع من الإصرار الثقافى على الاحتفاظ بملامح هويته التاريخية، حتى وهو يتحرك داخل إطار سياسى وثقافى أوسع تسوده اللغة الفارسية.

الأدب الأهوازى
فى الأهواز لا تبدأ الحكاية بالكلمات، بل بالمكان. بالنهر الذى يشق السهل بهدوء، وبالنخيل الذى يقف طويلًا كأنه يحرس ذاكرة الأرض. هناك تشكلت العربية أولًا بوصفها لغة للحياة اليومية، لغة الأسواق والبيوت والمجالس، ثم ما لبثت مع الزمن أن تحولت إلى شىء أبعد من مجرد وسيلة للتخاطب؛ صارت وعاءً لذاكرة كاملة يحملها الشعر والأدب من جيل إلى جيل.
الأدب الأهوازى فى شعره وسرده إحدى أهم المساحات التى حفظت العربية داخل المجتمع
وحين تضيق مساحة اللغة فى المجال العام، كثيرًا ما تجد طريقها إلى الأدب. فالكلمة التى قد تضيق بها المنابر الرسمية، تتسع لها القصيدة، ويتسع لها السرد. وقد تحولت النصوص الأدبية فى الأهواز إلى مساحة بديلة تحفظ الذاكرة وتعيد صياغة الانتماء. لم يكن حضور العربية فى الأدب الأهوازى اختيارًا لغويًا بقدر ما كان امتدادًا طبيعيًا لعلاقة المجتمع بلغته؛ التى نمت داخلها الحكايات الشعبية، وتناقلتها المجالس القبلية، وتشكلت بها صور المكان الأولى.
ولعل الشعر كان الفن الأقرب إلى روح المجتمع الأهوازى، ففى المجالس واللقاءات الاجتماعية ظل الشعر العربى حاضرًا بوصفه لغة الوجدان الجماعى. لم تكن القصيدة مجرد نص أدبى يُلقى، بل كانت مساحة يستعيد فيها الأهوازيون علاقتهم بالأرض والقبيلة واللغة. ولهذا جاءت القصائد مشبعة بصور المكان؛ بالنهر الذى يجرى فى الذاكرة كما يجرى فى الأرض، وبالنخيل الذى يتحول فى المخيلة الشعرية إلى علامة للصمود والاستمرار.
ولم يكن هذا الحضور الشعرى معزولًا عن السياق الثقافى الأوسع للمنطقة، بل جاء امتدادًا لتقليد أدبى عربى ظل حاضرًا فى جنوب العراق والأهواز على السواء، حيث تتقاطع فيه الذاكرة القبلية مع صور المكان، وتتحول القصيدة إلى مساحة يستعاد فيها التاريخ الاجتماعى للمجتمع. فالشاعر فى هذا السياق لا يكتب عن تجربة فردية فحسب، بل يستحضر عبر اللغة ذاكرة جماعية تشكلت عبر الأجيال.
تحولت القصيدة لدى كثير من شعراء الأهواز إلى مساحة لاستعادة الهوية وإعادة صياغة الانتماء العربى
فى هذا المناخ الثقافى تحولت القصيدة لدى عدد من شعراء الأهواز إلى مساحة لاستعادة الهوية وإعادة صياغة الانتماء العربى فى مواجهة محاولات الطمس والتهميش. ومن بين هذه الأصوات يبرز الشاعر جبار الطائى، الذى يتوجه فى قصيدته «ابن الأحواز» بخطاب مباشر إلى المجتمع الأهوازى، قائلًا:
يا ابن أحواز متى تجرى خطانا
تمتطى المجد وتجتاح الهوانا
يا ابن أحواز متى تنضو قميصًا
فيه خذلانٌ وطمسٌ لذرانا
لا تبدو القصيدة هنا مجرد نص شعرى، بقدر ما تبدو نداءً ثقافيًا موجّهًا إلى الجماعة نفسها؛ فالشاعر يستدعى وعيًا بالذات الجمعية، ويطرح سؤالًا عن اللحظة التى تستعيد فيها الجماعة قدرتها على تجاوز حالة الانكسار. ولعل اللافت أن الخطاب هنا لا يكتفى باستحضار المعاناة، بل يحاول إعادة وصل الحاضر بسياق عربى أوسع، بحيث تصبح الهوية إطارًا يُعاد من خلاله تفسير الواقع.
وإذا كان هذا النداء المباشر يضع المجتمع فى قلب القصيدة، فإن ملامح الانتماء العربى تظهر بصيغة أخرى فى قصيدة «بلاد عربستان» للشاعر حسن الراوى، والذى يستعيد الجذور القبلية والذاكرة العربية للإقليم قائلًا:
أنا من بنى تميم من كعب من قحطان
أنا عربى يعيش فى زمن النسيان
فى عالم الهموم فى بلد الأحزان
فى أرض تسمى عربستان
هنا تتحول الهوية من خطاب موجّه إلى الجماعة إلى ما يشبه السيرة الذاتية الجمعية؛ فالشاعر لا يتحدث عن نفسه بوصفه فردًا، بل باعتباره امتدادًا لسلسلة تاريخية من الانتماءات القبلية والثقافية. حيث تلتقى القبيلة بالمكان وتصبح الأرض جزءًا من تعريف الذات. ويغدو استدعاء النسب والذاكرة محاولة لتثبيت حضور عربى يشعر أصحابه بأنه يتعرض للنسيان أو التهميش.
