السبت 12 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

فن النعى.. ما يعلمنا الموتى عن الحياة

حرف

- كتاب يتساءل: مَنْ يستحق النعى؟.. وكيف يختار كاتب النعى ما يدرجه وما يغفله؟

- النعى فى الصحف.. خبر سيئ يدل على الإنجازات ويحمل نوعًا من النهاية الجذابة

- هجوم 11 سبتمبر جعل كتابة النعى أكثر شمولية وأضفى الطابع الديمقراطى

- كتابة النعى تتطلب بحثًا معمقًا.. وتفتح نافذة على عوالم مجهولة

بعد ما يقرب من عقد من الزمن، خلف مكتب النعى فى صحيفة «نيويورك تايمز» العريقة، يدرك «سام روبرتس» أن النعى ليس فى جوهره عن الموت. فى الواقع، لا يذكر الموت عادة، إلا مرة واحدة. على مدار ما يقرب من 1500 نعى، كتبها طوال مسيرته المهنية، أدرك بدلًا من ذلك أنها تعنى بتلخيص حياة كاملة عاشها شخص، ربما عرف اسمه فى ذلك الصباح. فى كتابه «هل ماتوا بعد؟: فن النعى»، يستكشف الأسئلة الرئيسية التى تنشأ من مهمة كتابة سرد موجز، لكنه يخلّد ذكرى حياة ما. مَن يستحق نعيًا؟ وكيف نقرر من يحصل عليه؟ وكيف يختار كاتب النعى ما يدرجه وما يغفله؟ 

+98*/

الكتاب، الذى يقع فى ٢٨٨ صفحة، صدر فى ١١ أغسطس الماضى، عن دار نشر «بلومزبرى» الإنجليزية المستقلة، ويأتى فى المرتبة التاسعة للكتب الأكثر مبيعًا فى مجال الموت.

يسلّط الكتاب الضوء على كواليس كتابة النعى المسبق، والذى يوجد منه أكثر من ألفى نعى معلّق، ويتم تحديثه بانتظام فى صحيفة «نيويورك تايمز»، وعلاقة أمريكا بالموت فى أعقاب أحداث ١١ سبتمبر والجائحة، واللغة الملطفة المعتادة، وغير ذلك. 

ومن خلال كل ذلك، يوظف «روبرتس» فكاهته وذكاءه وخبرته ليثبت ما تعلمه من مسيرة مهنية طويلة فى مجال الموت: لا وجود لحياة عادية.

سام روبرتس، صحفى مخضرم فى نيويورك بخبرة خمسين عامًا، متخصص فى كتابة النعى، وكان سابقًا مراسلًا للشئون الحضرية فى صحيفة «نيويورك تايمز». يقدم برنامج «كلوز أب» على قناة «نيويورك تايمز»، والذى أطلقه عام ١٩٩٢، بالإضافة إلى بودكاست «أونلى إن نيويورك»، الذى جمع مقالاته فى كتاب يحمل الاسم نفسه، وبودكاست «ذا كوكاس». 

له مؤلفات عديدة منها «تاريخ نيويورك فى ٢٧ مبنى»، و«تاريخ نيويورك فى ١٠١ قطعة أثرية»، و«جراند سنترال: كيف غيرت محطة قطار أمريكا». كتب «روبرتس» فى مجلة «نيويورك تايمز»، ومجلة «نيو ريبابليك»، ومجلة «نيويورك»، ومجلة «فانيتى فير»، ومجلة «فورين أفيرز». وهو مستشار تاريخى فى قاعة فيدرال، ويقيم فى نيويورك مع زوجته وابنيه.

سام روبرتس
سام روبرتس

«لم أكن متحمسًا لكتابة النعى عندما طُلب منى عام ٢٠١٤ المساعدة فى تقليص الكم الهائل من النعى المكتوب مسبقًا وغير المخصص، فى قسم النعى بصحيفة (نيويورك تايمز)».. هذا ما يعترف به «روبرتس»، وهو صحفى فى صحيفة «التايمز» منذ عام ١٩٨٣، فى بداية هذا السرد المؤثر.

