السبت 28 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

الحب فى حضرة النبى.. كيف تشكّلت العاطفة داخل الدين؟

حرف

- صور الحب فى حياة النبى والصحابة.. كيف استجاب الرسول للعاطفة؟ 

- النبى لا يتخلّى عن إنسانيته داخل العلاقة ولا يرى فى المزاح نقصًا من مقامه

- حب النبى لعائشة كان نموذجًا لكيف يمكن للعلاقة أن تكون حيّة دون أن تفقد اتزانها

- الحب ليس عبئًا على الدين بل طريقة ترى فى الحب جزءًا من بناء الإنسان لا خطرًا يهدد هذا البناء

- لا يبدو الحب حالة استثنائية فى التجربة النبوية إنما لغة قائمة

على الرغم من أن الخطاب الدينى الراهن غالبًا ما يُقرأ من زاوية التشريع، بينما تُترك العاطفة فى الظل، بيد أن التجربة النبوية نفسها كانت ممتلئة بصور حب متعددة، لا تظهر دائمًا فى الصدارة، لكنها تتحرك فى العمق، كتيار خفى يُعيد تشكيل المعنى من الداخل.

هل كان الحب فى حياة النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، مجرد جانب إنسانى عابر، أم كان جزءًا من البنية التى تشكّل بها المجتمع الأول؟

بين هذين السؤالين، تتسع المسافة التى لا يملؤها الحكم وحده، بل التجربة بكل مفرداتها. فالنص قد يُنظّم، لكنه لا يخلق الشعور، بينما تكشف الوقائع عن أن العاطفة لم تكن طارئة على هذا البناء، ولا زائدة عنه، بقدر ما كانت حاضرة فى لحظاته الأكثر خصوصية، ثم تتسرّب بهدوء إلى المجال الأوسع، حيث تُعاد صياغتها دون أن تفقد دفئها.

فى حياة النبى وسيرته لم يتبدَّ الحب كحالة مثالية صافية، بل جاء محمّلًا بتعقيداته.. ذاكرة تقاوم الغياب، ومشاعر تُعلن دون مواربة، وأخرى تتعثر تحت ضغط الواقع. ومع ذلك، لم يُدفع إلى الهامش، ولم يُترك للفوضى، فقد جرى احتواؤه داخل نسق أوسع، يوازن بين اندفاع القلب وحدود العالم.

تأسيسًا على ذلك، لا تبدو قصص الحب مجرد حكايات تُروى على هامش السيرة، إذ هى إشارات إلى بُعد آخر فى التأسيس؛ حيث لا يُفصل الإنسانى عن القيمى، ولا يُختزل الدين فى أوامره، إنما يُقرأ أيضًا من خلال ما سمح به، وما اعترف بوجوده، وما أعاد توجيهه دون أن يلغيه.

خديجة.. حب استمر رغم الغياب

يأتى حب خديجة فى السيرة أقرب إلى قرار تشكّل بهدوء.. امرأة تملك المال والمكانة، تختار رجلًا لا يملك شيئًا من ذلك، لكنها ترى فيه ما يكفى لتستقر عنده. وفى لحظة كانت العلاقات تُبنى فيها على النسب أو القوة، جاء هذا الزواج من خارج القاعدة؛ لا استجابة لعاطفة عابرة، بل إدراكًا لقيمة مختلفة: أمانة، وصدق، وحضور مطمئن لا يفرض نفسه، لكنه لا يُخطئ. فالقصة بأكملها لم تبدأ بكلمة إنما بالفعل الذى يسبقها: الاختيار.

هنا، يُقرأ الحب بوصفه ثقة دفعت خديجة لأن تبادر، بدلًا من أن تنتظر، وأن تعرض، لا أن تُختار فقط. وفى سياقها الزمنى كانت هذه لحظة فارقة، المرأة لا تدخل القصة كموضوع، إنما كطرف فاعل فيها. ومن هذه البداية يتشكّل نمط غير مألوف من العلاقة، لا يقوم على تفوّق طرف، ولا على حاجة مؤقتة، بل على توازن صامت، ظل قائمًا حتى حين تبدّلت كل الظروف.

لحظة الارتباك الأولى كشفت إلى حد كبير عن مسارات الحب، لم يلجأ النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى جمهور، ولا إلى نص، لكنه تدثر بخديجة. الحب هنا لا يختزل فى كلمات دافئة بقدر ما ينعكس فى الاتجاه: إلى من تذهب حين يختل العالم؟ لم تسأله لتختبر صدقه، بل لتثبّته، حولت اللحظة داخله نحو يقين يستقر، وكأن العلاقة التى بدأت بالثقة، صارت قادرة على حمل ما هو أكبر من العاطفة نفسها. 

