أطياف العرَّاب.. دون كورليونى بطلًا لمجموعة قصصية جديدة!
- المؤلف ممدوح رزق يرسم بورتريهات تمزج بين الواقعية والأبعاد الفلسفية الوجودية
- مختارات ممدوح رزق تلخّص مسيرة قصصية متوطدة فى مجابهة «الحتمية التراجيدية»
عن دار «عرب» صدرت حديثًا المختارات القصصية «أطياف العرَّاب» للكاتب ممدوح رزق، وتضم نصوصًا من 7 مجموعات قصصية نُشرت خلال 13 عامًا، تمثّل بشكل عام رحلة مضيئة لفن القصة القصيرة عند الكاتب.
ويتسم عالم ممدوح رزق باللعب ما وراء السردى، والتشريح السيكولوجى الحاد كما نرى فى قصة «أطياف العرّاب» التى تحمل المختارات عنوانها؛ فالكاتب/ العرّاب يمارس السلطة على شخصياته/ أصدقائه فى الواقع بإحالة مباشرة لرواية ماريو بوزو، وفيلم فرانسيس فورد كوبولا الشهير، حيث يستعير كاريزما «دون كورليونى»؛ سلطته، وقوانينه الصارمة لحماية العائلة، لكنه ينقل هذه السلطة من «عالم الجريمة المنظمة» إلى «عالم الكتابة المنظمة».


الأطياف فى القصة هم البشر الذين يتحولون بمجرد دخولهم المقهى أو وعى الكاتب إلى مجرد «ظلال» أو «مادة خام» يطبخها فى قصصه. والنص يطرح رؤية صادمة للكتابة الأدبية؛ فهى ليست فعلًا رومانسيًا، بل مسرح تعرٍ، الكاتب يأخذ أسرار الآخرين وخيباتهم التى عجزوا عن مواجهتها، ويصيغها فى قصة ليقدمها «وليمة للغرباء».
ويتحول الصديق هنا إلى «فاوست» الذى يبيع روحه «أسراره وجروحه» للكاتب مقابل «صك الخلود فى قصة قصيرة»، حتى لو كانت قصة تفضح خيباته. تعيد لغة الكاتب صياغة مصائر «القطيع»، يفترس حكاياتهم بتعبير آخر، بينما يقف خارج سياج المرعى «المشهد الثقافى»، يضحك فى الظلام، مُجهِّزًا، باستخدام النبرة المتهكمة، والمفارقة، والنقد «الميتا قصصى»، طبق الانتقام الذى ينبغى أن يُقدّم باردًا بعد كل ميلاد.
ويعتمد ممدوح رزق، أيضًا، فى قصصه على «المجاز الممتد» كما نجد فى قصة «الأسماك الميتة» مثلًا، والتى تشتبك فى اقتصاد لغوى مع شراسة الموت، والتكيف الإنسانى مع الفقد، والأمل الطفولى والكهلى فى الخلود.
ويتحوّل حوض الأسماك المبهج والنابض بالحياة، فى مفارقة بنيوية، إلى صندوق زجاجى للموت، حيث يتلاحق الفناء بوتيرة عشوائية، لكن الكاتب يجعل من هذا الفقد لعبة تجابه الخداع الاستفزازى للموت، فضلًا عن التمسك بأخلاقيات الدفن فى التعامل مع جثث الأسماك «أصيص الزرع بدلًا من المرحاض أو سلة المهملات».
وتقابل فانتازيا «الطفل» واقعية «الكهل» فى القصة؛ فالطفلة تؤمن بأن الأصيص سينبت أسماكًا حية، والأبوان «الراوى وزوجته» ينكران بداهة ما تعتقده «السذاجة المقدسة» للطفلة، ومع ذلك يسقيان طين الأصيص كل يوم.
الزوجان، رغم الوعى الحاسم بموت الأسماك، يناقضان عقلانيتهما، بتغذية «الأمل المستحيل» فى مسايرة سرية لأمنية طفلتهما، كأنهما يتشبثان ببعثٍ يتخطى كل ما دُفن فى تلك المقبرة الطينية الصغيرة. يتعمق الإحساس بالحصار الإنسانى داخل شروط الفناء من خلال «الرمزية الدائرية» التى شكّلها ممدوح رزق فى هذه القصة حيث تبدأ بـ«حوض مملوء بالأسماك الحية التى تموت» وتنتهى بـ«حوض مهجور، وطين ميت يُسقى بحثًا عن حياة».