غير أن الشعر الأهوازى لم يكن مجرد تعبير جمالى عن المكان والذاكرة، بل تحول فى كثير من الأحيان إلى صوت يعبّر عن قضية الإقليم وتمسك أبنائه بهويتهم العربية. فقد حملت القصيدة لدى عدد من الشعراء طابعًا احتجاجيًا واضحًا، حيث أصبحت اللغة أداة للدفاع عن الهوية والتعبير عن الوعى بالقضية الأهوازية. وفد دفع بعضهم حياتهم ثمنًا لمواقفهم الثقافية والسياسية، ومن بينهم الشاعر حسن الحيدرى والشاعر ستار الصياحى، اللذان ارتبط اسماهما بتجربة شعرية حملت هموم المجتمع الأهوازى.
وفى إحدى قصائده يعبّر الشاعر حسن الحيدرى عن هذا الوعى الحاد بالهوية والقضية، حيث تتحول القصيدة إلى خطاب مباشر يواجه القمع ويعلن التمسك بالكرامة والانتماء، قائلًا:
بس أحچى يذبحونى
واعيش بذلّة يردونى
وأنا ابن أمى
وقلت هو اليعيش يموت
آخذها ردح من يمى للتابوت
وكما وجد الشعر الفصيح حضوره فى التعبير عن الهوية الثقافية للأهواز، شكّل الشعر الشعبى بدوره جزءًا حيًا من المشهد الثقافى فى المجالس والبيئات الاجتماعية، ولا سيما فن الأبوذية التى تتكون من أربعة أشطر تعتمد على الجناس الصوتى وتكثيف المعنى، وقد تحولت عبر الزمن إلى وسيلة للتعبير عن الحنين والذاكرة والانتماء. ومن ذلك ما قاله الشاعر الأهوازى الحاج خلف أبوريسان خانزادة:
من سابج أبانا العز وبيناه
عجد حبل الوصل بينى وبيناه
للى يسأل أظهرنه وبيناه
من مذحج أصلنا العربية
حيث يستحضر الشاعر قبيلة مذحج اليمنية، ليؤكد من خلالها الامتداد التاريخى للعرب فى المنطقة. وتكشف الأبوذية عن البعد الثقافى المشترك بين الأهواز وجنوب العراق، فهى تنتمى فى لغتها وإيقاعها إلى البيئة اللغوية الجنوبية التى تجمع ضفتى شط العرب، حيث تتقارب اللهجات وتتشابه الصور الشعرية، ما يعكس طبيعة المجال الثقافى الواحد الذى تشكل عبر التاريخ بين جنوب العراق والأهواز.
ويكشف تتبع الشعر الأهوازى عن ملاحظة لافتة، وهى أن جزءًا كبيرًا من هذا الشعر ظل ينتقل شفهيًا أكثر مما ينتشر عبر النشر المكتوب. فالتضييق على النشر باللغة العربية داخل الإقليم جعل مساحة النشر الأدبى محدودة، الأمر الذى دفع كثيرًا من الشعراء إلى تداول نصوصهم فى المجالس الشعبية أو عبر التسجيلات الصوتية. ليبدو الشعر فى الأهواز امتدادًا لتقليد ثقافى قديم ظل يعتمد على المجالس والرواية الشفهية بوصفهما وسيلتين لحفظ الذاكرة. فالشاعر لا يكتب نصًا فحسب، بل يستعيد عبر القصيدة تاريخًا اجتماعيًا وثقافيًا تشكل عبر الأجيال.
كما يمتد حضور العربية فى الأهواز إلى السرد الأدبى من قصة ورواية. فقد ظهرت خلال العقود الأخيرة كتابات حاولت توثيق الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع الأهوازى.
ومن بين الأسماء التى برزت فى هذا المجال الكاتب الأهوازى يوسف عزيزى بنى طرف، الذى قدّم فى كتابه «وراء الشمس» نصًا يجمع بين السيرة الذاتية والسرد الأدبى، حيث يسجل تجربته فى السجون الإيرانية ويقدم فى الوقت نفسه تأملات فى معنى الهوية والانتماء.
كما يظهر البعد الاجتماعى والثقافى للأهواز فى كتابه «القبائل والعشائر العربية فى عربستان»، الذى يقدم سردًا تاريخيًا واجتماعيًا للحياة القبلية فى الإقليم، كاشفًا عن طبيعة العلاقة بين الأرض واللغة والهوية.
تكشف هذه الكتابات السردية عن بُعد آخر للأدب الأهوازى، حيث لا يكتفى الكاتب بتسجيل الوقائع الاجتماعية، ولكنه يعيد من خلال القصة والرواية صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان. فالنهر والنخيل والقرية ليست مجرد عناصر فى الخلفية السردية، بل مكونات أساسية فى تشكيل الهوية الثقافية للشخصيات.