لكن ما يجعل التجربة أكثر تركيبًا أنها ظلت حاضرة رغم أنف الغياب. لم يتحول ذكر خديجة فى حياة النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى استدعاء لاسم من الماضى، بل عودة متكررة إلى النقطة التى بدأ منها كل شىء. لم تغب لتصير حكاية تُروى، فقد بقى أثرها ممتدًا بطريقة أخرى، وكأن العلاقة لم تُغلق، بل غيّرت شكلها فقط .

فى بيت عائشة تُذبح الشاة، فيقول النبى، صلى الله عليه وسلم: «أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة». تفصيلة قد تبدو عابرة، لكنها تكشف كيف استمرت ظلال الحب رغم الغياب؛ ليس فى الذكر وحسب، بل فى الفعل أيضًا. توارَت خديجة، وبقيت دائرتها حيّة، تُزار، وتُحفظ، ويُعاد وصلها.. وحين تدخل عجوز، فيُبالغ فى الترحيب بها، وعندما يُسأل عنها يقول: «إنها كانت تأتينا زمن خديجة»، هنا تستقبل المرأة بما تحمله من عبق وظلال، وكأن الذاكرة لا تُختزن فى الداخل، بقدر ما تُمارَس فى الخارج، عبر الناس، والعلاقات، والالتفاتات الصغيرة.

ثم تأتى عبارته الأكثر كشفًا «إنى قد رُزقت حبها» لتصف واحدة من أعلى مقامات الحب، يعترف به كرزق وعطية سكنت فيه، واستمرت حتى بعد أن انتهت شروطها الأولى. فالحب هنا لا يُروى كذكرى بل يُعاش بوصفه معنى ممتدًا. 

حتى غيرة عائشة نفسها لم تكن من حضور امرأة، بل من حضور معنى؛ إذ تقول إنها ما غارت من امرأة كما غارت من خديجة، رغم أنها لم ترها، لأن النبى، صلى الله عليه وسلم، كان يكثر من ذكرها. وهنا يتبدّى أن الحب ليس حضورًا فيزيائيًا، ولا وصالًا تقطعه الجغرافيا، ولا إحساسًا يتغذى فقط على القرب ثم يذبل بالبعد. الحب- فى جوهره- علاقة بالمعنى، لا بالمكان، وبالثبات، لا بالظرف.

من هنا، تتجاوز القصة حدودها الخاصة، فلا تعود مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل نموذجًا يعيد تعريف الارتباط نفسه، ليس بما يحدث أثناءه فقط، بل بالأثر وما يبقى منه بعد أن ينتهى.

عائشة.. الحب حين يسكن النبوة 

نُسِج حب النبى، صلى الله عليه وسلم، لعائشة على نحو مغاير لما تشكّلت به علاقته مع خديجة؛ فقد تسلل عبر التفاصيل الصغيرة، نبرة صوت، التفاتة، إيماءة لا تُرى إلا لمن يقترب، كأنه يمضى مع الحياة نفسها، ينساب فى يوميّاتها دون ضجيج، حتى يغدو جزءًا من إيقاعها الطبيعى، لا شيئًا طارئًا عليها.

ففى مجتمع لم يكن يعتاد إعلان العاطفة، حين سُئل النبى، صلى الله عليه وسلم: «من أحب الناس إليك؟ لم يتردد، لم يوارِ، قالها بوضوح: «عائشة»، جاءت الإجابة ككسرٍ لصمت طويل، فالحب هنا لا يُخفى خشيةً من الانتقاص، بل يُقال بوصفه صدقًا لا يحتاج إلى تبرير.

لكن العمق الحقيقى لا يظهر فى التصريح فقط، بل فى المشهد. تخرج معه فى سفر، فيسبقها مرة وتسبقه أخرى.

الحدث يبدو بسيطًا، سباق بين زوجين، لكنه يكشف عن طبقة أخرى. فالنبى، صلى الله عليه وسلم، فى موقع القيادة، لا يتخلّى عن إنسانيته داخل العلاقة، ولا يرى فى المزاح نقصًا من مقامه، إنما جزء من توازنه.

وفى ليلة أخرى، تقف عائشة خلفه تشاهد لعب الأحباش فى المسجد، فيظل النبى، صلى الله عليه وسلم، واقفًا حتى تملّ هى. يترك اللحظة تمتدّ على مهلها، دون أن يعيدها إلى ما ينبغى أن تكون عليه، وبما يكشف عن أن الاهتمام لا ينصرف إلى الفعل نفسه، قدر ما يتجه إلى من يشاركه.

ثم تأتى الغيرة.. تكسر إناء، فيجمع النبى، صلى الله عليه وسلم، الطعام بيده، ويقول ببساطة: «غارت أمكم».. لا توبيخ، لا إدانة، بل فهم.

ليؤكد أن المشاعر، حتى حين تتوتر، لا تُقمع، بل تُحتوى. وفى لحظة أخرى، يضع فمه على موضع فمها فى الإناء، ويشرب. تفصيلة شديدة الخصوصية، لكنها تكشف كيف أن الحب لم يكن- يومًا ما- فكرة عامة، إنما دفء خفى يُترجم إلى أفعال صغيرة، تحمل معناها دون ضجيج.

