الأحد 25 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

عقيدة الدم والرصاص..

العقل الحوثى.. إحداثيات الدين وتقلبات السياسة

حرف

- يكشف التحول من الزيدية إلى الحوثية عن تغير فى وظيفة الميراث المذهبى أكثر من كونه قطيعة كاملة معه

- انتهت الإمامة كنظام سياسى لكن ميراثها الرمزى ظل حاضرًا فى شمال اليمن

- قبل أن تعيد الحركة الحوثية توظيف بعض عناصره فى مشروعها الخاص

- خرج الحوثيون من حروب صعدة بقدرة عسكرية أكبر لكن الانتقال من معقلهم الشمالى إلى انتزاع العاصمة كان يحتاج إلى ما يتجاوز السلاح 

- تمثل «الملازم» وهى المحاضرات الشفهية التى ألقاها حسين الحوثى

- الوثيقة التأسيسية التى أعادت صياغة وعى الجماعة ووجهتها الفكرية والسياسية

- حسين الحوثى هاجم بعنف أدوات علم الكلام وأصول الفقه واصفًا إياها بموروثات بشرية عقيمة

المشهد الأول «صنعاء» خريف 1962: انفجر ليل صنعاء الساكن على دوى المدافع وهى تدك قصر «البشائر»، ليتهاوى مع أسواره نظام إمامى تمدّد ظلّه فوق جبال الشمال قرابة ألف عام. غمرت الدبابات شوارع العاصمة المتربة، معلنةً عن ميلاد الجمهورية، غير أن النظام الوليد سقط على أسئلة الهوية، ولم يمحُ الشفرات الوراثية المنقوشة فى طيات الجبل حول «النسب والشرعية»، بينما انكفأت الذاكرة الزيدية إلى القاع، تقتات على هواجس العزلة وفقدان المكانة التاريخية.

المشهد الثانى «طهران» شتاء 1979: على بُعد آلاف الأميال، تمخّض زمن آخر من رحم التشيع الاثنى عشرى؛ حمل روح الله الخمينى توليفةً سحريةً صاغت أيديولوجيا حركية تعبويّة تدمج المرجعية الدينية بالقيادة السياسية الفوقية، فيما سُمّى لاحقًا بـ«ولاية الفقيه». استحالت العمامة معه وقودًا عابرًا للحدود ووسيلةً لقلب موازين القوى على الأرض.

المشهد الثالث «صعدة» أواخر الثمانينيات: فى جغرافيا معزولة وصخرية، حيث الجبال تُغلق الطرق والقرى تحفظ أسماء الأجداد، كانت الأرض تهتز تحت وطأة منازعة دينية محلية شرسة بين إرث زيدى مثقل بجرحه ومدّ سلفى متصاعد بدعم رسمى.

من قلب المأزق الوجودى للهوية المتوجسة، التقت ذاكرة الإمامة الساقطة بطموح النموذج الثورى الإيرانى، وانبثقت الحركة الحوثية كفكرة تفتش عن أرض، وأرض تبحث عن أيديولوجيا تمنح صوتًا وسلاحًا. بدأت بحلقات تعليم لإحياء المذهب، قبل أن تتلقح برياح الفكر الخُمينى، لتعيد هندسة مفهوم الولاية وتحوله من أطروحة فقهية مأزومة إلى أيديولوجيا مسلحة تحكم بالدم والنار.

ارتجفت رمال الكوفة عام ١٢٢ هـ على وقع خطى الإمام زيد بن على، وهو يرفع راية الثورة ضد الخليفة الأموى هشام بن عبدالملك، مطالبًا بما رآه حقًا لأهل البيت فى قيادة الأمة. انقشعت المعركة سريعًا بمقتله، غير أن جسده الذى صُلب ظل حيًا فى الوعى الجماعى؛ إذ تحولت سيرته إلى الشفرة الوراثية الأولى للتشيع الزيدى، وارتبط اسمه بفكرة الإمام الصادع بالحق الذى ينازع الطغيان علانية.

استلهمت الزيدية جانبًا مهمًا من تصورها للإمامة من ثورته، وإن كانت ملامحها الفقهية والسياسية قد تبلورت عبر مراحل لاحقة، وصولًا إلى تجربتها التاريخية فى اليمن، حيث أعاد الهادى يحيى بن الحسين، حفيد الإمام القاسم الرسى، صياغة الأطروحة حين وطأت قدماه صعدة عام ٨٩٧ ميلاديًا. جاء الرجل من الحجاز استجابة لنداء قبائل يمنية أضنتها الحروب الثأرية، وكانت تبحث عن حكم يحقن دماءها، بينما وجد الهادى فى مرتفعات صعدة التربة البكر لتجسيد الإمامة، حاملًا نسبًا فاطميًا متصلًا بالإمام الحسن بن على، وكتابًا يربط الفقه بالسياسة ربطًا لا ينفصم.

تقوم نظرية الإمامة الزيدية على مجموعة من الشروط، تجعل من «حق البطنين» (ذرية الحسن والحسين) ركيزة بنيوية مسبقة لأى سلطة مشروعة. لكنها اشترطت فى الإمام أن يكون عالمًا مجتهدًا، قادرًا على إدارة شئون الجماعة وإشهار دعوته لمنازعة الحكم الجائر. بيد أن قداسة النص الدينى والعصبية القبلية قد تداخلتا فى اليمن؛ فلم تكن المكانة الروحية وحدها كافية لضمان بقاء الإمام فى حصنه دون عقد تحالفات وثيقة مع حاشد وبكيل لتثبيت نفوذه، ما جعل الإمامة عقدًا سياسيًا واجتماعيًا متحركًا يُعاد إنتاجه بالدم والتراضى.

