شكر الله سعيكـم!.. دموع حامد ياسين تكتب شهادة وفاة الثقافة العربية
- هل «مدام عفاف الثقافة» تعرف شيئًا اسمه «اقتصاديات الانتباه»؟
- لماذا لا ندعو طلاب المدارس والجامعات لحضور الفعاليات الثقافية؟
- كاتب جزائرى ينفجر فى البكاء لخلو قاعة توقيع كتابه الجديد
- جلس أمام طاولة نُسخ كتابه وحيدًا.. ولم يحضر له سوى صديقه
المشهد لا يحتاج إلى كثير من الشرح: كاتب يقف أمام طاولة تحمل كتبه، وقاعةٌ كان يُفترض أن تضج بالقراء فإذا بها تردّ عليه بصمتها.
إلى جواره صديق واحد، يبدو حضوره فى تلك اللحظة أثقل من حضور قاعة كاملة، لأنه لم يأتِ ليصفق لكتاب فحسب، بل بقى شاهدًا على انكسار صاحبه.
تنهمر دموع الكاتب، دموعٌ لا تبدو كأنها وليدة ذلك المساء وحده، بل كأنها حصيلة سنوات من العزلة، والانتظار، والكتابة فى غرفة لا يعرف صاحبها هل ستصل كلماته يومًا إلى أحد.
الكاتب هنا هو حامد ياسين، جنسيته جزائرية، وإن كان هذا المشهد قابل للتكرار فى كل دولنا العربية.. إن لم يكن حدث من قبل عشرات المرات!
«ياسين» ما إن دخل إلى القاعة لتوقيع كتابه الجديد والاحتفاء به، حتى نظر إلى ما يحيطه فلم يجد أحدًا سوى صديقه، فانفجر فى البكاء، وفقًا لما بيّنه فيديو انتشر على الحسابات والصفحات الجزائرية والمغاربية خلال اليومين الماضيين.
بكى حامد ياسين وأبكانا معه على حال ثقافة عربية.. «فارغة»!


بعض المشاهد، حتى حين تكون ظروفها ملتبسة، تملك قدرة نادرة على فتح الأسئلة. وهذا المشهد يفعل ذلك بامتياز. ما إن تراه تجد نفسك مُحاطًا بسيل من الأسئلة: ماذا يحدث للثقافة فى مجتمعاتنا العربية؟ ولماذا يبدو أن آلافًا مستعدون لقضاء ساعات فى متابعة مقطع عابر، بينما يصعب جمع عدد محدود حول كتاب أو حوار أو أمسية فكرية؟ ومَن الذى خذل مَن: الكاتب وجمهوره، أم المؤسسات وجمهورها، أم المجتمع وأبناؤه الذين لم يتعلموا أن للمعرفة متعةً تشبه متعة الفرجة؟
الكاتب لا يذهب إلى حفل التوقيع بحثًا عن مجاملة رخيصة. هو يذهب وفى داخله صورةٌ محتملة لفرحٍ بسيط، مكوناته قارئ يتصفح كتابه، سؤال يربك فكرته، شابٌّ يخبره بأن فقرةً ما جعلته يرى حياته من زاوية مختلفة. وإن لم يجد هذا.. لا تحضنه سوى دموعه لتخفف عنه!
الكتاب لا يكتمل حين يُطبع، بل حين يغادر يد مؤلفه إلى يد قارئه. ما يريده الكاتب، فى جوهر الأمر، ليس أن يُعامل كنجْمٍ جماهيرى، بل أن يشعر بأن السنوات التى أنفقها بين البحث والمسودة والمراجعة لم تُدفن فى صمتٍ كامل.
لهذا بدت دموع الكاتب الجزائرى أكبر من خيبة توقيع. واجه، فى لحظة واحدة، سؤالًا قاسيًا يطارد كل من اختار الكلمة طريقًا: لمن نكتب؟ وهل ما زال هناك من ينتظر كتابًا جديدًا، لا ليضع صورته على رفّ أنيق، بل ليجلس معه طويلًا ويختلف ويتأمل؟!
