نخر السوس.. قبل أن يتحول المجلس الأعلى للثقافة إلى جثة هامدة
- يجب النظر وبدقة فى لجان الفرز التى تقوم بتصعيد الأسماء المرشحة لجوائز الدولة
لا نبغى فى هذه المساحة جلدًا للذات، وإنما محاولة للاقتراب أكثر من واقع المؤسسة الثقافية، المسئولة ضمن مؤسسات أخرى عن تشكيل العقل العام، ندلى برأينا الصادق النزيه، الذى عاين المشهد الثقافى برمته منذ ربع قرن تقريبًا، تفاعلًا، ووجودًا، وكتابة، ونقدًا، وتقديمًا لمئات الأصوات الإبداعية فى ثقافتنا الوطنية، ترى ماذا حدث فى المشهد الثقافى المصرى، وما الذى اعتراه من تحولات، وما الذى يجب أن نقدمه لأمتنا المصرية، وثقافتنا العربية فى هذا المضمار. إنها أوراق ثقافية، تنطلق من فكرة العقل النقدى، ذلك العقل الذى يتكئ على التأمل، والتفكير، والمساءلة، والمراجعة النقدية المستمرة.
هذه مقاربة للثقافة من الداخل، تصبو إلى تشريح الحالة الثقافية الراهنة، ثم الانطلاق إلى ما يجعلها ويجعلنا نحيا فى عالم أفضل، فهكذا كانت قيمة الثقافة حين عبر عنها «إليوت»، بوصفها سعيًا إلى عالم أفضل.

فى الآونة الأخيرة ظهرت أعراض لأمراض مثل السوس، تنخر فى الثقافة المصرية، وبرزت تجلياتها فى أمثلة عديدة، حدثت مؤخرًا، من بينها على سبيل المثال لا الحصر، ذلك اللغط الذى دار حول وزارة الثقافة، إذ أصبحنا أمام صخب لا نهائى، وترشيحات تتواتر على مواقع التواصل الاجتماعى لأسماء يرغب أصحابها أو بعض مشايعيها فى الترشح لحقيبة وزارة الثقافة، دون أدنى إدراك لآليات عمل الدولة المصرية الراسخة، التى أكدت بما لا يدع مجالًا للشك أنها دولة قانون، تحترم أحكام القضاء، وتصون الدستور، وتحميه، وتنطلق منه على نحو لا لبس فيه، من هنا كان قرارها بتولى وزير التعليم العالى والبحث العلمى الدكتور عبدالعزيز قنصوة، تسيير أعمال وزارة الثقافة، بصفة مؤقتة، عقب قبول استقالة الدكتورة جيهان زكى، وإلى حين تعيين وزير جديد للثقافة، ثم كانت القوائم القصيرة لجوائز الدولة للتفوق، والتقديرية، والنيل فى الفروع المختلفة، وما أثارته من جدل، ولا تزال، وما رأيناه من البعض من اتخاذ ثقافة الحشد وسيلة للتأثير على عمل اللجنة العامة التى تتخذ القرار النهائى بالترجيح، وما حدث من توظيف لمواقع التواصل الاجتماعى باتجاه الدفع صوب مرشحين بأعينهم، وما سبق ذلك بالطبع من وجود أسماء لا يرقى إنتاجها العلمى أو المعرفى أو الإبداعى من جهة، أو لا تمتلك إنتاجًا يليق بالجائزة من الأساس، كل هذا وغيره يحدث فى ظل تغييب لاستراتيجية الثقافة المصرية ورؤيتها صوب ٢٠٣٠، وهى الاستراتيجية التى عملت عليها الدولة المصرية، وتحتاج إلى من يحولها إلى واقع داخل وزارة الثقافة بهيئاتها ومؤسساتها وقطاعاتها المتعددة.