وحين مرض النبى، صلى الله عليه وسلم، فى أيامه الأخيرة، اختار أن يكون فى بيتها، أن يُمرّض بين يديها، وأن تكون هى آخر عهده بالدنيا. هنا يصل الحب إلى ذروته: لا فى لحظة قوة، بل فى لحظة ضعف.. حيث لا يبقى إلا الأقرب.

فى كل هذه الوقائع لا يظهر الحب بوصفه مثاليًا أو خاليًا من التوتر، إذ يبدو كحالة إنسانية كاملة: فيها لعب، وغيرة، وقرب، واحتياج. لكن الفارق أن هذه المشاعر لم تُترك لتتحول إلى فوضى، ولم تُقمع حتى تختفى، بيد أنها عاشت داخل توازن دقيق، يجعلها ممكنة دون أن تهدم ما حولها.

وهنا تحديدًا تتشكّل دلالة أعمق: حب النبى، صلى الله عليه وسلم، لعائشة لم يكن استثناءً عاطفيًا، بل كان نموذجًا لكيف يمكن للعلاقة أن تكون حيّة، دون أن تفقد اتزانها، وصادقة، من غير أن تتحول إلى عبء. الحب، فى هذه التجربة، لم يُختزل فى كونه شعورًا.. بل كان نمط حياة.

فى هذا السياق تكون عائشة أكثر من زوجة، موضع قربٍ شديد يتيح ظهور تفاصيل نادرًا ما تظهر فى حياة تُحاط بهذا القدر من الهيبة. نراها فى الحوار، فى الدعابة، فى الأسئلة التى تُقال دون تهيّب، وفى الغيرة التى لا تُخفى. 

بما يعنى أن هذه العاطفة تجاوزت الداخل إلى الخارج، وصارت تُروى. وهنا يحدث التحوّل الأعمق: فقد تحول الحب من حالة تُعاش فقط، إلى تجربة تُنقل، وتُفهم، ويُبنى عليها تصور أوسع عن الإنسان داخل النبوة.

هنا، لا يكون الحب بديلًا عن النبوة، ولا ذائبًا فيها، بل تجربة تعيش داخلها، وتكشف جانبًا لا يُرى عادة؛ هو أن العاطفة لا تختفى حين تدخلها الرسالة، بل تتغيّر شروطها.. وتبقى.

بين الاعتراف والتوجيه.. كيف أعاد الرسول صياغة الحب؟ 

إذا كان الحب فى تجربة النبى، صلى الله عليه وسلم، قد انعكس فى بعض صوره كعلاقة مكتملة تعيش داخل تفاصيل الحياة اليومية، فإنه فى حالات أخرى تخطى حدود الشعور، وتحوّل إلى مسألة تحتاج إلى تحديد موقعها.. سؤال لا يُطرَح فى الخفاء، ولا يُترك ليُحسم داخل النفس وحدها، إذ يُنقل إلى المجال الأوسع، حيث يُعاد النظر فيه، لا لإنكاره.. بل لتحديد موقعه.

فحين يقول النبى، صلى الله عليه وسلم: «لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح» هو لا ينفى وجود الحب، أو يشكك فيه، بقدر ما ينطلق من الإقرار بوجوده بوصفه حالة قائمة لا تحتاج إلى إثبات، ويتعامل معه كمعطى إنسانى حاضر، قبل أن يفتح له مسارًا ينظّمه. كأن العاطفة هنا تُستقبل لا بالمنع، إنما بإعادة التوجيه؛ من تجربة فردية قد تظل معلّقة، إلى علاقة تُحمَّل بمعنى ومسئولية. غير أن هذا التحويل لا يتمّ بقرار مجرّد، بل عبر فهم ما يتحرّك فى الداخل، والتقاط لحظة تحوّله من شعور عابر إلى إمكانية قابلة للبناء. 

وعندما يأتيه شاب، فى لحظة مباشرة، بلا مواربة، تضع العاطفة فى صورتها الخام، قبل أن تُهذّب أو تُعاد صياغتها، يطلب الإذن بالزنا. لم يواجهه النبى، صلى الله عليه وسلم، بالرفض القاطع، لكنه فتح معه حوارًا: «أترضاه لأمك؟.. لابنتك؟.. لأختك؟» لم يُغلق الباب، هو، فقط، أعاد توجيه النظر. نقل الرغبة من اندفاعها الأول، إلى مساحة يرى فيها الإنسان نفسه داخل شبكة من العلاقات، لا كفرد معزول. كأن السؤال لم يعد: ماذا تريد؟ بل: كيف ينعكس ما تريده على غيرك؟ وهنا يتحوّل النظر من رغبة فردية إلى وعى بالعلاقة، من اندفاع إلى إدراك، ومن لحظة منفصلة إلى شبكة ممتدة من المعانى.

