الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

شريط أصفر لقياس الغياب

حرف

فى أولِ الشارع،

لم يكن «رومانى» الترزى

يقيسُ أجسادَنا الصارمة،

كان شريطُهُ الأصفر،

الملتفُّ حول عنقِهِ

كأفعى أليفة،

يحسبُ المساحةَ

التى سنشغلُها فى الفقد.

يتركُ دائمًا طيّةً خفيّةً

أسفلَ الثوب،

يسميها بلكنتِهِ المطمئنة:

«مساحةً للغد»

كنا نمشى

فى طرقاتِ «دلجا»،

نجر غدنا المؤجل خلفنا،

تتعثرُ به خطواتُنا الصعبة،

ويتلطخُ بطينِ البلاد.

لم نكن نعرفُ حينها

أننا لن نكبرَ

لنملأ تلك الطيّة،

بل إنما تتركُهُ الإبرةُ

فى لحمِ المسافة.

شريطُ القياسِ

الذى طوّق به «رومانى» عنقى،

فى أوّلِ الشارعِ بـ«دلجا»،

لم يكن ليحددَ اتساعَ الياقة.

كان يقيسُ،

بصرامةِ الكتان،

المسافةَ المتبقيةَ

بين حنجرةٍ ريفية،

وصمتٍ شاهقٍ ينتظرنى فى العاصمة.

الخياطون لا يصنعونَ الثياب،

إنهم يوزعونَ الفراغَ

على أجسادِنا،

ويتركون لنا

مهمةَ الامتلاءِ به.

فى القاهرة،

المعرفةُ جرحٌ مضاءٌ بالنيون.

كلّما أوغلتُ

فى فك شفراتِ النصوص،

تسربتْ أبجديةُ الطينِ

من مسامراتِ الحصاد.

المقاهى

التى شربتُ فيها نخب فلاسفةِ التيه،

لم تعلمنى

كيف أمشى على الأسفلتِ

دون أن أعتذرَ للأرضِ الميتةِ تحته.

المدينةُ لا تقتلُ القريةَ فينا،

المدينةُ تحنطها.

تضعُها فى فاترينةِ الذاكرة،

وتطالبُنا بدفعِ تذكرةٍ يوميةٍ

من أعمارنا..

لنتفرجَ على من كنا.

الوعى شرفةٌ عالية،

لكن السقوط منها،

لا يحتاجُ لأكثر من رائحةِ حطبٍ

يحترقُ فى الذاكرة.

أقصى الجنوب،

حيث تتمددُ «شلاتين»

خارجَ أقواسِ البلاغة،

تصبحُ الجغرافيا عقيدةً خشنة.

البندقيةُ التى تدلتْ من كتفى

فى ليالى الخدمةِ العسكريّة،

لم تكن تحرسُ الرملَ من الغرباء،

كانت تسندُ ظلًّا

يوشكُ أن يقعَ من فرطِ العزلة.

الصحراءُ لا تصمت،

إنّها تتحدثُ بلغةٍ

تذيبُ المعاجم.

مَن يحدقْ فى الفراغِ طويلًا،

يدركْ أن الثباتَ كذبةٌ

اخترعَتْها الجبال،

وأنّ الريحَ

هى المهندسُ الوحيدُ للجهات.

كيف لرجلٍ واحد،

أن يتّسعَ لحقلٍ فى المنيا،

ورصيفٍ فى العتبة،

ونقطةِ حدودٍ

لا يمر بها سوى الغبار؟

وكيف تتجاورُ مكتبةٌ

مزدحمةٌ بالتأويلات،

مع فأسٍ نائمةٍ فى العراء؟

مصرُ لا تسكنُ الخرائط.

إنها تتسربُ

إلى طريقةِ نطقِنا لحرفِ القاف،

إلى انحناءةِ الظهرِ

ونحن نلتقطُ شيئًا سقط منا،

إلى الخوفِ المخبأِ

فى ضحكاتِنا العالية.

الوطنُ ليس مساحةً

مفرودةً على الورق،

ولا أيقونةً

نلمعُها بقصائدِ المديح.

إنّه الحصى

الذى يتسللُ إلى أحذيتِنا

ونحن نركضُ خلف أعمارنا،

وصار، مع تعبِ الخطو،

جزءًا من عظامِ القدم.

فى نهايةِ المطاف،

أدركتُ أن إبرةَ «رومانى»

لم تكن تخيطُ قماشًا.

كانت تخيطُنى بهذا البلد،

غرزةً.. غرزة،

بحيثُ لا أستطيعُ أن أخلعَهُ عنى،

دون أن أنتزعَ

قطعةً من لحمى.