الأحد 04 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الانفجار العظيـم.. نهاية ما نعرفه لا نهاية الوجود

حرف

- الكتاب يدعونا إلى التمييز بين ما يجب أن نحافظ عليه وما ينبغى أن نسمح له بالتغير

- التاريخ حركة متصلة من موت الأشكال وميلاد غيرها

هناك كتب تحاول التنبؤ بما سيحدث غدًا، وكتب أخرى تنظر إلى ما يحدث أمامنا، ثم تكشف أننا لم ندرك بعد دلالته. وينتمى كتاب «الانفجار العظيم.. عصر النهايات» للباحث والمفكر المغربى إدريس أوهلال إلى النوع الثانى.

لا يقدم الكتاب نبوءة عن نهاية العالم، ولا يتحدث عن انفجار كونى جديد، إنه يرصد التحولات التى أصابت مؤسسات وأفكارًا اعتاد الإنسان الحديث على أن يراها ثابتة، حتى ظن أنها ستبقى إلى الأبد. يتحدث المؤلف عن نهاية المدرسة والجامعة والشهادة، والمثقف والإعلام التقليدى، والأسرة والخصوصية والطبقة الوسطى، والسوق والنقود والوظيفة العامة، والسياسة والقيادة والديمقراطية، وصولًا إلى نهاية الغرب كما عرفناه.

تبدو هذه القائمة كأنها إعلان عن انهيار العالم، لكن «أوهلال» يضعنا أمام نهاية دورة تاريخية وبداية دورة أخرى. فالنهاية عنده لا تعنى الفناء، وإنما فقدان الأشكال القديمة قدرتها على أداء وظائفها فى عالم تغيرت قواعده.

إدريس أوهلال باحث وخبير مغربى فى القيادة والاستراتيجية وإدارة الأداء والتغيير. جمع فى أعماله بين البحث الفكرى والخبرة العملية فى إدارة المؤسسات والتحولات. وتظهر هذه الخلفية فى الكتاب؛ فهو لا يعالج التغيير بوصفه موضوعًا فلسفيًا مجردًا، بل قوة تفرض على الأفراد والمؤسسات إعادة النظر فى أدوارهم واستعدادهم للمستقبل.

صدر الكتاب فى طبعته الأولى سنة ٢٠٢١ عن مجموعة الأكاديميات الدولية، ويقع فى ١٨٧ صفحة. وجاء فى أعقاب جائحة كورونا، حين اكتشف العالم أن مؤسسات بدت راسخة يمكن أن تتوقف فجأة، وأن التعليم والعمل والتجارة والتواصل الإنسانى قد تنتقل خلال أسابيع إلى صور لم نكن نتصورها.

قسّم المؤلف كتابه إلى ستة مجالات: التعليم، والثقافة والإعلام، والمجتمع، والاقتصاد، والسياسة، يسبقها فصل عن «فقه النهايات» وتتبعها خاتمة عن بداية دورة تاريخية جديدة. وهو يؤكد منذ البداية أن هذه النهايات أمثلة وليست حصرًا، وأن الغرض منها تكوين وعى مزدوج بما يرحل وبما يولد.

ينطلق «أوهلال» من أن مؤسسات كثيرة صنعتها ظروف تاريخية محددة، لكن طول بقائها جعلنا نتعامل معها كأنها حقائق طبيعية. فالمدرسة ليست التعليم ذاته، والجامعة ليست المعرفة، والشهادة ليست الكفاءة، والصحيفة ليست الإعلام، والنقود الورقية ليست القيمة، والبرلمان لا يختصر السياسة كلها.

المؤسسة أداة ابتكرها الإنسان لأداء وظيفة. فإذا عجزت عن وظيفتها، أو ظهرت أداة أكثر كفاءة، بدأت تفقد احتكارها وإن ظلت قائمة. لذلك لا تعنى نهاية المدرسة اختفاء التعليم، بل تراجع نموذج يقدم المحتوى نفسه لتلاميذ مختلفين ثم يقيسهم بامتحان موحد. ولا تعنى نهاية الجامعة اختفاء البحث، بل تراجع احتكارها للتعلم والاعتراف بالكفاءة. كما لا تعنى نهاية الإعلام اختفاء الخبر، بل انهيار احتكار المؤسسات التقليدية لإنتاجه وتوزيعه.

