الثلاثاء 27 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

مدائح جلطة المخ.. قراءة جديدة فى شعر حلمى سالم

حرف

- تحتاج نصوصه الكثير من الدراسات المتوافقة مع روح النصوص الشعرية

- يعتمد أحيانًا على تقنية التناص من خلال استدعاء شخصيات من تراثنا العربى القديم

الشاعر حلمى سالم «1951-2012» أحد أقطاب الحداثة الشعرية فى مصر والوطن العربى، كان سالم متمردًا شغوفًا بالتجريب والخلق الشعرى، وقد منحه هذا التمرد تفردًا وخصوصية شعرية على المستوى الفنى والإنسانى، من خلال محبته المتسعة للجميع، جعلته صديقًا وأبًا من آبائنا الشعراء العالميين الذين أسهموا فى بناء العقول الإنسانية، وتشكيل وجداناتها المتنوعة، وحضاراتها التى اندثرت، والتى لم تأت بعد. 

حلمى سالم
حلمى سالم

 

إن جل هذه الصفات التى اتصف بها سالم فى حياته، لم تخلُ من حس فنى مخاتل، تجلى ذلك الحس من خلال نصوصه الشعرية، فقد كان سالم يرتكز على المكر الريفى الجميل فى كتابة نصوصه، وأعنى بالمكر الريفى وهى صفة طيبة يمتاز بها الريفيون الذين يأتون للعيش فى المدينة، فيستخدمون ذكاءهم الفطرى فى قضاء أشيائهم البسيطة، ولكن بصورة ماكرة، تبدو للمتلقى بسيطة ومباشرة، لكن فى الوقت نفسه تبدو هذه الصورة بسيطة فى الشكل، عميقة المعنى الباطنى. 

اتكأ حلمى سالم فى نصوصه الشعرية على هذه الحيلة الفنية، عندما يستدعى مثلًا صورًا من حياتنا البسيطة وأشخاصًا آخرين نقابلهم كل يوم داخل القصيدة، لكن القصيدة تقول شيئًا وتعنى أشياء أخرى مناقضة لما ورد فى فضائها الأبيض، هذه التناقضات لم تكن متاحة لحظة التلقى المباشر للقصيدة، وقد أسهم سالم فى بنية قصيدة الحداثة العربية فى الفترة ما بين السبعينيات وحتى رحيله فى أغسطس ٢٠١٢، قدَّم سالم لحياتنا الثقافية أكثر من عشرين ديوانًا شعريًا تقريبًا، بدءًا من الديوان المشترك مع صديقه وابن جيله الشاعر رفعت سلام «الغربة والانتظار» وتوالت بعدها أعماله الشعرية «حبيبتى مزروعة فى دماء الأرض» عام ١٩٧٤، «سكندريا يكون الألم، الأبيض المتوسط»، «سيرة بيروت»، «البائية والحائى»، «دهاليزى والصيف ذو الوطء»، «فقه اللذة»، «الشغاف والمريمات»، «سراب التريكو»، «الواحد الواحدة»، «يوجد هنا عميان»، «تحيات الحجر الكريم»، «الغرام المسلح»، «عيد ميلاد سيدة النبع»، «مدائح جلطة المخ»، «حمامة على بنت جبيل»، «الثناء على الضعف». «الشاعر والشيخ، ارفع رأسك عالية، ومعجزة التنفس»، ومن مؤلفاته النثرية «الثقافة تحت الحصار»، «الحداثة أخت التسامح»، «عم صباحًا أيها الصقر المجنح»، «ثقافة كاتم الصوت»، «محاكمة شرفة ليلى مراد».