إن الأدب الأهوازى، فى شعره وسرده، إحدى أهم المساحات التى حفظت العربية داخل المجتمع. ففى الوقت الذى ضاقت فيه مساحات اللغة فى المجال الرسمى، ظلت القصيدة والحكاية مجالًا أوسع لبقاء الذاكرة. ومن خلال هذه النصوص ظل الأهوازيون يعيدون صياغة علاقتهم بالأرض واللغة والتاريخ، وكأن الأدب هنا لم يكن مجرد فعل كتابة، بل شكل من أشكال المقاومة الثقافية التى تحافظ بها المجتمعات على هويتها حين تضيق بها الجغرافيا والسياسة.

الجيل الجديد.. حين تعيد الهوية ترتيب ملامحها
لا تتغير الهويات الثقافية فى لحظة واحدة، لكنها تميل مع الزمن إلى إعادة ترتيب ملامحها كلما تبدلت الظروف التى تعيش داخلها. وما يجرى اليوم فى المجتمع الأهوازى يبدو أقرب إلى هذه اللحظة الهادئة من التحول، لحظة لم تختفِ فيها الذاكرة القديمة، لكنها لم تعد الإطار الوحيد الذى تتحرك داخله الحياة الثقافية. فالعالم الذى كان يصوغ تجربة الأجيال السابقة- عالم القبيلة واللغة والطقوس اليومية- لم يعد وحده حاضرًا فى تشكيل وعى الجيل الجديد، إذ دخلت إلى المشهد عناصر أخرى أعادت صياغة العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وبين الهوية وحدودها الثقافية.
استمرار العربية فى الأهواز ليس مجرد عادة لغوية بل تعبير ثقافى عن تمسك المجتمع بملامح هويته التاريخية
ينتمى شباب الأهواز اليوم إلى زمن مختلف، تتحرك فيه الثقافة عبر الشاشات بقدر ما تتحرك فى البيوت والأسواق. فقد فتح الإنترنت فضاءً واسعًا للتواصل مع المحيط العربى، وصنعت الهجرة جسورًا بين الداخل والشتات، فيما أوجد التعليم بلغة مختلفة تجربة يومية من التنقل بين عالمين لغويين وثقافيين. ومع هذه التحولات لم تعد الهوية مجرد ميراث يُتوارث بهدوء، بل أصبحت سؤالًا يعيش داخل التجربة اليومية للشباب، يظهر فى اللغة التى يستخدمونها، وفى أشكال التعبير التى يختارونها، وفى الطريقة التى يحاولون بها التوفيق بين ذاكرة قديمة وعالم يتغير بسرعة.
يأتى الإنترنت فى مقدمة هذه التحولات. فشبكات التواصل الاجتماعى لم تفتح فقط نافذة أوسع على العالم، بل أعادت أيضًا وصل الأهوازيين بفضائهم العربى بعد عقود من العزلة الثقافية النسبية. فالشباب الذين يتحدثون العربية داخل بيوتهم باتوا يجدون فى الفضاء الرقمى مساحة أوسع للتواصل مع ثقافات عربية أخرى، سواء عبر الموسيقى أو الأدب أو النقاشات الفكرية. ومع هذا الاتساع لم يعد الانتماء الثقافى محصورًا داخل حدود الجغرافيا، إنما أصبح يتحرك داخل فضاء رقمى واسع تتقاطع فيه الخبرات والهويات.
وإلى جانب الإنترنت لعبت الهجرة دورًا مهمًا فى هذه التحولات. فخلال العقود الأخيرة غادر عدد من الأهوازيين إلى دول عربية وأوروبية مختلفة، الأمر الذى خلق شبكة واسعة من العلاقات الثقافية والاجتماعية خارج الإقليم. ومع الوقت أصبح هذا الشتات الأهوازى جزءًا من المشهد الثقافى الجديد، حيث تنتقل الأفكار والمنتجات الثقافية بين الداخل والخارج عبر الأفراد والعائلات، فتتشكل طبقة جديدة من التجارب التى تجمع بين الذاكرة المحلية والانفتاح على العالم.
أما التعليم فقد أضاف بدوره طبقة أخرى من التعقيد. فالدراسة باللغة الفارسية داخل المؤسسات التعليمية الرسمية جعلت الأجيال الجديدة تتحرك يوميًا بين عالمين لغويين وثقافتين مختلفتين: عالم البيت الذى تظل فيه العربية حاضرة بوصفها لغة العائلة والذاكرة، وعالم المدرسة والجامعة الذى تتحرك فيه الفارسية كلغة للمعرفة والإدارة. وفى هذا التداخل بين اللغتين تنشأ تجربة ثقافية مزدوجة يتعلم فيها الجيل الجديد كيف يتنقل بين أكثر من إطار ثقافى فى الوقت نفسه.
ومع تغير هذه الظروف بدأت أدوات التعبير الثقافى نفسها تتبدل. فالثقافة الأهوازية التى ارتبطت طويلًا بالشعر والرواية الشفوية لم تعد تقتصر على هذه الوسائل وحدها. بل ظهر جيل يستخدم الموسيقى الحديثة، والكتابة الرقمية، والفنون البصرية ليعبّر عن تجربته بلغة أقرب إلى زمنه. ولم تختف القصيدة من المشهد، لكنها لم تعد الصوت الوحيد، فقد ظهرت إلى جانبها أشكال متعددة من التعبير تحاول أن تصل بين الذاكرة الثقافية القديمة وإيقاع العالم المعاصر.
