السبت 17 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

البحث عن اليقين.. 6 كتب عالمية تناقش أزمة الإنسان الحائر

حرف

- الشعور بالتفاؤل سهل عندما تكون الحياة جيدة لكن التحدى الحقيقى هو الحفاظ عليه فى ظل عدم اليقين والنكسات والضغوط ومن المهم أن تتعلم كيف تعيد ضبط طريقة تفكيرك عندما تبدأ النكسات

- لخوض التجارب والانفتاح على العالم والتخلى عن السيطرة ضرورة لا غنى لها

- أصعب الأوقات قد تكون التى تحدث تغييرات جذرية فى حياتك نحو الأفضل

نعيش فى عالم يكتنفه الغموض؛ فالتنقلات الصباحية، والكوارث الطبيعية، والأوبئة العالمية، والحروب.. كلها أحداث تملأ حياتنا ولا يمكننا أبدًا معرفة نتائجها على وجه اليقين.

ودائمًا للحياة طريقتها الخاصة فى عرقلة أكثر خططنا إحكامًا؛ إذ نجد أنفسنا فجأة فى مواجهة نهاية علاقة، أو تشخيص طبى غير متوقع، أو فقدان وظيفة، أو غير ذلك من تقلبات القدر. وفى مثل هذه اللحظات، قد ينتابنا شعور بأننا نهوى بحرية نحو المجهول.

سواء تعلق الأمر بمساراتنا المهنية أو السياسة أو حياتنا الشخصية، يظل المستقبل مجهولًا؛ ومع ذلك، فإن قدرتنا على تقبل حالة عدم اليقين هذه آخذة فى التراجع.

وتستعرض «حرف» فى السطور المقبلة، أهم الأفكار التى جاءت فى أحدث الإصدارات العالمية التى تتناول حالة عدم اليقين التى تحيط بنا، وكيفية الاستعداد لها والتعامل معها، بل وتقديرها.

تظهر عقود من البحث أن التفاؤل من أقوى مؤشرات السعادة والأداء والنجاح. ولكن عندما يتلاشى، يتأثر صفاء الذهن والمعنويات والصحة سلبًا. الشعور بالتفاؤل سهل عندما تكون الحياة جيدة، لكن التحدى الحقيقى هو الحفاظ عليه فى ظل عدم اليقين والنكسات والضغوط، عندما نكون متعبين ومرهقين ونسعى لتحقيق إنجاز.

فى خضم التغيير السريع، واضطراب بيئة العمل، وتزايد الإرهاق، أصبح التفاؤل المرن أكثر أهمية من أى وقت مضى.

وبالاستناد إلى أحدث ما توصل إليه علم الأعصاب، وأبحاثها الأصلية، وخبرتها مع آلاف القادة حول العالم، تكشف ميشيل جيلان عن السلوكيات المتكررة التى تعزز التفاؤل تحت الضغط.

فى كتابها «التفاؤل المرن: علم الحفاظ على عقلية إيجابية فى الأوقات الصعبة»، تتعلم كيف تعيد ضبط طريقة تفكيرك عندما تبدأ النكسات أو الأفكار السلبية بالسيطرة عليك، وكيف تحول استجابتك للضغط النفسى بحيث يحفز الأداء بدلًا من استنزافه.

توضح أيضًا فى الكتاب كيفية ترتيب أولوياتك وحماية وقتك وطاقتك وتركيزك، وإعادة شحن طاقتك بذكاء بحيث يعيد التعافى طاقتك بالكامل.

الكتاب الذى يقع فى ٢٠٨ صفحات، صدر فى ٢٢ سبتمبر الماضى عن دار نشر «هارفارد بزنس ريفيو» العالمية، وتأتى أهميته فى توضيح مفهوم التفاؤل المرن والذى يعتبر مهارة قابلة للتطوير، متاحة للجميع.

سواء كنت تواجه اضطرابات تنظيمية، أو عدم استقرار اقتصادى، أو انتكاسة شخصية، فإن التفاؤل المرن يمكن أن يساعدك على البقاء متماسكًا، ومتفائلًا، وفعالًا عندما تستمر التحديات.

ميشيل جيلان باحثة فى علم النفس الإيجابى، ومتحدثة رئيسية، ومؤلفة كتب حققت أعلى المبيعات، ومذيعة أخبار سابقة فى شبكة «سى بى إس» الإخبارية الوطنية. ألفت كتاب «بث السعادة: علم إشعال التغيير الإيجابى واستدامته».

