قصيدة CHATGPT.. كيف نبت فى وادينا الطيب كل هذا الشعر المكتوب بالـAI؟!
- فكرة «التلمذة» ليست موجودة لدى أغلب الشعراء المبتدئين
- القارئ المدقق يمكنه اكتشاف القصيدة المكتوبة بالذكاء الاصطناعى بسهولة
- «تصليح الهنات» و«ترميم الصياغة» و«تحسين المجاز» بالـAI يصبغ القصيدة بصبغة آلية
ليس ذنب القصيدة - فى أىّ شكل كانت- أن الذكاء الاصطناعى أصبح قادرًا على كتابتها، فهو بطبيعة الحال صار قادرًا على أن يفعل أى شىء لم يكن يخطر على البال، وليس ذنبها أيضا أنها لم تعد تحظى بالمقروئية التى تستحقها من الجمهور، لأنها مثل كل فن يزدهر ويخفت بقدرة صُناعه على التأثير والابتكار.
لكن لا يخفى على أى متابع، ظاهرة الانتشار الواسع على فضاء التواصل الاجتماعى، للأشعار وتحديدًا من قصيدة النثر، والتى تكاد تقول هى عن نفسها بعلو الصوت: «أنا مكتوبة بالذكاء الاصطناعى»، فى وقت يموج فيه المشهد الراهن بحالة سيولة إبداعية غير مسبوقة.
سيقول البعض إن هذه ظاهرة صحية وتخدم السياق الشعرى، وقد يكون ذلك صحيحًا، لكن ذلك لا ينفى وجود أزمة حقيقية فى التعامل مع تلك النوعية من القصائد الخالية من الروح الحقيقية للشعر، وأن أصحابها هم بشر من لحم ودم يريدون أن يعبروا عن أنفسهم ويكونوا شعراء، فذهب بهم ضعف الموهبة أو انعدامها أو قلة المعرفة والحرفية والوعى والنضج إلى الذكاء الاصطناعى.
وعند مطالعة تلك الأنماط، يدرك القارئ المحترف بسهولة أنها قصائد آلية من شدة تشابه بعضها البعض، فالمجازات مصاغة بشكل رياضى، والحبكات مُحكمة بدقة كمبيوتر، واللغة منحوتة بعقل حسابى، والبنية مصنوعة برشاقة هندسية وبمعايير ومقاييس شديدة الإتقان والرقى.
والسؤال هنا، لماذا يستعين أصحاب تلك القصائد بالذكاء الاصطناعى؟ هل فقط لضعف الموهبة أم الاستسهال وعدم الرغبة أو القدرة على التعلم؟ أم أن ذلك جزء من موجة الإحلال المسعورة والشاملة للآلة مكان الإنسان؟ أو أن الشعر فى عصر «السوشيال» أصبح ساحة يلهو فيها أى باحث عن وجاهة أو تعويض لنقص ما، ولماذا تنتشر تلك الظاهرة بشكل أكبر فى قصيدة النثر على وجه التحديد؟!.

