الإثنين 21 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

روايات سبقت عصرها..

العجـوز والبحـر.. حين يخسر الإنسان كل شىء.. إلا نفسه

حرف

- الرواية عن الإنسان حين يقف وحيدًا أمام ما يفوقه قوة

- الحقيقة الكبرى: لا نستطيع أن نمنع الحياة من أن تأخذ منا أشياء كثيرة

كلما قرأت رواية عظيمة، لا أسأل فقط: ماذا حدث لأبطالها؟ بل أسأل: لماذا بقيت حية بعد أن تغيّر العالم الذى كُتبت فيه؟

بعض الروايات تعيش لأنها تحكى قصة مشوقة، وبعضها يعيش لأنها توثّق عصرًا مضى، أما الأعمال النادرة فتبقى لأنها تلمس فى الإنسان شيئًا لا يتغير بتغير العصور.

ومن هذه الأعمال رواية «العجوز والبحر» لإرنست همنجواى.

إنها، فى ظاهرها، حكاية بسيطة جدًا: صياد عجوز يخرج وحده إلى البحر، يصطاد سمكة هائلة بعد صراع طويل، ثم تلتهمها أسماك القرش فى طريق عودته، فيصل إلى الشاطئ بهيكلها العظمى وحده.

لكن الأدب العظيم يفعل أحيانًا ما تفعله قطرة الماء حين تعكس سماء كاملة. ففى هذه الحكاية القصيرة نرى العمر كله: الحلم، والسعى، والوحدة، والألم، والكرامة، والانتصار، والخسارة، ثم ذلك السؤال الأصعب: هل تُقاس قيمة الإنسان بما يعود به إلى الشاطئ، أم بما أصبح عليه وهو يصارع البحر؟

وُلد إرنست همنجواى عام ١٨٩٩، وعاش حياة بدت أحيانًا كأنها امتداد لرواياته: شهد الحرب، وعمل بالصحافة، وسافر، وصاد، وأبحر، وعرف المغامرة والخطر والحب والفقد. انعكست هذه الحياة فى أدبه، لكن ما ميّزه لم يكن كثرة الأحداث وحدها، وإنما طريقته فى الكتابة.

كان يؤمن بأن الكاتب لا يحتاج إلى أن يقول كل شىء. شبّه أسلوبه بجبل الجليد: الجزء الظاهر فوق الماء صغير، أما الكتلة الأكبر فتبقى خفية تحته. وهكذا جاءت لغته مقتصدة، واضحة، تكاد تخلو من الزينة، بينما تختبئ خلف كلماتها البسيطة طبقات عميقة من الخوف والألم والمعنى.

نُشرت «العجوز والبحر» عام ١٩٥٢، بعد فترة شعر فيها بعض النقاد بأن وهج همنجواى قد خفت. فكانت الرواية أشبه بعودة أدبية كبرى، ونالت جائزة بوليتزر، وأسهمت فى ترسيخ مكانته قبل حصوله على جائزة نوبل فى الأدب عام ١٩٥٤.

ولعل المفارقة أن همنجواى كتب عن عجوز يريد أن يثبت أنه لم ينتهِ، فى وقت كان هو نفسه بحاجة إلى أن يثبت أن قدرته الإبداعية لم تنتهِ. لذلك يصعب على أن أفصل تمامًا بين سانتياجو، الصياد العجوز، وبين همنجواى الكاتب. فكلاهما خرج إلى بحر الشك، وكلاهما عاد بعمل يعلن أن العمر أو تعثر الأمس لا يعنيان أن القدرة على الإبداع قد ماتت.

سانتياجو صياد كوبى عجوز، مرّت عليه أربعة وثمانون يومًا دون أن يصطاد سمكة واحدة. فى القرية يراه البعض سيئ الحظ، حتى إن الصبى مانولين، الذى يحبه ويتعلم منه، يضطر بأمر أسرته إلى العمل مع صيادين آخرين أكثر نجاحًا.

لكن الصبى لا يفقد إيمانه بالعجوز، والعجوز لا يفقد إيمانه بنفسه.

فى اليوم الخامس والثمانين يقرر سانتياجو أن يبحر أبعد من المعتاد. لا يعرف ما الذى ينتظره، لكنه يعرف أن البقاء قريبًا من الشاطئ لن يغيّر شيئًا. وهناك، فى عمق البحر، تلتقط صنارته سمكة مارلن هائلة، أكبر من قاربه تقريبًا.