حلمى سالم الذى أثار حوله الكثير من الجدال بسبب تمرده واختراعاته اللغوية المتنوعة ومجازاته الخاصة التى تميزت بها نصوصه فقد كان يقول لى عن نفسه: أنا مخترع اللغة والمجاز، ناهيك عن غزارة إنتاجه الشعرى الذى تسبب فى إرباك النقاد المصريين والعرب، بسبب الخلخلة الفنية التى اتكأ عليها سالم فى كتابة القصيدة وأعنى هنا قصيدة الحداثة فقد اعتبر سالم الشكل مضمونًا وليس تعبيرًا عن المضمون، تبنَّى مناطق لغوية وفنية داخل النص لم تطرق من قبل «مثل شعرية الفوضى، كسر المقدسات، حاجز الوزن والنمطية فى التصوير الرومانسى»، كسر التابوه الدينى ومحاولة الغور فى خواص العقل الجمعى، معتمدًا فى ذلك كله على المكر الإبداعى/ الشعرى «إن جاز التعبير»، كل هذه الظواهر الفنية جعلت النقد الأدبى غير قادر على ملاحقة تطوره الفنى والإبداعى، وجنوحه إلى التجريب السرمدى داخل الحياة الشعرية المصرية وعمله الخالص للشعر داخل هذه الحياة المملوءة بالجراح والتمرد والخروج على السائد والمألوف، رغبة فى خلق ذائقة جديدة تكون أكثر نضجًا ووعيًا لاستيعاب منطق القصيدة الحداثية الجديدة. وقد تجلت فى شعر حلمى سالم مجموعة من الظواهر الفنية داخل النص الشعرى، وقد حاولتُ فى دراسات سابقة عن حلمى سالم طرحها وملاحقتها داخل زوايا النص، ولكن ظاهرة المكر النصى، لم أتطرق لها من قبل فحاولت الربط بين ما جاد به علينا النقد الحديث، وما تجود به علينا مفردات حياتنا اليومية، لأن النص الماكر الذى خلقه الشاعر سالم لم يرتبط بجيل بعينه أو مجموعة بشرية، لكنه نص عابر لأجيال وحضارات وعوالم إنسانية متعددة، من المؤكد أنها لم تلد بعد ولم تر النور أيضًا، لكنها ستشرق يومًا ما فى جسد الحياة، ومن بين الدواوين التى قدمها سالم، سنحاول فى هذه الدراسة أن نطرح بعض نصوص الديوان الحالة الذى جاء بعنوان «مدائح جلطة المخ» الذى كتبه حلمى بعد رحلة علاجية مع المرض عندما أصيب بجلطة فى المخ عام ٢٠٠٥ وخرج حلمى منتصرًا على هذه الجلطة، فيقول فى مبتدأ الديوان:

إنها الرقيقة ُالتى مبدؤها المَسُّ،

تطوفُ بالروح،

من أجل أن تجدِّدَ الروحُ نفسَها.

إنها الناعمةُ التى مُتكؤها الشعيراتُ،

حيث تسرى تذكرةُ داوود،

من أجل أن تستيقظَ الشرارةُ،

كى يدركَ العشاقُ أن الدّمَ خَوَّانٌ،

وأن الرَحَابةَ

خدعةُ الكاظمينَ الغيظ.

ياسيدى:

الخفيفةُ

للخفيفين.

يطرح النص الفائت صوت الذات الشاعرة التى تصف الألم الذى حطَّ على رأسها الرقيقة «جلطة المخ»، وكأنها تدرك مسبقًا أنه سيجىء حتمًا، مستدعيًا تذكرة النبى داود عليه السلام، وسيرة الدم الخوَّان الذى يغدر بصديقه «الجسد» فى وقت احتياج الجسد له، تسيطر على نص نبرة التحدى والسخرية من الألم وكأنه أمر عارض دائمًا ما يصيب الفرسان داخل المعارك لكنه سينتهى مع التحدى و الصبر، هذه النبرة النصية الساخرة التى ارتكز عليها حلمى سالم مجابها الجلطة جعلته ينتصر فيما بعد عليها، لكن الذات الشاعرة التى طرحها سالم داخل النص هى ذات ماكرة لأنها لم تفصح بطريقة مباشرة عن الانتصار بل طرحت الأمر وكأنه مشهد درامى يحدث فى اليوم آلاف المرات، كما تحذر الذات من الرحابة التى تخدع الكاظمين الغيظ، وأن هذه الجلطة هى حالة شعرية ألمت بالذات فأثمرت كائنًا جديدًا وهو الشعر، هذا الكائن الذى وهب سالم حياته له رغبة فى نسج عالم جديد أما انهيار الأحلام الكبرى وتفتت المحبة الإنسانية بين الناس ويقول سالم فى مقطع آخر بعنوان الأشعة من الديوان نفسه: 

مربوطًا إلى السّرير الحديدى

دفعَه النوبتجى إلى قفصٍ مظلمٍ،

النوبتجى الذى صوّبَ العدساتِ

على مؤخرةِ يسارِ الجمجمة،

وضغطَ على الزِّر:

جاءت حدوتة مصرية، والراهب، ويوسف شاهين، وتجار الموالح، وكل هذا الجاز، ومدرسة عبدالمنعم رياض، وسجن العبدلى، وصنع الطائرات الورقية، ونشأ وترعرع، والقنابلُ المضيئة، وسُرّةُ سيدة النبع، ونزيفُ زاهية، وعبس وتولى، ومسلسلُ الأيام، وقوارب الزناتى للصيّد فى السحر، ونسوة يرتجلن عدودة حول ناعورةٍ، وجثة سامى المليجى فى الرَّياح المنوفى، ومعتقلُ القلعة، وساهمُ الطرف كأحلام المساء، وإضاءة ٧٧، وبقراتٌ طائراتٌ على أطراف الكازوارينا، ورعبُ المترجمات من المسحراتى، وكتاب النبى، ودفنُ عبدالغنى سالم.