يرسم ممدوح رزق بورتريهات سردية مكثفة فى مختاراته، تمزج بين الواقعية والأبعاد الفلسفية الوجودية كما فى قصة «صناديق كرتونية مستعملة»، حيث يفكك «الدوران العبثى للزمن»، ويتأمل الجسد البشرى المشوّه كأداة هندسية ترسم جغرافيا المدينة، ويطرح أسئلة عميقة حول الهوية والذاكرة والامتلاك.
وتنسج بلاغة الجسد فى هذه القصة نوعًا من الشاعرية الموجعة؛ فـ«الكساح» لا يُقدّم كعاهة مجردة بل كأثر لعناق غائب بين قدمين مقوستين. ويتحوّل الولد فى القصة بفعل التكرار والروتين اليومى إلى جسد «روبوتى» أو ميكانيكى، تبرمجت عضلاته ورعشات قدميه على مسار المدينة (حتى لو أُضيف إليه «العمى» فلن يضل الطريق).
الجسد هنا يفقد وعيه الإرادى ويتحول إلى غريزة آلية تسير فى اتجاه الحاجة. كعادته يستخدم ممدوح رزق «المفارقة الساخرة» فى خلق استفهام حاد حول اتساق المهنة مع الجسد: يمتهن أكثر الأعمال اتساقًا مع «الكساح».
جمع الكرتون الملقى على الأرض يتطلب الانحناء والاقتراب من الرصيف، وكأن عاهة الولد هى التى فرضت عليه وظيفته، أو كأن الأرض تجذبه إليها عبر عظامه اللينة. يلعب الكاتب بثنائية «الفراغ والغنيمة» استثمارًا للمفارقة السابقة؛ حيث أصابع الولد متخشبة ومضمومة دائمًا فى حِجره كأنها تقبض على «غنيمة» ثقيلة وخفية، حين تمتد اليد، ينكشف «فراغ كفيه».
هنا يصنع الكاتب إزاحة دلالية: «فراغ كفيه... قد يبدو حقًا كغنيمة». فى عالم هذا الولد، الفراغ واللا شىء هو الامتلاك الحقيقى؛ لأنه لا يقبض فى هذا العالم سوى على ذلك الفراغ المتاح له، وحريته فى الحركة المترنحة وسط مدينة لا تراه إلا كأداة جمع.
ويبنى ممدوح رزق القصة على «الدورة الأبدية المستمرة» المشابهة لأسطورة سيزيف: «الورق الذى سيتحوّل ثانية إلى علب وصناديق كرتونية تُستخدم فى أغراض شتى ثم يتم التخلص منها ليعود الولد ذو العظام اللينة ويجمعها مرة أخرى».
الولد يعيد تدوير الكرتون، والمدينة تعيد تدوير الاستهلاك، وفى هذه الدائرة اللا نهائية يظل الولد يدور ويدور. هذه الدائرية تلغى مفهوم «التقدم» أو «المستقبل» فى حياة الولد؛ فالأيام تتشابه، والكرتون الذى يجمعه اليوم سيعود لجمعه بعد فترة فى شكل صندوق آخر.
ينتقل النص فى جزئه الأخير من فضاء الشارع العلنى إلى فضاء الغرفة السرى: الصناديق الفارغة المستقرة داخل بعضها «تحت السرير»، التكنيك البصرى الذى يشبه العرائس الروسية «الماتريوشكا».