وعلى الرغم من تشابك دروب التشيع فى الجذر الأول، خطت الزيدية الهادوية لنفسها مسارًا مستقلًا نأى بها عن الفلسفة الاثنى عشرية؛ فالجعفرية تؤمن بإمامة اثنى عشر إمامًا، وتعتقد بأنهم معينون بالنص ومعصومون، وتنتهى السلسلة لديها بالإمام محمد بن الحسن العسكرى. أما الزيدية، فلا تحصر الإمامة فى سلسلة محددة من الأئمة، ولا تشترط عصمة الإمام أو غيبته؛ إذ تجيز توليها لمن تتوافر فيه الشروط من ذرية الحسن أو الحسين. وقد تأثر أئمة صعدة بالمعتزلة، فأنكروا «العصمة المطلقة» للحكام، واعتبروا الإمام بشرًا يصيب ويخطئ ويسقط حقه إن جار، كما رفضوا فكرة «الإمام الغائب المنتظر فى السرداب». فالإمامة لديهم فعل حيوى يُنتزع بالجهاد والظهور، لا بالانتظار الصامت، ما جعلهم تاريخيًا «أقرب الشيعة إلى أهل السنة».

وفى قلب الجدل حول أحقية الإمام، ظهرت مسألة إمامة المفضول مع وجود الأفضل، أى الأقل فضلًا مع وجود من يُعد أفضل منه. واتصل الخلاف بسؤال النسب بوصفه شرطًا للقيادة؛ إذ أقرت اتجاهات زيدية، من بينها البترية والسليمانية، شرعية خلافة أبى بكر وعمر، رغم كونهما من خارج السلالة الفاطمية، فى حين تمسكت اتجاهات أخرى بأحقية على وذريته فى الإمامة. وتكشف هذه الخلافات عن تباينات رافقت تشكّل التيارات الزيدية بشأن شرعية الخلفاء وحدود اشتراط النسب فى القيادة، مع ضرورة التمييز بين إقرار خلافة من لا ينتسب إلى فاطمة وبين شروط الإمامة الزيدية التى استقرت لاحقًا، واقتصرت على ذرية الحسن أو الحسين.

تداولت حكمَ اليمن بيوت هاشمية متعددة خاضت صراعات داخلية مريرة؛ فمن بيت شرف الدين فى القرن السادس عشر إلى القاسميين الذين طردوا العثمانيين فى القرن السابع عشر، احتدمت المنافسة على كرسى القيادة. وظهر توتر بين نظرية تجعل الإمامة حقًا لكل هاشمى مستوفٍ للشروط، ونزوع أسر حاكمة، كبيت يحيى شرف الدين، إلى ترسيخ السلطة وتوريثها داخل الأسرة، وصولًا إلى آل حميد الدين فى المملكة المتوكلية، حيث حكم الإمام يحيى ثم ابنه أحمد، حتى أطاح الضباط الجمهوريون بالإمام محمد البدر فى سبتمبر ١٩٦٢.

انتهت الإمامة كنظام سياسى، لكن المخزن الرمزى للتراث الزيدى ظل حيًا فى وجدان قبائل الشمال اليمنى، حيث نشأت لاحقًا حركات تسعى لإحياء حضوره، قبل أن تعيد الحركة الحوثية تركيب بعض مفاهيمه داخل مشروع سياسى وعقائدى خاص، عبر عملية انتقاء أيديولوجى مشروطة؛ فالتقطت «حق البطنين الحصرى» وفلسفة «الثورة ضد الجور»، وغضت الطرف فى الوقت ذاته عن شروط «الاجتهاد الفقهى الموسع» وعقلانية المعتزلة التى تتيح نقد القائد ومساءلته، مستبدلة إياها بـ«طاعة مطلقة للقائد».

عناصر تابعة لجماعة الحوثى ترفع صورة المرشد الإيرانى السابق على خامنئى
عناصر تابعة لجماعة الحوثى ترفع صورة المرشد الإيرانى السابق على خامنئى

أعاد قيام الجمهورية تشكيل مراكز النفوذ فى الشمال، وأفرز واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا مغايرًا لبنية الحكم القديم. فبعد ثمانى سنوات من الحرب الأهلية، استوعبت تسوية عام ١٩٧٠ بعض العناصر الملكية داخل النظام الجديد، غير أن المصالحة السياسية لم تُنهِ التوتر حول هوية الدولة وموقع الموروث الإمامى فيها.

ودفعت الحرب الأهلية الممتدة وتحولات الدولة الناشئة بعض الأسر الهاشمية وعلماء الزيدية إلى التموضع فى مواقع متباينة؛ فمنهم من انكفأ على تدريس المذهب محيدًا نفسه، ومنهم من انخرط فى مؤسسات الجمهورية كقضاة وتكنوقراط. وفى المقابل، عزز نظام الرعاية السياسية الجديد نفوذ شيوخ قبليين بارزين، وصاغ شبكات مصالح ارتبطت بالسلطة المركزية فى صنعاء على حساب المرجعيات التقليدية. ومع ذلك، يصعب تصوير الزيدية كلها تاريخيًا بوصفها كتلة واحدة مستبعدة من التوازنات؛ فالرئيس على عبدالله صالح نفسه، الذى قاد البلاد لعقود، ينتمى إلى جغرافيا المذهب خلفيةً واجتماعًا، ما يعنى أن التهميش لم يكن عرقيًا مطلقًا، وارتبط باختلاف الولاءات السياسية والمواقع القبلية والفئات الاجتماعية.