منذ عام ٢٠١٥، حين عُين «روبرتس» فى قسم النعى بصحيفة «نيويورك تايمز»، قام، كما يقول، «بدفن» نحو ١٦٠٠ شخص. ورغم اعترافه بنفوره من الموت، إلا أنه وجد فى كتابة النعى متعة كبيرة: «فهى تتطلب بحثًا معمقًا، وتمنح الكتاب حرية أكبر، وتفتح نافذة على عوالم لم تكتشف من قبل، بل وحتى عوالم مجهولة»، وساعده ذلك على «التوصل إلى طريقته الخاصة فى التعامل مع الموت».

يتميز النعى بالإيجاز «بين ٨٠٠ و١٢٠٠ كلمة، وإن كان أطول بكثير بالنسبة للمشاهير» ويكتب ضمن مهلة قصيرة، ويهدف إلى «تلخيص مسيرة حياة كاملة، وبيان ما إذا كان العالم قد أصبح أفضل أم أسوأ، بفضل وجود ذلك الشخص بين سكانه لفترة وجيزة». 

إلى جانب توفير «نصب تذكارى عالمى، متاح، وخالد»، يعكس النعى، القيم الثقافية والاجتماعية، ما أدى إلى أن معظمه كان عن رجال بيض. 

يحتل النعى مكانة خاصة فى عالم الصحافة،فالقرارات المتخذة لاختيار الشخصيات التى ستغطى قصصها وكتابتها محفوفة بالمخاطر، فى كل خطوة. يرغب أفراد العائلة فى استذكار الجوانب الإيجابية من حياة الفقيد، لكن النعى ليس تأبينًا. 

يتوقع الجمهور قراءة قصص عن حياة وإنجازات بارزة، لكن الكثير ممن خلّدوا فى صحيفة «التايمز»، وغيرها من الصحف، كانوا مشهورين إلى جانب شهرتهم. 

يؤكد المؤلف أن كتابة النعى ليست عملًا بشعًا.. فى الواقع، لا علاقة لها بالموت إطلاقًا.

يقول: «إنها تتناول حياة الناس؛ يُذكر الموت فى جملة واحدة، فى فقرة واحدة. فى جوهرها، هذه سير ذاتية مختصرة تفسّر ما جعل الشخص ذا شأن، وتحفظ ذكرى من قد ينسون لولاها، وتساعد القراء على التأمل فى حياتهم، والدروس التى يمكننا استخلاصها منها».

وكما يقول الكاتب: «لقد أقنعتنى كتابة النعى بأن لكل شخص قصة يرويها؛ فكل حياة، مهما بدت عادية، تحمل فى طياتها شيئًا يمكن استخلاصه». مع ذلك، لا يحظى كل شخص بنعى فى صحيفة «نيويورك تايمز»، حتى أولئك الذين قد يعتبرهم القراء، مهمين.

من بين العديد من الشخصيات التى لم تخلّد ذكراها فى «صحيفة التايمز» المصورة ديان أربوس، والشاعرة سيلفيا بلاث، وآلان تورينج، عالم الرياضيات وعلوم الحاسوب ومحلل الشفرات الذى أدين بموجب قوانين بريطانيا المعادية للمثليين. 

كما غابت عن الصحيفة مغنية البلوز جلاديس بنتلى، والملحن سكوت جوبلين، والصحفية إيدا بى. ويلز. 

ويسهم قسم «المنسيون» فى الصحيفة، الذى يضم أكثر من ٢٥٠ مقالًا منشورًا إلكترونيًا ومطبوعًا، فى تدارك هذا النقص. بعض الشخصيات مشهورة لدرجة أنها تستحق كتابة نعى مسبق عنها، ولدى «التايمز» مخزون يزيد على ٢٠٠٠ نعى. 