يستخدم المؤلف «الانفجار العظيم» استعارة للحظة تتفكك فيها النظم القديمة من داخلها. وهى استعارة موفقة من زاوية أن الانفجار العظيم فى الفيزياء لم يكن نهاية الكون، بل بداية الكون الذى نستطيع رصده. ومع ذلك، لا تخضع المجتمعات لحتمية الظواهر الكونية. فقد تتغير المدرسة ولا تختفى، وقد تفقد الجامعة احتكار المعرفة وتحتفظ بوظيفتها البحثية، وقد تتبدل الأسرة من دون أن تنتهى حاجة الإنسان إلى الانتماء. ومن ثم أقرأ كلمة «النهاية» فى الكتاب جرس إنذار، لا حكمًا نهائيًا بالإعدام.

<strong>إدريس أوهلال</strong>
إدريس أوهلال

قادنى الكتاب إلى سؤال أعمق من توقع مصير المؤسسات: ماذا نعنى بكلمة النهاية؟ هناك نهاية تعنى الفناء، وأخرى تعنى التحول، وثالثة تعنى فقدان الهيمنة. وقد تكون النهاية مجرد عجزنا عن تخيل ما سيأتى بعد العالم الذى ألفناه.

فى تقديرى، لا تتحدث معظم فلسفات النهايات عن نهاية المطلق، بل عن نهاية صورة تاريخية ظننا أنها الحقيقة النهائية. ومن هنا تلتقى أطروحة «أوهلال»، رغم اختلاف السياق، مع عبارتين شهيرتين: «موت الإله» عند نيتشه و«نهاية التاريخ» عند فرانسيس فوكوياما.

عندما قال نيتشه «مات الإله»، لم يكن يصف موتًا حرفيًا؛ فالمطلق، بحكم تعريفه، لا يولد ولا يموت. كان يشخّص انهيار المرجعية الدينية والميتافيزيقية التى استمد منها الإنسان الأوروبى تفسير العالم وأساس الأخلاق.

رأى «نيتشه» أن العلم والعقل النقدى أضعفا سلطة المعتقد القديم، لكن الإنسان لم يدرك بعد حجم الفراغ الذى سيتركه. فإذا فقد المصدر الذى استمد منه معانى الخير والشر والغاية، فمن أين يأتى بالقيم؟ وهل يستطيع أن يخلق معنى جديدًا، أم يسقط فى العدمية؟

إذن، كان «موت الإله» موتًا لصورة تاريخية للمقدس داخل الوعى الغربى، لا برهانًا على انتهاء المطلق. وقد تسقط صورة صنعها البشر للإله، بينما يظل سؤال الإيمان والمعنى قائمًا، وربما يولد فهم أكثر اتساعًا وأقل ارتباطًا بالمؤسسات التى ادعت احتكاره.

لم يقصد «فوكوياما» أن الزمن والأحداث سيتوقفان. رأى بعد سقوط الاتحاد السوفيتى أن الصراع حول أفضل نظام للحكم ربما وصل إلى محطته الأخيرة بانتصار الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق.

لكن العقود التالية أظهرت أن الذى انتهى لم يكن التاريخ، بل مرحلة من تصورنا لمساره. عادت الحروب والقوميات والشعبوية، وصعدت قوى لا تتبنى النموذج الغربى، وتراجعت الثقة فى الديمقراطية داخل بعض مجتمعاتها. كما ظهرت سلطة المنصات والخوارزميات التى تستطيع توجيه الرأى العام من خارج المؤسسات السياسية التقليدية.

كان الخطأ هو تحويل انتصار نموذج فى لحظة تاريخية إلى نهاية مطلقة. فالمنتصر يميل إلى اعتبار انتصاره خاتمة التاريخ، لكن التاريخ لا يعرف صيغة نهائية لاجتماع البشر.