تزامن عام ١٩٧٩ مع منعطفين دينيين وسياسيين أعادا تشكيل الوعى العقدى والسياسى فى المنطقة؛ إذ صعد آية الله الخُمينى إلى هرم الحكم فى طهران، مقدمًا نموذجًا لقيادة سياسية تتمحور حول المرجعية الدينية الشيعية. وفى العام نفسه، أسس الشيخ مقبل بن هادى الوادعى مركز «دار الحديث» فى دماج بمحافظة صعدة، ليتحول لاحقًا إلى مركز بارز لنشر السلفية وانتقاد التراث الزيدى فى معقله التاريخى. وشجعت الدولة اليمنية نشاطه فى مراحل مختلفة، وسمحت بتمدده ضمن مساعى موازنة النفوذ التقليدى للهاشميين، فيما أسهم اتساع الشبكات التعليمية والاجتماعية السلفية فى تغيير ملامح المشهد المذهبى بالمنطقة.

وخلال الثمانينيات والتسعينيات، ظهرت مبادرات قادها علماء ووجهاء، هدفت مبدئيًا إلى إحياء التعليم الزيدى وصون تراثه من التراجع أمام التمدد السلفى. وقد عكس هذا المشهد شعورًا حادًا لدى دوائر زيدية بأن حضورها الدينى والرمزى ينحسر بقوة، وبأن السلطة المركزية تتعامل بصورة غير متكافئة ومتحيزة لصالح التيارات الدينية الوافدة.

التقط الخطاب الحوثى اللاحق تلك المخاوف والوقائع، وأعاد تنظيمها داخل سردية تعبئة سياسية أكثر حدة، ربطت تراجع الهوية المحلية بصراع أوسع وممنهج تقوده الدولة والخصوم العقائديون بدعم خارجى يستهدف اجتثاث الوجود الزيدى. ومن ثم، يفرض هذا التحول التمييز بين المظالم والمخاوف الثقافية التى يمكن توثيقها تاريخيًا فى تلك الحقبة، وبين الكيفية الأيديولوجية الانتقائية التى وظفتها الحركة الحوثية لاحقًا لتحديد الخصوم، وشحن الأتباع، وتبرير المواجهة المسلحة ضد الدولة والمجتمع.

فقد تفاعلت التحولات التى أعقبت الجمهورية مع المنافسة على منابر التعليم والمرجعية، ثم تقاطعت مع أفكار ثورية عابرة للحدود؛ فالتأثير الإيرانى لم ينشئ الحركة بمفرده، كما لا يكفى الصراع الزيدى السلفى لتفسير القفزة نحو السلاح. فقد تهيأت البيئة المحلية ببطء، وجعلت من مخاوف تراجع الهوية الزيدية وقودًا للتعبئة السياسية.

فتحت الوحدة اليمنية عام ١٩٩٠ والمناخ التعددى المصاحب لها الباب أمام نخب زيدية للبحث عن قنوات تستعيد حضورها الدينى والسياسى؛ فتأسس حزب الحق بوصفه قناة للمشاركة السياسية، بينما اتجه مسار آخر نحو ربط الأجيال الجديدة بالتراث المذهبى.

ومن حلقات الدروس والمبادرات التعليمية التى بدأت عام ١٩٩٠، أخذ «منتدى الشباب المؤمن» يتبلور خلال النصف الأول من التسعينيات، ويُشار عادة إلى عام ١٩٩٢ بوصفه تاريخ تأسيسه، بمشاركة محمد يحيى عزان ومحمد بدرالدين الحوثى، شقيق حسين. استهدف المنتدى بناء قاعدة معرفية وتربوية تمنح المذهب قدرة على مخاطبة الشباب، فى مواجهة منافسة امتدت من مسائل الفقه والعقيدة إلى سؤال الهوية وموقعها فى الدولة.

لم يكن الإحياء يحمل معنى واحدًا لدى أقطاب الحراك؛ إذ مثّل عزان تيارًا يدعو إلى التجديد وتوسيع مساحة التفكير ودراسة الموروث ومناقشة مسائله الخلافية، بينما اتجه محمد بدرالدين الحوثى إلى التشديد على الصلة بالموروث والتربية الروحية. وفى محيط هذا الحراك، مثّل بدرالدين الحوثى، والد حسين ومحمد، مرجعية علمية مؤثرة. أما حسين بدرالدين الحوثى، فلم يكن من المؤسسين بحسب رواية عزان، وإنما انضم إلى الإدارة الموسعة للمنتدى عام ٢٠٠٠، وفى أواخر العام نفسه تصاعدت خلافات كانت قد بدأت قبل ذلك بسنوات، بعدما طرح حسين تغيير أهداف المنتدى ومناهجه. وبحسب شهادة عزان، تجاوز الخلاف مسألة الوسائل إلى طبيعة المشروع وحدود حرية التفكير ومكانة القيادة؛ فبينما تمسك عزان بمساحة أوسع للمعرفة والنظر، اتجه حسين إلى تصور مختلف لمستقبل المنتدى ودوره، بما دفع الحراك تدريجيًا نحو خطاب أكثر صدامية فى علاقته بالسلطة والخصوم.