فى سياق هذا التحوّل، لا تُقمع العاطفة أو تدان لمجرد وجودها بل تُفكّك و تُعاد قراءتها داخل سياق أوسع، يجعلها قابلة للضبط دون أن تُلغى. ويتشكل مسار واضح للحب ينقله إلى إطار يحميه من التشتت، ويمنحه قابلية الاستمرار. أن يظل حاضرًا.. لكن داخل حدود، وأن يبقى صادقًا.. دون أن يتحول إلى فوضى.

ومن بين هذا الاعتراف وذاك التوجيه، تتعدّد صور الحب: علاقة تجد طريقها فتكتمل، وأخرى تظل معلّقة، وثالثة تُعاد صياغتها حتى لا تتحوّل إلى اختلال. لا نموذج واحد يُفرض، ولا مسار واحد يُختزل فيه الشعور، بل حضور واعٍ يحاول أن يوازن بين ما يشعر به الإنسان، وما تقتضيه الحياة من ضبطٍ لهذا الشعور.

هنا، لا يُقدَّم الحب بوصفه حقًا مطلقًا، ولا بوصفه خطرًا ينبغى كبحه، إنما يبدو كقوة تحتاج إلى توجيه. يبقى حاضرًا، لكن داخل حدود، ويظل صادقًا، دون أن يتحوّل إلى فوضى. وفى هذا التوازن تحديدًا تتشكّل خصوصية التعامل النبوى مع العاطفة: لا إنكار، ولا إطلاق، فقط، محاولة مستمرة لوضع الحب فى موضعه.. حيث يمكن أن يُعاش، دون أن يُفسد ما حوله.

زينب بنت النبى صلى الله عليه وسلم... الحب حين ينكسر على حدود الدين 

يأتى حب زينب بنت النبى، صلى الله عليه وسلم، كعاطفة تشكلت واطمأنت قبل مرحلة النبوة وقبل أن تتغيّر شروط العالم من حولها، كأنها بدأت فى زمن، ثم اضطرت أن تستمر فى زمن آخر مغاير تمامًا. فقد تزوّجت من أبى العاص بن الربيع قبل الإسلام، وعاشت معه علاقة هادئة مستقرة، لا يهددها شىء، ولا تُختبر فى معناها، علاقة تقوم على مودة واضحة لا تحتاج إلى إثبات.

لكن هذه الحالة المكتملة لم تبقَ كما هى، إذ دخلت الرسالة إلى حياتها، لا لتلغى ما كان، إنما لتعيد ترتيبه فى موضع جديد. تُسلم زينب، ويبقى أبوالعاص على حاله، ومن هنا لا يبدأ الصدام، ولا تواجه العاطفة الرفض، لكن يأخذ الاختبار منحى أعمق، حيث تصطدم المشاعر بواقع لم يعد يسمح لها بأن تستمر كما كانت.

لم يتراجع حب زينب أو يختفى فجأة، لكنه فى حالتها يفقد بساطته الأولى، ويصير محاطًا بسؤال لم يكن مطروحًا من قبل: كيف يمكن لعلاقة نشأت فى سياق أن تستمر داخل سياق آخر تغيّرت فيه المرجعيات والمعانى؟ لم يكن القرار حاسمًا من اللحظة الأولى، ولم تُقطع العلاقة دفعة واحدة، ظلّت ممتدة، تحمل داخلها هذا التوتر الصامت بين ما بقى كما هو، وما تغيّر بالفعل.

ينعكس هذا التوتر بوضوح فى لحظة بدر، حين يؤسر أبوالعاص، فتُرسل زينب فى فدائه قلادة أمها خديجة، لا بوصفها مالًا يُدفع، لكن كإشارة تختزن تاريخًا كاملًا من العلاقة والذاكرة، حيث لا تكون القلادة مجرد وسيلة للفداء، بقدر ما هى استدعاءً لما كان، ومحاولة للاحتفاظ به فى لحظة يتفكك فيها كل شىء. وحين تقع القلادة فى يد النبى، صلى الله عليه وسلم، لا يتعامل معها كشىء عابر، إذ يتوقف عندها، ويطلب إطلاق سراح أبى العاص، وكأن العاطفة، حتى فى هذا السياق المركّب، لا تُلغى، بل تُرى وتُفهم.

لكن هذا الفهم لم يُزل الحد الفاصل، وظلّ يجاوره فحسب؛ فيُطلق النبى سراحه دون عودة لزينب. وهنا تتكثف اللحظة التى ينكشف فيها المعنى كاملًا: فالحب لم يكن غائبًا، لكنه لم يعد كافيًا وحده ليستمر، والعلاقة التى قامت على القرب لم يعد يمكنها أن تنجو من شرط جديد يُعاد داخله ترتيب كل شىء.