فى هذا المشهد المتغير لا تبدو الهوية الثقافية وكأنها تتراجع، بل كأنها تدخل مرحلة إعادة تشكيل. فالهويات نادرًا ما تختفى دفعة واحدة، لكنها تعيد ترتيب نفسها كلما تغيرت الظروف التى تعيش داخلها. وما يجرى فى الأهواز اليوم أقرب إلى لحظة عبور ثقافى تتجاور فيها الذاكرة القديمة مع أدوات التعبير الجديدة، بينما يحاول الجيل الشاب أن يصوغ موقعه بين إرث عربى طويل وعالم سريع التحول.
ويبقى سؤال المستقبل مفتوحًا: كيف ستبدو هذه الهوية فى السنوات المقبلة؟ هل تحتفظ بملامحها القديمة داخل الأشكال الجديدة للتعبير، أم تنتج صيغة مختلفة من الحضور الثقافى؟ ما يبدو حتى الآن أن الثقافة، مثل النهر الذى يمر عبر الإقليم، قد يتغير مجراه مع الزمن، غير أن منابعه الأولى تظل حاضرة فى عمق مساره.

الطقوس والعادات.. أرشيف حى لذاكرة المجتمع
لا تُحفظ الهوية الثقافية دائمًا فى النصوص الكبرى أو فى الكتب وحدها، ففى كثير من الأحيان تبقى ملامح المجتمع محفوظة فى تفاصيل تبدو عادية للوهلة الأولى: طريقة الاحتفال، إيقاع الأغنية، شكل الثوب، أو حتى طريقة استقبال الضيوف. وفى الأهواز تبدو التفاصيل اليومية كأنها سجل غير مكتوب لذاكرة الجماعة؛ ذاكرة تتشكل عبر الطقوس والعادات التى تواصل الحياة داخلها، جيلًا بعد جيل. وتكشف فى الوقت نفسه عن تشابه واسع مع أنماط الحياة فى المجتمعات العربية المحيطة، ولا سيما فى جنوب العراق والخليج.
فى طقوس الأعراس والمجالس والأغانى الشعبية تتجلى ملامح ثقافة حافظت على امتدادها
فى الأعراس مثلًا يتجسد هذا المعنى بوضوح. فالزواج هناك ليس مجرد مناسبة عائلية ضيقة، بل حدث اجتماعى واسع تتحول فيه القرية أو الحى إلى فضاء احتفالى ممتد. تمتد الليالى أحيانًا لعدة أيام، تتعاقب خلالها الأهازيج الشعبية والرقصات الجماعية التى تقودها الدفوف والتصفيق مشابه لما هو مألوف فى كثير من المجتمعات العربية.

ومن بين الطقوس التى تحافظ على حضورها ليلة الحناء، وهى طقس معروف فى عدد كبير من المجتمعات العربية. تجتمع نساء العائلة حول العروس فى مشهد احتفالى تختلط فيه الزينة بالغناء والضحكات، بينما تُرسم الحناء على كفى العروس فى أجواء تتردد فيها أغانٍ تقليدية توارثتها الأجيال. وفى هذه اللحظة يبدو الاحتفال وكأنه استعادة لذاكرة اجتماعية ممتدة، إذ تحمل الأغنيات والطقوس تفاصيل من تاريخ طويل من العادات المشتركة فى البيئات العربية.
ولا تكتمل صورة العرس دون حضور الهوسات، تلك الأهازيج الجماعية التى يتناوب الرجال على إنشادها فى ساحة الاحتفال. يقود أحدهم الإيقاع بصوت مرتفع، ثم يردده الحضور فى صيغة جماعية تترافق مع التصفيق وضرب الأرض بالأقدام. وفى هذه اللحظة لا يبدو العرس مجرد مناسبة فردية تخص عائلة بعينها، بل يصير طقسًا اجتماعيًا يعيد تأكيد روح الجماعة. ولعل التشابه الواضح بين هذه الهوسات وما يُعرف فى جنوب العراق يكشف عن امتداد ثقافى أوسع يتجاوز الحدود السياسية المعاصرة.
أما فى المناسبات الدينية فتظهر ملامح أخرى لهذا الامتداد الثقافى. فمع حلول شهر محرم تتغير ملامح المدن والقرى فى الأهواز، إذ تبدأ المجالس الحسينية فى استقبال الحضور، وتخرج المواكب التى تتردد فيها المراثى والقصائد الدينية. وتتشابه هذه المشاهد بدرجة كبيرة مع ما يُعرف فى المجتمعات الشيعية العربية فى العراق والبحرين وبعض مناطق الخليج، حيث تتحول ذكرى عاشوراء إلى لحظة جماعية يلتقى فيها البُعد الدينى بالبعد الاجتماعى، فتجتمع العائلات والأحياء حول طقوس مشتركة تعيد استحضار الذاكرة الدينية والتاريخية.