كانت منتجة تنفيذية لبرنامج «ميزة السعادة» على قناة «بى بى إس»، وأستاذة مشاركة فى دورة السعادة التى تقدمها أوبرا وينفرى. وقد نشرت أبحاثها وأعمالها فى برنامج «توداى شو»، وصحيفة «واشنطن بوست»، ومجلة «فوربس»، ومجلة «هارفارد بزنس ريفيو»، ومجلة «فاست كومبانى»، وصحيفة «نيويورك تايمز».

تروى الباحثة القصة التى ألهمتها لتأليف كتابها، فتقول: بدأ شغفى بإحداث تغيير إيجابى خلال فترة عملى كمذيعة أخبار وطنية فى شبكة «سى بى إس نيوز». هناك، غطيت قصصًا مؤلمة تلو الأخرى حول مشاكل عالمنا خلال ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية.

بعد أن تركت الشبكة لمتابعة دراسات عليا فى علم النفس الإيجابى بجامعة بنسلفانيا، كان السؤال البحثى الرئيسى الذى ركزت عليه هو كيفية تحسين أداء الدماغ فى مواجهة المشكلات لتسهيل التغيير الإيجابى.

سعيت إلى استكشاف كيفية تحسين طريقة تفكيرنا فى ظل الكم الهائل من السلبية التى تتعرض لها أدمغتنا باستمرار. أردت فهم نوع المعلومات التى نحتاجها لتغذية أدمغتنا وبناء المرونة والتفاؤل الدائم.

تضيف: ما اكتشفته هو أننا نتبع نهجًا خاطئًا فى إحداث التغيير الإيجابى. سلطت دراستان أجريتهما مع أريانا هافينجتون، ونشرتا فى مجلة «هارفارد بزنس ريفيو»، الضوء على هذه المشكلة والمسار الأمثل لحلها.

تعاونت مع أريانا، مؤسسة «هافينجتون بوست» ولاحقًا «ثرايف جلوبال»، فى بحث لتقييم تأثير المعلومات السلبية على المزاج وأداء الدماغ. لم أتوقع أن تكون البيانات بهذه الروعة، لدرجة أن نتائج الدراسة الثانية كانت أحد دوافع تأليف هذا الكتاب.

اتضح أنه بإجراء تغيير بسيط فى طريقة معالجتنا للمعلومات، يمكننا تحسين رفاهيتنا وأدائنا. تحديدًا، إذا ركزنا أدمغتنا على الحلول وما ينجح فى مواجهة التحديات، فإننا نصبح أكثر قدرة على حل المشكلات.

تجسد هاتان الدراستان مكامن الخلل فى منهجنا الحالى لإحداث تغيير إيجابى. يشير المنطق السائد إلى أنه لتحسين حياتنا، يجب أن نبدأ بالتركيز على مواطن الخلل. وهذا يدفعنا إلى التركيز على المشكلات- فى العمل، فى المنزل، فى علاقاتنا- ومحاولة إصلاحها جذريًا.

هذه العقلية تشكل أساس كل شىء، من تقييمات الأداء إلى الاستراتيجيات التعليمية إلى أساليب التربية. ولأنها متأصلة بعمق، يصعب علينا غالبًا إدراك مدى تأثيرها السلبى على نجاحنا.

إن التركيز على المشاكل يحد من إمكانيات الدماغ؛ ذلك لأن الدماغ يعمل بأفضل حالاته عندما يتغذى على التفاؤل. فالدماغ البشرى بارع بطبيعته فى رصد التهديدات- وهو ما يعرف بانحياز السلبية.

عندما نركز فقط على المشاكل، ينشط مركز التهديد فى الدماغ «اللوزة الدماغية»، ما يشتت الموارد عن قشرة الفص الجبهى المسئولة عن حل المشكلات. ولكن عندما نركز على الجوانب الإيجابية والفعالة فى حياتنا، يستجيب الدماغ بمزيد من الإبداع والطاقة والمرونة.

وتظهر الأبحاث نهجًا أكثر استدامة بكثير: فنحن لا نحتاج إلى إعادة ضبط عاطفية، بل نحتاج إلى تحول سلوكى.