وبينما يتعذّر الاجتماع، تتحوّل العلاقة إلى حالة معلّقة، لا تنتهى تمامًا، ولا تستمر كما كانت. تمر السنوات على هذا النحو، حيث لا يختفى الحضور، لكنه لا يجد طريقه إلى الاكتمال، إلى أن يعود أبوالعاص لاحقًا، ليس كأسير هذه المرة، بل كمن أعاد النظر فى موقعه كله، فيُسلم، وتعود زينب إليه.

غير أن هذه العودة لا تُقرأ بوصفها استئنافًا بسيطًا لما انقطع، بل كخاتمة لمسار طويل مرّ فيه الحب بتحوّل عميق، انتقل فيه من حالة تلقائية لا تُسائل، إلى تجربة خضعت لاختبار لا يمكن تجاوز نتائجه.. لحظة كاشفة، يتقدّم فيها ما هو أبعد من الشعور، من دون أن يمحوه، ويُعاد فيها ترتيب العلاقة بين القلب وما يفرضه الواقع، لا باعتبار أحدهما نقيضًا للآخر، ولكن باعتبارهما حدّين لا يمكن دائمًا الجمع بينهما.

وفى قلب هذا كله، لا يقف النبى، صلى الله عليه وسلم، خارج المشهد، ولا يتعامل معه بوصفه مسألة تُحسم بقرار مجرّد، بل كحالة إنسانية مركّبة، يرى فيها العاطفة كما يرى حدودها؛ فلا يُنكر ما كان بين زينب وزوجها، ولا يتجاوز ما فرضه اختلاف الإيمان، لكنه يوازن بين الاثنين بقدر دقيق، يُطلق سراح أبى العاص حين يرى أثر القلادة، كأن الذاكرة لا تُهمل، ثم يشترط عودة زينب، كأن الحد لا يُلغى. فلا قسوة تقطع ما تبقّى، ولا تساهل يذيب الفارق، إنما تعامل يُبقى لكل عنصر مكانه: للحب حضوره، وللدين حدوده.

مغيث وبريرة.. الحب فى عين النبى: شعور لا يُفرض

تمرّ قصة مغيث وبريرة فى السيرة كمشهد يكشف وجهًا آخر للحب، شهده النبى، صلى الله عليه وسلم، فى صورته الأكثر تعقيدًا؛ حبٌّ يقوم من طرف واحد، يقابله غياب فى الطرف الآخر، وموقف يتسع لما لا يُختزل فى قاعدة واحدة. 

كان مغيث يحب بريرة حبًا ظاهرًا، لا يخفيه ولا يقدر على تهذيبه، يمشى خلفها، يبكى، ويتعلّق بها فى الطرقات، حتى صار مشهده لافتًا لكل من يراه. لم تكن هذه العاطفة خفية أو مكتومة، هى حالة إنسانية مكشوفة، تحمل صدقها معها دون أن تحتاج إلى إثبات.

فى المقابل، كانت بريرة قد خرجت من سياق العلاقة الأولى بعد عتقها، ولم يعد ارتباطها به أمرًا مفروضًا، تبدل موقعها، ومعه تلاشت مشاعرها، لم تعد ترى ما كان يراه مغيث، ولم يكن فى هذا التحوّل ما يمكن إنكاره أو تجاهله، لكنه واقع جديد يفرض نفسه بهدوء.

هنا يتدخّل النبى، صلى الله عليه وسلم، لا ليحكم بين طرفين، ولا ليعيد العلاقة إلى ما كانت عليه، بل ليحاول فتح مسار يمكن أن يُعيد التوازن. يشفع لمغيث عند بريرة، فيقول لها: «لو راجعتيه»، جملة تحمل اقتراحًا لا إلزامًا، وإمكانية لا أمرًا.

وحين تسأله: «أتأمرنى؟» يأتى الجواب كاشفًا طبيعة الموقف كله: «إنما أنا شافع».. فترد: لاحاجة لى به.

فى هذه اللحظة، يتضح الحد الفاصل بين ما يمكن أن يُوجَّه، وما لا يمكن فرضه. العاطفة تُرى، وتُقدَّر، لكن القرار يظل لصاحبه. لا تُنتزع الاستجابة باسم الرحمة، ولا يُفرض القبول باسم الصواب. تختار بريرة الرفض.. ويبقى مغيث على حاله، لا تتغيّر مشاعره، ولا يُطلب منه أن يخفيها، كما لا يُطلب منها أن تعيد ما انتهى داخلها. كل طرف يبقى فى موقعه، دون أن يُجبر على تجاوز ما يشعر به.

ومن خلال هذا المشهد تتشكل نظرة مختلفة للحب فى حضرة النبى، صلى الله عليه وسلم، حيث لا يتحوّل الحب إلى حكم، ولا إلى ذريعة للضغط، بل يظل شعورًا يُحاط بالفهم، دون أن يُسلب صاحبه حق الاختيار. تُفتح الأبواب، لكن لا يُدفع أحد لعبورها. وتتجلّى القيمة فى الحفاظ على التوازن الإنسانى للعلاقة، حتى وهى فى حال عدم الاكتمال. الصدق فيها يظل معبرًا عن صاحبها، دون أن يتحوّل إلى التزام يقيّد الطرف الآخر أو يفرض عليه استجابة بعينها.