يعلّق المؤلف قائلًا إن إجراء مقابلة لكتابة نعى شخصى يعد «نوعًا من رمز المكانة». إلى جانب الإشارة إلى أكثر من ٢٠٠ نعى من منشورات مختلفة، فإنه ينظر فى كيفية تصوير كتاب النعى فى الأعمال الروائية والأفلام، والادعاءات المشكوك فيها حول الكلمات الأخيرة الشهيرة، والأسباب الغريبة التى تجعل بعض الناس يحصلون على نعى.

يلفت «روبرتس» إلى أن النعى يشكل إرثًا للفرد، أما مجتمعيًا فيجسد القيمة الاجتماعية والثقافية لعصر ما. من هم الأشخاص الذين يستحقون التذكر؟ ما هى القيم التى تستحق الاحتفاء؟ كيف نقيس النجاح والفشل، والخير والشر، والإنجاز والهزيمة، والمكانة الاجتماعية والمهنية؟ 

كم من بين مئة ألف شخص خلّدوا فى موسوعة «مَن كان مَن؟»، التاريخية التى تطبع دوريًا، اعتبروا جديرين بالنعى عند وفاتهم؟ كم من بين أكثر من ٣٣ ألف شخصية معاصرة بارزة مدرجة فى أحدث طبعات «مَن هو مَن؟» سيحصلون على نعى عند وفاتهم؟ 

كتبت البروفيسورة كلير برانت، أستاذة الأدب والثقافة فى كلية كينجز كوليدج لندن: «يخلّد النعى ذكرى حياة عند نقطة اكتمالها بالموت. إلا أن هذا الاكتمال هو أيضًا استنفاد، بمعنى أن الحياة تبنى على أساس المعنى تحديدًا، عند نقطة توقفها».

وأضافت: «إنها بمثابة النسخة الأولى من السيرة الذاتية، وأحيانًا النسخة الوحيدة، على الرغم من أن ويكيبيديا قد سدت هذه الفجوة، حيث تبدو كل قصة حياة وكأنها تنتظر حكمًا بالإعدام». 

ولكن على الرغم من قيمة ويكيبيديا، تشير مكتبة «نيويورك العامة» إلى أن «النعى يوفر أداة مهمة للباحثين من خلال تقديم معلومات سيرية عن الأفراد، قد لا تكون متاحة بسهولة فى أى مكان آخر. وفى كثير من الحالات، يقدم النعى البيانات السيرية الوحيدة الموجودة عن الشخص». 

قال فيليب ساتون، أمين مكتبة الأنساب فى المكتبة، لموقع Legacy.com، الذى يصف نفسه بأنه أكبر مزود تجارى فى العالم للنصب التذكارية ودفاتر الزوار على الإنترنت، إن النعى قد يكشف عن اسم الزواج لابنة تم تحديدها قبل سنوات، فى التعداد السكانى باسم عائلتها قبل الزواج فقط؛ وأنه من خلال تحديد مكان ميلاد المهاجر بالتحديد، يمكن للنعى أيضًا أن ينشط البحث فى جذور العائلة.

يوضح الكاتب أن فى المدن الصغيرة والمتوسطة الحجم، على وجه الخصوص، يشكل نعى الصحف المحلية رابطًا وثيقًا بين الأجيال. فمن خلال استذكار المدارس التى درس فيها المتوفى، ومَن تزوج، ومَن بقى على قيد الحياة بعد وفاته، يقدم هذا النعى إطارًا يرسم صورة مؤثرة للاستمرارية، وسردًا متماسكًا. 

كما يبين ما إذا كان الراحل قد تفوق على والديه، فى الإنجازات الشخصية والمهنية، وكيف، وإرثه للقراء المعاصرين، ووعد أسلافه- الأحفاد أو أبناء الأحفاد- الذين ما زالوا صفحة بيضاء، تحمل فى طياتها إمكانية إثراء هذه القصة.

يشرح «روبرتس»، بالتفصيل، المعايير التى تحدد مَن يُختار لكتابة نعى فى «التايمز»، وكيفية كتابة النعى، خاصة «العنوان الموجز أو الفقرة الأولى، التى تحدد النبرة»، ولماذا، فى «محاولة التقاط روح الشخص»، يمكن أن يساعد العثور على تفاصيل صغيرة، مثل غرض مفضل، كاتب النعى على إعادة تصوير حياة الشخص. 