بدلًا من مجرد محاولة «الشعور بمزيد من التفاؤل» فى مواجهة المشكلات، يجب علينا تطبيق روتين عمل ناجح يحافظ على التفاؤل حتى فى الأوقات الصعبة أو فترات الركود. وهذا هو ما يحول التحديات إلى وقود يعزز المرونة والأداء والرفاهية.

تتمثل إحدى طرق البدء فى تغيير نوعية المعلومات التى تغذى بها عقلك. وتعد عملية «الانتقاء الواعى» «أو التنسيق الانتقائى» بمثابة مسح متعمد لحياتك بحثًا عن الأشياء الجيدة التى تحدث فيها.

لقد ذكرنى الروتين السلوكى المتمثل فى انتقاء الجوانب الإيجابية بمدى السعادة الكامنة فى التفاصيل الصغيرة؛ فأنت لا تحتاج إلى لفتة عظيمة أو حدث ضخم لإعادة صياغة نظرتك ليومك، إذ غالبًا ما تكفى دقيقتان فقط لملاحظة اللحظات التى تضفى معنى على الحياة، والاستمتاع بها، والاحتفاظ بأثرها فى نفسك.

لا يعنى الانتقاء الواعى للحظات المميزة تجاهل التحديات أو التظاهر بأن كل يوم مثالى؛ بل يتعلق الأمر بفرز التفاصيل وسط صخب الحياة لإعادة توجيه عقلك نحو ما يستحق التمسك به.

فعندما تختار بوعى ملاحظة أفضل لحظات يومك وتوثيقها، فإنك تبنى مجموعة شخصية من اللحظات التى تعزز التفاؤل؛ وهى مجموعة تذكرك- حتى فى أصعب الأيام- بجمال حياتك وقيمتها.

بهذه الطريقة يبنى التفاؤل المرن: ليس بانتظار الشعور بمزيد من الإيجابية، بل بتزويد عقلك بأدلة جديدة على ما لا يزال جيدًا وفعالًا وممكنًا فى حياتك.

من خلال قصص آثرة لأشخاص يواجهون مشكلات كبرى لا تملك إجابات سهلة- بدءًا من خبير اقتصادى يحاول التنبؤ بانهيار السوق القادم، ووصولًا إلى دولة جزرية تواجه التداعيات الوجودية للتغير المناخى- يوضح سيمون ستولزوف كيف يمكننا التأقلم مع الغموض وبناء القدرة على تقبل المجهول.

فى كتابه «كيف لا تعرف: قيمة عدم اليقين فى عالم يطالب بإجابات» الذى يجمع بين السرد القصصى المشوق والأبحاث والرؤى العملية، يشكل دليلًا جوهريًا للتعامل مع حالة عدم اليقين بشجاعة ووضوح.

الكتاب الذى يقع فى ٢٢٤ صفحة، صدر فى ١٢ مايو الماضى عن دار نشر «دبليو. دبليو. نورتون آند كومبانى» الأمريكية المستقلة، وتأتى أهميته فى أنه يعد استكشافًا عميقًا وصادقًا لمفهوم عدم اليقين؛ وكيف يشكل خياراتنا وعلاقاتنا وإحساسنا بذواتنا.

سيمون ستولزوف صحفى ومؤلف من سان فرانسيسكو. نشرت أعماله فى صحيفة «نيويورك تايمز» ومجلة «ذا أتلانتيك»، كما قدم عروضًا على منصة «تيد» «TED». وترجم كتابه الأول «The Good Enough Job» إلى أكثر من اثنتى عشرة لغة.

يعد التعامل مع مستقبل مجهول- سواء تعلق الأمر بالعلاقات أو الصحة أو مصير كوكب الأرض- ركيزة أساسية لعيش حياة مرضية؛ وذلك وفقًا لهذا الطرح التأملى حول مفهوم «عدم اليقين» الذى يقدمه ستولزوف.