وفى الحياة اليومية يظهر وجه آخر لهذا التشابه الثقافى فى تقليد المضايف القبلية. فالمضيف ليس مجرد مجلس للضيافة، بل مساحة اجتماعية تلعب دورًا مهمًا فى حياة المجتمع. هناك تُستقبل الوفود، وتُناقش شئون الناس، وتُحل الخلافات أحيانًا بعيدًا عن المؤسسات الرسمية. وتشبه هذه الوظيفة الاجتماعية ما تؤديه المضايف أو المجالس القبلية فى بعض مناطق الجزيرة العربية، حيث يظل المجلس فضاءً يجمع بين الضيافة والتشاور والحفاظ على العلاقات الاجتماعية. وفى هذا الفضاء تتجسد قيم ارتبطت طويلًا بالثقافة العربية.
حتى اللباس التقليدى يحمل بدوره إشارات واضحة إلى هذا الامتداد الثقافى. فلا يزال كثير من الرجال فى البيئات الريفية يرتدون الثوب العربى الطويل مع الغترة أو العقال، وهى هيئة تتقاطع مع ما هو شائع فى الخليج وجنوب العراق. أما ملابس النساء فتتميز بأقمشة مطرزة وألوان لافتة، تعكس ذائقة جمالية ارتبطت طويلًا بالبيئة الجنوبية العربية. وبينما تتغير أنماط الحياة تدريجيًا، يظل هذا اللباس شاهدًا على استمرار عناصر من الهوية الثقافية داخل تفاصيل الحياة اليومية.
ولعل ما يلفت الانتباه فى هذه الطقوس والعادات أنها لا تعمل بوصفها مجرد ممارسات اجتماعية منفصلة، بل كشبكة من الرموز التى تعيد تشكيل معنى الانتماء داخل المجتمع. ففى العرس، والمجلس الدينى، والمضيف القبلى، حتى فى الأغنية الشعبية، يتكرر حضور الجماعة بوصفها إطارًا حاضنًا للحياة اليومية. وربما لهذا تبدو هذه التفاصيل الصغيرة أكثر قدرة على حفظ الهوية من كثير من الخطابات الكبرى.
هكذا تبدو الحياة اليومية فى الأهواز وكأنها أرشيف حى لذاكرة المجتمع. ففى طقوس الأعراس، وأجواء المجالس الحسينية، وأصوات الأغانى الشعبية، تتشكل صورة ثقافة حافظت على امتدادها العربى عبر الزمن. وحين تتأمل هذه التفاصيل المتناثرة تبدو كأنها خيوط دقيقة تنسج معًا حكاية مجتمع يقاوم الذوبان ويجاهد ليحتفظ بملامحه الثقافية.

«قلب إيران النفطى».. الثروة ترسم مصير الإقليم
يصعب قراءة التحولات التى عرفتها الأهواز خلال القرن الماضى دون التوقف أمام عامل آخر ظل حاضرًا فى خلفية المشهد كله: النفط. فهذه المنطقة الواقعة فى جنوب غرب إيران ليست فقط موطنًا لمجتمع عربى حافظ على خصوصيته الثقافية عبر عقود طويلة، بل هى أيضًا واحدة من أكثر مناطق البلاد ثراءً بالموارد الطبيعية. ومع اكتشاف النفط تبدلت مكانة الإقليم تدريجيًا، إذ لم يعد مجرد فضاء جغرافى تعيش فيه جماعة ثقافية مميزة، ولكنه صار جزءًا أساسيًا من معادلة الاقتصاد والطاقة فى الدولة الإيرانية.
تعود نقطة التحول الكبرى إلى عام ١٩٠٨، حين اكتُشف النفط فى منطقة مسجد سليمان، وهو الحدث الذى شكل بداية صناعة النفط فى إيران بأكملها. منذ تلك اللحظة أخذت خوزستان، التى تقع فى قلب الأهواز، تتحول إلى مركز رئيسى لإنتاج الطاقة، حيث تنتشر فيها الحقول النفطية والغازية التى تمثل نسبة كبيرة من الثروة الطبيعية للبلاد. ومع توسع عمليات الاستخراج خلال العقود التالية، تحول النفط من مجرد مورد اقتصادى، إلى عنصر يعيد رسم موقع الإقليم داخل الدولة.
ومع مرور الوقت أخذت صناعة النفط فى الإقليم تتسع بوتيرة أكبر، إذ تضم خوزستان اليوم عددًا من أهم الحقول النفطية فى إيران مثل حقول الأهواز وآغاجارى ومارون، وهى حقول تمثل نسبة كبيرة من إنتاج البلاد. تشير التقديرات إلى أن إقليم خوزستان، الذى يمثل القلب الجغرافى للأهواز، يحتوى على ما يقرب من ٨٠٪ من احتياطيات النفط البرية فى إيران، وينتج بين ٧٠ و٨٠٪ من النفط الخام فى البلاد، إلى جانب نسبة معتبرة من إنتاج الغاز.