صناديق داخل صناديق، وكلها فارغة لا تحوى أى شىء مادى. لماذا يحتفظ بها فى غفلة من التاجر ويضحى بثمنها؟ الصناديق هنا هى مخزن الزمن، تجسيد مادى للتعب والمسافات التى قطعها بجسده المترنح.
وبما أن الولد يعجز عقليًا ونفسيًا عن تخيّل «مستقبل» مختلف خارج الدورة العبثية، فإن هذه الصناديق الفارغة هى المساحة الوحيدة المتاحة لتضم أحلامه غير المُشكّلة. إنها «ألبومات صور» بلا صور، لأن غده أبيض وفارغ تمامًا كجوف تلك الصناديق.
يطرح الكاتب سؤالًا يحمل صبغة «ميتـا- فلسفية»: «هل فكر ولو مرة واحدة فى أنه يمشى بطريقة مضحكة لبصر يراقبه من خارج العالم؟». هذا «البصر الذى يراقب من خارج العالم» كأنه عين القدر، العين التى ترى ما لا يراه الولد. يُلاحظ أيضًا فى هذه القصة تلك اللغة الحسيّة المقبوضة؛ فلغة النص تشبه مادة الكرتون والجسد الموصوف؛ لغة تميل إلى التخشب والتكثيف «أقدام مقوسة، عظام لينة، أصابع متخشبة، ورق مقوى»، كما أن نبرة القصة تأملية هادئة، خالية من الصراخ والميلودراما الاستجدائية، ما جعل عمق المأساة يظهر بشكل أقوى من خلال التفاصيل الصغيرة.


تنتمى قصة «بانتومايم» إلى كتابة ما يُسمى بـ«جغرافيا الذاكرة»، حيث تفكيك مفهوم الاغتراب داخل المدن التى تتغير وتترك عشاقها عالقين فى الماضى. البطل هنا هو تجسيد لـ«الكاتب/ المتأمل» الذى يتحوّل مع الوقت من مشارك فى الحياة إلى مجرد فنان «بانتومايم» (تمثيل صامت) يحاكى حياة اندثرت. لكن البطل فى القصة يمارس «البانتومايم الوجودى»؛ يسير فى الشوارع محاطًا بأشخاص وأماكن ماتت أو تغيّرت، فيتحرك بذراعين مرفوعتين ليتفادى كائنات وهمية لا يراها غيره. حياته كلها تحولت إلى إيماءات صامتة فى فراغ المدينة.
تتضمن القصة، أيضًا، إحالات للقصة القصيرة الكلاسيكية، حيث يصبح التناص الأدبى دليلًا للاغتراب: «رجل عجوز على الجسر» لهمنجواى؛ فالبطل يتماهى مع العجوز العالق على الجسر أثناء الحرب، لا يستطيع العودة ولا التقدم. لكن المفارقة هنا أن التجوال اليومى للبطل هو ما يشيّد «الجسر الذى لا يستطيع عبوره». «وفاة موظف» لتشيخوف: يضحك البطل ساخرًا لأن علاقته بالسلطة تشبه علاقة الموظف الذى مات رعبًا من عطسة بالجنرال. «المعطف» لغوغول «أكاكى أكاكيفيتش»: البطل يسير فى النهاية فاقدًا معطفه «أمانه، ماضيه، مدينته القديمة»، منحنيًا ومستسلمًا لسخرية المارة.
تتحوّل جغرافيا الذاكرة فى القصة إلى جغرافيا «تصفية الحساب»، حيث لا يستدعى البطل أطياف الماضى فحسب، وإنما يستعمل «الشخبطة» أو «الاحتمالات المرسومة بالخطوط والأسهم المتشابكة» فى تدوين طرق مفتتة لتصحيح كل شىء قبل النهاية: «استدراك، انتقام، استيعاب، امتلاك، هيمنة».