يجادل الكاتب بأن السعى المحموم وراء اليقين يمنع الناس من استكشاف خيارات محفوفة بالمخاطر ولكنها واعدة، كما أنه يهدر الوقت «إذ يقضى الناس، فى المتوسط، ٢٧٥ ساعة سنويًا فى حالة من التردد العاجز أمام قرارات تافهة، مثل اختيار ما سيأكلونه»، بل ويضر بالسمعة أيضًا «حيث تشير الدراسات إلى أن الاعتراف بعدم اليقين يضفى على الأشخاص مزيدًا من المصداقية». ومن خلال استعراض وافر لحالات دراسية مثيرة للاهتمام، يسلط المؤلف الضوء على الدوافع الكامنة وراء البحث عن اليقين «مثل الغرور والرغبة فى السيطرة» وكيف يمكن للقراء أن «يزدهروا» بشكل أفضل فى عالم يتسم بعدم اليقين.

وتشمل الأمثلة التى يوردها الكتاب: طالبة تخلت عن اليقينيات التى تفرضها جماعة مسيحية متشددة فى حرم جامعتها لتتبنى نهج التفكير الحر المتشكك؛ ومهندس برمجيات فى شركة «جوجل» صمم تطبيقًا يتخذ قراراته بشكل عشوائى؛ ومواطنى دولة «توفالو» الجزرية المنخفضة، الذين يواجهون خطر الغرق بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر ويصارعون حيرة الاختيار بين البقاء أو الرحيل.

بأسلوب يجمع بين الوضوح والأناقة الأدبية، يبلور ستولزوف ثروة من الأبحاث النفسية فى رؤى مركزة وعميقة مثل قوله: «إن قدرة العقل على التنبؤ، مقترنة بخيال يتيح لنا تصور احتمالات لا حصر لها، قد تدفعنا أحيانًا إلى الانحراف عن المسار السليم». وتتمخض النتيجة عن دعوة حيوية للإقدام وخوض التجارب والانفتاح على العالم.

رحلة استكشافية تلامس واقعنا الراهن وتثير الفكر وتفيض بالمشاعر حول التحول الشخصى، فى زمن يسوده الاضطراب وعدم اليقين.

يبحث كتاب بينوا دينيزيه – لويس «لقد تغيرت: وعود التحول الذاتى وثمنه» فى كيفية إعادة تشكيل ذواتنا، وكيف تتغير الهوية والمعتقدات والشعور بالانتماء فى عالم لا يتوقف هو الآخر عن التغير والتبدل.

نحن نعيش فى عصر مهووس بإعادة ابتكار الذات؛ فمن «إنستجرام» واجتماعات التعافى، إلى طلبات تغيير الأسماء والتحولات الجذرية فى نمط الحياة، ومدونات التخلى عن المعتقدات السابقة، وبيانات التحول السياسى، نجد أنفسنا محاطين بقصص عن تغييرات شخصية جذرية.

ولكن، ماذا يعنى حقًا أن نتخلص من «جلدنا القديم»؟ ولماذا تلهمنا بعض التحولات بينما تثير فينا أخرى شعورًا بالنفور أو الريبة؟

يأخذنا لويس فى رحلة حرة وجريئة لاستكشاف لغز التحول الإنسانى. إنه يعرفنا على مجموعة لا تنسى من الأشخاص الذين يمرون بمراحل تحول فى حياتهم: بدءًا من أشخاص يغيرون إدراكهم للواقع عبر العقاقير المهلوسة، وآخرين يغيرون هويتهم الجنسية أو الجندرية، ومتحولين أيديولوجيًا، وقتلة يبدون وكأنهم تابوا وأصلحوا أنفسهم، وجدة فى الثمانينيات من عمرها تحاول تغيير طبعها «وتقول: «أن تأتى متأخرًا خير من ألا تأتى أبدًا!»».

وتتداخل مع قصص التغيير هذه رحلة المؤلف الخاصة فى مواجهة تجاربه- التى تتأرجح بين الألم والشجن والفكاهة- سواء تلك التى باءت بالفشل أو تلك التى حملت لحظات تنوير وإدراك عميق.

الكتاب الذى يقع فى ٣٣٦ صفحة، صدر فى ٢٨ أبريل الماضى عن دار نشر «ويليام مورو» الأمريكية التابعة لهاربر كولينز، وتأتى أهميته فى أنه يعد عملًا موجهًا لكل من حاول يومًا أن يصبح شخصًا جديدًا، أو سعى لإصلاح ما شعر أنه مكسور فى حياته، أو حاول دفع شخص آخر للتغيير، أو تساءل عما إذا كان التحول الحقيقى مجرد أسطورة نبيعها لأنفسنا.