مهاجر أم قيس.. العاطفة تغيّر المسار 

فى صورة أخرى، يأتى الحب دافعًا يعيد رسم الطريق من بدايته، رجلٌ تعلّق بامرأة تُدعى أم قيس، فاصطدم بقربٍ مشروط؛ شرطٌ واحد يقف على عتبة الطريق: الهجرة، فلا يتردّد، بل يعيد ترتيب خطواته على ضوء هذا الاختيار، كأن القلب حين يميل يعيد كتابة الجغرافيا، وتنتقل معه الأمكنة لا لأنه غادرها فقط، بل لأن المعنى الذى كان يسكنها تبدّل.

تبدو الحكاية فى ظاهرها بسيطة، غير أن صداها يتجاوزها، ويتسرّب إلى معنى أوسع، إذ تُستدعى القصة فى سياق الحديث: «إنما الأعمال بالنيات.. فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»، وهنا يتبدّل موضع النظر؛ الفعل يقف فى العلن، واضحًا فى صورته، بينما تتحرّك النية فى العمق، تُضىء معناه وتحدّد وزنه، كأن ما يُرى ليس سوى سطحٍ لما يُخفى، وأن الحركة لا تُفهم إلا إذا كُشف ما يدفعها من الداخل.

الحب حاضر، والدافع واضح، غير أن القيمة تنسجها النية من الداخل، لا الفعل فى صورته الظاهرة، حيث يمضى الشعور فى مساره، كريحٍ تدفع السفينة فتغيّر اتجاهها، لا بصخبٍ ظاهر، بل بانحرافٍ هادئ يبدّل الوجهة، ثم تعود القراءة إليه من زاوية أخرى، لا تقف عند شكل الحركة، إنما تنفذ إلى ما وراءها، حيث تتكوّن الدوافع وتتشكل الاختيارات.

يتحوّل السؤال هنا بهدوء، دون قطيعة مع ما قبله: ليس عمّا إذا كان قد أحب، بل عمّا حرّكه هذا الحب فى داخله، وإلى أى أفق قاده، وأى معنى تركه ممتدًا بعده.

فى قصة «مهاجر أم قيس» يظهر الحب كقوةً تعيد تشكيل الطريق، تدفع صاحبها إلى تغيير وجهته، ثم تترك أثرها فى القراءة اللاحقة، ليس كحكمٍ نهائى يُغلق المعنى، إنما كاختيار يظل مفتوحًا على طبقاته، يكشف ما وراءه، ويُضىء ما استقرّ فى القلب قبل أن يتحرّك فى الواقع، كأن الحب، فى لحظة اندفاعه الأولى، لا يكتفى بأن يكون شعورًا، ويفضل أن يغدو مسارًا كاملًا يُعاد النظر فيه كلما ابتعدنا عنه خطوة.

أم كلثوم بنت أبى بكر.. حين يُطلب الحب بوضوح 

إذا كان الحب فى حضور النبى، صلى الله عليه وسلم، قد ظهر كعاطفة تُرى وتُوضع فى موضعها، فإن أثره لم يتوقّف عند ذلك الحضور، بل امتدّ بعده، مستقرًا فى وجدان المجتمع، يظهر فى اختياراته، ويشكّل معاييره، كأن ما تأسّس هناك ظلّ يتحرّك هنا فى صورٍ تتكرّر بصيغ مختلفة، دون أن تفقد روحها الأولى.

فى هذا الامتداد، تتجسد أم كلثوم بنت أبى بكر كلحظة كاشفة تروى كيف بقى الحب حاضرًا داخل تصور العلاقة نفسها. حيث يرغب عمر بن الخطاب، وهو أمير المؤمنين، فى الزواج منها، فتُعرض الفكرة، وتُستقبل فى ظاهرها بقبول، قبل أن تنكشف من الداخل على صوتٍ آخر، صوت فتاة شابة ترى فى الزواج معنى لا يكتمل بمجرد المكانة أو الصلاح.

تفاجئ أم كلثوم أختها عائشة برفضٍ صريح، لا يلتفّ حول العبارة ولا يخفف حدّته، كأنها تنطق من موقع تعرف فيه ما تريد، لا ما يُتوقع منها، تقول: وما أفعل بعمر؟ رجلٌ غلب عليه شأن الرعية، واشتدّ عليه العيش، وأنا أريد رجلًا يصبّ علىّ الحب صبًا، ويكون عابدًا لله.

هنا، لا يُفصل الحب عن الدين، ولا يُستبدل أحدهما بالآخر، لكن يُطلبان معًا، فى معادلة ترى فى العاطفة حقًا، وفى الصلاح شرطًا لا يغيب.