جسدت تلك اللحظة افتراقًا مهمًا فى مسار الإحياء الزيدى؛ إذ انتقل الخلاف من كيفية استعادة الموروث إلى الجهة التى تملك حق تفسيره وتحديد مساره. ومع اتساع الهوة، انفصل مشروع حسين الحوثى عن رؤية عزان، وبدأت تتشكل حوله ملامح خطاب تعبوى وسياسى يتجاوز أهداف المنتدى التعليمية الأولى. فالعمل المسلح لم يكن نتيجة حتمية لإحياء الزيدية، وإنما ساهم الانقسام فى رسم مسار مغاير، تداخل فيه الصراع على المرجعية مع التحولات السياسية اللاحقة، حتى قادت المواجهات مع الدولة عام ٢٠٠٤ إلى مرحلة جديدة فى تاريخ الحركة. 

تعود جذور الاتصال بين إيران والأوساط الزيدية إلى حقبة الثمانينيات؛ ففى أعقاب الثورة الخمينية، فتحت السفارة فى صنعاء قنوات اتصال مع شبان يمنيين، وأمدّت بعضهم بالمطبوعات التى حملت أفكار الثورة ومفرداتها، قبل أن تدعو عددًا منهم إلى زيارة طهران والتعرف إلى تجربتها. ووضعت هذه الاتصالات بعض المهتمين بإحياء المذهب أمام نموذج سياسى جعل المرجعية الدينية مركزًا لقيادة الدولة، وربط العقيدة بمشروع للتعبئة، وكانت تلك بداية مسار انتقلت عبره الأفكار من التجربة الإيرانية إلى بيئة يمنية كانت تبحث عن سبل لإحياء حضورها المذهبى فى ظل تحولات سياسية واجتماعية متلاحقة.

انطلقت أولى قنوات التأثير عبر ترحال المرجعيات؛ ففى عام ١٩٨٥، وصل بدرالدين الحوثى إلى مدينة قم، وأقام للدراسة بها، بحسب تقرير نشره مركز الجزيرة للدراسات، فيما يذكر تقرير آخر أن عام ١٩٨٨ شهد زيارة حسين الحوثى وشقيقه عبدالملك، إلى جانب محمد عزان وعبدالكريم جدبان، وأنهم التقوا المرشد الأعلى روح الله الخُمينى وعلى خامنئى وهاشمى رفسنجانى. وعلى الرغم من اختلاف المصادر فى تأريخ بعض هذه التحركات وتفاصيلها، فإن رواية عام ١٩٨٨ تتيح تتبع صلات مبكرة جمعت شخصيات من الجيل الذى شارك لاحقًا فى تأسيس الشباب المؤمن، ثم الحركة الحوثية.

لم تقتصر التحركات المبكرة على لقاءات القيادات، بل شملت أيضًا طلابًا وشخصيات دينية تعرفوا إلى المؤسسات الإيرانية وناقشوا إمكانية الاستفادة من تجربتها. فقد وجهت السفارة الإيرانية دعوات إلى شخصيات دينية وقبلية للمشاركة فى احتفالات الذكرى الثامنة للثورة الإسلامية، وذهب بموجبها عدد من طلاب المدارس الدينية اليمنيين إلى طهران. وهناك شاهدوا المدارس والمراكز البحثية، وتعرفوا إلى النشاط الدينى والثقافى، إلى جانب الشعائر والمناسبات التى تستقطب الحشود وتمنح الانتماء المذهبى حضورًا عامًا. ووفقًا لشهادات بعض الزائرين، عادوا وهم يفكرون فى نقل جوانب من التجربة إلى اليمن، مع استبعاد ما يتعارض مع الموروث الزيدى.

ومع اتساع حركة إحياء المذهب خلال التسعينيات، انتقلت الصلات من نطاق الزيارات والتعرف إلى التجربة، إلى مسارات تعليمية أكثر انتظامًا. وتذكر دراسة لمركز مكافحة الإرهاب فى الأكاديمية العسكرية الأمريكية أن بدرالدين الحوثى وحسين الحوثى بدآ عام ١٩٩٤ إرسال نحو أربعين طالبًا دينيًا سنويًا إلى قم. كما امتدت قنوات التأثير لتشمل الأدبيات المطبوعة والتسجيلات الصوتية المهربة؛ فدخلت كتب الثورة ومحاضرات قادتها إلى مجالس صعدة، وبدأت الرموز البصرية والمناسبات السياسية المستحدثة، مثل «يوم القدس العالمى»، تجد طريقها إلى أدبيات تيار الإحياء، متأثرة ببروباجندا الحرس الثورى الإيرانى، وتجربة حزب الله اللبنانى الناشئة فى ضاحية بيروت الجنوبية.

لم يكن هذا التماس محاولة لتغيير المذهب الفقهى الزيدى إلى الجعفرية الاثنى عشرية؛ فقد عكس انبهارًا عميقًا بـ«آلية الأداة» وكيفية تحويل الدين من مرجعية فقهية إلى أيديولوجيا حركية قادرة على تجييش الجماهير. وأسهمت مفردات مناهضة الاستكبار فى تأطير الصراعات المحلية ضمن معركة أوسع؛ فلم يعد الخصم مجرد مدرسة مذهبية منافسة فى صعدة، وأصبح جزءًا من منظومة «الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية». وتجسد هذا التداخل فى شعار «الصرخة» الذى صاغه حسين الحوثى عقب أحداث سبتمبر وغزو العراق؛ إذ جاءت بنيته اللفظية، «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود»، متطابقة حرفيًا مع الهتافات التقليدية للثورة الإيرانية، ثم أُسقطت على الواقع اليمنى.

