الجمعة 06 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

خطيئة إفساد النقد الأدبي.. توابع الهجوم على النقاد الأكاديميين

خلط الحابل بالنابل!.. ليس هدمًا لأساتذة الجامعات بل هدم للعلم ذاته!

حرف

- التقليل من شأن الأطروحات الأكاديمية بدعوى بعدها عن العامَّةِ خلط مؤسف

- الباحث الأكاديمى يحتاج لاستخدام لغة واصفة ذات دِقة اصطلاحية لا يصح التنازل عنها

بين حينٍ وآخر، يخرج علينا الخطاب الثقافى الصحفى بإشعال معركة قديمة متجددة، يُصور فيها النقدَ الأكاديمى خصمًا لدودًا للإبداعِ الأدبى، ويُلقى بلائمة أزمةِ القراءة والتلقِّى على كاهل المنهج النقدى والمصطلح المعرفى. 

ولم تكن المقالة المنشورة فى جريدة «حرف» بعنوانها المُثير «نص كيلو نظريات» إلا نموذجًا تقليديًّا لما يمكن أن يقف أمامنا حاملًا لافتةً موسومة بـ«الخطاب الانطباعى المندفع»؛ ذلك الخطاب الذى يُداعب عاطفةَ بعضِ المتلقِّين غير المتخصصين وبعض المنتسبين لحقل النقد الأدبى، خالطًا الحابل بالنابل فى محاكمة الدرس النقدى ومؤسساته.

وبعد قراءتى لتلك المقالة باتت تلح علىَّ بعض الأسئلة: هل المقالة فى مغزاها متماسكة أم تدعو إلى غير هُدى؟ وهل يقوم النقد الأدبى بدوره المنوط به؟ ومن هم هؤلاء النقاد؛ هل كل من امتلك الجرأة على قراءة وتحليل نصٍّ ما يُلقب بالناقد؟ ومن هو الناقد الأكاديمى المقصود فى هذا السياق ومن غيره؟ والحق أن الإجابة البسيطة عن هذه التساؤلات تقتضى التأكيد على أن الجرأة القرائية وحدها، مهما اتسعت، لا تصنع ناقدًا ما لم تسندها عُدَّة منهجية ومران اصطلاحى؛ وأن إطلاق صفة «الناقد الأكاديمى» هكذا على عواهنها ليس سوى تعميم هُلامى يتخذ من عثرات بعض الممارسين ذريعة لهدم الحقل المعرفى برمته.

ولكن قبل أن نستطرد فى التفاصيل، نجد أن مقالة «نص كيلو نظريات» انطلقت من استراتيجية شائعة تقوم على «مغالطة رجل القش»؛ عندما يُختزل النقد الأكاديمى كله فى أضعف صوره الجافة، ليُنادى بتصوير المناهج النقدية وكأنها «كتالوج» جاهز يُحشى فى المقالات لإقصاء المتلقى، ثم توصف المصطلحات باعتبارها محض «دش كلام ورطانة مُقعرة»، ولعله فعل ذلك ليصنع خصمًا وهميًّا ضعيفًا يسهل إسقاطه، لإعلان انتصار «العفوية والموهبة الفطرية» على حد تعبيره. ومن الضرورى هنا التمييز الحاسم بين «عجز المُطبِّق» الذى يتعسَّف فى إسقاط القوالب على النصوص، وبين «أصل المنهج» بوصفه أداة معرفيَّة تُنظم الرؤية النقدية وتحمى الحقل الأدبى من التيه والانطباع السائب. 

وبدايةً علينا أن نعلم أن تاريخ الأدب هو تاريخ تطور لغته؛ واللغة الأدبية لم تعد تقنع بالمباشرة والتطابق السطحى الناقل؛ فلم يعد الأديب ذلك البلاغى الفصيح الذى ينقل ما يدور حوله بلغةٍ ساحرةٍ فحسب؛ بل تطورت لغته واحتوت تقنياتٍ حديثة مثل القِناع، وحمولات الرمز، وتعدد الأصوات، والمساحات البيضاء المتروكة لوعى القارئ، ولغة المهمَل والمبتذل والهامشى. 