لقد رأينا إعادة تدوير للأسماء فى معظم الترشيحات المختصة بوزارة الثقافة، مثلما كانت ثقافة الحشد وسيلة للضغط والابتزاز، لا تليق بالثقافة، ولا بفكرة المثقف، هذه الفكرة التى غابت، والتى بحاجة إلى تذكير المثقفين بها، إذ يجب أن يكون المثقف أعلى تمثيلًا للحقيقة، بتوصيف إدوارد سعيد الذى لا يسقط بالتقادم.
ولا شك أن بلدًا عظيمًا بحجم الأمة المصرية قادر على فرز نخب جديدة، مرتبطة بمشروع ٣٠ يونيو ارتباطًا وثيقًا من جهة، ومن قلب تصوراتها المعرفية والجمالية، وفى متن الواقع الثقافى المصرى، وعلى دراية بتفاصيله المركبة، وبتطلعات الجمهورية الجديدة وآمالها الممتدة من جهة ثانية، وخاصة فى تبنيها مفهوم القدرات الشاملة، إذ تتلاحم القدرات العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية فى صياغة القدرة المصرية الشاملة.
من أين نبدأ إذن فى الآن وهنا، من الأجدى لوزارة الثقافة، وبلا إبطاء، أن تعاين استراتيجية التنمية المستدامة، والمختصة برؤية مصر ٢٠٣٠- محور الثقافة، وأن تعمل على تنفيذها، وأن يكون ذلك المنحى بمثابة الأساس المركزى الذى ينطلق منه أى وزير للثقافة، آملين أن يعيد الاعتبار للنفوذ الثقافى المصرى، وأن يدرك أننا أمام وزارة مغايرة، معنية بما يسمى تشكيل العقل العام، وأن هناك تحديات عديدة، من أبرزها العمل على صياغة مشروع ثقافى وطنى، مصرى الملامح والهوى، انطلاقًا من رؤية مصر الثقافية ٢٠٣٠، والتى تحدد فى متنها توصيفًا للثقافة، وتعريفًا لها، وهو تعريف مستقر، لا التباس فيه، إذ «تعد الثقافة أسلوبًا للحياة يتضمن مجموع القيم والأخلاق والمفاهيم والمعارف والعادات والتقاليد والمعتقدات ورؤى العالم والفنون والآداب، وأشكال الإبداع الفردى المادى وغير المادى، وكل ما يكتسبه الفرد من مجتمعه»، وتدرك الاستراتيجية الثقافية ما يمكن تسميته بالعناصر المركزية فى الثقافة المصرية، ونقاط القوة داخلها، وتحددها على النحو التالى: «تمتلك مصر تاريخًا ثقافيًا وفنيًا هائلًا، بالإضافة إلى قوتها الناعمة من الكوادر البشرية المتمثلة فى وجود قاعدة كبيرة من المثقفين والكتاب والعلماء والمفكرين والأدباء والفنانين والمبدعين فى الموسيقى والفنون البصرية والسينما والمسرح. وللنهوض بالإنسان المصرى ينبغى توظيف كل هذا الرصيد الحضارى الكبير».
ومع حلول عام ٢٠٣٠ تكون هناك «منظومة قيم ثقافية إيجابية فى المجتمع المصرى تحترم التنوع، والاختلاف، وتمكين المواطن المصرى من الوصول إلى وسائل اكتساب المعرفة، وفتح الآفاق أمامه للتفاعل مع معطيات عالمه المعاصر، وإدراك تاريخه وتراثه الحضارى المصرى، وإكسابه القدرة على الاختيار الحر، وتأمين حقه فى ممارسة وإنتاج الثقافة. على أن تكون العناصر الإيجابية فى الثقافة مصدر قوة لتحقيق التنمية، وقيمة مضافة للاقتصاد القومى، وأساسًا لقوة مصر الناعمة إقليميًا وعالميًا».