يمارس البطل «الإنطاق الافتراضى»؛ فهو لا يتحدث مع البشر الحقيقيين، بل يتخيل ما يقوله الآخرون له «ابن صاحب كشك السجائر، الراقصة العجوز التى تحولت إلى متسولة، زميل الدراسة فى النادى اليونانى» فتحمل كلماتهم أحكامًا فلسفية شديدة القسوة عن طبيعة الذاكرة، توطد ما يدركه البطل بأن تذكر الماضى ليس فعلًا مبهجًا، بل هو عملية «تآكل ذاتى» مستمرة. تنتهى القصة بفكرة «الجسد الإيمائى»: البطل يسير بفم لاهث، وذراعين مرفوعتين لصد مقذوفات خفية تسقط من السماء.
الناس يسخرون من مشيته الغريبة، وللتصالح مع هذا التشوّه الوجودى يحوّله إلى «وظيفة»: فنان بانتومايم، بعد أن عاش حياته كلها يومئ فى الفراغ، يستحضر أشخاصًا غير موجودين، ويتكلم مع جدران وهمية، ويبكى على مسارح مهجورة.
المختارات بشكل عام أشبه بـ«الكون القصصى الكابوسى»، نرى مثالًا لذلك فى قصة «ما قبل انسداد الأمعاء» والمكتوبة بوعى رجل يقف على الحافة البرزخية بين الحياة والموت، حيث يتداخل المرض الجسدى بالمرض الوجودى، وتتحول محطة القطار وعيادة الطبيب إلى مسارح لتصفية الحساب الأخير مع الذاكرة، الفقد، وحتمية التكرار الجيلى.

الكاتب هنا يفكك مفهوم «النسخة الجينية والنفسية» التى تُخضِع الإنسان، ليتحول البطل فى النهاية إلى امتداد كامل لأمه الراحلة، ومورِّثًا المأساة ذاتها لطفلته. «الانسداد» فى القصة ليس بيولوجيًا فحسب، وإنما مجازيًا أيضًا؛ فالكاتب يعانى من «انسداد وعجز وجودى».
الزمن متوقف، والذكريات متراكمة فى أحشائه لا تخرج ولا تُهضم. العنوان يمهد للقارئ بأن كل ما سيُكتب فى النص هو «الأفكار الأخيرة» التى تسبق الانفجار أو الخلاص النهائى. فى لعبة التبادل الجيلى والتماهى مع الأم ينفتح النص على غياب تلك الأم التى ماتت منذ عشرين عامًا. يتحول كيس الأدوية الذى اشتراه البطل إلى «صك الميراث». كيس يشبه كيس أدوية أمه القديم.
تناول الدواء هنا ليس رغبة فى الشفاء، بل هو طقس تماهٍ كامل مع الأم؛ البطل يكبر أضعاف عمره، لا ليشيخ، بل ليفهم ما عانته أمه فى أيامها الخمسة الأخيرة قبل دخولها القبر.
القصة تدور حول فلسفة «النسخة» والعبودية الزمنية؛ فالإنسان فى نظر الكاتب ليس حرًا، بل هو «عبد» لنسخة مسبقة «قد تكون الجينات، أو التاريخ العائلى، أو القدر». هذه النسخة تقوده عبر تفاصيل ضئيلة «خدش فى طاولة، سعال عابر، ظل لافتة» لكى يكرر نفس الأخطاء، ونفس المرض، ونفس الموت، ثم تمرر هذه النسخة خلودها إلى جسد آخر «الطفلة» بكوابيس جديدة. الكتابة هنا هى الأداة الوحيدة للتحرر المؤقت: «لا أتذكر انفصالى عنها إلا حينما أكتبه»، لكنها حرية واهمة تنتهى بالاعتراف بأنه مجرد «فراغ مستعمل.. عدم يُستخدم بصورة مؤقتة».

تحيلنا محطة القطار وممرها السفلى فى القصة إلى «سيزيف المريض» وإلى الهروب الوجودى أيضًا؛ فالممر السفلى لمحطة القطار «وهو مكان برزخى تحت الأرض، يعكس النزول إلى وعى باطن مظلم»، يرى البطل مشهدًا يماثل تمامًا مشهد الولد الكسيح فى قصة «صناديق كرتونية مستعملة»: طفل بقدمين مريضتين يحمل حزنًا وغمًا لا يفهمه، يحاول صعود السلّم اللا نهائى ليلحق بأمه التى تسبقه وتختفى فوق الرصيف. الأم لا تلتفت، والحاجز المعدنى يصبح بديلًا عن يدها.
هذا المشهد هو تجسيد بصرى لـ«صدمة الفطام الأولى» والخوف الأزلى من هجران الأم. بكاء البطل فى الشارع بعد هذا المشهد هو بكاء التطهير؛ يبكى لأنه رأى طفولته وعجزه الجسدى متجسدًا فى ذلك الطفل.