تكشف نماذج من فن كتابة النعى عن براعة الكاتب فى استخدام اللغة والذكاء والملاحظة: «توفى يوم الأحد يوجين بولى، المخترع الذى شجع اختراعه الأشهر على الكسل المريح، وتسبب فى عقود من الخلافات المنزلية، وغيّر إلى الأبد طريقة مشاهدة المستهلكين للتليفزيون.. كان السيد بولى، مخترع جهاز التحكم عن بُعد اللا سلكى للتليفزيون، يبلغ من العمر ٩٦ عامًا».

«توفى ريجينالد فوستر... الذى أمضى أربعة عقود كخبير لاتينى رسمى فى الفاتيكان، وحلم باللاتينية، ولعن باللاتينية، وتعامل مصرفيًا باللاتينية، وغرّد فى النهاية باللاتينية، يوم عيد الميلاد.. كان عمره ٨١ عامًا».

كان «روبرتس» يعرف جيدًا أنه لا ينبغى له أن يقول إن أحد الأشخاص الذين كتب عنهم قد أنهى حياته بنفسه، لكنه فعل ذلك، قبل عامين تقريبًا، عندما أعد نعيًا لبات، شقيقة رئيس البلدية إد كوخ، التى استعانت بخدماته، بعد أن أعلنت نيتها إنهاء حياتها فى دار رعاية المسنين. وقد أسعد ذلك قراءه: «لفت المقال انتباههم إلى خيارات قانونية وطبية حديثة لم يكونوا على دراية بها».

يروى المؤلف واقعة تعرض مجلة «الإيكونوميست» لانتقادات بسبب نعيها المبالغ فى إضفاء الطابع الإنسانى على أسامة بن لادن، مشيرة إلى أنه كان يستمتع باصطحاب أطفاله إلى الشاطئ و«تناول اللبن مع العسل». 

ويعتقد محررو المجلة أن النعى يجب أن «يطابق، لا أن يتجاوز، الصراحة التى كان يتحلى بها الشخص فى حياته»، وهو ما منحهم فى حالة بن لادن هامشًا كبيرًا من الحرية.

يرى «روبرتس» أنه ينبغى ذكر سبب الوفاة بوضوحٍ وإيجاز. ويكتب أن بشاعة الحرب الأهلية الأمريكية قد أزالت من صفحات النعى الأمريكية «دافعًا لاستحضار الخلاص الإلهى»، لكنها بالغت فى ذلك، فأطالت الحديث عن المحتضرين. 

فعندما توفيت كارولين، زوجة الرئيس بنجامين هاريسون، عام ١٨٩٢، كتبت صحيفة «أتلانتا كونستيتيوشن» عن جثتها: «يظهر فى نحافتها آثار المرض الطويل الذى استمر ثمانية أشهر، والذى حوّل جسدها الممتلئ إلى هيئة نحيلة وهزيلة».

يلفت إلى أن هجوم القاعدة الانتحارى على مركز التجارة العالمى عام ٢٠٠١، كان سببًا فى سلسلة «صور الحزن» فى صحيفة «نيويورك تايمز»، وهو ما جعل كتابة النعى أكثر شمولية، من أى حدث آخر، منذ الحرب الأهلية الأمريكية. 

لم تكن هذه المقاطع القصيرة، التى لا تتجاوز ٢٠٠ كلمة والمرفقة بصور مصغرة، مجرد نعى أو أخبار تقليدية. فقد أجرى صحفيون متطوعون مقابلات مع عائلات وأصدقاء الضحايا والمفقودين لرسم نحو ٢٥٠٠ صورة شخصية. 

ونشرت هذه الصور، التى أشرف عليها جون لاندمان وكريستين كاى، فى قسم الأخبار المحلية، على مدى خمسة أشهر تقريبًا. وكتبت البروفيسورة كلير برانت: «الإرهاب، وليس الإنترنت، هو ما أضفى الطابع الديمقراطى على كتابة النعى».