عناصر حوثية تحمل علم إيران وصور المرشد الأعلى
عناصر حوثية تحمل علم إيران وصور المرشد الأعلى

تمثل «الملازم»، وهى المحاضرات الشفهية التى ألقاها حسين بدرالدين الحوثى فى جبال مران بين عامى ٢٠٠٢ و٢٠٠٤، ودُوّنت لاحقًا فى كراسات وُزعت على الأتباع، الوثيقة التأسيسية والدستور الأيديولوجى الذى أعاد صياغة وعى الجماعة ووجهتها الفكرية والسياسية.

أعلن حسين فى هذه النصوص عن قطيعة مع التراث الزيدى التقليدى الذى عاش عليه أجداده، فهاجم بعنف أدوات علم الكلام وأصول الفقه وقواعد الاجتهاد، واصفًا إياها بموروثات بشرية عقيمة سببت شتات الأمة وعجزها أمام أعدائها. وقدم فى المقابل أطروحة «المسيرة القرآنية» بوصفها منهجًا بديلًا ومباشرًا لفهم الواقع وصناعة المواجهة، معتبرًا أن القرآن لا يحتاج إلى قواعد لغوية معقدة أو تأويلات فقهية لفهمه، بل هو دليل حركى واضح يتلقاه الوعى مباشرة عبر توجيهات «العَلَم القائد».

تتحرك «المسيرة القرآنية» بوصفها آلية عملية لتفسير الواقع المُعاش وإسقاط النص على اللحظة السياسية الراهنة؛ إذ ينتقل الخطاب بسلاسة من آيات بنى إسرائيل أو قصص المواجهة مع الطواغيت واليهود فى القرآن إلى تشخيص أزمة الأمة المعاصرة، المتمثلة فى التبعية للغرب والنفوذ الأمريكى عقب أحداث سبتمبر. ويتحول النص القرآنى فى هذا السياق من سرد تاريخى لعِبر الماضى إلى أداة لتحديد الخصم وتوجيه التعبئة، وهو ما تجسّد فى إطلاق شعار «الصرخة» والمقاطعة الاقتصادية بوصفهما واجبين جهاديين فوريين.

وتكشف القراءة التفكيكية لنصوص الملازم عن موقف حسين من التراث الفقهى. ففى ملزمة «ثقافة الانتماء - الدرس الأول»، يهاجم القوالب الفقهية قائلًا: «أصول الفقه عُقَد، عُقَد وضعت أمام الأمة حالت بينها وبين فهم القرآن الكريم... جعلت الإنسان يشعر بأنه لا يمكن أن يستفيد من القرآن»، ليمضى فى حكمه القاطع على هذا العلم التاريخى، قائلًا: «مما قيل فيه: عِلمٌ لا ينفع، والجهل به لا يضر، بل إن الجهل به هو النفع، وإن العلم به هو الضر». ولم يكن النقد مجرد محاولة للتجديد الدينى، بقدر ما كان تكتيكًا أيديولوجيًا يهدف إلى سحب المشروعية من المرجعيات الزيدية وإعادة تركيز سلطة الفهم والتوجيه الفكرى حول نموذج القائد الحى؛ فالقرآن، فى رؤيته، لا يُفهم بمعزل عن القيادة المصطفاة التى يحددها الله لتدبير شئون الأمة ومقارعة قوى الاستكبار.

كما برز مفهوم «العَلَم الهادى» فى أدبياته بوصفه حلقة وصل وجودية تربط الأمة بهداية كتابها، مستدعيًا الرمزية العميقة لمكانة أهل البيت فى الميراث الزيدى، لكنه أعاد تركيبها فى سياق تنظيمى مغاير. وتفرض الزيدية التقليدية شروطًا علمية ومؤسسية صارمة لأهلية الإمام، كالتبحر فى علوم الدين والقدرة على الاجتهاد المطلق ومنافسة الأقران؛ غير أن صورة القائد فى خطاب حسين تتجاوز هذه الشروط، لتتصل مباشرة بقدرته على كشف آيات الله الحركية وقيادة المجتمع فى معركة المواجهة. ومع أن نصوصه لا تحدد هوية «العَلَم» وصلاحياته بقواعد مؤسسية واضحة، فإنها تمنحه دورًا محوريًا فى توحيد الجماعة وتعبئتها، وتترك المفهوم قابلًا للتوسع وفق متطلبات السيطرة والسلاح وتغير موازين القوى.

ودخل الفكر الحوثى معطفًا مختلفًا مع إعادة صياغة مفهوم «العَلَم» القائد والولاية؛ إذ حوّل حسين نظرية القيادة السياسية من شروط الإمامة الزيدية التقليدية القائمة على الاجتهاد العلمى والخروج العلنى بالجهاد إلى عقيدة تتمحور حول «الاصطفاء التكوينى والتسليم المطلق» لشخص القائد المصطفى من سلالة آل البيت. وفى ملزمة «سورة المائدة - الدرس الثانى»، يقول: «القرآن الكريم لا يمكن أن يهتدى الناس به... إلا إذا كانوا مرتبطين بقرنائه... وهم أهل البيت... الأمة فى كل عصر بحاجة إلى هادٍ، بحاجة إلى عَلَم، وبدون العَلَم لا يمكن للأمة أن تتوحد». وهو ما يقترب بنيويًا من عقيدة «الإمام المعصوم» فى المذهب الاثنى عشرى و«ولاية الفقيه» فى النظام الإيرانى، رغم احتفاظه برداء زيدى محلى يستدعى نصوص آل البيت الأولى، مثل «حديث الغدير»، لإثبات حصرية الحق السياسى فى السلالة الهاشمية.

