أهلًا بالاختلاف..
ردًا على «حجاب المعاصرة» لـ عبدالوهاب داود
- التأسيس لمصرية قصيدة النثر فى التسعينيات فى مواجهة الانتساب الشامى والعراقى لا يعنى تجاهل الشعراء المعاصرين
- شعراء التسعينيات يا عبدالوهاب لم يعودوا لكتابات من تسميه «الإمام النفرى» والمتصوفة أنت تشير إلى موجات السبعينيات
فى عدد الأربعاء أول يوليو من «حرف»، وأنا أقلب صفحات العدد استوقفنى عنوان جذاب لموضوع على صفحة كاملة: «حجاب المعاصرة .. شعراء التسعينيات الآباء الفعليون لقصيدة النثر»، ووجدت على يسار الصفحة صورًا لعدد من أصدقائنا الشعراء، من الكاتب؟ الشاعر الصديق عبدالوهاب داود، الموضوع يبدو مألوفا بالنسبة لى، وقصيدة النثر وجيل التسعينيات وعبدالوهاب داود، إذن نوقف التصفح ونبدأ بهذا الموضوع ثم نعود إلى موضوعات العدد الثرية.. وهنا كانت المفاجأة، الشاعر الصديق عبدالوهاب داود يقصدنى شخصيًا بموضوع «حجاب المعاصرة»، وينتقد تحديدًا الحلقات الست التى نشرتها فى أعداد سابقة من «حرف» تحت عنوان «الآباء المؤسسون لقصيدة النثر المصرية»، وتعرضت فيها لتجارب بدر الديب ولويس عوض وجورج حنين وإبراهيم شكرالله وعزت عامر وجويس منصور.

طيب، عبدالوهاب شاعر وصديق والاختلاف فى الرأى مشروع، وتعدد وجهات النظر فى صالح الثقافة وتحريك المياه الراكدة، لنقرأ ونرَ.. قرأت الموضوع مرتين لأحيط بما يريد أن يقول عبدالوهاب داود، فوجدت مجموعة من التساؤلات والتعميمات والإحالات وقبلها مجموعة من الاتهامات تطال ما سبق وقدمته فى الحلقات الست المشار إليها، وحتى ندخل فى الموضوع مباشرة، سنبدأ باتهامات صديقى عبدالوهاب.. هيا بنا..

بدءًا من العنوان، يتهمنى عبدالوهاب داود بتجاهل الفاعلين المعاصرين فى موجة قصيدة النثر المصرية التى انفجرت فى التسعينيات، وينسى - بحسن نية طبعًا- أننى فضلًا عن إسهامى الشعرى، كنت من أوائل الكاتبين عن هذه الثورة وشعرائها ومن أكثر المساهمين نقديًا بين الشعراء فى مطبوعات المرحلة والصحف المصرية والعربية، كما كنت وما زلت على عهدى أكتب منتقدًا كل أشكال الكليشيهات والوعى المشاع الذى ينتصر لوصفة فاسدة فى الكتابة ضد روح الشعر الفردية.
وينسى عبدالوهاب داود أننى واحد ممن أسسوا تلك الدوريات الخاصة بالحركة الشعرية ومن رفع شعار: كيف تقرأ شاعرًا تختلف معه جماليًا؟، وكانت مجلة «شعر» التى كنت أطبعها على نفقتى وأوزعها هدايا ولها مراسلون من شعراء سوريا وليبيا والمغرب والعراق والخليج، تستكتب الشعراء المعاصرين عن نتاجات بعضهم، وكان الهدف دائمًا تقديم وعى الشعراء وذائقتهم على النقد المدرسى لإثراء الحركة الشعرية.
وينسى عبدالوهاب داود أننى أول من تصدوا للمصطلح الفاسد الذى حاول ترويجه جابر عصفور بعنوان «زمن الرواية»، وأطلقت سلسلة من المقالات النقدية التطبيقية تحت عنوان «أزمنة الشعر» تجاوز عددها عشرين مقالًا نقديًا، تشكل القسم التطبيقى فى كتاب «الوعى التراجيدى» تناولت فيها تجارب زملائنا الشعراء خلال الثلاثين عامًا الأخيرة، ومن بينهم فتحى عبدالله ومهاب نصر وفاطمة قنديل وعماد فؤاد وخالد السنديونى وخالد أبوبكر وعلى منصور ونجاة على وعزمى عبدالوهاب وأحمد يمانى وأشرف يوسف وفتحى عبدالسميع ورفعت سلام وفريد أبوسعدة ومحمد رياض وغيرهم وغيرهم، وما زالت هذه المقالات محفوظة على موقع اليوم السابع حتى اللحظة الراهنة.