وهناك تفصيلات متعددة فى هذا المقام، إذ تتبنى الرؤية خطوات إجرائية أيضًا لن يتسع المجال لذكرها الآن، لذا سنركز هنا على الإطار الحاكم للرؤية الثقافية، وهى بحاجة إلى تفكيك معرفى، وقراءة متأنية تحولها من الحيز النظرى إلى الفعل الثقافى التطبيقى.
تنطلق رؤية مصر الثقافية ٢٠٣٠ من فكرة مركزية مفادها حماية الهوية الوطنية، وتعزيز القيم الإيجابية للفرد والمجتمع على حد سواء، ومن هنا تأتى الإشارة إلى ضرورة حماية قيم التنوع والاختلاف، والثقافة فى جوهرها تأكيد مثالى لقيم التنوع، والتسامح، وتعزيز لما يعرف بقيم التقدم، وهى جملة القيم المؤسسة لمجتمع عينه على المستقبل، يتسم برؤية استشرافية، لا تعيش فى الماضى، وفى اللحظة نفسها تعتز بالقيم الإيجابية فى تاريخها الحضارى، وتعمل على تنمية هذا الإرث النوعى باستمرار، وتجدل خيطًا ممتدًا بين العناصر الإيجابية المستقرة فى الوجدان العام منذ آلاف السنين، واللحظة الراهنة بتحولاتها، وانفتاحها اللا نهائى على محيط إقليمى، وعالمى ممتد، فى ظل حالة من السيولة اللا نهائية، التى يتسم بها العالم الرقمى الجديد، بثورته التكنولوجية الهائلة. وهذا يستلزم صناعة عقل عام، قادر على الفرز، والمساءلة، والمراجعة المستمرة، ومن هنا نأتى إلى فكرة أخرى تتصل بتعزيز التفكير النقدى، أو ما أسمته الرؤية بإكساب المواطن القدرة على الاختيار الحر، وهى جملة مهمة، إذ ينبغى للإنسان أن يفكر بنفسه، وليس بوساطة الآخرين، ومن هنا تسقط كل الأيديولوجيات المتطرفة، والأفكار الرجعية التى ينتمى فيها الفرد إلى جماعة مغلقة، تعادى الدولة المصرية، وتسعى باستمرار إلى الاختراق، والتغلغل داخلها. فلا انتماء إلا للوطن، ومقدراته.
يتبقى مسار مهم يتمثل فى العدالة الثقافية، وحتمية وصول الخدمة الثقافية إلى كل شبر فى ربوع مصر، والانتصار لقيم الجدارة، والنزاهة، والكفاءة، وهى محددات أساسية، يمكن من خلالها فحسب أن تتحول الثقافة إلى قيمة مضافة إلى متن الدولة الوطنية، وأداة مركزية لبلورة الخطاب العام للجمهورية الجديدة.

ثمة تحديات بنيوية تواجه الثقافة المصرية فى لحظتها الراهنة، بعضها يتصل بمحاولات أسلفة الثقافة، وتأميم المجال العام لمصلحة تيارات أيديولوجية متطرفة، أو تنظيمات راديكالية عفا عليها الزمن، إذ تتسلح الجماعات المتطرفة بأفكار وتصورات طائفية، تسعى لاختزال الهوية المصرية فى طبعة أحادية الجانب، كما تنطلق التنظيمات الراديكالية التى يتبنى بعضها تصورات قديمة تسعى إلى تأميم التاريخ الثقافى، وعزله عن الواقع الحى للأمة المصرية، وكلتا الطبعتين، وعلى اختلاف بينهما، تقدم تصورًا ماضويًا للعالم، وفى حالة الجماعات المتطرفة، فإنها تلقى بظلال كثيفة على الواقع الثقافى المصرى، حين تحاول اختراق المؤسسات الثقافية، وتمرير خطابات إخوانية معادية لقيم الثقافة الوطنية، ويمكن بغير عناء تأمل محاولات التغلغل الإخوانى الذى يرتبط بعض مشايعيه ببعض مشايعى التيارات الليبرالية واليسارية فى تشكيل مظلة فكرية تمرر الإحباط، وتسعى إلى تقويض البنيان العام للدولة المصرية، ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعى التى يصطف فيها الليبرالى أو اليسارى جنبًا إلى جنب التصورات الإخوانية المتطرفة تعد دليلًا دامغًا فى هذا المسار.