ومع أن التمييز ضرورى بين الولاية فى تراث آل البيت، ونظرية الإمامة الزيدية، وولاية الفقيه فى الفكر الإيرانى، فإن ذلك لا ينفى أن حسينًا صهر الإرث العاطفى الزيدى داخل قالب التعبئة الخُمينية، مستبدلًا تعددية المذهب القديم بسلطة مركزية مقدسة.

فى صيف ٢٠٠٤، اندلعت المواجهة المسلحة الأولى فى جبال «مران» بين جماعة حسين الحوثى والقوات الحكومية، لتنقل الحركة سريعًا من فضاء التعبئة الكلامية إلى لغة السلاح. وأسهم مقتل حسين فى نهاية الحرب فى ترسيخ سردية الشهادة والمظلومية، ثم أفضى صعود شقيقه عبدالملك إلى إحكام التنظيم العسكرى وتطوير بنية القيادة الميدانية.

فقد تحولت الحروب الست المتعاقبة بين عامى ٢٠٠٤ و٢٠١٠ إلى المصهر الحقيقى لبنية التنظيم؛ إذ أعادت جولات القتال صياغة عقول المقاتلين، وساهمت فى صعود قادة ميدانيين من جيل أصغر، فتحولت الحركة إلى جيش عقائدى صلب يتميز بتراتبية صارمة وولاء مطلق للمرجعية القيادية.

وظفت الحركة مفردات المظلومية والشهادة والكرامة لتقديم الصراع بوصفه امتدادًا كربلائيًا لمعركة الحق ضد الباطل، فتحول غبار المعارك وتدمير القرى إلى مادة خام لتغذية عقيدة الاصطفاء وإعادة تفسير الحرب كدفاع مقدس عن الوجود والهوية الإيمانية. ومع استمرار المواجهات، تجاوز خطاب الجماعة الاحتجاج الفكرى إلى أيديولوجيا قتالية تصنع من دماء الضحايا وقودًا حيًا للاستقطاب القبلى والتجنيد المستمر. ولم تعد الحرب هامشًا فى مسيرة الجماعة؛ فقد أصبحت الرافعة لهويتها المسلحة.

وتطورت الصلات الإقليمية بطهران وحزب الله خلال هذه المرحلة، من دون إسقاط شكل التحالف الاستراتيجى اللاحق على البدايات. وتشير تقديرات دولية إلى أن بوادر الدعم اللوجستى والاستشارى ونقل خبرات حفر الخنادق والإعلام الحربى بدأت قرابة عام ٢٠٠٩، بالتزامن مع الحرب السادسة، فى حين تشير أدلة مجلس العلاقات الخارجية إلى أن شحنات التسليح الإيرانية المنظمة لم تظهر بوضوح إلا بحلول عام ٢٠١٤، لتخرج الجماعة من حروب صعدة تنظيمًا مسلحًا تجاوز نطاقه القبلى الأول، مع احتفاظه بشبكات التحالف المحلية، وأصبح مستعدًا لاجتياح البلاد ومنازعة المركز الجمهورى فى صنعاء.

خرج الحوثيون من حروب صعدة بقدرة عسكرية أكبر، لكن الانتقال من السيطرة على معقلهم الشمالى إلى انتزاع العاصمة كان يحتاج إلى ما يتجاوز السلاح. وفى هذه المرحلة، مثّل اعتماد الحركة اسم «أنصار الله» مطلع العقد الحالى منطلقًا تسويقيًا مدروسًا لتقديم نفسها كمشروع وطنى جامع يتخطى العصبية السلالية للأسرة التى ارتبطت بها تاريخيًا.

اقتنصت الحركة الفرصة التى وفرتها أحداث الربيع اليمنى عام ٢٠١١؛ فانخرط شبابها فى ساحات التغيير بصنعاء، متبنين خطابًا مدنيًا مرنًا، قبل أن تلجأ إلى أروقة مؤتمر الحوار الوطنى فى مارس ٢٠١٣، بوصفها مكونًا سياسيًا ينشد الشراكة وبناء الدولة. وقد مكنتها تلك التكتيكات من حصد مشروعية سياسية غير مسبوقة داخل العاصمة، بينما واصلت آلتها الميدانية فى جبال الشمال التوسع وقضم مراكز النفوذ القبلى تدريجيًا.

وتدرجت حسابات الجماعة نحو البراجماتية السياسية بفتح قنوات تواصل مع خصمها اللدود السابق، الرئيس على عبدالله صالح. والتقت المصالح العسكرية والسياسية للطرفين عند الرغبة المشتركة فى تفكيك مراكز القوى الجديدة المحسوبة على حزب الإصلاح وقبائل آل الأحمر فى عمران وصنعاء؛ فنحّى الحوثيون خلافاتهم مع صالح، بما فيها حروب صعدة ومقتل حسين الحوثى ورفض صالح تسليم جثته، جانبًا، فى مقابل ضرب خصومهما. ولم يكن هذا الحلف الظرفى مكتمل الأركان منذ بداية عام ٢٠١١، بل نضج تدريجيًا مع تبدل توازنات الميدان والحسابات النفعية المتبادلة.

وقدمت شبكات صالح العسكرية والقبلية الجسر اللوجستى الحاسم الذى سهّل زحف الحوثيين ميدانيًا، ولا سيما نفوذه داخل قطاعات من الجيش والأمن وقوات الحرس الجمهورى التى أُعيدت هيكلتها، إلى جانب علاقاته بوجهاء قبائل طوق صنعاء.