لا يستطيع أن يرفعها، ولا تستطيع هى أن تفلت منه. تجر القارب فى عرض البحر، ويبدأ بينهما صراع طويل يستمر أيامًا. تتجرح يدا العجوز، ويتعب جسده، ويشتد جوعه وعطشه، لكنه يرفض أن يترك الحبل.

واللافت أن سانتياجو لا يكره السمكة. على العكس، يعجب بقوتها وجمالها ونبلها، ويخاطبها كأنها أخ أو خصم جدير بالاحترام. إنه يحبها، ومع ذلك يعرف أن عليه أن يقتلها. وهنا يتحول الصيد من مطاردة بين إنسان وحيوان إلى مواجهة بين قوتين تجمعهما رابطة غامضة من الاحترام والألم.

ينجح العجوز أخيرًا فى قتل السمكة، ويربطها إلى جانب القارب، ويبدأ رحلة العودة. يبدو أنه انتصر، وأن أيام سوء الحظ انتهت، وأن القرية سترى أخيرًا برهان قدرته.

لكن دم السمكة يجذب أسماك القرش!

يقاتلها سانتياجو بكل ما يملك: بالحربة، ثم بالسكين، ثم بالمجداف، ثم بما تبقى لديه من قوة. يقتل بعضها ويطرد بعضها، لكنها تتكاثر، وتلتهم لحم السمكة شيئًا فشيئًا، حتى لا يبقى منها عند وصوله إلى الشاطئ إلا الرأس والذيل والعمود الفقرى.

يعود العجوز منهكًا، يحمل سارية قاربه على كتفه، ويصعد إلى كوخه ثم ينام. وفى الصباح يرى أهل القرية الهيكل العظمى الهائل، فيدركون حجم ما اصطاده، بينما يجلس مانولين إلى جواره ويبكى، ثم يخبره أنه سيعود للصيد معه.

أما سانتياجو فينام ويحلم بالأسود التى رآها على شواطئ إفريقيا فى شبابه.

السؤال الأول الذى تتركه الرواية فى ذهنى هو: هل عاد سانتياجو منتصرًا أم مهزومًا؟

إذا حكمنا بمنطق السوق، فقد خسر. السمكة التى كان يمكن أن تمنحه المال والمكانة عادت هيكلًا عظميًا لا يُباع. وإذا حكمنا بالنتيجة وحدها، فقد ضاع كل ما بذله فى البحر.

لكننى أعتقد أن همنجواى يريد أن يحرر معنى الانتصار من النتيجة.

فالإنسان لا يملك دائمًا ما يحدث لثمرة جهده، لكنه يملك الطريقة التى يواجه بها ما يحدث. قد ينجح فى اصطياد حلمه، ثم تأتى قروش الحياة فتنهشه أمام عينيه: مرض، أو ظلم، أو خيانة، أو زمن لا يرحم، أو مصادفة لا يستطيع ردّها. ومع ذلك، يبقى هناك شىء لا تستطيع القروش أن تلتهمه إلا إذا سلّمه الإنسان لها بإرادته: كرامته الداخلية.

لهذا كانت العبارة المحورية فى الرواية أن الإنسان يمكن أن يُدمَّر، لكنه لا يُهزم.

والفرق بين الدمار والهزيمة بالغ العمق. الدمار قد يأتى من الخارج: يفقد الإنسان ماله، أو صحته، أو مكانته، أو من يحب. أما الهزيمة الحقيقية فتحدث فى الداخل، حين يقتنع بأنه لم يعد جديرًا بالمحاولة، أو حين يسمح للخسارة بأن تعيد تعريفه.

سانتياجو خسر السمكة، لكنه لم يخسر نفسه.

قرأت الرواية أيضًا بوصفها دفاعًا عن كرامة الشيخوخة.

كان أهل القرية يرون فى سانتياجو رجلًا انتهى زمنه. أربعة وثمانون يومًا بلا صيد بدت لهم دليلًا كافيًا على أن خبرته لم تعد ذات قيمة، وأن الحظ تخلّى عنه، وربما كان عليه أن يقبل موقعه على هامش الحياة.