يبين لنا الكاتب أن التغيير الإيجابى العميق ممكن، ويقدم مجموعة غير متوقعة، بل وربما مخالفة للمنطق، من المناهج التى تساعدنا على بلوغه. لكن هذا ليس دليلًا للمتشددين أو لمن يؤمنون بالحلول السريعة.

فالتغيير، كما يوضح لنا، مراوغ، ومخيف، وجميل، وغالبًا ما يكون محفوفًا بالمخاطر السياسية، وأفضل طريقة للتعامل معه هى التواضع، مع إعادة النظر فى الأمور من منظور مختلف.

بينوا دينيزيت- لويس أستاذ مشارك فى كلية إيمرسون وكاتب مشارك منذ فترة طويلة فى «نيويورك تايمز»، ألّف ثلاثة كتب سابقة، من بينها «أمريكا المجهولة: ثمانية مدمنين يبحثون عن حياة» وكتاب «رحلات مع كيسى: رحلتى عبر بلدنا المهووس بالكلاب»، الذى تصدر قائمة «نيويورك تايمز» للكتب الأكثر مبيعًا. وهو زميل فى مؤسسة «نيو أمريكا» وباحث فى برنامج المنح العامة التابع للصندوق الوطنى للعلوم الإنسانية.

يرجع المؤلف هذا الهوس المتزايد بتحويل الذات جزئيًا إلى المناخ السائد اليوم، المطبوع بـ«القلق الجماعى، والتقلبات الأيديولوجية الحادة، والشعور المقلق بأن كل شىء قد تغير بسرعة مفرطة وفى الوقت نفسه لم يتغير بالقدر الكافى».

ويشير إلى أن ما يكمن تحت كل ذلك هو رغبة إنسانية عالمية فى التغيير، تتسم بكونها «فوضوية ومعقدة» بقدر ما هى قوة لا تقاوم، إذ يكتب قائلًا: «إن التغيير أمر مخيف؛ ليس فقط لأنه يربك الغرائز ويكسر الروتين، بل أيضًا لأننا نعجز عن التنبؤ بمآلاته أو نهاياته».

من الرهانات البسيطة إلى جوائز نوبل، ومن تفشى الأوبئة إلى الفوز باليانصيب؛ كيف تشكل الإحصاءات خياراتنا، وتكشف الحقائق الخفية، وترشدنا نحو اليقين فى أوقات يسودها عدم اليقين.

تزخر حياتنا بأحداث لا يمكننا أبدًا معرفة نتائجها على وجه اليقين. وفى كتابه «ما هى الاحتمالات: دليل إحصائى للوصول إلى اليقين فى عالم يكتنفه الغموض»، يكشف مارك بريل كيف يمنحنا التفكير الإحصائى القدرة على التعامل مع حالة عدم اليقين هذه بوضوح وثقة.

وسواء كنا نوازن بين فوائد أدوية مختلفة أو نقرر ما إذا كان التأمين على المنزل يستحق تكلفته الباهظة، يوضح بريل أن طرح السؤال حول مدى موثوقية البيانات لا يقل أهمية عن السؤال عما تقوله تلك البيانات.

ومن خلال شرح المفاهيم والأساليب الجوهرية للتفكير الإحصائى، يعلمنا المؤلف كيفية استخلاص معلومات ذات مغزى من البيانات الخام، والأهم من ذلك، كيفية تمييز البيانات التى تم انتقاؤها بعناية مضللة «انتقاء انتقائى»، أو تلك الملفقة، أو الخاطئة ببساطة.

الكتاب الذى يقع فى ٤٩٦ صفحة، صدر فى ١٤ أبريل الماضى عن دار نشر «جامعة هارفارد»، وتأتى أهميته فى أنه يجعلنا نطور مجموعة من المهارات لاختبار افتراضاتنا وتحديثها، وإجراء تنبؤات أكثر دقة، وقبل كل شىء، تقييم مدى اليقين فى استنتاجاتنا.

ألف مارك بريل- أو شارك فى تأليف- مقالات أكاديمية وفصولًا فى كتب ودراسات حكومية تتناول مجالات الاقتصاد والمنهجية الإحصائية وجودة البيانات. وقبل تقاعده، شغل منصب خبير اقتصادى أول فى وزارة الزراعة الأمريكية، كما شارك فى رئاسة اللجنة الفيدرالية للمنهجية الإحصائية- التى تقدم المشورة للوكالات الإحصائية الأمريكية- ودرس الاقتصاد والإحصاء فى جامعة جونز هوبكنز. حصل على درجة الدكتوراه فى الاقتصاد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT» ودرجة البكالوريوس من كلية ويليام ومارى.