هذا هو المفتاح الذى أقرأ به نهايات «أوهلال».. نهاية المدرسة ليست نهاية التعلم، ونهاية الجامعة ليست نهاية المعرفة، ونهاية الصحافة ليست نهاية الحاجة إلى التحقق من الوقائع، ونهاية الأسرة التقليدية ليست نهاية الحب والرعاية والانتماء. وحتى تعثّر الديمقراطية لا يلغى توق الإنسان إلى الحرية والمشاركة والمساءلة.

المشكلة أننا نخلط بين الأداة والغاية، نظن أن المدرسة هى التعليم، وأن المؤسسة الدينية هى الإيمان، وأن الدولة هى الوطن، وأن البرلمان هو الديمقراطية، وأن الشهادة هى المعرفة، وأن النقود هى الثروة. وحين تتصدع الأداة، نتصور أن الحقيقة نفسها انهارت.

لكن الأدوات ليست الحقيقة، قد تنهار مؤسسة دينية ويبقى الإيمان، وقد تسقط أيديولوجية ويبقى بحث الإنسان عن العدالة، وقد ينتهى نظام سياسى ويبقى التطلع إلى الحرية. وما ينتهى فى كل مرة هو تجسيد تاريخى صنعه البشر، لا القيمة التى حاول التعبير عنها.

جاء الصعود السريع للذكاء الاصطناعى بعد صدور الكتاب ليمنح أطروحته بعدًا جديدًا. فإذا استطاعت الآلة أن تكتب وتحلل وتترجم وتصمم وتشرح، فهل نواجه نهاية الكاتب والمعلم والطبيب والمثقف، أم نهاية تعريف قديم لهذه المهن؟

لا أرى الذكاء الاصطناعى نهاية للإنسان، لكنه قد ينهى دور الإنسان الذى يكرر ما تستطيع الآلة إنجازه بسرعة أكبر. وقد يدفعنا إلى إعادة اكتشاف ما هو أكثر إنسانية: الخيال والحكمة والضمير والتعاطف وصناعة المعنى. غير أن النتيجة ليست مضمونة، فالتكنولوجيا التى تحرر المعرفة تستطيع أيضًا أن تصنع المراقبة، والمنصة التى تمنح الجميع صوتًا قد تغرق الحقيقة فى الضوضاء. لذلك لا يحدث المستقبل وحده؛ تصنعه القرارات والقيم وموازين القوة.

خرجتُ من الكتاب بأن التاريخ حركة متصلة من موت الأشكال وميلاد غيرها. «موت الإله» عند «نيتشه» كان نهاية سلطة صورة تاريخية للمقدس، و«نهاية التاريخ» عند «فوكوياما» كانت نهاية متخيلة للصراع على نموذج الحكم، و«عصر النهايات» عند «أوهلال» هو أفول مؤسسات فقدت قدرتها على احتكار وظائفها.

إنها جميعًا تتحدث عن نهاية ما نعرفه، لا نهاية ما يمكن أن يكون. فالإنسان يرى المطلق من خلال صور وتعريفات ومؤسسات يصنعها داخل التاريخ، وحين تنتهى إحدى هذه الصور، لا تنتهى الحقيقة؛ الذى ينتهى هو طريقتنا القديمة فى تمثلها.

قيمة الكتاب، فى رأيى، أنه يدعونا إلى التمييز بين ما يجب أن نحافظ عليه وما ينبغى أن نسمح له بالتغير. نحن لا نعيش نهاية العالم، بل نهاية عالم اعتدنا عليه. ولا نشهد نهاية الإنسان، بل نهاية تعريف ضيّق لدوره. ولا نقف عند نهاية التاريخ، بل عند نهاية فصل منه. أما الحقيقة، وتوق الإنسان إلى المعرفة والحرية والحب والمعنى، فلا تنتهى بانتهاء الأدوات التى عبّرت عنها، إنها تبحث فى كل عصر عن صور جديدة تولد فيها.