لكن العجوز لم يخرج إلى البحر لينكر عمره، بل ليؤكد أن تقدّم العمر لا يلغى قدرة الإنسان على السعى. كان يعرف ضعف جسده، ويتعامل معه بوعى، لكنه لم يسمح للضعف بأن يتحول إلى هوية.

وهذا معنى يقترب منى كلما تقدمت فى العمر: الخطر الأكبر فى الشيخوخة ليس أن تقل قوة الجسد، بل أن يقبل الإنسان الفكرة التى يفرضها الآخرون عليه بأنه لم يعد مطلوبًا منه شىء. كثيرًا ما نقول لكبار السن بحسن نية: استرح، لقد فعلت ما يكفى. لكن الحياة لا تُقاس فقط بما أنجزناه، بل بما لا يزال يوقظ فينا الرغبة فى أن ننهض صباحًا.

سانتياجو لم يكن حيًا لأنه يتنفس؛ كان حيًا لأنه ما زال لديه بحر يخرج إليه.

وقد لا يكون البحر عند كل إنسان ماءً وسفنًا. قد يكون كتابًا يريد أن يكتبه، أو علمًا يتعلمه، أو حفيدًا يمنحه خبرته، أو قضية يدافع عنها، أو موسيقى يعزفها، أو حبًا يصونه. المهم أن يظل له أفق يتجاوز حدود يومه.

لم أرَ البحر فى الرواية رمزًا للعالم الشرير، بل للحياة نفسها: جميلة وقاسية، مانحة وسالبة، لا تتآمر على أحد ولا تضمن لأحد شيئًا.

سانتياجو يحب البحر، رغم أنه يعرف أخطاره. يسميه كما يُسمّى كائن قريب، ويرى الطيور والأسماك شركاء فى الوجود، لا مجرد أدوات لخدمته. حتى المارلن التى يريد قتلها يراها كائنًا عظيمًا يستحق الاحترام.

وهذا يجعل الرواية أسبق من عصرها فى نظرتها إلى علاقة الإنسان بالطبيعة. فالإنسان فيها ليس سيد الكون المطلق، بل جزء من شبكة حياة أكبر منه. يقتل ليعيش، لكنه لا يفعل ذلك باستخفاف أو غرور. يدرك أن انتصاره على كائن آخر يحمل فى داخله شيئًا من الحزن والمسئولية.

وربما كانت مأساة سانتياجو قد بدأت حين تجاوز حدود حاجته إلى الرغبة فى إثبات ذاته. فهو نفسه يتساءل إن كان قد ابتعد أكثر مما ينبغى. وهنا تفتح الرواية بابًا أخلاقيًا مهمًا: متى يصبح الطموح شجاعة، ومتى يتحول إلى تجاوز؟ وهل نصارع من أجل ما نحتاج إليه، أم من أجل أن نثبت للآخرين أننا ما زلنا قادرين؟

لا تعطينا الرواية جوابًا نهائيًا، وهذا جزء من عظمتها.

مانولين ليس شخصية هامشية فى تقديرى، بل هو جزء أساسى من انتصار العجوز.

فالخبرة التى لا تنتقل تموت، والإنسان الذى يجد من يؤمن به لا يعود وحيدًا تمامًا، حتى إذا أبحر بمفرده.

كان الصبى يرى فى سانتياجو ما لم ترَه القرية. لم يقس قيمته بعدد الأسماك التى عاد بها، بل بما تعلمه منه. وحين عاد العجوز بلا لحم السمكة، عاد إليه الصبى. كأن الرواية تقول إن أعظم ما تركه سانتياجو لم يكن صيده، وإنما الإنسان الذى ساعد على تكوينه.

وهنا يصبح مانولين رمزًا لاستمرار الأجيال. الجسد يشيخ، والقوة تتراجع، لكن الخبرة والمحبة والشجاعة يمكن أن تعبر من جيل إلى آخر. وربما لا يكون الخلود أن نبقى نحن، بل أن يبقى شىء منا حيًا فى شخص آخر.

أسماك القرش فى الرواية حقيقية، لكنها تصلح رمزًا لكل ما يلتهم ثمار الجهد بعد اكتمالها.