إن ما يحدث الآن هو حال من فقدان البوصلة بالنسبة للمثقف، فبدلًا من مواجهة التطرف، وزرع خطابات التسامح والاستنارة والتقدم، وتبنى قيم ثقافية إيجابية نجد البعض يتبنى شعارًا عبثيًا «ضد الدولة دائمًا، مع الإسلاميين أحيانًا»، وهى مقولة تليق بمرتزقة، لا بمثقفين حقيقيين.
ثمة تحديات مختلفة إذن تواجه ثقافتنا الوطنية، تتمثل، على نحو محدد، فى قيود الأيديولوجيات الجامدة التى تطرح تصورًا ماضويًا للعالم من جهة، وتسعى إلى تنميط الذائقة الإبداعية من جهة ثانية، فضلًا عن تحديات داخل أروقة الوزارة نفسها، من قبيل تزايد الأداء الروتينى على بعض قطاعات وزارة الثقافة، وانتفاء روح المبادرة، وحدوث ما يسمى «تآكل النخب»، وهى إشكالية فى العالم جميعه بالمناسبة، وندرة العمل الثقافى الأهلى.
والثقافة المصرية على الرغم من كم الإخفاقات التى عانتها، إلا أنها لا تزال تتسم بطاقة هائلة على التجدد، وتستمد هذه الطاقة وهجها من القدرة الإبداعية للأمة المصرية، ومن الدعم الذى توليه الدولة المصرية للثقافة فى السنوات الأخيرة تحديدًا، وهو دعم يبدأ من صانع القرار المصرى إلى المؤسسات الوطنية، ولعل البعض يبدى اندهاشه الآن من تلك الفكرة، ولذا نحن بحاجة إلى تأكيدها، فالمبادرات الرئاسية التى صنعتها الدولة المصرية خير شاهد على هذا المنحى، من قبيل المبادرة الرئاسية التى حملت عنوان «دولة الإبداع والفنون»، وجائزة الدولة للمبدع الصغير، فضلًا عن زخم البنية المادية للثقافة من مؤسسات ثقافية، ومكتبات عامة، وبيوت وقصور الثقافة، ودور الأوبرا، والمسارح، وقاعات الفن التشكيلى، والموسيقى، واكتشاف ورعاية الموهوبين، زخم هائل يحتاج فقط إلى من يديره بجدارة، ووعى، ونزاهة، وقدرة على صناعة المستقبل وصياغته، من خلال تعزيز قيم الخيال الإبداعى من جهة، والعقل النقدى من جهة ثانية.
عاشت الثقافة المصرية أكثر من مفارقة فى السنوات الأخيرة، فعلى الرغم من حالة الإنجاز اليومى فى قطاعات الدولة المصرية المختلفة، والإيقاع المتسارع الذى تسير به، بدت حركة الثقافة المصرية بطيئة فى التلاحم مع الهم العام من جهة، وفى التماس مع المعارك الحيوية التى تخوضها الدولة الوطنية ضد عصابات التطرف والجهل والرجعية من جهة ثانية؛ ولذا فإن ثمة حاجة إلى فعل ثقافى هائل يكافئ ما يدور، تصبح فيه الثقافة قيمة مضافة إلى متن الدولة الوطنية. ولكى يتحقق ذلك فإن هناك ضرورة حقيقية فى الآن وهنا إلى إصلاح شامل للخطاب الثقافى، ينطلق من الانشغال بالاستراتيجى فى بناء الثقافة، عبر وضع خطط طويلة المدى تستلهم استراتيجية مصر فى ٢٠٣٠ ولا تكون مجرد صدى لها، وإنما تعمل فى إطارها، ومعها، وتبادر فى طرح حلول مختلفة عبر خيال جديد، يضع الأشياء فى سياقها، بحيث تصبح وزارة الثقافة وزارة لتثقيف الشعب المصرى، وتنمية وجدانه العام، ووصله بقيم الجمال والحداثة والاستنارة والتقدم من خلال الاعتماد على تغليب قيم الكفاءة والنزاهة، والوعى بجدل السياق السياسى والثقافى، فتصبح معركة الأمة المصرية ضد التيارات المتطرفة والأفكار التكفيرية جوهرًا مركزيًا فى معركة الثقافة المصرية ذاتها، كما يجب على الثقافة أن تسعى إلى بلورة الخطاب العام للجمهورية الجديدة، والدولة الوطنية التى تواجه تحديات متعددة، داخلية وخارجية فى الوقت نفسه.