إذن.. عندما يقول عبدالوهاب داود: «ربما لعب حجاب المعاصرة دوره فيما ذهب إليه كريم عبدالسلام، فالواقف فى قلب الصورة لا يراها كاملة، وكما تورث المعاصرة المنافسة، فإنها تفرض الحرج، وتميل إلى المبالغة والتضخيم، كما تميل إلى التقليل من المنجز أو عدم الإنصاف فى كثير من الأحيان».. هنا نكون أمام خطأ كبير وخلط أكبر.. لماذا؟
لأن عبدالوهاب يبنى أحكامه هذه بأننى أتجاهل زملائى الشعراء دون علم أو تدقيق أو متابعة حقيقية لما قدمته وأقدمه على مدى عقود.
أيضًا، عبدالوهاب ينتقد محاولة تأصيل قصيدة النثر المصرية بالقفز إلى منطقة شعبوية بإيراد أكبر عدد من أسماء الشعراء، ورفع شعار «إحنا جيل من غير أساتذة .. إحنا اللى بدأنا من الصفر والباقى أتوا خلفنا»، وبالطبع هذا لا يحدث فى التاريخ مطلقًا، ولكن الفارق كبير بين أن تعيش على مقولات شعبوية وكليشيهات لا تفيد، وبين أن تدرك أين تضع قدميك وكيف تواصلت المعرفة الجمالية حتى أتت إليك؟
ثالثًا، يقفز عبدالوهاب داود إلى محاكمة الاجتهاد بالمصادرة وفرض طريق واحد للرؤية، على طريقة: لماذا تمشى فى هذا الاتجاه؟ امشِ فى الاتجاه الفلانى، وطريقة التفكير هذه لا تصلح مع أى جهد إبداعى أو نقدى، لأنه بالضرورة يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ونقده لا بد أن يأتى من داخله على أرضية الموضوع المطروح كأن يناقشنى فى تقييمى لبدر الديب أو عزت عامر أو إبراهيم شكرالله، أو يفتح نقاشًا حول تأثير الشعر المترجم على قصيدة النثر المصرية لغويًا وجماليًا، أو هل كان الشعراء المصريون الكاتبون بلغات أخرى مؤثرين حقًا فى الحركة الشعرية المصرية؟ لأننا كنا نقرأ جويس منصور وجورج حنين بترجمات بشير السباعى وعبدالقادر الجنابى، كما نقرأ نيكانور بارا وإدواردو جاليانو بترجمة أحمد حسان وسان جون بيرس بترجمة أدونيس وكفافيس بترجمة نعيم عطية ووالت ويتمان بترجمة سعدى يوسف وغيرهم كثيرون أسهموا فى تشكيل وجداننا ووعينا الشعرى، ولو كان من بينهم مصرى لضممته إلى الآباء المؤسسين لقصيدة النثر المصرية، لكن شاعرًا مثل كفافيس رغم أنه عاش فى مصر إلا أنه كان يعتز بجنسيته وثقافته اليونانية فلم ألحقه بالسياق الذى أكتب فيه.

لا يمكننى أن أفوت التعميمات والإحالات التى امتلأ بها مقال صديقى الشاعر عبدالوهاب داود، وفى مقدمتها الإحالة إلى أدونيس وقصيدة النثر والناقد الفلسطينى الدكتور حمدى الجبالى.
يقول صديقى عبدالوهاب، نقلًا عن حمدى الجبالى فى سياق تساؤله: لماذا نريد نسب أى تيارات أدبية جديدة إلى أجيال سابقة على وجودها؟ افتح قوسًا «فالثابت أن أول دراسة عن قصيدة النثر بالعربية نشرها أدونيس فى مجلة الشعر اللبنانية - (شعر) - ربيع ١٩٦٠ وكانت متأثرة بأفكار سوزان برنار، ويقول الناقد الفلسطينى الدكتور حمدى الجبالى فى كتابه قصيدة النثر كان أول من سمى هذا النتاج الشعرى قصيدة نثر نقلًا عن التسمية الفرنسية الواردة فى كتاب سوزان برنار كما أفاد من أفكارها حول هذه القصيدة، مضيفًا: قبل نشوء قصيدة النثر ظهرت اتجاهات شعرية قريبة الشبه حاولت أن تخرج عن الشكل الموروث الذى كان سائدًا فى ساحة الشعر العربى شكلًا وموضوعًا إلى آخر الاقتباس».