وتداخلت هذه الشبكات مع استثمار الحركة انهيار التوازنات السياسية والعسكرية العامة؛ إذ غضّت قطاعات موالية لصالح الطرف عن تمدد الحركة، وسهّلت تقدمها حتى سقطت العاصمة صنعاء فى ٢١ سبتمبر ٢٠١٤، إثر تراجع مقاومة قطاعات عسكرية أساسية فى المركز، رغم اندلاع مواجهات فى مواقع أخرى داخل المدينة ومحيطها.

وربما تكشف تلك المفارقة التاريخية عن قدرة فائقة للميليشيا على التعايش مع الحسابات البراجماتية؛ فبينما كانت الملازم تشحن المقاتلين بعقيدة الولاية، تحركت القيادة فى غرف التخطيط بمرونة بالغة، ونسجت تحالفات عابرة للمبادئ العقائدية. غير أن مقتل على عبدالله صالح على يد الجماعة فى ٤ ديسمبر ٢٠١٧ مثّل التعبير الأبرز عن هذا التناقض.

تغلغلت سلطة الأمر الواقع الحوثية فى تفاصيل البنية الاجتماعية والاقتصادية عقب السيطرة على العاصمة، فانتقلت مفاهيم الشرعية والاصطفاء الدينى والسلالى من الخطاب إلى ممارسات تتصل بإدارة الموارد، وضبط المجال العام وإعادة ترتيب مراكز النفوذ. ويبرز قانون الخُمس بوصفه أحد أكثر تجليات هذا التحول إثارة للجدل؛ إذ تستند الجماعة إلى تأويل فقهى يمنح بنى هاشم ٢٠٪ من ثروات البلاد، بينما يثير تطبيق هذه التصورات أسئلة تتجاوز الخلاف الفقهى إلى طبيعة الامتيازات التى يتيحها النظام المالى الجديد.

واتسع السجال مع إقرار تعديلات تشريعية تنظم تحصيل الخُمس، وما ارتبط بها من مخاوف بشأن التمييز بين المواطنين على أساس النسب. ويتطلب فهم أثر المنظومة التمييز بين الموارد التى يشملها النص القانونى، والجبايات الأخرى التى تفرضها سلطات الجماعة، والإيرادات المتصلة بالوقود والتجارة والاقتصاد الحربى. فالمسألة تتجاوز نسبة مالية محددة إلى الكيفية التى تتجمع بها الموارد فى مناطق سيطرة الحوثيين، والجهات التى تملك سلطة تحصيلها وتوجيهها، وما يترتب على ذلك من تفاوت فى النفوذ والفرص الاقتصادية.

وامتدت أدوات الإخضاع لتشمل المنظومة القبلية المحيطة بصنعاء؛ إذ اتبع التنظيم سياسات تعتمد على استثمار الانقسامات واستقطاب وجهاء طوق العاصمة عبر المناصب وشبكات المصالح، بالتوازى مع القمع وتفجير المنازل واستهداف بعض المشايخ المعارضين حين تتعرض مصالح الحركة للخطر. ولم تعد القبيلة شريكًا مستقلًا فى موازين القوة على النحو الذى عرفته مراحل سابقة، إذ سعت الجماعة إلى تقليص استقلالية بعض مراكز النفوذ وإخضاعها لسلطتها، مع توظيف الولاءات القبلية فى التعبئة العسكرية وإمداد الجبهات بالمقاتلين. غير أن هذه التحولات لم تُنهِ دور القبيلة أو قدرتها على المناورة؛ فقد تفاوتت مواقفها بين التحالف والمساومة والخضوع تحت الضغط والمقاومة، وفقًا لموازين القوة والمصالح المحلية.

وتزامنت هذه الهندسة القبلية مع صياغة وعى الجيل الناشئ عبر «المراكز الصيفية والدورات الثقافية»؛ إذ تحولت هذه البرامج، فى جوانب منها، إلى أدوات للتعبئة الفكرية وإعادة تقديم التاريخ اليمنى والزيدى وفق رؤية الجماعة وخطاب «الملازم»، مركزةً على مفاهيم الولاية والقيادة والعدو والتبرؤ من الخصوم. وتزداد خطورة هذه البرامج حين تتجاوز التلقين العقائدى إلى التدريب العسكرى والتجنيد المبكر للقاصرين، وهى ممارسات وثقتها تقارير دولية بشأن تجنيد الأطفال واستخدامهم فى أدوار قتالية.

كما اصطدمت سياسات الجماعة فى مناطق عدة بمقاومة من مجتمعات ذات أغلبية شافعية سُنية فى محافظات الوسط والحديدة وتعز؛ إذ سعت إلى توسيع حضور شعاراتها ومناسباتها الدينية، مثل «الصرخة» والاحتفال بيوم الغدير والمولد النبوى، داخل المساجد والإدارات المحلية، بالتوازى مع تعديل المناهج المدرسية بما يتوافق مع رؤيتها الدينية والسياسية.

وتمايزت استجابات هذه المجتمعات، التى لا تنتمى إلى البيئة الزيدية التى نشأت فيها الحركة، بين القبول لدى بعض الفئات، والتكيف الصامت والمداراة تحت وطأة الضغوط، وصولًا إلى المقاومة والرفض الثقافى والاجتماعى فى مناطق أخرى. وتكشف هذه الاستجابات، على تباينها، عن حدود قدرة أيديولوجيا الاصطفاء الحوثية على فرض تصورها للشرعية والهوية على بيئات اجتماعية وفقهية متعددة.