ففى مدن مثل عبادان والمحمرة والأحواز بدأت ملامح هذا التحول تظهر بوضوح. فقد شهدت عبادان خلال النصف الأول من القرن العشرين إنشاء واحدة من أكبر المصافى النفطية فى العالم،. فالمصافى وخطوط الأنابيب وشبكات النقل المرتبطة فضلًا عن ارتباطه بموانئ قريبة من الخليج العربى تمثل منافذ رئيسية لتصدير النفط بصناعة النفط تجعل الإقليم ليس جزءًا أساسيًا من منظومة الطاقة فى البلاد، بل أيضًا من الخريطة العالمية للطاقة. ولهذا لا تبدو الثروة النفطية مجرد عنصر اقتصادى فى تاريخ الأهواز الحديث ومنذ ذلك الوقت ارتبط اسم خوزستان، فى الوعى الاقتصادى والسياسى، بإنتاج النفط وتصديره، لتصبح المنطقة «القلب النفطى لإيران».
بما يعنى أن حضور النفط فى الأهواز لم يقتصر على الجانب الاقتصادى. فالمناطق الغنية بالموارد الطبيعية غالبًا ما تكتسب وزنًا سياسيًا وأمنيًا أكبر داخل الدول التى تنتمى إليها. ولهذا اكتسب الإقليم أهمية خاصة فى حسابات الدولة الإيرانية، نظرًا للدور الحيوى الذى تلعبه حقوله النفطية فى قطاع الطاقة. ومع مرور الوقت أصبحت إدارة هذه الثروة جزءًا من المعادلة السياسية التى تحكم العلاقة بين المركز والأطراف.
فى ضوء هذه الخلفية تبدو الأهواز مثالًا واضحًا على إقليم تتقاطع فيه وفرة الموارد الطبيعية مع أسئلة الهوية والسياسة. فالثروة النفطية لم تغير فقط مكانة المنطقة الاقتصادية، بل أسهمت أيضًا فى جعلها أكثر حضورًا فى الحسابات الاستراتيجية للدولة. وهنا يصبح من الصعب النظر إلى مسألة الهوية فى الأهواز بمعزل عن هذه الخلفية الاقتصادية، إذ تضيف الموارد الطبيعية طبقات جديدة من التعقيد إلى العلاقة بين الإقليم والسلطة المركزية.

الجغرافيا تصنع السياسة.. الأهواز العربية فى المعادلة الإقليمية
ليس النفط وحده هو ما منح الأهواز هذا الوزن داخل المشهد الإيرانى والإقليمى، فالجغرافيا هنا لا تقل تأثيرًا عن الثروة. إذ يقع الإقليم فى نقطة تماس حساسة عند جنوب غرب إيران، حيث تلتقى حدود العراق بسواحل الخليج العربى، وتتداخل السهول الواسعة مع شبكة من الأنهار يتصدرها نهر كارون، النهر الوحيد الصالح للملاحة فى إيران. فى هذا الموضع الذى تتجاور فيه المياه بالسهول تشكلت عبر التاريخ مساحة لعبت دورًا يتجاوز حدودها المحلية، فهى منطقة عبرت منها طرق التجارة القديمة نحو موانئ الخليج، قبل أن تصبح لاحقًا جزءًا من خريطة الطاقة فى الشرق الأوسط.
هذه الجغرافيا منحت الأهواز موقعًا أقرب إلى جسر يربط بين الداخل الإيرانى وفضاء إقليمى أوسع. فمن ناحية تمتد سهول الإقليم باتجاه جنوب العراق، حيث تتقارب المدن والبيئات الاجتماعية على ضفتى شط العرب، وتظهر البصرة بوصفها أقرب الامتدادات الحضرية لهذا الفضاء الجغرافى المتصل. ومن ناحية أخرى يفتح الخليج العربى أمام المنطقة أفقًا بحريًا واسعًا، إذ تمر عبر مياهه أحد أهم خطوط نقل النفط والتجارة فى العالم. لذلك لا تبدو الأهواز مجرد إقليم حدودى، بل عقدة جغرافية تتقاطع عندها طرق الاقتصاد والسياسة فى المنطقة.
وانعكست حساسية هذا الموقع بوضوح خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامى ١٩٨٠ و١٩٨٨، حين تحولت أجزاء واسعة من خوزستان إلى ساحة رئيسية للمعارك. مدن مثل المحمرة وعبادان والأحواز وجدت نفسها فى قلب المواجهة العسكرية، ليس فقط لقربها من الحدود العراقية، بل أيضًا لارتباطها بالبنية الاقتصادية لصناعة النفط. وفى تلك السنوات كشفت الحرب بوضوح عن الوزن الاستراتيجى الذى يمثله الإقليم فى الحسابات العسكرية والسياسية للطرفين.
ويضاف إلى ذلك أن الأهواز تمثل بوابة إيران الأهم على الخليج العربى، وهو ما يمنحها بُعدًا إضافيًا فى معادلات الاقتصاد والطاقة. فالموانئ القريبة من الإقليم، إلى جانب شبكات الأنابيب التى تنقل النفط والغاز من الحقول الداخلية إلى الساحل، تجعل المنطقة جزءًا أساسيًا من منظومة الطاقة فى البلاد. وهنا تتحول الجغرافيا من مجرد إطار طبيعى للمكان إلى عنصر مؤثر فى السياسات التى تتبناها الدولة تجاه الإقليم، خاصة مع ارتباطه المباشر بقطاع يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الإيرانى.