فى المقابل، لا يمكن أن نتصرف كأن الناس ارتكبوا جريمة لأنهم ذهبوا إلى حفل غنائى أو تابعوا برنامجًا خفيفًا. الإنسان يحتاج إلى الترفيه، والموسيقى والضحك والاحتفال ليست أعداء الثقافة. المشكلة لا تكمن فى أن نبحث عن لحظة فرح، بل فى أن يتحول الفرح السريع إلى نظام حياة، وأن تصبح كل معرفةٍ ثقيلةً وتأملٍ مملًا، وكل نقاشٍ جادٍّ عبئًا ينبغى الفرار منه. عندها لا يعود الترفيه نافذةً نطل منها على الحياة، بل يصير جدارًا يحجبها.. وما أكثر هذه الجُدر فى حيواتنا الآن!
نعم تغيّرت اقتصاديات الانتباه. الهاتف لا ينتظر منّا أن نختار، بل يختار عنا. المنصات تعرف كيف تستدرج العين من مقطع إلى آخر، وتكافئ الصدمة والسرعة والمبالغة، وتحوّل العابر إلى حدث، والضجيج إلى شهرة.
وفى مثل هذا العالم، لا يملك الكاتب رفاهية أن يترك كتابه يتكلم وحده. فالكتاب يحتاج إلى تعريف، والفعالية تحتاج إلى تنظيم، والقارئ يحتاج إلى تذكير بأن هناك حياةً أخرى خارج سيل الصور القصيرة. وحين تفشل المؤسسات الثقافية فى هذا العمل، يبدو الكاتب كأنه يطلب من جمهور مجهول أن يعثر عليه بالمصادفة!
هنا تبدأ مسئولية المؤسسات الثقافية فى مجتمعاتنا العربية. ليس مقبولًا أن تُقام فعالية ثقافية فى قاعة لا يعرف بها أحد، ثم يُطلب من الكاتب أن يتحمل وحده نتيجة الغياب.
الترويج ليس تفصيلًا ثانويًا، واختيار الموعد والمكان، والتواصل مع المدارس والجامعات والمكتبات، ودعوة الصحافة المحلية، وتوفير حوار حقيقى لا مجرد طاولة وميكروفون، كل ذلك جزء من صناعة الجمهور، فالثقافة لا تزدهر بالنيات الحسنة وحدها، ولا يكفى أن نعلّق لافتة وننتظر أن تمتلئ المقاعد.
المؤسسة التى تريد للكتاب أن يعيش ينبغى أن تخرج به من المركز الرسمى إلى الحى والمدرسة والمقهى والمكتبة العامة. ينبغى أن تجعل لقاء الكاتب عادةً مجتمعية لا مناسبةً موسمية مرتبطة بمهرجان أو أسبوع ثقافى.
ينبغى أن تتعامل مؤسساتنا مع الكاتب بوصفه شريكًا فى بناء الوعى، لا فقرةً تكميلية فى برنامج احتفالى مزدحم. كم من ميزانية تُنفق على منصات ضخمة وزينة عابرة، فيما تعجز مكتبة صغيرة عن شراء كتب جديدة أو تنظيم نادٍ للقراءة؟! وكم من مهرجان يرفع شعار الثقافة، ثم لا يترك وراءه قارئًا واحدًا جديدًا؟!
لكن المؤسسات ليست وحدها فى قفص الاتهام، فالأسرة والمدرسة شريكتان فى صناعة العلاقة مع الكتاب. حين يُقدَّم الكتاب للطفل باعتباره واجبًا امتحانيًا، وحين تُختزل القراءة فى تلخيص محفوظ، وحين تصبح المكتبة غرفةً مغلقة لا يدخلها إلا من يبحث عن إجابة فى ورقة اختبار، فمن الطبيعى أن يكبر الطفل وهو يربط الكتاب بالضغط لا بالدهشة.
القراءة لا تُزرع بالأوامر، بل بالقدوة والاختيار والوقت. الطفل الذى يرى أباه يقرأ، أو معلمته تتحدث عن رواية بحماس، أو يجد مكانًا يقرأ فيه دون خوف من العلامة، يكتشف أن الكتاب ليس عقوبة مدرسية، بل رفيق محتمل.


فيما حدث مع الكاتب الجزائرى، حامد ياسين، من السهل أن نلقى اللوم على الجمهور الغائب، وأن نمنح أنفسنا شعورًا بالتفوق الأخلاقى. غير أن القارئ العربى ليس المتهم الوحيد هنا.