ما هذا يا عبدالوهاب؟ ما هذا يا صديقى؟ لماذا تعود للوراء أكثر من ٦٠ عامًا لتستشهد بأدونيس ومحاولته التأصيل لقصيدة النثر؟ ولماذا لم تطبق ما تدعو إليه من الاكتفاء بما ينتجه جيل التسعينيات على ما تكتب؟ لماذا لم تستشهد بكتابة ناقد من أبناء جيلنا مثلًا؟ وهنا أعيد عليك أسئلتك التى سبق وطرحتها فى مقالك:
■ لماذا يصر الكُتّاب فى العالم العربى على البحث عن أب روحى لحركة اكتسبت حضورها وامتد تأثيرها لسنوات طويلة على المشهد الأدبى؟
لماذا تلجأ إلى أدونيس أو حمدى الجابرى «بالمناسبة د. حمدى الجابرى لم يصدر كتابًا بعنوان (قصيدة النثر)، وإنما نشر ورقة مدرسية أرشيفية ضعيفة القيمة والفائدة عام ١٩٩٨ ضمن منشورات مجلة جامعة النجاح فى الخليل بالقدس، وهنا رابط ورقته البحثية التى أعتبرها دون المستوى ولا يصح الاستناد إليها https://staff.najah.edu/ar/publications/٣٨٢٥/، لأنها فضلًا عن مدرسيتها تتبنى منهجًا رجعيًا باليًا يرفض قصيدة النثر فى معظم الاستشهادات النقدية التى تضمنتها الورقة».
ومن التعميمات العجيبة لصديقى عبدالوهاب قوله «إن كثيرًا من شعراء التسعينيات عادوا إلى كتابات الإمام النفرى على وجه التخصيص فى كتابة ما تمور به دواخلهم وكانت كتابات المتصوفة العرب وغير العرب والكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن هى المعيار والدليل الذى ذهب إليه قطاع كبير من هؤلاء الشعراء لمعرفة ذواتهم وموقعها من الكون- نص المقال المنشور».. ما هذا يا عبدالوهاب؟ أنت تتكلم عن جماعة إضاءة وجماعة أصوات وأجواء السبعينيات والثمانينيات أيام البناطيل الشارلستون والسوالف الطويلة والقصائد التى كان ينشرها الدكتور عبدالقادر القط وتبدأ بموقف العشق وتنتهى بموقف النشيج!
أجواء التسعينيات التى عرفناها وعشناها وشربناها ودخناها وكتبناها كما تعلم بالضرورة، بدأت بورقة الدكتور كمال أبوديب فى مؤتمر القاهرة للشعر العربى ١٩٩٢، وكانت بعنوان «جماليات اللقطة واللفتة والتجاور والتشظى»، وطبقها على عدد من الشعراء اللبنانيين والسوريين، ثم طورها فى كتابه «جماليات التجاور.. أو تشابك الفضاءات الإبداعية» الصادر عام ١٩٩٧ عن دار «العلم للملايين»، وهذه الورقة تلقفها الصديق الشاعر أمجد ريان، ومع ما تيسر من الكتب التى وصلتنا متأخرة حول ما بعد الحداثة لفريدريك جيمسون وإيهاب حسن وعبدالسلام بن عبدالعالى وجان فرانسوا ليوتار وريتشارد رورتى وجان بودريار، ومن قبلهم ميشيل فوكو ورولان بارت، هذه الجزر المعرفية تلقفها صديقنا أمجد ريان، وسار فى المحافل يبشر بدين جديد اسمه «كتابة ما بعد الحداثة»، ووصفة جاهزة لكتابة القصيدة ما بعد الحداثية، القصيدة الحداثية تقول كذا وكذا والقصيدة ما بعد الحداثية تتناول كذا وكذا من اليومى والعابر والجسد والأشياء المحيطة والكتابة بضمير الأنا حتى وصلنا إلى حالة الصحراء التى نعيشها، وما ذلك إلا لأننا تناسينا مفهوم الذات الشاعرة بشموليته من حيث هو إرادة ووعى وشعور، باختصار: حرية وموقف فردى من العالم.