وكتب روى هاريس، من معهد بوينتر، عن المشروع: «ركزت الصور على جانب واحد من جوانب الحياة؛ امرأة تمارس البستنة، أو رجل يصطحب ابنته إلى دروس التزلج على الجليد، أو ربما رجل يستمتع بتدخين السيجار». قال كاتب النعى نايجل ستارك: «كانت صفحات كل يوم تجدد الإحساس بنطاق المأساة، بينما جعلت الصور الشخصية كل فرد يبدو حقيقيًا للغاية». وقد وجدنا فى بحثنا عن التفاصيل غير اللافتة للنظر قاسمًا مشتركًا ضخمًا، يتحدى استنتاج الروائى دبليو بى كينسيلا بأن «حياة تسعين بالمائة من السكان مملة، لدرجة أنه لا أحد يهتم بها على الإطلاق، وحياة العشرة بالمائة المتبقية غريبة، لدرجة أنه لا أحد يصدقها».

يضيف الكاتب أن النعى يذكّرنا بأنه عند الموت يكون لغيرنا الكلمة الأخيرة فى إرثنا، أو على الأقل أولى الكلمات الأخيرة. ومع كل عبارات الحب والاحترام والتقدير التى تزين النعى المدفوع، لا تنسوا أن العائلات قد تحاول نشر أوصاف مسيئة من جانب واحد، لتصفية حسابات شخصية، عندما لا يكون أحد قادرًا على الرد. 

يروى أن فلورنس هاريلسون، من تشيلسى، ولاية مين، لم يحالفها الحظ عندما توفيت عام ٢٠٢٤، حيث نشرت ابنتها، كريستينا نوفاك، نعيًا مدفوعًا فى صحيفة «كينبيك جورنال». 

دون إضاعة للكلمات، جاء فى النعى الموجز الذى لا يتجاوز أربعة أسطر أن فلورنس، البالغة من العمر ٦٥ عامًا، توفيت «دون وجود عائلتها بجانبها بسبب ما خلّفته من دمار واضطرابات». 

وأضاف النعى: «لم ترغب فلورنس فى نشر نعى أو أن يعلم أحد، حتى عائلتها، بوفاتها. ذلك لأنها حتى بعد موتها أرادت أن يبقى أولئك الذين أرعبتهم يعيشون فى خوف دائم». لذا، فهذا ليس نعيًا بالمعنى الحرفى، بل هو أشبه برسالة توعية عامة.

فى عام ٢٠٢٣، بادرت جايل هارفى هيكمان بنشر نعى والدتها، ليندا ليرنال ستول، فى صحيفة بلدتها فى ميتشيجان، «ثرى ريفرز كوميرشال نيوز»، رغم انقطاع التواصل بينهما لمدة ٢٤ عامًا. 

وكتبت هيكمان: «كانت ليرنال أمًا عنيفة، حاقدة، وقاسية. لقد أساءت معاملة جايل جسديًا، ونفسيًا، وعاطفيًا، ولفظيًا، وماليًا». وبعد سرد تفاصيل مؤلمة، اختتم النعى بالقول: «تسامح جايل وعائلتها ليرنال، ويأملون أن تكون قد وجدت السلام. كما يأملون أن يجدوا السلام فى أنفسهم. لن تفتقد جايل أو عائلتها ليرنال. إنهم جميعًا يدركون أن العالم مكان أفضل بكثير بدونها».

يرى المؤلف أن الصراحة فى النعى ليست سيئة دائمًا. فإذا كانت الكتابة وسيلة للتنفيس، فإنها قد تقدم أيضًا درسًا عمليًا. فى عام ٢٠١٥، نشر نعى مدفوع الأجر من ٩٠٠ كلمة فى صحيفة «بانجور ديلى نيوز» بولاية «مين» بدأت بالقول: «كانت كولين شيران سينجر (اسمها الأصلى كولين شيران كلارك) ستبلغ من العمر ٣٣ عامًا فى ٣١ أغسطس، لكنها توفيت فى لويستون فى منزل زوجين عاملين فى الضواحى، نتيجة جرعة زائدة من الهيروين صباح يوم ٢٥ ديسمبر ٢٠١٤». 