تمضى القصة، لا نحو صدام، بل نحو ترتيبٍ هادئ للمعنى. إذ تحاول عائشة أن تعيد النظر، تستدعى مكانة عمر، لكن الفتاة تظل متمسكة برغبتها، لا بوصفها نزوة عابرة، بل كتصوّر واضح لما تريده من علاقة تعيشها.

ويتدخّل عمرو بن العاص، ليعيد صياغة الطريق إليه، فينقل الأمر إلى عمر بلطف، فيفهم، ويتراجع، كأن القبول هنا لا يقل قيمة عن الطلب، وكأن إدراك حدود الآخر جزء من اكتمال الصورة.

فى هذه المرحلة، أيضًا، لا يبدو الحب ترفًا يُذكر على الهامش، أو مطلبًا يُخفى حياءً، هو عنصر حاضر فى قلب الاختيار، يُعلن دون حرج، ويُؤخذ على محمل الجد، داخل مجتمع يتّسع لهذا الصوت، ويمنحه مكانه دون أن يصطدم به أو يُلغيه.

وهكذا، يبقى الحب، حتى بعد زمن النبى، صلى الله عليه وسلم، جزءًا من بنية العلاقة نفسها، لا ينفصل عن معناها، ولا يتوارى خلف شروطها؛ حاضرًا كأحد عناصرها الأساسية، يُطلب، ويُفهم، ويُوازن بغيره، دون أن يفقد شرعيته أو يتحوّل إلى عبء

عاتكة وعبدالله بن أبى بكر.. الحب تحت الاختبار

إذا كان الحب فى تجربة النبى، صلى الله عليه وسلم، قد ظهر بوصفه عاطفة تُرى وتُدار بتوازن دقيق، فإن دوائر القرب منه تكشف عن حضوره فى حياة الصحابة ومجتمعه، لا كتجربة معزولة، بل كجزء من نسيج يومى.

فى هذا السياق، تأتى قصة عاتكة وعبدالله بن أبى بكر كتجربة تُوضع تحت اختبار مباشر. يحبها عبدالله حبًا ظاهرًا، لا يُخفى، إلى الحد الذى يجعل حضوره معها يتقدّم على ما سواه، فيراه أبوه كحالة تحتاج إلى إعادة ضبط. لا يُنكر أبوبكر هذا الحب، لكنه لا يتركه يمضى كما هو، فيطلب منه أن يطلقها. ليس لأن العلاقة فاسدة، بل لأن التوازن قد اختلّ.

عند الفراق ينكشف الحب، يخرج من حيّزه الصامت إلى العلن، فى صورة حزن لا يمكن إخفاؤه، وفى كلمات تفضح ما يحاول صاحبها احتماله. ينشد عبدالله،: ولم أرَ مثلى طلق اليوم مثلها ** ولا مثلها من غير جرم تطلق

يمضى فى الطلاق، لكنه لا يمضى فى النسيان. يبقى الشعور قائمًا، لا يهدأ، ولا يجد بديلًا. وحين يسمع أبوبكر ما يقول، يعيد النظر فى القرار ويتعامل مع الأمر كحالة إنسانية تحتاج إلى مراجعة. يرقّ له، ويأذن له أن يراجعها، كأن الحب لا يُترك سائلًا بلا شكل، ولا يُدفع إلى الانكسار، وإنما يُعاد ترتيبه فى موضع يسمح له بالبقاء دون أن يطغى.

تعود عاتكة.. لكن القصة لا تنتهى عند هذا الحد، إذ يتفق معها عبدالله بن أبى بكر ألا تتزوج بعد وفاته، ويجعل لها جزءًا من ماله. قتل عبدالله بن أبى بكر فى حصار الطائف، فرثته بأبيات شعرية عديدة منها: 

فآليت لا تنفك عينى حزينة ** عليك ولا ينفك جلدى أغبرا

هنا يمتدّ أثر الحب، فى وفاء يُطلب، ثم يُعاد التفكير فيه، فقد تزوجت بعد ذلك وردت لأهله ما أعطاها من مال، فتزوجت زيد بن الخطاب، واستشهد باليمامة، ثم تزوجها عمر ومات شهيدًا كذلك.

فى امتداد تلك الحكاية.. يتبدى بوصفه تجربة إنسانية تختبرها الحياة من داخلها شعور يجاور المسئولية، ويتحرّك معها، دون أن يبتلعها أو يختفى خلفها. 

لغة الحب فى الخطاب النبوى.. ولماذا اختفت اليوم؟ 

لم يكن الحب فى الخطاب النبوى تفصيلة تُذكر على الهامش، أو عاطفة تُترك لسرائر الناس، بل كان يجرى فى نسيجه كما ينساب المعنى فى اللغة. كأن الدين، وهو يتشكّل، لم يُصَغ بالكلمات وحدها، إنما بما تحمله من دفء، بما تتيحه من قرب، وبما تفتحه من علاقة بين الإنسان ونفسه، وبين قلبه وربه. لم يكن الحب شيئًا يُضاف، بل كان أحد المفاتيح التى يُفهم بها كل شىء.