أكثر ما أدهشنى فى مقال عبدالوهاب، استشهاده بالثلاثى جابر عصفور وإدوار الخراط وأحمد عبدالمعطى حجازى، والسياق لا يسمح مطلقًا بالاستشهاد بهم، رغم أن إدوار الخراط كان أكثرهم تسامحًا وانفتاحًا على قصيدة النثر من حيث المبدأ لا التأثير أو القيمة أو الفائدة، وأصدر كتابًا عن قصيدة النثر جمع فيه مقالاته النقدية المتفرقة دون سياق أو رؤية، وظل متمسكًا بما كان يسميه الكتابة عبر النوعية والحساسية الجديدة، يطرحها على كل شكل ملتبس من أشكال القول والكتابة، وما ذلك إلا لطموحه أن يكون شاعرًا، وأذكر أنه طلب منى أن أصدر له كتابًا من إصدارات مجلة «شعر» مثلما أصدرت لبدر الديب «مقطوعات مرغمة»، واختار مقاطع من رامة والتنين والزمن الآخر لأنشرها فرفضت، وهاتفنى الكاتب الراحل محمد إبراهيم مبروك، وبعد مناقشات مستفيضة ترك لى الأستاذ إدوار مهمة اختيار ما أريد أن أنشره له، واخترت كتابًا صغيرًا بعنوان «ضربتنى أجنحة طائرك» مع رسوم أحمد مرسى، وفعلت ذلك محبة لـصاحب «حيطان عالية»، أقول ذلك لأن إدوار الخراط كان مهتمًا للغاية بالانتساب إلى الشعر بأى طريقة وفهمه للشعر توقف عند مرحلة بعينها تجاوزتها قصيدة النثر.
الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى، نحترمه ونقدره فى سياقه التاريخى، لأنه من كبار شعراء قصيدة التفعيلة، وكانت لديه فرصة ذهبية لأن يكون مظلة إبداعية سامقة لكل التيارات الشعرية على اختلافها، لكنه غلّب رجعيته على حداثته، وانحاز لوهم السلطة على جمال الحرية وأعاد إنتاج أستاذه العقاد حتى انفض الشعراء من حوله، وكانت مجلة إبداع فى عهده أضعف من إصدار الدكتور عبدالقادر القط، وعجبت جدًا كيف يستشهد به عبدالوهاب فى سياق الانتصار لقصيدة النثر فى التسعينيات، وهو من أشرس محاربيها العاجزين عن استقبالها!
أما الراحل الدكتور جابر عصفور ولا تجوز عليه إلا الرحمة، فقد توقف وعيه وإدراكه عند أمل دنقل وصلاح عبدالصبور، وقد قلت له فى حياته وفى حوار منشور: أنت تفضل السباحة فى المياه الآمنة على المغامرة والرهان على الجديد، ولا أظن أن الدكتور جابر عصفور أو أيًا من تلاميذه يمكن أن يعبروا فى فضاء خاص بقصيدة النثر المصرية، لأنهم جميعًا مساكين، والله أعلم.