ربما تبدو المسحة التاريخية مهمة فى سياق الإشارة إلى المجلس الأعلى للثقافة، بوصفه مؤسسة رائدة، ففى عام ١٩٥٦ صدر قرار إنشاء المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وفى سنة ١٩٥٨ أصبح المجلس معنيًا أيضًا برعاية العلوم الاجتماعية، وفى عام ١٩٨٠ تحول إلى مسماه الجديد «المجلس الأعلى للثقافة» بصدور القانون رقم ١٥٠ لسنة ١٩٨٠، ويرأس المجلس الأعلى للثقافة وزير الثقافة، ويتولى إدارته وتوجيه سياسته والإشراف على تنفيذها الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.. نحن إذن أمام العقل السياسى والفكرى لوزارة الثقافة، فهو راسم سياساتها الثقافية، والمحدد للاستراتيجيات الثقافية ذات الطابع الكلى والشامل اتساقًا مع المؤسسات الثقافية الأخرى، وتعزيزًا لها، ومن ثم فعلى المجلس الأعلى للثقافة أن يعى دوره المنشود، من حيث كونه تمثيلًا فكريًا وابداعيًا للقوة الناعمة المصرية، وامتدادًا معرفيًا لتعضيد الأبعاد الجيوسياسية للدولة المصرية، ووصلها المؤثر فى محيطها العربى، والإفريقى، والمتوسطى، اتكاء على الوعى الخلاق بالجذور الحضارية المتعددة للهوية المصرية بطابعها المنفتح على الآخر، والقادر على استيعاب مجمل الثقافات الإنسانية مع الإدراك المتنامى لخصوصية الثقافة المصرية ودورها الفاعل فى محيطها متعدد المسارات. إن التخطيط الثقافى ووجود نهج واضح المعالم خطوة أساسية إذن، شريطة أن تكون هذه السياسات الثقافية المبتغاة حاوية شقًا إجرائيًا قابلًا للتطبيق، وألا تصبح محض رطان لا يعانق الواقع.
ووفق هذا التصور المعرفى الخلاق لدور المجلس الأعلى للثقافة، فإن عليه ألا يكتفى بعقد الندوات، على أهميتها، من قبل لجانه المختلفة، وإنما يجب أن تصنع هذه اللجان تصورًا كليًا يعبر عن رؤية شاملة إجرائية الطابع، تستلهم تصوراتها من تفعيل قيم التقدم والاستنارة، ووضع السياسات العامة للثقافة المصرية فيما يخص امتلاك مشروع ثقافى جامع يتمحور حوله الفعل الثقافى، ويحوى داخله تنويعات مختلفة بتنوع اللجان ذاتها، والإدارات المتعددة داخله، وصولًا إلى صياغة تصور شامل ومحدد حول الآليات التى تحقق وصل الثقافة بمجتمعها، وخوضها معركة الدولة المصرية ضد الأفكار التكفيرية، واستعادة القوة الناعمة المؤثرة فى محيطها، ووجود مسح شامل لحركة الإبداع المصرى فى جميع المجالات، وعدم التقوقع فى الماضى، وفتح النوافذ أمام أجيال الإبداع المصرى الجديدة، وخلق حالة مجتمعية تتجاوز أسوار النخبة.