وحينما خرجَ من القفص،

لم يستطع أن يسأل:

هل هذا الفصُّ هو المسئولُ عن الشِّعر،

أم عن العواطف؟

لو أنه المسئولُ عن الشعر

فنداؤه للشعراء الجُدد:

الاعتناءُ بضمير الغائب،

ولو أنه المسئولُ عن العواطف

فنداؤه للجميلات:

أن يستجبنَ إذا تمَّنى العاشقونَ

تمريرَ الأصابع بين الصّفا والمروة.

أيها الحكيمُ النوبتجى:

خذْ شريحةً من السيرة الذاتية،

وشريحةً من الذاكرة،

وشريحةً من آلة الفهم،

وأعطِ الشرائحَ كلَّها 

للسّيدةِ التى تبكى فى البهو

وبلِّغْها السلامْ.

يبدو لنا فى النص الفائت تجلى مجموعة من الأرواح التى تسرى فى جسد النص الذى كتبه حلمى سالم، هذه الأرواح تصنع عوالم مختلفة كل روح تمتلك عالمها الخاص، بدءًا من الحديث عن المريض المربوط فى السرير الحديدى، وهو يعالج بجلسات طبية من الجلطة، تبدو الذات أيضًا ملتحمة بالعمق الداخلى للذاكرة فتستدعى أثناء الجلسات مشاهد للموتى وصورًا لأصدقاء ماتوا، منهم شخصيات نلم رائحتها داخل النص مثل عبدالغنى سالم «الأب»، ويوسف شاهين، وزاهية «الأم» وجثة سامى المليجى، إن جل هذه الصور المشهدية السريعة التى تقابل عملية التتر فى مسلسل الأحداث، لا يخلو من مكر فنى حاولت الذات أن تجبر الآخر على استيعابها وملاحقاتها وهو ما يقابل عملية السرد المكتنز التى يطرحها النص الشعرى لدى سالم من وقت لآخر وهو استدعاء مجموعة من الأسماء لإحالة المتلقى إلى الكشف عن أسرارها وأسباب وجودها داخل النص الشعرى، وما علاقتها بحياة النص الداخلية والخارجية. لايخلو نص سالم أيضًا من اللعب بالمفارقة الدرامية فى قوله: 

أيها الحكيمُ النوبتجى:

خذْ شريحةً من السيرة الذاتية،

وشريحةً من الذاكرة،

وشريحةً من آلة الفهم،

وأعطِ الشرائحَ كلَّها 

للسّيدةِ التى تبكى فى البهو

وبلِّغْها السلامْ.

يتكئ سالم على الحوار المباشر الذى تجسد فيه صيغة نداء الذات الشاعرة على النوبتجى «العامل الليلى بالمستشفى» وقد اتخذت لها سلطة الأمر أثناء قيام الجلطة بعملها الليلى داخل الذات وكأن الحياة كلها مصابة بجلطة المخ، خذ شريحة من السيرة، والذاكرة والفهم، وامنحها جميعًا لسيدة تبكى فى البهو. إن المفارقة التى تجلت هنا بين إيقاع الألم الذى عليه الذات وإيقاع الأمل وهو لن تموت الحياة بموت ذات واحدة فى الحياة، لكنه ستعيش فى أرواح الآخرين الذين تركت ذاكرتها عندهم، وتعتمد الذات أيضًا على شعرية التشظى فى تشريح النص إلى مجموعة من الشرائح الحية التى يعيش بها الإنسان فى حياته، كما تعلن الذات عن وداعها للحيوات وقد تحلى ذلك فى قولها: وبلغها السلام.. لأن السلام مؤشر للوداع الحر الذى لا رجوع فيه ولا تردد إن الغياب والحضور فى الوقت نفسه، وقد أضفى هذا الحضور بعدًا دراميًا عميقًا من خلال الإيقاع البصرى فى تركيب العبارة الشعرية القصيرة.. 