يشير المؤلف إلى أن مفهوم الاحتمالية قد يكون مربكًا لأنه يحمل أكثر من معنى؛ فهناك عدة أنواع للاحتمالية، يركز فى الفصول الأولى على «الاحتمالية التجريبية»، وهى عبارة عن نسبة أو نسبة مئوية أو كسر أو حصة تستند قيمتها العددية إلى بيانات مستمدة من الواقع العملى.

تساعدنا الاحتمالات التجريبية على استيعاب أمور قد تبدو عصية على فهمنا؛ أما فى الفصول الأخيرة فيتناول الاحتمالات النظرية التى تدرس ضمن فرع خاص من الرياضيات يعرف بـ «الاحتمالات» أو «نظرية الاحتمالات».

يوضح أن فهم نظرية الاحتمالات واتخاذ القرارات الإحصائية يساعد الشركات على اتخاذ قرارات أفضل؛ إذ يطرح تساؤلات مثل: هل ينبغى للشركة حماية نفسها من مخاطر النتائج السلبية؟ وكيف يعتمد ذلك على حجم المخاطرة وتكلفة الحماية؟

يضيف أنه لكى تكون الاحتمالات مفيدة لأقصى درجة، يتعين علينا فهم كيفية تفاعلها مع بعضها البعض؛ وتحديدًا، كيفية دمج احتمالين لتكوين احتمال ثالث عن طريق الجمع أو الطرح أو الضرب أو القسمة.

وتستخدم كل عملية حسابية فى ظروف محددة، كما تحكم قواعد أو قوانين الاحتمالات الطريقة الصحيحة لاستخدامها.

رحلة عبر الأوقات العصيبة التى تباغتك فجأة وتربك حياتك لفترات غير محددة؛ إذ تؤثر مشاعر عدم اليقين والخوف على تفاعلك مع العالم وعلى فهمك لمكانتك فيه. وغالبًا ما تتعامل مع مشاعر الوحشة والعزلة من خلال إقناع الآخرين بأنك بخير.

تدحض ماريسا رينيه لى فى كتابها «فى انتظار الفجر: العيش فى ظل عدم اليقين» فكرة وجوب إجبار النفس على التفاؤل، وتساعدك بدلًا من ذلك على تعلم كيفية التعاطف مع ذاتك فى الأوقات الصعبة.

من خلال أسلوب أدبى غنى وكاشف للحقائق، تساعدك الكاتبة على اجتياز لحظات الحياة المتقلبة والمثقلة بالأعباء. وبالاستناد إلى الأبحاث وتجاربها الشخصية، تؤكد أن الحفاظ على الذات أمر ضرورى عندما تبلغ الحياة أسوأ حالاتها.

وسواء كنت تعانى من الألم أو التوتر المزمن أو الوحشة، أو كنت مثقلًا بالشك فى الذات، ينقلك الكتاب من حالة عدم الاستقرار إلى رحاب الأمل.

تشاركنا «لى» تفاصيل رحلتها التى استمرت عامين فى مواجهة الفقد والمرض- بما فى ذلك وفاة حماتها، ومعاناتها مع المرض المستمر، والتحديات العاطفية التى واجهتها- وهى تجربة علمتها أن التعافى يكمن فى إيجاد طريقك الفريد الخاص بك وسط الظلام.

الكتاب الذى يقع فى ١٩٢ صفحة، صدر فى ٧ أبريل الماضى عن دار نشر «ليجاسى ليت» التابعة لمجموعة «هاشيت» للكتب، وتأتى أهميته فى أنه يعد بمثابة بوصلة تساعدك على إعادة اكتشاف قيمتك وتحديد سبل العيش الكريم. فهذه الفترات المظلمة ضرورية للحدوث النمو والتحول، لكن الظلام لا يدوم إلى الأبد.