فى هذا المشهد تبدو الأهواز نقطة التقاء لعدة عوامل فى آن واحد: ثروة طبيعية كبيرة، وموقع جغرافى حساس، وتركيبة سكانية تحمل خصوصية ثقافية واضحة. وحين تجتمع هذه العناصر فى مساحة واحدة، لا تبقى المسألة مجرد جغرافيا أو اقتصاد فحسب، إذ تكتسب مع الزمن أبعادًا سياسية أوسع. فالهويات المحلية فى مثل هذه البيئات كثيرًا ما تدخل فى تفاعل مع حسابات السلطة والثروة والموقع.
لهذا لم تعد مسألة الهوية العربية فى الأهواز مجرد تعبير ثقافى عن خصوصية اجتماعية، فقد أصبحت جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بمكانة الإقليم داخل الدولة وحدود دوره فى المعادلات الإقليمية. وهنا تتداخل أسئلة الثقافة مع اعتبارات الجغرافيا السياسية، ليظهر الإقليم فى صورة مساحة تتداخل فيها قضايا الانتماء مع حسابات الطاقة والحدود.
إذًا الأهواز أكثر من مجرد إقليم داخل حدود دولة. هو نقطة تتقاطع عندها خطوط الجغرافيا والطاقة والسياسة فى الشرق الأوسط، ولهذا يصعب فهم تاريخها الحديث أو تعقيداتها الثقافية بمعزل عن هذا الموقع الذى ظل يلعب دورًا مؤثرًا فى تشكيل مسارها عبر الزمن. وربما فى هذا الإطار أيضًا يمكن فهم كيف تحولت مسألة الهوية فى الأهواز، مع مرور الوقت، من خصوصية ثقافية إلى قضية سياسية أوسع .

من فكرة الحكم الذاتى إلى مطالب الدولة المستقلة
فى قلب النقاشات المرتبطة بالإقليم تبرز ما بات يُعرف فى الأدبيات السياسية باسم «القضية الأهوازية»، وهى تسمية تشير إلى الجدل المتواصل حول موقع الأهواز السياسى داخل الدولة الإيرانية. فالإقليم الذى حافظت هويته العربية على حضورها عبر اللغة والثقافة والحياة الاجتماعية، وجد نفسه مع مرور الزمن فى قلب معادلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الهوية بالثروة وبالجغرافيا السياسية.
«الأهواز ليست مجرد قضية حدود أو ثروة نفطية بل تجربة تتجاور فيها الهوية العربية مع حسابات السياسة والجغرافيا»
لم تظهر القضية الأهوازية فجأة فى الخطاب السياسى المعاصر، إذ تشكلت تدريجيًا عبر مسار طويل من المطالب السياسية التى بدأ بعضها منذ النصف الأول من القرن العشرين. فبعد ضم الإقليم إلى الدولة الإيرانية عام ١٩٢٥ وإنهاء حكم الشيخ خزعل الكعبى، بدأت بين بعض النخب العربية فى الأهواز نقاشات حول طبيعة العلاقة بين الإقليم والدولة المركزية، والتى تحولت مع مرور الزمن إلى خطاب سياسى يتحدث عن الأهواز بوصفها قضية قومية وسياسية تتعلق بمستقبل الإقليم.
غير أن هذه المطالب لم تنشأ فى فراغ سياسى خالص، وإنما ارتبطت أيضًا بالسياق الثقافى الذى حافظت فيه الهوية العربية فى الأهواز على حضورها عبر اللغة والأدب والطقوس اليومية. فالثقافة التى ظلت حاضرة فى الحياة الاجتماعية للإقليم كانت فى كثير من الأحيان الخلفية التى تشكلت فيها هذه النقاشات السياسية، حيث تداخل سؤال الهوية الثقافية مع سؤال الموقع السياسى للإقليم داخل الدولة الإيرانية.
فى السنوات الأولى التى تلت هذا التحول ظهرت محاولات مبكرة لطرح القضية على المستوى العربى. ففى عام ١٩٤٦ قدمت عشائر عربية من الأهواز مذكرة إلى جامعة الدول العربية تطالب فيها بعرض قضيتهم على مجلس الجامعة، داعية إلى النظر فى وضع الإقليم بعد ضمه إلى إيران. وتلت هذه المذكرة شكوى أخرى فى العام نفسه أكدت المطالب ذاتها، فى محاولة لجذب الانتباه العربى والدولى إلى ما اعتبره مقدموها قضية سياسية تتعلق بمصير الإقليم.
فى السياق نفسه، ظهرت فى الأربعينيات تنظيمات محلية حاولت التعبير عن هذه المطالب، من بينها جمعية الدفاع عن الأهواز التى سعت إلى لفت أنظار العالم إلى أوضاع العرب فى الإقليم، كما تأسس فى مدينة المحمرة تنظيم سياسى حمل اسم حزب السعادة وكان من بين أهدافه الدعوة إلى استقلال الأهواز.