كتب النعى زوج سينجر السابق، الذى فصّل مزاياها الكبيرة- موهبتها الفكرية، وإبداعها، وحيويتها- دون إخفاء معاناتها الثقيلة كامرأة مدمنة، تعانى من اضطراب سلوكى حدى. 

عزا برنت سينجر الحياة التى عاشتها زوجته السابقة إلى منزل طفولتها المفكك، لكنه ألقى باللوم فى وفاتها على حاكم ولاية «مين»، لرفضه السماح لها بالوصول إلى عيادة الميثادون، التى كانت تعتمد عليها للبقاء على المسار الصحيح.

فى عام ٢٠٠٨، ذكرت صحيفة «كاسبر ستار تريبيون»، فى وايومنج، أن جيم آدامز توفى عن عمر يناهز ٥٣ عامًا. وبعد أن سئم من نعى المرضى المبتذل الذين كافحوا بشجاعة ضد أمراض مختلفة حتى النهاية، لجأ آدامز إلى ابنه ليقدم حكمًا صريحًا قبل وفاته على حياته القصيرة. 

ولم يتردد فى تحمل المسئولية الشخصية متأخرًا والاعتراف بأنه خسر معركته لأسباب أقل إلهامًا على الإطلاق: «كان ذلك فى المقام الأول نتيجة عنادى وعدم اتباعى أوامر الطبيب، أو ربما لمجرد أننى عشت الحياة بصعوبة بالغة لأكثر من خمسة عقود». لكنه أعرب عن أسفه لأنه «حرم للأسف من أمنيته الأخيرة، وهى أن تصدمه شاحنة بيرة فى طريقه إلى متجر الخمور لشراء مشروبات لموعد غرامى».

فى عام ٢٠١٩، احتفت عائلة جو هيلر بحياته بطريقة مرحة فى صحيفة «هارتفورد كورانت». وصفوه بأنه «متسوق دائم فى مكب نفايات إسيكس» و«ترك لعائلته منزلًا مليئًا بالخردة، و٣٠٠ رطل من بذور الطيور، ونباتات منزلية ذابلة». 

كان هيلر بارعًا فى أخذ قيلولة لدرجة أنه «لم تكن هناك مناسبة رسمية للغاية أو حدث كئيب للغاية إلا وقاطعه جو بانقطاع أنفاسه وشخيره العالى». وأضاف النعى: «تطلب العائلة تبرعات لتغطية نفقات نشر نعى طويل للغاية كان سيثير غضب جو بشدة». ثم ناشدت العائلة بسخاء التبرع لجمعية سيبى التذكارية للمنح الدراسية.

يقول «روبرتس»: «قد يبدو كتابة نعى مسبق- أى لشخص لا يزال على قيد الحياة- أمرًا غريبًا بعض الشىء. لكن كما أوضح أحد زملائى فى صحيفة (التايمز)، فهو فى الواقع يشبه شراء قطعة أرض فى المقبرة: (إذا انتظرت حتى فوات الأوان، فقد فات الأوان)».

يوافق معظم الناس على إجراء مقابلة لكتابة نعيهم المسبق. وبينما تعد المقابلة تأكيدًا ضمنيًا على فنائهم، فهى أيضًا نوع من أنواع التباهى. مع ذلك، تتطلب هذه العملية براعة فائقة من الكاتب. 

كما قال أحد مراسلى صحيفة «التايمز»: «لا توجد طريقة مثل إميلى بوست للاتصال بشخص ما والقول، باختصار: (مرحبًا، أنا غريب. أنت لا تعرفنى، لكننى أود أن أسألك عن بعض التفاصيل المهمة فى حياتك. وعندما تموت، لأننى أعلم أنك ستموت عاجلًا أم آجلًا، سأنشرها على مرأى ومسمع من الملايين)». 