لا يخفى على أحد تأثير التكنولوجيا الهائلة على بنية العملية الإبداعية بكافة أشكالها خلال السنوات الأخيرة، فالإنسان يغيب بشكل تدريجى عن الصناعة وتحضر مكانه الآلة حتى لتكاد تقضى تمامًا على الوجود البشرى.
ربما تجلى أسوأ مظاهر ذلك التأثير، فى فقدان فكرة «الأستاذ والتلميذ» التى كانت حاضرة فى حياة المبدعين الحقيقيين الذين أثروا فى تاريخ البشرية، وحلت مكان ذلك ظواهر التعلم السريع والمعرفة الانتقائية وما يمكن وصفه بـ«المأكولات الثقافية السريعة».
فى العقود الماضية، كان الشعراء الشباب يلتقون بالمبدعين وجهًا لوجه على طاولات المقاهى وفى أندية الأدب ومنتديات الثقافة والتجمعات المختلفة، ويستمعون إليهم ويلتقطون منهم الخبرات والنصائح والملاحظات على ما يكتبونه من إبداع جديد، لدرجة أن الشباب كانوا يحفظون ويتندرون على جملة «ننصحك بالقراءة والاحتكاك»، التى اعتاد الأساتذة أن يوجهوها لأى شاعر شاب يلقى قصيدة فى حضورهم.
ربما الأجيال الجديدة من الشعراء لم تحتك بالفعل بالكبار المؤسسين، ولم تخض غمار الدربة والمحاولة والدأب والركض خلف القصيدة بين البلدان، ربما بسبب الحياة السريعة التى خلفتها مواقع التواصل وفقدان الحضور الإنسانى فى التجمعات واحتلال الشاشات المساحة الأكبر فى التواصل البشرى.
ولأن قصيدة النثر هى القصيدة الأوسع والأكثر انتشارًا ورحابة وحرية، ربما وجد فيها الشعراء الشباب الوسيلة التى «فى متناول اليد» لممارسة الكتابة، رغم أنها أصعب الأشكال الشعرية، فامتهنها الكثيرون بجرأة يُحسدون عليها، ونجحوا فى ذلك فى ظل حالة السيولة الإبداعية غير المسبوقة
وقصيدة النثر هنا ليست مُتهمة بشىء، فهى الشكل الشعرى الأكثر تطورًا وثورية، لكن المتهم هو غياب الفرز الحقيقى والنقد الجاد الذى يقول على الردىء الذى يكتبه أرباع وأنصاف المواهب: «إنك ردىء»، فبدلا من ذلك نشاهد الساحة وهى تمتلئ بالكثير من الترحيب غير المفهوم بكتابات ضعيفة من قصائد النثر، نجح أصحابها فى التسلل إلى عالم النشر المطبوع والصعود إلى المنابر والمنصات.
ومع وجود تلك التركيبة والمعايير المُختلة، تتفاقم حالة السيولة بإفراز منتجات شعرية اصطناعية بلا روح أو هوية ولا قضية، وهى قصائد أكرر أنه يسهُل التقاطها وكشفها من المطالعة الأولى، خاصة مع سياقها الشعرى الرمادى الذى لا يحمل خصوصية الإنسان أو البيئة.
لا أقول إن هذه القصائد مصنوعة كلها بالـAI، أو أن صاحبها طلب من النموذج كتابة قصيدة عن الموضوع الفلانى أو العلانى فأخرج له النص جاهزًا، لكن الاستعانة بالذكاء الصطناعى ولو فى «جبر الهنات» أو «ترميم الأسطر» أو فى «ضبط المجازات»، كفيل بإصباغ صبغة آلية على الكتابة برمتها وإزهاق روحها فى مهدها.
ومع كل «اسكرول» على «الفيس بوك» تقابلك تلك النوعية من القصائد التى تشبه بعضها، لكنك لا تجد تعليقا واحدا عليها يشير إلى العلة التى تصيب بنيتها من الأساس، فتتعجب كيف ومتى امتلك فلان كل هذه اللغة وهو يخطئ فى إملاء وحروف منشوراته العادية على موقع التواصل؟!.
كما أنك فى غمرة التعليقات المادحة التى يشارك فى بعضها أساتذة معتبرون، لا تجد أى نوع من أنواع النقد رغم وضوح عورة الكتابة الاصطناعية وفجاجتها، بما يشير إلى حالة تواطؤ جماعى مع الرداءة وانحلال كامل من فكرة النقد الذى يبنى ويقوّم.

بخلاف البنية الاصطناعية فى تلك الأنماط الشعرية الرائجة، تجتمع فى سياقاتها سمة رئيسية هى الذاتية المفرطة والإغراق فى تشريح النفس، فتظل القصيدة أسيرة قوقعة لا تخرج منها إلى الفضاء العام والقضايا الكبرى.
ولأن الذكاء الاصطناعى لا يعمل من فراغ، فما ينتجه ما هو إلا مدخلات يتحصل عليها من أعمال الآخرين المنشورة على فضاء الإنترنت أو التى يتم تدريب النموذج الآلى عليها، فإن سمة الذاتية المفرطة والانجرار المبالغ فيه ناحية «العادى» و«اليومى»، ليس إلا غلافًا عامًا يحيط بمنجز قصيدة النثر منذ عقود طويلة.
وبالتالى فإن الخوارزميات التى يُجرى الذكاء الاصطناعى تدخلاته على القصائد من خلالها، هى مدربة ومصنوعة من منجز قصيدة النثر ذاتها، فـ«الشات جى بى تى» لا يؤلف من دماغه، بل يقلد ما تدرب عليه عبر تريليونات الأطنان من البيانات المدخلة، تقليدًا حرفيًا لكن بشكل حسابى هندسى وليس بمسحة فنية إنسانية.
ويمتدح بعض النقاد وشعراء قصيدة النثر سمة «الذاتية» تلك، معتبرين أنها تسمح بتغول القصيدة فى عمق النفس البشرية واستخلاص روح الإنسان على الورق، وينكرون أن تكون سببًا فى فقدان شرائح كبيرة من جمهور القراء الذين يفضلون ألا تنفصل الأعمال الإبداعية عن الواقع العام والأحداث الكبرى.
ويرى الكاتب الصحفى والروائى خالد إسماعيل سمة الذاتية المفرطة فى الكتابة الشعرية والإبداعية بشكل عام أنها نتاج شعور نفسى صادم وقاس أصاب العقل الإبداعى فى العالم العربى عامة والمصرى خاصة فى بدايات التسعينات، بعد تفكك الاتحاد السوفيتى، ودخول العالم عصر «القطب الأوحد» وتغلب العولمة الأمريكية على مفاصل الحياة على ظهر الكوكب.