لكل إنسان قروشه الخاصة. وقد تكون أشدها قسوة ليست المصائب الكبرى، بل الخسائر الصغيرة المتتابعة التى تنهش الحلم قطعة بعد قطعة، بينما يراه صاحبه يتناقص ولا يستطيع إنقاذه كاملًا.

ولكن سانتياجو يواصل القتال حتى حين يعرف أنه لن يحفظ السمكة كلها. قد يبدو ذلك غير عقلانى بمنطق المكسب والخسارة، لكنه مفهوم بمنطق الكرامة. فهو لا يقاتل لأنه متأكد من الفوز، بل لأنه يريد أن يكون وفيًا لما يؤمن به حتى النهاية.

وهذا فى رأيى أحد أعمق معانى الرواية: ليست كل معركة نخوضها لأن النصر مضمون. بعض المعارك نخوضها لأن عدم خوضها يجعلنا أقل احترامًا لأنفسنا.

ومع ذلك، لا ينبغى أن نمجّد الألم لذاته. فالعجوز ليس عظيمًا لأنه تألم، بل لأنه استطاع أن يمنح ألمه معنى. المعاناة وحدها لا ترفع الإنسان، وقد تسحقه؛ الذى يرفعه هو ما يصنعه منها، وما يكتشفه عن نفسه خلالها.

لأنها أدركت مبكرًا أن الإنسان الحديث سيعيش فى عالم يبالغ فى قياس القيمة بالنتيجة: كم ربحت؟ كم امتلكت؟ كم شخصًا صفق لك؟ ما الذى أحضرته معك إلى الشاطئ؟

أما همنجواى فيسأل سؤالًا آخر: كيف خضت الرحلة؟

فى زمن تحوّل فيه النجاح إلى صورة سريعة تُعرض أمام الآخرين، تذكّرنا الرواية بأن بعض أعظم انتصاراتنا لا يراها أحد. قد يصل الإنسان إلى الشاطئ ولا يحمل إلا هيكل حلمه، لكنه يكون قد عرف فى البحر شجاعته وحدوده، وأثبت لنفسه أنه لم يتخلَّ عنها عند أول ألم.

وهى سبقت عصرها أيضًا لأنها لم تقدم بطلاً خارقًا. سانتياجو فقير، مسن، وحيد، يتعب ويخطئ ويتحدث إلى نفسه. بطولته ليست فى امتلاك قوة استثنائية، بل فى مقاومة اليأس بالقوة القليلة التى بقيت له. وهذه بطولة أكثر إنسانية من كل الأساطير؛ لأنها متاحة، بدرجات مختلفة، لكل واحد منا.

فى ختام الرواية، لا تبقى السمكة، ولا المعركة، ولا إعجاب أهل القرية. يبقى العجوز نائمًا، والصبى إلى جواره، وحلم قديم بالأسود.

كانت الأسود ذكرى شبابه، لكنها فى تقديرى لم تكن حنينًا إلى قوة ضاعت، بل علامة على أن جزءًا من الروح يظل فتيًا مهما أثقل الزمن الجسد. فالإنسان لا يعيش بعمره البيولوجى وحده، وإنما بما بقى داخله من دهشة ورغبة وخيال.

خرج سانتياجو إلى البحر ليصطاد سمكة، فعاد بحقيقة أكبر: أننا لا نستطيع أن نمنع الحياة من أن تأخذ منا أشياء كثيرة، لكننا نستطيع أن نقرر ما إذا كانت ستأخذ معها احترامنا لأنفسنا.

لقد أكلت القروش لحم السمكة، لكنها لم تستطع أن تمحو حجمها. ظل هيكلها على الشاطئ شاهدًا على أن العجوز لم يتوهم مغامرته، وأن ما حققه كان حقيقيًا حتى لو لم يبقَ منه ما يُباع.

وهكذا أرى «العجوز والبحر» ليست رواية عن صيد سمكة، بل عن الإنسان حين يقف وحيدًا أمام ما يفوقه قوة، ويعرف أنه قد يخسر، ثم يشد الحبل رغم ذلك.

فنحن لا نختار دائمًا البحر، ولا حجم السمكة، ولا عدد القروش التى ستأتينا. لكننا نختار، حتى اللحظة الأخيرة، كيف نمسك بالمجداف.

وربما يكون هذا هو الانتصار الوحيد الذى لا يستطيع أحد أن ينتزعه منا.