«يوافق معظم الناس على إجراء مقابلات معهم لكتابة نعيهم المسبق».

قد يصاب الصحفيون الذين يكتبون النعى المسبق لكسب عيشهم بتأنيب الضمير، أو على الأقل بالتردد. وكما أشار جاى تاليس عن أحد الصحفيين: «بعد كتابة نعى مسبق رائع، يصل به الفخر بكتابته إلى درجة أنه يكاد لا يطيق انتظار وفاة ذلك الشخص، ليرى تحفته الفنية مطبوعة».

يقول: لقد كتبت نعيًا مسبقًا لمحرر أخبار اشتهر بتدخله فى أدق التفاصيل والتزامه الصارم بالقواعد. عندما أجريت معه مقابلة، تذكر أنه طلب من كاتب نعى آخر أن يستثنيه من القاعدة، وأن يسمح له بقراءة نعوته قبل وفاته. قال الكاتب للمحرر: «انظر، أنت تعلم أننى لا أستطيع أن أريك إياه. كنت تصر على ذلك دائمًا. لكن سأقول لك شيئًا واحدًا: عندما يظهر، ستعجب به كثيرًا». 

يشير المؤلف إلى أن إعلانات الوفاة المدفوعة ليست رخيصة. لا تقبل صحيفة «نيويورك تايمز» إعلانات الوفاة المدفوعة، لكن إعلانات الوفاة المدفوعة فيها، حسب الطبعة واليوم، تكلف حوالى ١٠٠٠ دولار لتسعة أسطر فقط، و٥٠ دولارًا لكل سطر إضافى، ما قد يرفع التكلفة إلى آلاف الدولارات مع الإطراءات المطولة والرثاء الحماسى. 

ولا تزال إعلانات التأبين فى الصحف التى تتمنى للمتوفى «عيد ميلاد سعيدًا فى الجنة»، شاهدًا على القيمة الدائمة للإعلانات المطبوعة. وبينما قصّرت الإذاعة والتليفزيون عمومًا فى تخليد ذكرى الموتى، توجد مدونات ومجلات ومواقع إلكترونية تجارية مخصصة للموت، وقد ساهمت صفحات الويب الشخصية ومقاطع الفيديو على الإنترنت فى إضفاء طابع ديمقراطى على الموت. 

 

يلفت الكاتب إلى موقع «MyGoodbye.com» الذى أسسه ستيفن ميلر، الذى نشأ بجوار مقبرة، وبعد هروبه من مكتبه فى الطابق الثمانين من مبنى مركز التجارة العالمى ٢ صباح يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١، قرر أن يصبح كاتب نعى متفرغًا. 

ويتعاون موقع «Legacy.com» مع مئات الصحف وآلاف دور الجنازات حول العالم، ويغطى حوالى ٧٠٪ من الوفيات فى الولايات المتحدة وحدها. وقد مكّن نموذج أولى يدعى EPOCH- اختصارًا لـ«الحفظ الإلكترونى للنعى كتراث ثقافى»- والذى أنشأه نظام مكتبات مقاطعة أورانج بولاية فلوريدا، الناس من نشر نعى على الإنترنت مجانًا. يتيح موقع «MyObits.com» أيضًا لأى شخص نشر صفحة تذكارية مجانية. بل ويتيح «فيسبوك» للمستخدمين تعيين منفذ وصية لإدارة ملفهم الشخصى، بعد وفاتهم.

يروى المؤلف أن قبل ستة أشهر من وفاة أوليفر ساكس بمرض السرطان عن عمر يناهز ٨٢ عامًا فى عام ٢٠١٥، كتب طبيب الأعصاب المولود فى لندن، والذى كان يقيم فى مانهاتن، مقالًا فى صحيفة «نيويورك تايمز»، أشبه برثاء ذاتى. 

كتب ساكس: «أشعر فجأة بتركيز ووضوح فى الرؤية. ليس لدى وقت لأى شىء غير ضرورى. يجب أن أركز على نفسى وعملى وأصدقائى. لن أشاهد برنامج (نيوز آور) كل ليلة بعد الآن. ولن أولى أى اهتمام للسياسة أو الجدال حول الاحتباس الحرارى».