ويرى «إسماعيل» أن المثقفين والمبدعين الذى عاشوا الأحلام الكبرى بعالم تسود فيه العدالة الاجتماعية والانحياز للطبقات الفقيرة والعاملة ومنتجة الإبداع والأفكار بكامل كياناتهم وأرواحهم، أصيبوا بحالة إحباط كبيرة أدخلتهم فى دوائر من الاكتئاب والجزع والأزمات النفسية الأخرى، والتقوقع والانغلاق على الذات خلال رؤيتهم للحياة والبشر، لدرجة أن بعضهم دخل إلى مستشفيات نفسية لتلقى العلاج، وهو ما أدى بدوره إلى تحول كبير فى الكتابة الإبداعية منذ تلك المرحلة.
يتفق مع ذلك الرأى، الكاتب الصحفى والشاعر إبراهيم داود، والذى يرى أن فاجعة «غزو الكويت»، وما لحقها من استقرار القوات الأمريكية فى قواعد بالمنطقة العربية، كان التجلى الأكبر لانهيار «الأحلام الكبرى» لدى المثقفين العرب وبالتالى «قصيدة الهم العام»، ما أفرز كتابة أكثر ذاتية وبعدًا عن القضايا والأحداث المفصلية.
ويرى «داود» أن اللجوء إلى كتابة «العادى» و«اليومى» كان بمثابة إنقاذ وبث روح أكثر إنسانية فى جسد القصيدة التى غلب عليها الزعيق والمنبرية والتأثر الفج بالصخب العام.
لكن لا يخفى أنه رغم ما صنعته الكتابة الذاتية من سياقات شعرية أكثر خصوصية، فإنها أدت بشكل ما إلى فقدان شريحة لا بأس بها من جماهير الشعر العريضة التى كانت موجودة على الأقل حتى بدايات التسعينات.
فى جلسة أصدقاء، كان الكاتب الصحفى والروائى أشرف عبدالشافى أبرز حضورها، حكى الأخير عن موقف عاشه خلال فعالية شعرية فى جامعة القاهرة فى التسعينات، إذ كانت قاعة القُبة الشهيرة ممتلئة عن بكرة أبيها بالجمهور الذى أتى للاستماع إلى كوكبة من الشعراء كان من بينهم الراحل حلمى سالم.
وتذكر «عبد الشافى» وهو يحكى أنه تساءل داخل عقله عن مدى تفاعل هذا الجمهور والحشد الغفير مع ما استمع إليه من شعر كان يغلب عليه الذاتية المفرطة والإيهام، وهل يمكن أن يتكرر ذلك الحشد بتلك الكثافة مع أية فعالية شعرية فى أيامنا هذه.

لسنا هنا فى موقع نقد لقصيدة النثر، صاحبة الإسهام الأكبر فى تطور وانطلاق الشعر العربى، بقدر ما نتساءل عن الاتجاه أو البوصلة التى تحتاجها من أجل صناعة روح مقاومة وصامدة ضد الجمود والمادية وتسليع الإنسان ووسط الحروب والإبادة التى لا تنتهى.

هل تحتاج القصيدة إلى مخرج جمالى مختلف يعيد لها حيويتها وبكارتها؟ تجيب الشاعرة والصحفية زيزى شوشة على ذلك السؤال بقولها: «نعم تحتاج إلى مخرج وسط عالم صار يقف ضد الشعر، والمخرج الوحيد هو العودة إلى الجذور، وهذا ليس معناه العودة إلى الكتابة الكلاسيكية القديمة، بل بالرجوع إلى الفطرة والبساطة وتكسير النمطية والتعليب الشعرى».
تتمنى «زيزى» أن تنتقل القصيدة الراهنة إلى فضاء أكثر بساطة وبعدًا عن المجازات الحسابية والجماليات المُهندسة، وأن تعود إلى الطبيعة الفنية الخالية من أية «مكسبات طعم ورائحة».