ومن الدواوين الشعرية التى التحم فيها الشاعر الفارس حلمى سالم ديوانه الذى جاء بعد الثورة المصرية المقدسة الخامس والعشرين من يناير بعنوان: «ارفع رأسك عالية» جاء هذا الديوان فى ثمانى قصائد اتكأ سالم بشكل كبير فى كتابة هذه القصائد على استدعاء الثورة المصرية المقدسة ثورة٢٥ يناير ٢٠١١، مستدعيًا شعب مصر بكل صفاته وأنماطه وحركاته ومكره وتمرده ومقالبه المختلفة وتقلباته وغضبه وإصراره على الحياة رغم كل المآسى والفساد والضياع الذى خلّفَته الأنظمة السابقة حتى وقتنا الراهن، عاشر الشعب من خلال تحايله على ذاته الخارجية وخداعه لذاته الداخلية، يعنى قد اعتمد على المكر الاجتماعى بشكل كبير. 

جسّد حلمى سالم صورة الوطن فى ميدان التحرير، هذا الميدان الذى شَهِدَ الكثير من الآلام العظيمة، والأفراح والأحزان والدموع والصراخ والموت والسكون، كل شىء إذن كان فى الميدان، وكانت الحياة هى الميدان، وكان المصريون يرددون جملة بالعامية المصرية «ارفع راسك فوق أنت مصرى» فالتقطها سالم لتكون عنوانًا لديوانه الرائع «ارفع رأسك عالية»، إن فتنة الدلالة فى هذا العنوان لا تحتاج إلى تأويل مبالغ فيه، إنه دال مختلط بالرجاء والأمر والمحبة والقوة، وكأن الذات تعلن قيامتها من جديد بعد موت واحتراق دام أكثر من خمسين سنة أو تزيد، والرأس هى أشرف مكان فى الإنسان تدل على القوة والعظمة والعزة والحرية ففى ارتفاعها نصر، وفى تنكيسها ذل وعار وقهر، وكأن المصريون جميعًا انطلقوا كالرياح البعيدة لإسقاط المخلوع، كل هذه الأحداث التى بلغت ثمانية عشر يومًا حتى تم إسقاطه وبقيت أذنابه وأتباعه فى كل مؤسسات الدولة المصرية، وقد تجلى ذلك فى القصيدة الأولى التى جاءت بعنوان أغنية الميدان فيقول حلمى سالم: 

ارفع رأسك عالية أنت المصرى 

الضاربُ فى جذر الماضى والعصرى 

خالق أديان المعمورة، مكتشف الهندسة، ومبتكر الرى 

صاحب درس التحنيط، ومبتدئ الرقص 

وخلاط القدسية بالبشرى 

يستدعى حلمى سالم فى المقطع الفائت صورة المصرى عبر التاريخ القديم منذ الفراعنة إلى العصر الراهن، المصرى الذى صنع التاريخ وخلق الحضارات وأنشأ الأديان فى كل مكان، إن استدعاء صورة الفلاح المصرى الفصيح فى نص سالم يشى بالكثير من الصور الدلالية المتنوعة، منها السياسى والثقافى والاجتماعى والتاريخى، ويقول فى مقطع آخر:

ارفع رأسك عالية أنت المصرى 

الصامت صبرا لا إذعانا 

بل تطويل للحبل الشانق كل بغى 

لاجُرْتَ على جار لا لوثت 

مياه النيل ولا أنكرت نبى

أنتَ موحد شطرين 

وواصل شطين 

وجامع أشلاء فتاك 

على دلتا النهرين 

ونساج الظلمة بالضى 

يتكئ حلمى سالم فى المقطع الفائت على استدعاء تفاصيل تاريخية مهمة غيّرت مجرى الأحداث فى التاريخ القديم والحديث، فيستدعى من خلال مفردات إشارية بعينها تلك الأحداث المهمة مثل المصرى الصامت صبرًا، موحد القطرين بين الشمال والجنوب على الملك مينا نارمر قبل الميلاد، المصرى نفسه الذى نسج الموت بالحياة والظلمة بالضى، تومئ كل هذه الإشارات الدلالية السابقة على مدى فتنة حلمى سالم بابتكار المجازات التوليدية أو فيما عرف بالمجاز التوليدى، أعنى أن كل المجازات تصب فى مصب بعينه وتهدف إلى أهداف متنوعة داخل العالم الشعرى الذى نسجه سالم من خلال الاتكاء على ذلك المجاز التوليدى لأنّ الإبداع الشعرى المتميز يقوم على المجاز التوليدى الذى يشمل أبعادًا متكاملة، يترأسها بعدان هنا: البعد الأسطورى والبعد الترميزى، وهذا المجاز يجعل اللسان الشعرى، يقول أكثر مما كان يقوله عادة، ويمنح الشاعر طاقات عن الجوانب المستترة والجوانب الأكثر خفاء فى التجربة الإنسانية، وتجلى ذلك فى قول حلمى سالم فى قصيدة بعنوان سالى زهران:

لو أنى كنتُ رأيتك قبل يناير 

كانت آسرتنى عيناك الصاحيتان 

وخطفتنى خصلات الشعر

المتروكة ببدائية 

رسّام بوهيمى حول الوجه الصابح 

أبيض كحليب مأطور بالضربات التلقائية 

من أسود فحمى 

فأنا تخلعنى من جذرى 

فطريات الحس.