فى هذا الامتداد لم تقف العاطفة خارج البناء، فقد سكنت داخله. يقول النبى، صلى الله عليه وسلم: «حُبِّبَ إلىّ من دنياكم النساءُ والطيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عينى فى الصلاة». عبارة لا تفصل بين ما يُحسّ وما يُعبد، لكنها تضعهما فى سياق واحد، كأن القلب وهو يميل، لا يبتعد، بل يقترب أكثر.. فالحب هنا حاضر، يُقال بهدوء، ويأخذ مكانه دون اضطراب إلى جوار العبادة، فى امتداد لها.

وحين يُعاد تعريف الإيمان، يُقدَّم بوصفه علاقة تُعاش، معرفة تأخذ معناها من القرب. «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». يتجه الإنسان إلى إعادة ترتيب قلبه دون أن يطفئ ما يشعر به، ويمنح هذا الحب موضعه، حتى يصبح الإيمان نفسه حالة وصال، تتجاوز كونه يقينًا ذهنيًا. كأن الطريق إلى الله لا يُشق بالعقل وحده، بل بما يحمله القلب من ميلٍ واصطفاء.

أما على مستوى علاقة الناس ببعضهم، فإن الحب يتجاوز حد الصمت ويستدعى مباشرة إلى النور: «إذا أحبَّ الرجلُ أخاه فليُخبره أنه يُحبُّه». تُفتح للكلمة طريقها بوصفها امتدادًا للوقار، لأن ما لا يُقال يظل ناقصًا، وما يُعلن يكتمل به المعنى. ثم يمتد الخطاب أبعد، فيربط بين الإيمان نفسه وهذا الخيط الخفى الذى يصل الناس بعضهم ببعض: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا». وكأن المحبة ليست ثمرة متأخرة، بل بذرة أولى، لا يكتمل البناء دونها.

بهذا، لا يبدو الحب حالة استثنائية فى التجربة النبوية، إنما لغة قائمة، تُستخدم فى تعريف كل معانى القرب وفى تشكيل العلاقة، وفى بناء الجماعة. صيغة تُبقى على العاطفة حيّة، من غير أن تتركها سائبة، وتمنحها موضعًا، دون أن تسمح لها بأن تبتلع ما حولها.

لكن هذا الحضور لا يستمر بالصورة نفسها. فمع انتقال الخطاب الدينى عبر العصور، يبدأ هذا المعنى فى التراجع، ليس لأن النصوص اختفت، بل لأن زاوية النظر تغيّرت. تحوّلت المفردات تدريجيًا من لغة تُوازن بين العاطفة والضبط، إلى نسق يميل إلى التقنين والتحذير، حيث يُستدعى الحب غالبًا بوصفه موضع شبهة، أو بابًا ينبغى الحذر منه، لا طاقة يمكن إدارتها.

تتقدّم مفاهيم الحلال والحرام بصيغتها الجافة، بينما تتراجع اللغة التى كانت تُعيد تعريف الإنسان من الداخل.

لا يعود السبب فى ذلك إلى نقص فى النصوص، إنما إلى تحوّل فى طريقة تقديم الدين؛ إذ أُعيدت صياغته بوصفه منظومة أحكام بالدرجة الأولى، لا خطابًا يُشكّل الوجدان. ومع هذا التغير لم يعد الحب جزءًا ظاهرًا من اللغة، لكن أصبح إحساسًا يُترك خارجها، أو يُختزل فى سياقات ضيقة.

لم يختفِ الحب من حياة الناس، لكنه انسحب من الكلمات التى تتحدث عنهم. لم يعد يُستخدم لبناء العلاقة، ولا للتعبير عن الإيمان، فقد تراجع إلى الهامش، بينما تقدّمت لغة أكثر صرامة، أقل قدرة على استيعاب التعقيد الإنسانى. لم يعد حاضرًا بوصفه طريقًا، إنما كاحتمال يُخشى، أو شعور يُترك فى الظل. وهنا، لا يتغير الإنسان بقدر ما تتغير اللغة التى تصفه، فيضيق ما كان يتّسع، ويصمت ما كان يُقال.

وفى هذا الفارق، تتكشّف المسألة: الحب كان دائمًا يسكن نبض الخطاب، يُنطَق به، ويُبنى عليه. وما تغيّر لاحقًا لم يكن وجوده، إنما القدرة على تسميته. إذ لا تدعو الحاجة إلى استعادة شعور ضائع، بقدر ما تبدو دعوة إلى استعادة لغة.. لغة تعرف أن الحب ليس عبئًا على الدين، بل طريقة ترى فى الحب جزءًا من بناء الإنسان، لا خطرًا يهدد هذا البناء.