لا تخلو مختارات ممدوح رزق من «الومضات القصصية»، فهناك قصص بالغة التكثيف، تمثل تقطيرًا لثيمة «الميتا- قص» أو «الكتابة كأداة لخلق احتمالات الوجود». فى قصة «قدم وحيدة»، وهى قصة شديدة الإيجاز، يتحوّل العجز الجسدى «فقدان القدم» من عاهة بيولوجية إلى «منجم سردى»، ويتحول البطل من شخص مبتور الطرف إلى «راوٍ كونى» يوزع أشلاءه على أزمنة العالم وأمكنته.
يحضر فى هذه القصة مجاز «المشى والقص» أو سردية الاحتمالات المتعددة؛ فالبطل لا يسير فى الشوارع بقدم واحدة فحسب، بل يسير بـ«حكايات متعددة». جلوسه على جانب الطريق ليحكى كل مرة قصة مختلفة عن كيفية فقدان قدمه، هو إحالة مباشرة لفقرة قصة «بانتومايم»: «يضيف شخبطة جديدة ويسميها احتمالًا.. كأنه يدوّن طرقًا مفتتة لتصحيح كل شىء قبل النهاية».
هنا، يصبح البتر حدثًا كونيًا تكرر فى كل بقعة وزمن، كأن الكاتب يقول إن الإنسان لا يموت أو يُبتر مرة واحدة؛ بل نحن نُبتر ونفقد أجزاءً منا فى كل تجربة، ومع كل شخص نلتقيه، وفى كل مدينة نهجرها. الحكايات المتغيرة هى اعتراف بأن «النسخة» الواحدة لا تكفى لتفسير حجم الفقد الإنسانى. يعيّن ممدوح رزق القدم الوحيدة كمتلقٍ سرى: «لا يسرد قصته المتغيّرة لأحد، ولا لنفسه، وإنما لقدمه الوحيدة التى يربت عليها دائمًا». هنا يكسر النص شروط الحكاية التقليدية «راوٍ ومستمع».

البطل لا يتسول تعاطف المارة فى الشارع، ولا يمارس رثاء الذات الداخلى «المونولوج». إنه يحكى للجزء المتبقى منه. القدم الوحيدة هى الشاهد والمستمع، والتربيت عليها بعد نهاية كل حكاية هو طقس «امتنان وعزاء»؛ شكرٌ لها لأنها لا تزال تحمل العبء، وعزاءٌ لها عن غياب شقيقتها «القدم الأخرى» التى تتبدد فى حكايات التاريخ. يلعب ممدوح رزق مجددًا بالزمن الدائرى ليشير إلى فكرة «الخلود عبر التشظى»؛ فالعبارة المفتاحية ترفع النص من مجرد قصة عن شخص مبتور إلى أفق ميتافيزيقى: «كأنما لم تمر على العالم لحظة واحدة إلا وقُطعت قدمه فى إحدى البقع». هذا التماهى بين زمن العالم الخاص وزمن العجز الجسدى يعكس رؤية «كافكاوية» و«تشيكوفية» بامتياز.
البطل ضحية أزلية للوجود، الزمن ليس خطًا مستقيمًا، بل هو شبكة من الكوابيس المتزامنة حيث يُقطع جزء من الإنسان فى كل ثانية. لكن المفارقة أنه رغم كل هذه البتور والاحتمالات، ينهض دائمًا فى نهاية كل حكاية ليواصل المشى.
مختارات ممدوح رزق تلخّص مسيرة قصصية متوطدة فى مجابهة «الحتمية التراجيدية» لكاتب يرفض العزاءات السهلة، وينزع القداسة عن العلاقات، ويجعل من المرض العضوى مرآة للشلل الروحى الذى يصيب الإنسان داخل مدينته وعبر علاقاته المختلفة. كتابة تولد من كتمان النحيب فى الشوارع، لتتحول فى النهاية إلى «معجزة أبدية شاملة» تُنقذ الذاكرة من العدم والنسيان.



