الإثنين 25 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

سيرة غنوة

ليه.. خاطبت العالم بـ«صرخة روبى» ولم يستمع!

روبى
روبى

فى زمن كان يبدو بعيدًا بما يكفى ليغفر، وقريبًا بما يكفى ليؤلم، تعرفت إلى عادل أديب.

كان قد خرج لتوه من الثانوية العامة، يجر وراءه حلمًا أكبر من عمره: أن يدخل معهد السينما، وأن يصنع أفلامًا لا تشبه أحدًا، وربما لا يفهمها أحد أيضًا… لكنه كان مؤمنًا بها، وهذا كان كافيًا.

التقينا على هامش أمسية تأبين المخرج شادى عبدالسلام فى أتيليه القاهرة، حيث كان الحزن رسميًا، والكلام عن الفن أكثر حرارة من القهوة.

عادل أديب
عادل أديب

كان بصحبته حمدى عبدالرحمن، الذى سيصبح لاحقًا «مهندس ديكور»، بينما كنا نحن لا نزال نحاول هندسة أحلامنا.

تتبعته كما يتتبع المرء فيلمًا لم يفهمه من المشاهدة الأولى.

جلسنا كثيرًا نتحدث عن السينما والمسرح والشعر، وكأننا نعيد اختراعها من الصفر، ثم نذهب كل أحد إلى نادى السينما بأتيليه القاهرة، نحمل الأفلام من المركز القومى للسينما على أكتافنا… كأننا نحمل العالم نفسه، أو على الأقل نحمل وهم تغييره.

كبر عادل، أو ربما كبرت مشاريعه فقط.

تخرج، وبدأ يصنع أفلامًا، بينما كنا نحن نحاول أن نلحق به، أو على الأقل نفهم كيف سبقنا.

وفى صباح بدا عاديًا بما يكفى ليخفى مفاجأته، هاتفنى.

شادى عبدالسلام
شادى عبدالسلام

دعانى إلى مكتبه، وهناك سلمنى سيناريو فيلم ليلة البيبى دول، من تأليف والده الراحل عبدالحى اديب.

الفكرة؟

بسيطة حد السذاجة… أو حد المأساة.

رجل يعود كل عام ليصنع حياة، فيفشل.

يحاول أن ينجب طفلًا، فينجب كابوسًا.

وفى كل مرة، تخونه اللحظة، كما تخوننا نحن حياتنا اليومية دون مقدمات.

لكن مهمتنا لم تكن إنقاذ العالم…

فقط كتابة أغنية.

أغنية لنجمة حفل، جسدتها روبى، تبدأ ليلتها كأى نجمة:

فستان، ماكياج، بعض الغرور المشروع…

ثم فجأة، شاشة صغيرة فى غرفة فندق تطل على جحيم كبير:

مطاردة، دماء، عنف، عالم يلتهم نفسه بشهية مفتوحة.

وكأن العالم، فى استراحة قصيرة بين حربين، قرر أن يتأمل إنجازه العظيم:

قدرته المذهلة على اختراع طرق جديدة للموت،

وتطوير أدواته القديمة بلمسات عصرية تليق بعصر السرعة.

لم تعد الحروب مجرد صراع على أرض أو فكرة،

بل صارت عرضًا مفتوحًا للابتكار البشرى:

كيف يمكن لقنبلة أن تكون أكثر «ذكاء»،

وكيف يمكن لمدينة أن تختفى بكفاءة أعلى،

وكيف يمكن للإنسان أن يقنع نفسه، بكل هدوء،

أن هذا كله ضرورى… بل نبيل أحيانًا.

العبقرية البشرية لم تخذلنا أبدًا،

كلما ظننا أنها وصلت إلى أقصى حدودها،

فاجأتنا بقدرتها على النزول أعمق.

نخترع لغة جديدة للدمار،

ونسميه عملية، أو ضربة استباقية، أو دفاعًا عن السلام،

ثم نجلس بعد ذلك، بكامل أناقتنا،

لنكتب شعرًا عن الحب،

أو لنغنى أغنية تحاول، فى خجل،

أن تذكرنا بأننا كنا بشرًا… ذات يوم.

تسمع اسمها ينادى.

تمشى نحو المسرح.

لكنها لا تمشى… بل تتفتت.

كل خطوة تفقد شيئًا:

ثباتها، صوتها، ملامحها…

حتى المكياج لم يحتمل، فانهار أولًا، كأضعف الكائنات.

وعندما وصلت، لم تعد تلك التى دخلت الغرفة.

المايسترو يرفع يده،

وهى ترفع يدها أيضًا… لكن لتعتذر عن الأغنية التى اتفقنا عليها،

وتبدأ فى غناء شىء آخر، شىء يشبه الحقيقة أكثر مما يشبه الفن:

«مش شايفة ليه وأنا عينى مفتوحة

وإزاى أغنى وروحى مجروحة

وإزاى وليه ناكل فى بعضينا

وإحنا براح الكون يقضينا»

كانت الأغنية تحاول أن تكون ضميرًا.

لكن العالم كما يبدو لا يسمع جيدًا،

أو ربما يتعمد الصمم.

المفارقة

أن الشاشة التى غيرت كل شىء…

لم يرها أحد.

كانت صغيرة، خجولة، أسفل خشبة المسرح،

كأن الحقيقة نفسها جاءت باعتذار.

وهكذا، بدا المشهد كله كأنه سوء تفاهم كونى:

امرأة تنهار بسبب ما رأت،

وجمهور لم ير شيئًا،

وأغنية تحاول أن تنقذ ما لا ينقذ.

ربما لهذا لم ينتصر شىء.

لا الكلمات، ولا الدموع، ولا حتى الفن.

فالعالم ببساطة

مشغول بما يكفى ليقتل نفسه،

ولا وقت لديه ليستمع لأغنية.