انتقلت الصلات الحوثية الإيرانية من طور الإعجاب بالنموذج الثورى الخمينى والاستلهام الرمزى لشعاراته إلى فضاء الدعم العسكرى والتنسيق الإقليمى. وشكّل سقوط العاصمة صنعاء فى سبتمبر ٢٠١٤، ثم اندلاع التدخل العسكرى للتحالف بقيادة السعودية عام ٢٠١٥، نقطة التحول الأعمق فى اعتماد الميليشيا على طهران.

وتكشف مسارات التدريب ونقل الخبرات عن جانب ملموس من هذا التحول؛ ففى تقريره الصادر عام ٢٠٢٤، أورد فريق خبراء الأمم المتحدة المعنى باليمن معلومات عن تلقى عناصر حوثية تدريبات تكتيكية وتقنية خارج البلاد، وسفرهم إلى إيران ولبنان والعراق باستخدام جوازات سفر مزورة. وخصص التقرير ملاحق لتدريب الحوثيين فى جنوب لبنان على يد حزب الله، ولأشكال التعاون بين الطرفين. كما أشار إلى ارتباط تطور القدرات العسكرية للجماعة بنقل المعدات والتقنيات، وتقديم التدريب والمساعدة من الحرس الثورى الإيرانى، ولا سيما فيلق القدس، وحزب الله، ومتخصصين عراقيين.

وامتد التعاون إلى التنسيق العملياتى بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة». ففى أبريل ٢٠٢٣، ظهر ممثلون عن أطراف المحور فى تسجيل مصور داخل غرفة عمليات مشتركة، فى مشهد يعكس مستوى من التواصل والتنسيق الإقليمى. ثم أعلن عبدالملك الحوثى فى مايو ٢٠٢٤، عن بدء التنسيق العسكرى مع فصائل عراقية موالية لإيران، وأعلن المتحدث العسكرى للجماعة فى يونيو، عن تنفيذ عمليتين مشتركتين مع «المقاومة الإسلامية فى العراق» استهدفتا، بحسب الإعلان الحوثى، سفنًا فى البحر المتوسط وميناء حيفا.

وظهر البعد التقنى لهذا الارتباط فى تطور الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للسفن. فقد أشار فريق الخبراء الأممى، فى تقريره لعام ٢٠٢٤، إلى أن الجماعة لا تملك بمفردها القدرة على تطوير وإنتاج منظومات تسليح معقدة من دون مساعدة خارجية، وربط تطور قدراتها بنقل المعدات والتكنولوجيا والتدريب. كما تدعم تقارير دولية أخرى وجود صلات بين مكونات فى ترسانة الحوثيين وتقنيات إيرانية، ما أتاح للجماعة توسيع قدرتها على تهديد الملاحة فى البحر الأحمر وخليج عدن، وتحويل موقعها الجغرافى إلى ورقة ضغط إقليمية.

واتسع هذا الدور عقب اندلاع الحرب فى غزة فى أكتوبر ٢٠٢٣، حين بدأت الجماعة استهداف سفن فى البحر الأحمر وخليج عدن، معلنةً عن أن عملياتها تستهدف السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إليها. وأفضت الهجمات إلى اضطراب الملاحة الدولية، ودفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، فيما امتدت المواجهة إلى ضربات عسكرية أمريكية وبريطانية وإسرائيلية ضد مواقع حوثية. وبذلك دخلت الجماعة فى مواجهة تتجاوز حدود الصراع اليمنى، وتتقاطع مع حسابات إيران وحلفائها فى المنطقة.

إن فهم المسار يقتضى التمييز بين التراث الزيدى، بتعدد مدارسه وامتداد تجربته التاريخية، وبين الصيغة التى بلورتها الحركة وأعادت من خلالها توظيف ذلك الإرث ضمن سياق مختلف. إذ يكشف التحول من الزيدية إلى الحوثية عن تغير فى وظيفة الميراث المذهبى أكثر من كونه قطيعة كاملة معه؛ فقد انتقت الحركة من التاريخ الزيدى عناصر تخدم تصورها للسلطة، وأعادت ترتيبها داخل سردية تربط مظلومية الماضى بأحقية سياسية فى الحاضر.

وعبر هذا الانتقاء، انتقل الميراث من مساحة تتجاور فيها الاجتهادات والتجارب التاريخية إلى إطار أيديولوجى يمنح الجماعة هوية محددة، ويرسم حدود الانتماء إليها وموقفها من خصومها. ولم يعد استدعاء الإمامة مجرد إحالة إلى نظام حكم سقط عام ١٩٦٢، وإنما صار وسيلة لإعادة تفسير علاقة الجماعة بالدولة والمجتمع، وتقديم مشروعها باعتباره استعادة لحق تاريخى.

وتتحدد خصوصية التجربة الحوثية فى هذا المزج بين الذاكرة المذهبية ومتطلبات الحركة السياسية الحديثة؛ إذ تفاعلت عناصر من التراث المحلى مع أدوات وخطابات وافدة، ثم أعادت الجماعة صوغها وفق مصالحها وظروف الصراع اليمنى. ولذلك يصعب فهم الحوثية بوصفها امتدادًا مطابقًا للزيدية التاريخية، كما يصعب اختزالها فى نسخة يمنية من التجربة الإيرانية. إنها صياغة انتقائية لميراث قديم داخل مشروع معاصر، إذ انتقلت دلالة الهوية المذهبية من انتماء دينى له تنوعاته الداخلية إلى أساس لتحديد الشرعية ورسم المجال السياسى. وهذا التحول هو ما يفسر المسافة بين الزيدية بوصفها تراثًا مذهبيًا، والحوثية بوصفها حركة أعادت توظيف ذلك التراث فى مشروعها الخاص.