ومع تطور الأحداث فى المنطقة خلال النصف الثانى من القرن العشرين، عادت القضية إلى الظهور فى صور تنظيمية مختلفة. فقد تأسست عام ١٩٧١ الجبهة الشعبية لتحرير الأهواز التى تبنت خطابًا قوميًا يدعو إلى تحرير الإقليم من السيطرة الإيرانية، وظهرت لاحقًا تنظيمات أخرى رفعت شعارات مشابهة بدرجات مختلفة.
لكن التحول الأكبر فى مسار القضية جاء بعد الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩. ففى تلك الفترة برزت قيادات عربية فى الإقليم حاولت طرح مطالب تتعلق بالحكم الذاتى والحقوق الثقافية. وقد توجه وفد يضم نحو ثلاثين شخصية سياسية من الأهواز إلى طهران والتقى قيادة الثورة الجديدة، فى محاولة للتوصل إلى صيغة تعترف بخصوصية الإقليم داخل الدولة الإيرانية. غير أن هذه المطالب لم تؤدِّ إلى تغييرات سياسية كبيرة، الأمر الذى أعاد طرح القضية فى الخطاب السياسى لاحقًا بصيغ أكثر حدة.
منذ تسعينيات القرن الماضى وبداية الألفية الجديدة بدأت تظهر تنظيمات أهوازية فى الخارج تتبنى خطابًا أوضح حول فكرة الاستقلال. وكان من أبرز هذه التنظيمات حركة النضال العربى لتحرير الأهواز التى تأسست عام ١٩٩٩، وتعلن فى برنامجها السياسى أن هدفها إقامة دولة عربية مستقلة فى الإقليم عبر الحصول على اعتراف دولى بحق تقرير المصير. وإلى جانبها ظهرت تنظيمات أخرى تحمل خطابًا قريبًا من هذا الطرح، مثل المقاومة الوطنية الأهوازية والجبهة العربية لتحرير الأهواز والجبهة الديمقراطية الشعبية الأهوازية، إضافة إلى التجمع الوطنى الأهوازى، وهى تنظيمات تنشط فى الغالب خارج إيران، خاصة فى أوروبا وبعض الدول العربية، وتسعى إلى طرح القضية الأهوازية على المستوى الدولى عبر المؤتمرات والبيانات السياسية.
وفى السنوات الأخيرة حاول بعض هذه القوى توحيد جهوده ضمن أطر تنظيمية مشتركة. فقد أُعلن فى لندن عام ٢٠٢٦ عن تشكيل مجلس تنسيق المنظمات الأهوازية الذى يضم عدة تنظيمات سياسية، من بينها الجبهة الديمقراطية الأهوازية والجبهة الشعبية الديمقراطية وحركة النضال العربى لتحرير الأهواز، ويهدف هذا المجلس إلى تنسيق العمل السياسى والدبلوماسى لتعزيز حضور القضية الأهوازية فى المحافل الدولية والتواصل مع جهات مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى وجامعة الدول العربية.
وفى إطار هذا النشاط الخارجى دعا بعض التنظيمات الأهوازية مرارًا إلى اعتراف عربى ودولى بما تصفه بـ«حق الشعب الأهوازى فى تقرير مصيره». وقد شملت هذه الدعوات مطالب موجهة إلى جامعة الدول العربية للاعتراف بالأهواز بوصفها دولة عربية «واقعة تحت الاحتلال»، والعمل على نقل القضية إلى المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامى.
ومع ذلك تبقى المطالب الأهوازية محل جدل سياسى كبير. فالدولة الإيرانية تعتبر إقليم خوزستان جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وترفض أى دعوات للانفصال أو الاستقلال. كما أن المجتمع الدولى لم يعترف حتى الآن بوجود دولة أهوازية مستقلة، ما يجعل القضية تتحرك أساسًا فى إطار النشاط السياسى والإعلامى للمنظمات الأهوازية فى الخارج.
لهذا تبدو القضية الأهوازية اليوم أقرب إلى ملف سياسى معقد يتداخل فيه التاريخ بالهوية وبالجغرافيا السياسية. فالإقليم الذى يمتلك ثروة نفطية كبيرة ويقع عند نقطة تماس حساسة بين إيران والعالم العربى يظل حاضرًا فى السجالات السياسية الإقليمية، بينما يستمر الجدل حول مستقبله بين من يطرح مطالب بالحقوق الثقافية داخل الدولة الإيرانية، ومن يذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى قيام دولة عربية مستقلة فى الأهواز.
القضية الأهوازية ثمرة تحولات بدأت ملامحها داخل المجتمع نفسه، فالمنطقة التى حافظت هويتها العربية على حضورها عبر اللغة والأدب وطقوس الحياة اليومية تجد نفسها اليوم داخل معادلة سياسية أوسع، تتشكل ملامحها عند نقطة التقاء بين الثقافة والجغرافيا والثروة فى قلب الشرق الأوسط.
بالنهاية الأهواز ليست مجرد قضية حدود أو ثروة نفطية، وإنما تجربة معقدة تتجاور فيها الثقافة مع السلطة، والذاكرة مع الجغرافيا، لتكشف كيف يمكن لهوية ما أن تستمر داخل إطار سياسى مختلف دون أن تفقد إحساسها بذاتها.