وإذا كانت لغة الإبداع قد بلغت هذا المستوى كثافةً وتعقيدًا، فكيف لنا أن نُطالب النقدَ بأن يقارب هذه اللغة المكثَّفة والمعقَّدة بأدوات انطباعية مستهلكة من طراز «أجاد الشاعر» أو «أخفق الروائى»؟ فكلنا يعلم أنَّ وظيفة النقد لا تتوقف عند السؤال الساذج «ماذا قال الكاتب؟» فهذا تلخيص مدرسى يمكن لأى قارئ عابرٍ أن يُجيبه؛ بل ينهض النقد عند تفكيك «كيف قال الكاتب؟ ولماذا اختار هذا التشكيل الجمالى واللغوى دون غيره؟» ولأجل الإجابة عن هذه الأسئلة وما على شاكلتها، تغدو الأداة المفاهيمية حتمية لا ترفًا استعراضيًّا.

إنَّ كثرة المصطلحات أو تعدد استخدامها ليس عيبًا فى ذاته؛ بل العيب هو ما أشار إليه الدكتور عبدالعزيز حمودة فى «المرايا المحدبة» بقوله: «فالمصطلح الذى لا يُشير إلى دلالات معرفية محددة؛ بل يُحدث إرباكًا داخل الواقعين الحضارى والثقافى اللذين ارتبط بهما، حرىٌّ بأن يُحدث فوضى فى الدلالات المعرفية عندنا أصحاب الأطر الثقافية والقِيم المعرفية المغايرة تمامًا»، وهذا كلامٌ قويم؛ فمحاولة استيراد مصطلحات تعيش فوضى فى بيئتها الأصلية أمرٌ فى غاية العبث، لكنه تنبيهٌ على وجوب التوطين والتبيئة الرصينة، وليس دعوة لنبذ المصطلح المعرفى بالمطلق.

نحن أمام خلط يقودنا إلى فضائين مختلفين فى الوظيفة والجمهور؛ فالباحث الأكاديمى يُقدم إنتاجًا معرفيًّا يخاطب حقلًا تخصصيًّا مَعنِيًّا بتطوير أدوات التحليل، ويبحث فى مستويات الخطاب والسيميولوجيا ونقد النقد، وهذا يتطلب لغة واصفة ذات دِقة اصطلاحية لا يصح التنازل عنها، كما لا يُطلب من الفيلسوف التخلى عن لغته العلمية إرضاءً لغير المتخصصين. أما الصحافة الثقافية فلها وظيفتها النبيلة فى التعريف والمتابعة وعرض الكتب للقارئ العام، ونقل خلاصات البحث الأكاديمى بأدوات وسيطة مُيسرة تُقرب العلوم الإنسانية دون ابتذالها أو تفريغها من دقتها. والتقليل من شأن الأطروحات الأكاديمية بدعوى بعدها عن العامَّةِ خلط مؤسف؛ إذ متى كان تعمقُ علمٍ ما فى أدواته النظرية دليلًا على عدم جدواه؟

ويمتد الخلط إلى محاكمة النقد الأكاديمى بمنطق السوق ومعايير «الرواج»، ووصمه بأنه مجرد سعى للترقيات الوظيفية وأبحاث تُنشر فى مجلات محكَّمة «لا يقرؤها أحد». لقد غفلَ هذا الطرح- عن عمدٍ- طبيعة البحث الإنسانى الرصين؛ فالمجلات المحكمة وُجدت لاختبار المناهج وتدقيق المفاهيم ومراكمة المعرفة بين المتخصصين، ولم تُنشأ يومًا لتُباع على أرصفة الصحف أو لتستجدى أرقام التوزيع السريعة، والنقد بوصفه ممارسة تخصصية- مؤسَّسية- هو الحارس لمدونة الأدب وتاريخه الجمالى، واختزاله فى «وظيفة شكلية» لا يخدم سوى نزعة مرفوضة ألا وهى تفكيك المؤسسات المعرفية. ومن هنا يتبدى التوظيف المجتزأ الذى لجأت إليه المقالة المرصودة عند استدعائها لكتاب جون غيلورى «Professing Criticism» عبر قراءة صحفية وسيطة وسريعة؛ فغيلورى فى كتابه الصادر عن مطبعة جامعة شيكاغو يعلن بوضوح منذ مقدمته أنَّ غايته ليست الانحياز ضد مأسسة النقد واحترافه، ولا الارتداد نحو انطباعية الهواة؛ بل قراءة الشروط السوسيولوجية والتاريخية التى شكلت مهنة النقد بوصفها بحثًا تخصصيًّا داخل الجامعة الغربية. وتكمن المفارقة هنا فى أن غيلورى يُذكِّر بأن النقد لم يتحول إلى مهنة إلا لتجاوز العشوائية القرائية، ونجده فى مقدمته «ص ix»، مستندًا إلى مقولة الناقد الأمريكى جون كرو رانسوم التأسيسية:

«Rather than occasional criticism by amateurs I should think the whole enterprise might be seriously taken in hand by professionals» 

«وعوضًا عن ذلك النقد العارض الذى يمارسه الهواة، أرى أن يُؤخذ هذا المشروع برمته على محمل الجد بين أيدى المتخصصين المحترفين».

وبهذا فإن تحويل نقد غيلورى البنيوى لآليات المؤسسة الأكاديمية إلى ذريعة لنبذ المصطلح والاستخفاف بالمنهج، ليس سوى قفز متعسف على أطروحة الكتاب وتحميلٍ لها ما لم تقله.

أمَّا الزعم بأنَّ «النقد فن مثل الشعر والغناء، والموهبة هى الأساس» فليس سوى ارتداد لنزعة انطباعية تتجاهل شروط التراكم المعرفى؛ فمن المعلوم أن الموهبة وحدها لا تُقيم علمًا ولا تؤسس قراءة رصينة، ولكنها تبقى حاسَّة عمياء وأداءً عشوائيًّا إن لم تُصقل بالممارسة والوعى المنهجى، فالفارق بين الموهبة والمهارة هو الفاصل بين الفوضى والممارسة الواعية، وإلا فاستحضر فى ذِهنك من تعرفهم من المبدعين فى أى حقل من الحقول شئت اكتفى بموهبته دون أن يصقلها بمهارة تكون هى العِلم المحافظ على هذه الموهبة، وفى هذا السياق يوضح د. عبدالله الغذامى: «فالنقد ليس مهارة علمية تجريبية خالصة، وإنما هو مهارة ذوقية راقية دعامتها الأولى فى الذوق السليم، وحصانتها فى القاعدة المختبرة، وهذان الميدانان هما فعالية القراءة الواعية للأدب».

وحين ننظر إلى النص بوصفه أُفقًا مُمتدًّا حيًّا، نجد الغذامى يؤكد أيضًا: «والعمل الأدبى يتجلى فى نفس متلقيه بمقدار ما يكون مفتوحًا، بحيث يعطى كلُّ قارئ للعمل بُعدًا يتفق مع مستوى قدراته الثقافية والنفسية... فالعمل المفتوح هو العمل المعطاء، بينما المغلق الذى تولى الكاتب إغلاقه يصبح نصًّا مُحنَّطًا ليس فيه غير «معنى» حبيس فى جمل مؤطرة بأسورة من الصلب لا تسمح لها بالتنفس أو التفتح، مما يحجبها عن التوجه صوب عالم الإبداع». وما دام النص بِنية حيَّة ومفتوحة تحتمل تعدد القراءات، فإنه يقتضى جهازًا مفهوميًّا دقيقًا يُعبِّر باختصار واقتدار عن مسارات هذا التعدد. 

والمصطلح فى جوهره ليس حلية لغوية ولا استعراضًا يتعالى به الناقد على القارئ؛ بل هو أداة تفكير ومعرفة لا يستقيم النقد بدونها؛ وله وظائف؛ الأولى: التكثيف المعرفى والاقتصاد اللغوى، عندما يختزل سياقًا فلسفيًّا ونظريًّا واسعًا فى كلمة واحدة تُعفى القراءة من الدوران فى حلقة الشرح المكرر، وتنقلها مباشرة إلى فحص بنية النص الأدبى. والثانية: تأسيس اللغة الواصفة المنضبطة؛ فاللغة اليومية فضفاضة وحمَّالة أوجه، ولا يمكن محاكمة لغة الإبداع المُكثَّفة بأدوات سائبة؛ بل بجهاز مفاهيمى محدد الدلالة باتفاق أهل التخصص، وهذا يمنح الناقد معيارًا يضبط عين القارئ فى قراءة النقد، ويمنع سيولة التأويل، والارتماء فى الأحكام الذوقية المِزاجية. وأخيرًا، تتجلى أهمية المصطلح فى كشفه عن المسكوت عنه واللا مفكر فيه داخل النص؛ فتتيح التسمية الدقيقة إماطة اللثام عن أنساق الرمز وحيل الأقنعة وشبكات العلاقات الجمالية التى قد تغيب عن النظر العابر، ليُصبح المصطلح بذلك كله جسرًا بين التراكم المعرفى لدى الناقد وتلقى القارئ. 