والمجلس الأعلى للثقافة لعب دورًا بارزًا فى تعزيز النفوذ الثقافى المصرى، ويكفى أن نتأمل ذلك الزخم الثقافى المصرى والعربى الذى كنا نراه فى مؤتمر الرواية، ومؤتمر الشعر، ومؤتمر النقد الأدبى، وكلنا يذكر مؤتمر القاهرة الدولى الأول القصة العربية القصيرة فى العام ٢٠٠٩، وقد شاهدت مثل المئات من المثقفين حالة الزخم الإبداعى والنقدى التى صنعها، وأذكر أننى كتبت فى مقالى فى الحياة اللندنية عن المشهد القصصى فى مصر والعالم العربى، تعزيزًا لحالة الزخم المشار إليها، ونحن نتساءل بدورنا أين ذهب هذا المؤتمر، ولماذا لا يعقد، ولماذا لا يعقد أيضًا مؤتمر القاهرة للإبداع الروائى العربى الذى توقف منذ سنوات، وكانت آخر دوراته عام ٢٠١٩، وباءت محاولات إحيائه بالفشل، وهذا المؤتمر كان يمثل رئة حقيقية للثقافة المصرية فى تفاعلها الخلاق مع الثقافة العربية، وتأكيد دورها المحورى فى إنتاج الثقافة العربية، ومن المؤسف أنه قد تم الإعلان عن عقده فى نوفمبر من العام ٢٠٢٢، ثم تأجل إلى موعد لاحق، لم يتم الإفصاح عنه، طالبنا من جديد بإقامته، وكان مقررًا عقده فى العام ٢٠٢٥، لكن شيئًا لم يحدث، ولو أدرك القائمون على المجلس مدى مركزية هذا المؤتمر فى الثقافة المصرية، وفى ظل تعدد مراكز إنتاج الثقافة العربية، لما توقف، والتعلل بالميزانيات ليس منطقيًا، فى هذا المضمار، مثلما ينبغى أن تعود جائزة يوسف إدريس للقصة القصيرة، لما تحمله من قيمة رمزية للمشهد القصصى المعاصر.
وعلى جانب آخر، يجب النظر وبدقة فى لجان الفرز التى تقوم بتصعيد الأسماء المرشحة لجوائز الدولة، والضبط المنهجى لعمل اللجان، وعدم تكرار الأسماء لسنوات متعددة فى لجان تحكيم الجوائز نفسها، وتلقى الترشيحات من المؤسسات الفاعلة والمشهود لها بالنزاهة والجدارة، ويجب فى هذا السياق إعادة النظر من جديد فى الجهات المرشحة، وما الآليات التى تعتمد عليها، بعيدًا عن الهوى الشخصى، والمجاملات الفارغة.
إن علينا، وبحق، الاعتداد بالرأسمال الرمزى للثقافة المصرية، وهو لو تعلمون عظيم، إذ يتخطى القيمة المادية للجوائز، ليعانق قيمة أسمى، تتعلق بوطن عظيم، وبلد علّم العالم، وقدم إلى محيطه العربى، والإقليمى، والعالمى أيقونات خالدة، فهذا بلد طه حسين، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ولويس عوض، ويوسف إدريس، ولطيفة الزيات، وغيرهم من مئات الأفذاذ الذين شكّلوا العقل الجمعى، والوجدان العام للأمة المصرية، هذه الأمة الولود مثل النهر المتدفق، بعطائه الخصب، وروحه المصرية العصية على الكسر، والنسيان، ابنة الشموخ، والمجد، والخلود الأبدى.