فى خاتمة كتابه «ثورة الشعر الحديث»، يتساءل الناقد الكبير الدكتور عبدالغفار مكاوى، عن الوسيلة التى يمكن أن تنقذ القصيدة من الخفوت والتكرار وتعيد إليها تأثيرها، فيقول: «إن الشعر الجديد قد أوشك أن يستنفد طاقاته، ولا بد أن يبحث الشعراء والنقاد عن مخرجٍ جديد».
ويكمل «مكاوى» تساؤلاته: «كيف يبدو هذا المخرج وعلى يد أى عبقرى أو مجموعة من العباقرة سيتم؟ هل سيبتعد عن الموجات الصاخبة والشعارات الصارخة والمدارس المتحمسة والبيانات المزهوة بكل جديد، أم سيظل يدور تلك الدورة المحتومة التى كتبت على كل نشاط يبذله الإنسان؟».
ويسرد التحولات الكبيرة التى مرت بها القصيدة حتى أوشكت على الخوف والانتهاء، فيقول: «غاص الشعراء فى عالم الباطن، واغترفوا من كنوزه ورموزه وأحلامه وأساطيره، وساروا فى رحلةٍ طويلة بدؤها من الرومانتيكية إلى الرمزية إلى السيريالية إلى عديد من (المودات) التى لا تكاد تلمع حتى تخبو. فهل سئموا هذه الرحلة المضنية فى العالم السفلى للذات، وهل بدأوا يوجهُّون الأبصار إلى عالم الجسد والواقع والأرض والظواهر التى ترى وتلمس، وتحس وتشم؟ هل سيكفون عن تمزيق الواقع والإغراب فى اللغة؟ وهل يزهدون فى صوامعهم الزجاجية الملونة التى طالما لجأوا إليها؟».
يتابع: «قد نقول: إن محنة العالم ورعب الحروب وأخطاء العلماء وتعاسة الجماهير تهزُّهم وتقلقهم وتدفعهم إلى محاولة إنقاذ العالم النقى البرىء من المصير المخيف الذى ينتظره. ولكن ألم يفعل الشعراء الحقيقيون ذلك فى مختلف العصور وبمختلف اللغات والأساليب؟ وقد نقول: إنهم يبحثون الآن مع نقادهم ومنظِّريهم الأكاديميين عن موجةٍ جديدة، معقولة أو غير معقولة، يطلقون بها صواريخَ ملونة تجذب أنظار الناس التى يبدو أنها شغلت عنهم بتعاسة الحروب المتصلة، وسخف الأبطال الزائفين، وشقاء البحث عن لقمة العيش، وملل الكفاح والتعب والانتظار الطويل للسلام والحرية الموعودة».

وتابع التساؤل: «لكن هل فعلوا دائمًا غير هذا؟ وهل أجدت قصائد الشعراء أو لوحات الرسامين أو ألحان الموسيقيين فى ترويض الوحش الكامن فى الإنسان؟ هل استطاعت أن توقف الرصاص أو تغلق السجون أو تخفف التعذيب والشقاء المتصل على مدى العصور؟».
ويحاول «مكاوى» الوصول إلى إجابة ما، فيضيف: «لا أحد يدرى كما قلت. وترك الأسئلة مفتوحة لا يعنى أن نتشاءم أو نستسلم للحزن، فهذا شىء لا بد أن نرفضه ونقاومه دائمًا وبكل ما نستطيع من وسائل (ومنها الشعر). ولكنه يعنى أننا لا نستطيع أن نتنبأ بمستقبل الشعر ولا بمستقبل غيره من الفنون، وكل ما نستطيعه أو ما يجب أن نفعله هو أن نعرف حالته الحاضرة، و(نفهم) كيف وصل إلى ما هو عليه».

ويرى أن «الشعراء سوف يغنون دائمًا، كما سيولد الأطفال وتتفتح الأزهار وتغرد العصافير ويعذب المساكين فى الأكواخ والحقول والسجون ومكاتب الوظيفة. وستنشأ المدارس الجديدة والشعارات الكبيرة، ويتصارع القديم والجديد، ويثرثر ذوو الأصوات العالية والشعارات التافهة والبدع الرخيصة».
ويختتم بتلك النصيحة، فيقول: «المهم أن يتجاوب الشعراء مع الناس، فيمتعوهم بألحانهم الشجية أو يصدموهم بألحانهم المتنافرة، ويستجيبوا لشوقهم الخالد إلى الغناء وحنينهم الدائم للاستماع إلى الصوت الدافئ الصادق الأمين. المهم أن يدركوا دائمًا أن الشاعر، بالمعنى القديم الأصيل لهذه الكلمة، هو صاحب رسالة، بل هو نبى يرفع صوته ليبشر أو ينذر، ويغير العالم كما يغير النفوس بقوة الكلمة وسحرها، حتى ولو قدر عليه فى بعض الأحيان أن يضيع صوته فى الصحراء».