هناك ارتفاع فى أسعار الكتب، وغياب للمكتبات عن أحياء كثيرة، وضغوط اقتصادية تجعل شراء الكتاب يبدو ترفًا مؤجلًا. هناك مدن لا تصلها الفعاليات، وكُتَّاب لا يجدون ناشرًا قادرًا على التوزيع، ومؤسسات لا تعرف كيف تخاطب جيلًا اعتاد أن يتلقى المعرفة من شاشة صغيرة. لذلك لا تكفى عبارة: «الناس لا تقرأ». الأصح هنا أن نسأل: ماذا فعلنا كى تصبح القراءة ممكنة وقريبة وممتعة ومُيسّرة؟
ثم إن أزمة الثقافة ليست أزمة الجمهور وحده، بل أزمة المشهد الثقافى نفسه أحيانًا. بعض الفعاليات تُقام بلغة مغلقة، وبخطاب يصرّ على مخاطبة النخبة وحدها، كأن القارئ الجديد ينبغى أن يثبت أولًا أنه جدير بالدخول.
بعض الكُتَّاب يكتفون بالشكوى من ابتعاد الناس، دون أن يحاولوا الوصول إليهم فى المنصات التى يقيمون فيها. لا يعنى ذلك أن يتحول الأدب إلى إعلان تجارى، أو أن يطارد الكاتب كل صيحة، لكنه يعنى أن الثقافة مُطالَبة بابتكار طرق جديدة للحضور. يمكن للكاتب أن يستفيد من الفيديو، و«البودكاست»، والنقاشات الرقمية، من دون أن يفقد عمقه أو يتحول إلى مادة استهلاكية.
والمفارقة الأشد إيلامًا أن مجتمعنا قد يمنح شهرة واسعة لمن لا يقدم سوى تكرارٍ فارغ، ثم يتعامل مع صاحب الفكرة باعتباره شخصًا هامشيًا لا يعرف كيف يسوّق نفسه. إننا لا نكافئ دائمًا الموهبة، بل نكافئ القدرة على الظهور، وكثرة العلاقات، ومهارة تحويل الحياة الخاصة إلى عرضٍ مستمر.
قد يبيع شخص آلاف النسخ لأنه حاضر فى الدوائر المناسبة، بينما يظل كاتب آخر مجهولًا رغم أن كتابه أكثر صدقًا وعمقًا. ليست المشكلة فى أن يعرف الكاتب كيف يروّج لعمله، بل فى أن يصبح الترويج بديلًا عن العمل، وأن تُقاس القيمة بعدد المتابعين لا بما يتركه النص فى وعى قارئ واحد.
والثقافة لا تُخذل من الجمهور فقط قد يخذلها أهلها أيضًا. حين يرفض المبدعون دعم بعضهم بعضًا، أو حين يتحول الوسط الأدبى إلى دوائر مغلقة تتبادل التصفيق وتمنع الضوء عن الأسماء الجديدة، يصبح المشهد نسخةً مصغرة من المنصات التى ننتقدها. ليس مطلوبًا من أحد أن يمدح نصًا لا يراه جيدًا، فالنقد الصادق أكثر نفعًا من المجاملة، لكن الإنصاف واجب. أن نقرأ الآخر، ونختلف معه بكرامة، ونشجعه حين يستحق، وأن نترك له مساحة للظهور.
ربما كان الصديق الذى حضر إلى قاعة الكاتب درسًا صغيرًا فى معنى الثقافة، فالثقافة، قبل أن تكون كتبًا ومهرجانات، هى قدرة الإنسان على ألا يترك إنسانًا آخر وحيدًا فى لحظة انكساره. قد يكون قارئ واحد، يصغى بصدق، أهم من جمهور يلتقط الصور ثم يغادر. القيمة ليست دائمًا فى الحشد، لكن الحشد يظل ضروريًا حين نريد أن تتحول الثقافة إلى قوة اجتماعية لا إلى عزاء فردى.
لا ينبغى أن تصبح القاعة الفارغة قدرًا، ولا أن تتحول دموع الكاتب إلى مادة للتعاطف العابر. أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نشاهد الفيديو، نكتب كلمات حارة، نضع علامة إعجاب، ثم نعود إلى السلوك نفسه الذى أنتج المشهد.
التضامن الحقيقى لا يكتفى بمواساة الكاتب، بل هو أن نشترى كتابًا، نحضر فعالية، نرسل دعوة إلى صديق، نفتح نقاشًا مع مطالب المؤسسات بأن تؤدى دورها. ليس كل واحد قادرًا على أن يكون قارئًا نهمًا، لكن كل واحد قادر على أن يمنح الثقافة فرصةً عادلة.