لا شك أن سالى زهران هذه البنت المصرية الشهيدة صاحبة المكياج البسيط والروح القوية التى راحت فداء لوطن أكثر روعة، فصارت سالى زهران رمزًا للفتاة العربية المثقفة التى خرجت من أجل أسمى هدف فى التاريخ، وهو تحرير وطنها المصرى من جبروت الفساد والظلم، يُخاطب سالم فى نصه الشعرى مجموعة من الأرواح الخالة عبر الزمن، وتجلت هذه الأرواح من خلال استدعاء صورة المصرى فى ميدان التحرير على مر التاريخ، وصورة شهداء الثورة من شباب مصر الذى لا يملك أيديولوجية بعينها سوى حب مصر ذلك الحب الخالص من أجل الخلود، وتضمن النص أيضًا تخليدًا لروح الذات الشاعرة التى أسهمت فى تغيير كبير، طالما حلم به المصريون جميعًا.

يتكئ الشاعر حلمى سالم فى النص الفائت على استدعاء صورة سالى زهران بصورة مغايرة من خلال اعتماده على الوصف الروحى لتلك الفتاة الرائعة الشهيدة التى حرَّك استشهادها ضمائر العالم فى كل مكان.

ويقول فى مقطع آخر:

لو أنى كنت رأيتك قبل يناير 

كنتُ وقعتُ كصبٍ فى حبك مغرومًا 

مثل كُثيِّر عزة 

أو قيس الممروض بليلى 

أو وضَّاح اليمن المقتول بليل

فأنا أهوى تقليد أساطير الحب العربية 

حيث الخبل وكسر الأنماط 

وحيث عجائب مشى دماء لدماء..

كانت ستكون هنالك مشكلة تتجسَّدُ فى الهوة بين العمرين.

اعتمد الشاعر حلمى سالم فى المقطع الشعرى السابق على تقنية التناص «تناص الشخصيات» من خلال استدعاء شخصيات شعرية وأدبية من تراثنا العربى القديم، هذه الشخصيات ارتبطت بشكل أو بآخر بالروح الداخلية لدى الشاعر وجعلته ينسج من ذاته الشاعرة خيوط محبة للآخرين الذين لم يشاهدهم، لكنه سمع عنهم مثل كثير عزة ومجنون ليلى، أو وضاح اليمن المقتول بليل، إن جل هذه التناصات الشعرية ارتبط بشكل كبير بقصة الحب التى خلقها الشاعر نفسه بين الذات الشعارة وسالى زهران الفتاة المصرية شهيدة ثورة يناير، هذه الفتاة التى لم يقابلها الشاعر قبل يناير، وقد تمنت الذات لو رأتها قبل الاستشهاد، وهو الشعور بالحسرة والندم فى خلو الحياة من نبيلات مثل سالى زهران، فقد اخترع الشاعر حلمى سالم من شخصية سالى زهران أسطورة عربية كبيرة، لأنها تحولت من فتاة مصرية عادية إلى رمز للعزة والعشق الوطنى العظيم، وصارت رمزًا للفتيات المصريات والعربيات فى كل زمان ومكان، إن الخلق الأسطورى الذى جسده سالم يعتمد على مجموعة من المرتكزات الفنية المهمة داخل النص، منها على سبيل المثال: أولًا: الشروع فى إقامة مشهد كامل داخل النص عن ثائرة مصرية مهمة، ثانيًا: الاعتماد على بلاغة المشهد النصى المسبوق بموسيقى الأرض الحزينة التى تعلن رحيل الشهداء، ثالثًا: الندم الذى وقع على روح الذات لفوات الآوان، وغياب الزمن الافتراضى فى النص الشعرى.. إن حلمى سالم من أهم شعراء الحداثة المصرية، تحتاج نصوصه الكثير من الدراسات المتوافقة مع روح النصوص الشعرية التى نسجها سالم من روحه الطيبة وقلبه المفتوح على نوافذ العالم الأرضى.