ماريسا رينيه لى هى مؤلفة كتاب «الحزن هو الحب»، وهو عمل حائز على جوائز وحقق مبيعات واسعة. وقد سلط الضوء على جهودها فى مجالى التعامل مع الحزن والتعافى من خلال ظهورها فى برامج ومنابر إعلامية بارزة، مثل «Morning Joe» على شبكة MSNBC، و«Good Morning America»، و«CBS Mornings»، بالإضافة إلى مجلتى «Vogue» و«The Atlantic» وإذاعة «NPR» وغيرها.

وانطلاقًا من دورها كداعية للتغيير الاجتماعى الساعى نحو التعافى، أسست لى وقادت العديد من المنظمات والمبادرات التى تركز على قضايا الإنصاف والتعافى. شغلت لى سابقًا منصب نائب مدير فى البيت الأبيض خلال إدارة أوباما، وتشغل حاليًا منصب الرئيس التنفيذى لشركة «Beacon Advisors»، وهى شركة استشارية متخصصة فى مجال الأثر الاجتماعى. وهى خريجة كلية هارفارد. ترى المؤلفة أن حالة عدم اليقين هى ضرب من ضروب الحزن، وقد صاغت مصطلح «الحزن الرمادى» للمساعدة فى توضيح ماهية عدم اليقين وطبيعة الشعور المصاحب له؛ فهو شعور ضبابى وغامض، يشبه حال السماء قبيل هبوب العاصفة، أو الضباب الكثيف الثقيل الذى يباغتك وأنت تقود سيارتك ليلًا.

وتعرف الكاتبة حالة عدم اليقين بأنها شعور بالتوتر أو الغمر العاطفى الناجم عن مواجهة المجهول. عندما تتسلل حالة عدم اليقين إلى حياتك- سواء كان ذلك بسبب الطلاق، أو مرض عضال، أو العقم، أو فقدان الوظيفة، أو غيرها- يصبح كل شىء ثقيلًا وضبابيًا ورماديًا.

وغالبًا ما نميل، عند حلول هذه الحالة، إلى التظاهر بأننا بخير وأن الحياة تسير بشكل طبيعى تمامًا. ففى حالة عدم اليقين يفرض علينا تغييرًا فى الهوية، لأنها تنطوى- فى الغالب- على فقدان شىء ما.

قد يتمثل هذا الفقدان فى خسارة وقتك وجدولك المرن عندما تبدأ فى رعاية قريب مسن، أو فى تغير وضعك الاجتماعى حين يرحل شريكك بعد عشرين عامًا من الزواج، أو ربما فى فقدان القدرة على الإنجاب بشكل طبيعى.

تشير لى إلى أنه عندما تحدث مثل هذه التحولات فى الهوية، غالبًا ما نرغب فى مقاومتها، لكن ما ينبغى علينا فعله بدلًا من ذلك هو التركيز على جوانب كياننا الثابتة التى لا تتغير أبدًا. تدعو إلى تنحية مشاعر الخجل ولوم الذات جانبًا، والمبادرة بطلب المساعدة. فالبشر تطوروا ليعيشوا فى مجتمعات ولسبب وجيه؛ فنحن مهيأون للاعتماد على بعضنا البعض فى الأوقات العادية، ومن ثم فإننا بالتأكيد بحاجة إلى هذا الدعم المتبادل عندما تشتد قسوة الحياة.

وتؤكد على أهمية التمسك بالأمل والذى غالبًا ما ننظر إليه باعتباره شيئًا خفيفًا وعابرًا ومحببًا يشبه التفاؤل، لكن حقيقته تختلف عن ذلك تمامًا؛ فالأمل ممارسة تتطلب انضباطًا وإرادة.

إنه ليس مجرد شعور خفيف أو مبهج، ولا هو مرادف للتفاؤل، بل هو الطاقة التى تدفعنا للمضى قدمًا حين تبدو الحياة مستحيلة؛ إنه الوقود الذى يبقيك متحركًا نحو مستقبل أفضل.

أمضت مايا شانكار عقودًا فى دراسة العقل البشرى. وعندما وجدت نفسها فى حالة من الذهول والاضطراب إثر تغيير غير مرغوب فيه طرأ على حياتها، سعت للتواصل مع أشخاص خاضوا تجارب اضطرابات حياتية كبرى.