من هنا يتأكد وجوب الاحتراز من طرفى نقيض «الغلو والتفريط»؛ فالاحتياط من الغرائبية النقدية أمرٌ مشروع وضرورى، وليس من شأن النقد أن يتحوَّل إلى طلاسم لُغوية تستحوذ على المتلقى وتعزله عن النص محل القراءة، لكنَّ مواجهة الاستعراض المصطلحى لا تكون أبدًا بالارتماء فى فوضى إلغاء المصطلح والمنهج، وكما يخلص الغذامى: «كل ما نتوق إليه من هذه المدارس هو أن نقرأ الأدب بحساسية واعية مبنية على أسس نظرية مفتوحة الأبعاد وقوية الجذور، وذلك كى نحمى دراساتنا من الوقوع فى الوصفية (المديحية غالبًا) مما يوقعها فى التكرارية الساذجة وبتفسير الماء- بعد الجهد- بالماء».

كما أن الاتكاء على مقولة «نفور القارئ» من المصطلحات النقدية واعتبار هذا النفور صكَّ إدانة مُسبقٍ للدرس الأكاديمى، يوقع الطرح فى مغالطة شائعة ألا وهى الاحتكام للجمهور؛ إذ متى كانت مشروعية العلوم الإنسانية وصحة مقارباتها مرهونة برضا القارئ العابر أو سهولة التلقى لغير المتخصص؟ إن القول بأن صعوبة المصطلح هى سبب تراجع القراءة قفزٌ على أسباب سوسيولوجية وثقافية قد تكون مُعقَّدة، وتحميل النقد وزر أزمة معرفية عامة لا ذنب له بها؛ فالنقد لا يطلب النفور ولا يستدعيه، لكنه على الجانب الآخر لا يملك أن يُفرِّغ نفسه من أدواته العلمية استرضاءً لقارئ يبحث عن الوجبات القرائية السريعة.

إن القارئ الباحث عن النقد الجاد لا تدفعه الحاجة لقراءة أصداءٍ ذوقية عابرة لكاتب المقالة النقدية، بقدر سعيه للاستزادة ولكشف عتمات النص ومساحاته البيضاء، واستجلاء ما يبثه المبدع من رمز ولغز وقناع. ولن يتحقق ذلك بالكلام الفضفاض المنفلت من أى ضابط علمى؛ بل باستقراء النص عبر جسر متين تلتقى فيه أصالة النص الإبداعى بحصافة الوعى المنهجى؛ حيث يُضىء المصطلحُ النصَّ ولا يطمسه، ويكون النقد شريكًا فى إغناء تجربة التلقى دون تعالٍ استعراضى، ودون ابتذال تبريرى. ولعلنا فى نهاية هذا التطواف نصل إلى ما يُشبه كلمة السواء؛ فالأمر فى جوهره لا ينبغى أن يُدار باعتباره حرب استنزاف بين حقلين، ولا بمفاضلة مُتعسِّفة بين موهبة فطرية وعلم أكاديمى؛ إننا بحاجة اليوم إلى وعى تكاملى يمد الجسور لا يقطعها؛ ناقد يمتلك العدة الاصطلاحية الرصينة دون أن يتخذها برجًا عاجيًّا يحجبه عن نبض الناس، ومبدع يدرك أن المنهج ليس قيدًا على خياله بل كاشفٌ لثَرائِه، وصحافة ثقافية تؤدى دورها التنويرى وسيطًا ذكيًّا ينقل خُلاصات الفكر ولا يُفرِّط فى قيمته المعرفية باسم التبسيط، حينها فقط، لن يكون المصطلح عبئًا يُستَثْقَل، ولا المنهج كائنًا يُستوحش؛ بل يغدو النقد كما كان ينبغى له دومًا رفيقًا واعيًا للإبداع، ومرآة صافية يرى فيها النصُّ بهاءَه، ويجد فيها القارئ ضالته من الفهم والمتعة معًا.