فى سياق انتقاد الشاعر الصديق عبدالوهاب داود لحلقات «الآباء المؤسسون لقصيدة النثر المصرية»، يطرح مجموعة أسئلة استنكارية يبنى عليها مقاله مثل:
■ لماذا الإصرار على منح البعض مكانة غير التى اختاروها لأنفسهم؟
■ ما المبرر لوضعهم فى مواقع ليست لهم ولم يجهدوا أنفسهم فى رحلة الوصول إليها؟
■ لماذا يصر الكُتّاب فى العالم العربى على البحث عن أب روحى لحركة اكتسبت حضورها وامتد تأثيرها لسنوات طويلة على المشهد الأدبى؟
وأقول فى تساؤلات مضادة وبصورة أوضح: هل يستطيع أيًا من كان أن يمنح أحدًا مكانة لا يستحقها أو لم ينلها بإبداعه؟ التصور أن كل مقال نقدى هو مجاملة أو إطراء لكاتب العمل المنقود هو تصور هزيل ولم يعد ينطلى على أحد فى اللحظة الراهنة، وكذلك فإن عشرات المقالات والموضوعات عن كاتب أو شاعر لا يستأهل أن يبقى، لا يمكنه معها أن يبقى مع حركة الزمن التى تفرز وتستبعد دون تدخل أو هوادة، وأيضًا، فإن حركة الزمن الجدلية هذه لا يمكن أن تبقى شاعرًا حقيقيًا طى النسيان والظلم طويلًا، سرعان ما تستدعى من يزيل عن منجزه التراب وأن يعرضه مرة أخرى فى سياق جديد وأمام أجيال جديدة. وأقول أيضًا، هل يمكن الشك فى مكانة عمل مثل «حرف الـ ح» لبدر الديب؟ أراه سيبقى صامدًا أمام توالى الأزمنة أكثر من عشرات الدواوين التى صدرت بعده، كما أنه أكثر حياة من عشرات النشطاء على السوشيال ميديا دون أى إبداع حقيقى.
هل يمكن الشك فى أصالة ديوان «مواقف العشق والهوان وطيور البحر» للشاعر الراحل إبراهيم شكرالله؟ أعتقد جازمًا أن هذا الديوان سيبقى صامدًا أمام توالى الأزمنة أكثر من عشرات الدواوين التى صدرت خلال الثلاثين عامًا الأخيرة.
وهل يمكن التقليل أو الشك فى أصالة ديوان «مدخل إلى الحدائق الطاغورية» للشاعر عزت عامر؟ أعتقد أن هذه الديوان سيبقى أكثر من عشرات الأعمال التالية عليه والتى أحدث أصحابها ضجيجًا وقعقعة وملأوا الدنيا صراخًا على لا شىء.
إن تتبع آثار الشعراء الأصلاء المكتفين بما رأوه وكتبوه والمعتزلين سيرك الصحافة والسوشيال ميديا، فيه الكثير من الفائدة الإبداعية لمن يتبعون هذه الآثار، ولا فائدة تذكر لأصحاب الأثر، لأنهم مكتفون معتزلون عازفون عن أى مغانم وهمية يظنها البعض فى صورة مقال أو حوار أو إطراء على فيس بوك، كما أنهم لا يطلبون أبدًا أن يضعهم أحد فى مواضع الرواد أو الآباء، فأنا مثلًا لم أعاصر الشاعر الراحل إبراهيم شكرالله ولم ألتقِ سابقًا بالشاعر عزت عامر، ولكنى قرأت أعمالهما وأدركت قيمتها العالية فى سياق قصيدة النثر المصرية، وكأن حركة الزمن الجدلية التى أشرت إليها وجهتنى لإعادة الاعتبار لمنجزهما والإشارة إليه، ووضعه فى سياق جديد لاستحقاق هذا النتاج أن تُعاد قراءتُه بعيون أخرى غير العيون التى تجاهلته من قبل، دون أن يكون فى ذلك انتقاص من تجربة أحد أو افتئات على شعراء الزمن الراهن.
وفارق كبير بين الاجتهاد لصناعة سياق مصرى لقصيدة النثر الراهنة فى مصر، بدلًا من فوضى الانتسابات الشامية والعراقية والوعى المشاع الحاكم، وبين ترديد كليشيهات شعبوية حنجورية غير مختبرة نقديًا مثل «إحنا جيل من غير أساتذة، وإحنا اللى خلينا الأقدم مننا يمشوا جنبنا!».
أما سؤال البحث عن أب روحى، فهو فى الحقيقة بحث عن معنى لوجودنا، وعن معنى لما نكتب، وعن المسارات السرية لتواصل الإبداع، بحث فى قدرة الشعر على الصمود وقوة الكلمات على البقاء فى أقسى الظروف، فهل يعقل مثلًا أن يوجه أحدنا مصروف البيت لطبع مجلة عن قصيدة النثر يوزعها دون مقابل؟ أو أن يجتهد ويقتطع من قوت يومه ليطبع دواوينه ويهديها إلى أصدقائه؟ أما المكاسب الوهمية عن التأثير والتغيير والفعل عبر مقال أو بوست أو تكريم من هذه الجهة أو تلك، فلا يمكن أن تسند عملًا ضعيفًا فى مواجهة الزمن.