هذا النقاش لا يتعلق بمصير الأدب وحده، بل بنوع الإنسان الذى نريد أن نصنعه. فمجتمع لا يقرأ ولا يصغى ولا يراجع أفكاره يصبح أكثر قابلية للتلاعب، وأسرع انجرافًا وراء الشائعة والصورة الجاهزة.
أما الكتاب، حتى حين لا يقدم إجابات نهائية، فإنه يدربنا على الصبر، وعلى العيش مع التعقيد، وعلى احتمال رأى لا يشبهنا. وفى زمن تُختصر فيه القضايا الكبرى إلى عناوين غاضبة ومقاطع لا تتجاوز ثوانى، تبدو القراءة فعل مقاومة هادئًا، نمنح فيه الفكرة وقتها، ونسمح لأنفسنا بأن نتتغير.
لذلك لا يجب أن نسأل فقط: لماذا بكى حامد ياسين؟ بل لماذا لم نجد فى القاعة ما يكفى من الأصوات التى تمنع كاتبًا من مواجهة صمته وحده؟ ولماذا ننجح فى صناعة «الترند»، ونعجز عن صناعة قارئ؟ ولماذا نحتفى بالثقافة فى الخطب، ثم نتركها بلا ميزانية ولا خطة ولا جمهور؟
قد لا تكون الكراسى الفارغة شهادة وفاة للثقافة، لكنها بالتأكيد جرس إنذار، وما بين الإنذار والموت مساحة واسعة يمكن أن نملأها بالفعل. يمكن أن نحقق ذلك من خلال مكتبة تفتح أبوابها، ومدرسة تجعل القراءة فرحًا، ومؤسسة تحترم جمهورها، لنصبح أمام كاتب يخرج من عزلته، وقارئ يمنح كتابًا ساعة من يومه، ومبدعين يفهمون أن نجاح الآخر لا ينتقص من نجاحهم.. عندها فقط لن تبدو دموع الكاتب مشهدًا يتيمًا على شاشة، بل ذكرى لمرحلة قررنا أن نعبرها.
الكتاب لا يطلب منا أن نهجر الفرح، ولا أن نعيش أسرى للجدية. إنه يطلب شيئًا أبسط وأصعب، هو أن نترك فى يومنا مكانًا لما هو أبطأ من التافه، وأعمق من العابر، وأبقى من «الترند».
وإذا كان المجتمع يملك وقتًا لمتابعة كل شىء، فليس عجزه فى الوقت، بل فى ترتيب ما يستحقه. وبين كاتب ينتظر قارئًا، وقارئ يبحث عن معنى، تقف مؤسسات ومجتمعات كاملة أمام اختيارها الحقيقى، والمتمثل فى سؤال: هل نريد أن نكون جمهورًا يستهلك الضجيج، أم أمةً تعرف أن الوعى لا يولد من التصفيق وحده؟
والبداية لا تحتاج إلى مشروع قومى ضخم، بل إلى عادات صغيرة تتراكم. أن تسأل المكتبة عن الكتاب المحلى بدل أن تمر أمامها بلا اكتراث، وأن تهدى طفلًا قصة لا لعبة أخرى، وأن تشارك إعلان أمسية بدل مشاركة فضيحة، وأن تمنح الكاتب ملاحظةً صادقة بدل الصمت أو الإعجاب الإلكترونى.
هذه الأفعال تبدو محدودة، لكنها تصنع بالتدريج سوقًا للمعنى، وتخبر المؤسسات بأن الناس لا يريدون الحفلات الصاخبة وحدها، فحين يجد الكاتب قارئًا حقيقيًا، يجد سببًا لمواصلة الكتابة، وحين يجد القارئ كتابًا يحترم عقله، يستعيد ثقته بأن الثقافة ليست خطابًا فوقيًا ولا ترفًا للنخبة، بل طريقة للعيش وفهم الذات والآخر.
عندها يمكن أن تتحول القاعة من مكان ينتظر الحضور إلى مكان يعرف الناس موعده، لأنهم أدركوا أن ما يجرى داخله ليس عرضًا عابرًا، بل جزء من حياتهم.