وفى كتابها «الجانب الآخر من التغيير: من نصبح عندما تضع الحياة خططًا أخرى»، تسرد شانكار قصصهم الفريدة والمثيرة، وتدمج بينها وبين رؤى علمية لتسليط الضوء على دروس إنسانية عامة تكمن فى طيات تلك التجارب.

والنتيجة هى صورة غنية لردود أفعالنا المعقدة تجاه التغيير، ومصدر زاخر بالحكمة التى يمكننا استلهامها خلال هذه المحطات الحياتية.

تدعونا شانكار لإعادة النظر فى علاقتنا بالتغيير برمتها؛ فعندما يطرأ تغيير كبير على حياتنا، قد يفضى ذلك إلى تحول عميق فى ذواتنا. إن الضغوط والمتطلبات الفريدة التى تفرضها علينا مواجهة واقع جديد قد تقودنا لاكتشاف قدرات ووجهات نظر وقيم جديدة، مما يحدث فينا تحولًا استثنائيًا.

ماذا لو نظرنا إلى لحظات الاضطراب والتحول باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل هويتنا وتصور ما يمكن أن نكون عليه، بدلًا من اعتبارها مجرد محنة علينا تحملها؟ وما هى الإمكانات الكامنة التى يمكننا تحريرها بداخلنا؟

الكتاب الذى يقع فى ٢٥٦ صفحة، صدر فى ١٣ يناير الماضى عن دار نشر «ريفرهيد بوكس» الأمريكية التابعة لدار بنجوين رندوم هاوس، وتأتى أهميته فى أنه يعد رفيقًا حكيمًا ومحفزًا للتفكير، يساعدك على اكتشاف الشخصية التى يمكنك أن تصبح عليها فى الجانب الآخر من التغيير.

سواء كنت تحاول استيعاب تغيير حدث فى الماضى، أو تتعامل مع تغيير يطرأ فى الحاضر، أو تستعد لتغيير مرتقب فى المستقبل.

مايا شانكار عالمة فى العلوم الإدراكية ومبتكرة البودكاست «تغيير طفيف فى الخطط»، الذى اختارته شركة «أبل» سابقًا كـ«أفضل برنامج فى العام». شغلت منصب مستشارة أولى للسياسات فى البيت الأبيض خلال إدارة أوباما، حيث أسست وترأست فريق العلوم الاجتماعية والسلوكية، كما عينت كأول مستشارة للعلوم السلوكية لدى الأمم المتحدة.

حصلت على درجة البكالوريوس من جامعة ييل ودرجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد، وأكملت زمالة ما بعد الدكتوراه فى علم الأعصاب الإدراكى فى جامعة ستانفورد.

سلط الضوء على مسيرتها فى مجلة «ذا نيويوركر»، وحلت ضيفة فى برامج مثل NPR وCBS Mornings وToday، كما ظهرت بصفتها خبيرة فى علم الأعصاب فى برنامج «Limitless with Chris Hemsworth» على قناة «ناشيونال جيوجرافيك».

تتمحور كل فصول الكتاب حول تغيير جذرى فى حياة إحدى الشخصيات التى حاورتها شانكار- والتى تربطها بالعديد منها علاقات ممتدة لسنوات- وتشمل هذه التغييرات حالات صحية، وفقدان الوظيفة، وفقدان الأحبة، والسجن.

ورغم الطابع الشخصى العميق لكل تجربة، إلا أنها تمثل فى الوقت ذاته نموذجًا لمبدأ نفسى عام؛ فعلى سبيل المثال، تفتح قصة «أوليفيا»- وهى رياضية جامعية أصيبت بسكتة دماغية حادة فى جذع الدماغ- الباب لنقاش حول مفهوم الهوية.

وتوضح شانكار أن تعريفنا لأنفسنا من خلال الأدوار التى نؤديها كالرياضى أو الموسيقى قد يكون مفيدًا، لكن «ربط الهوية بقوة مفرطة بأمر محدد ينطوى على مخاطر؛ فعندما يهدد تغيير ما ذلك الأمر تحديدًا، قد يؤدى ذلك إلى زعزعة استقرارك ودفعك نحو حالة من الإنكار».

وانطلاقًا من ذلك، ترشد شانكار القارئ إلى كيفية التعامل مع أزمات الهوية الناجمة عن التقلبات غير المتوقعة، مقدمة نصائح وتقنيات تتسم بالعمق، والأهم من ذلك، بقابليتها للتطبيق العملى.