وأوضح أن تغيير أولوياته لم يكن متأثرًا بالعاطفة بقدر ما كان متأثرًا بالمنظور: «هذا ليس لا مبالاة بل انفصال. ما زلت أهتم بشدة بالشرق الأوسط، وبالتغير المناخى، وبتزايد عدم المساواة، لكن هذه الأمور لم تعد من شأنى؛ إنها تخص المستقبل».

يشير «روبرتس» إلى المسح الإحصائى الذى أجراه لوكس نارايان، محلل وسائل التواصل الاجتماعى، لنحو ٢٠٠٠ نعى نشرت فى «صحيفة نيويورك تايمز»، خلال عامى ٢٠١٥ و٢٠١٦. وكما هو متوقع، هيمنت مجالات الأوساط الأكاديمية والعلمية والسياسية والسينمائية والمسرحية والموسيقية والراقصة والفنية على قائمة المستحقين. 

فى المتوسط، حقق هؤلاء الإنجاز الذى جعلهم جديرين بنعى فى التايمز فى سن ٣٧ عامًا، الرياضيون غالبًا فى العشرينات من عمرهم، والسياسيون فى الأربعينات.

عاش الشخص النموذجى الذى نشر عنه النعى حتى بلغ ٨١ عامًا، ما يعنى مرور ٤٤ عامًا بين الإنجاز، وفى حالة العديد من الشخصيات الغامضة والغريبة، بينه وبين الشهرة العامة. 

قال نارايان: «هذا يتطلب صبرًا كبيرًا». فى إحدى محاضراته على منصة TED، شرح هوسه بقراءة الصحف اليومية أثناء تناوله البيض المخفوق، قائلًا: «إذا فكرت فى الأمر ستجد أن الصفحة الأولى من الصحيفة عادة ما تحمل أخبارًا سيئة وتدل على إخفاقات الإنسان. أما فى نهاية الصحيفة، فى قسم النعى، فتظهر الأخبار السيئة التى تدل على الإنجازات».

لفت انتباه نارايان قاسم مشترك آخر، فقد كشف برنامج معالجة اللغة عن أن الكلمة التى برزت فى كل مكان هى «المساعدة»، كاسم أو فعل. ويبدو أن القيمة الأكثر شيوعًا، التى رفعت من شأن المشاهير وغير المشاهير إلى مرتبة من اعتبرهم محررو «التايمز» جديرين بالنعى، هى مقدار ما قدموه من مساعدة. قال نارايان: «لقد تركوا بصمة إيجابية فى نسيج الحياة».

كما ذكر نولان وتيموثى ج. بيرتونى، فى مجلة «سوسايشن توداى»، أن «الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو التزامن بين الزيادة فى نعى المشاهير والانخفاض فى نعى الشخصيات الدينية». 

وأضافا: «يوثّق هذا التزامن تزايد العلمانية والنزعة الاستهلاكية فى الثقافة الأمريكية فى وقت كان فيه الدخل الشخصى فى ازدياد، وانصرف اهتمام الرأى العام عن قضايا البقاء الأساسية. إن حجم هذه الاتجاهات هائل. فبينما كان الإغريق يلجأون إلى آلهتهم طلبًا للهداية والتسلية، فقد اتجهنا نحن بشكل متزايد إلى مشاهيرنا، من فنانين ورياضيين».

يقول جيم نيكلسون، الصحفى من فيلادلفيا الذى كان يوثّق بانتظام وفيات عامة الناس، أو كما كان يسميهم «الغائبين»: «أعظم مقال استقصائى كتبته عندما كنت أظن نفسى ذا شأن عظيم، لم يدُم أكثر من بضعة أسابيع من حيث الاحتفاظ به. لكن هذا النعى، يغلف. يحفظ تحت الزجاج. يعلّق على الجدران أو فى نسخ الكتاب المقدس العائلية. فى الواقع، يوضع حتى فى الجيب الداخلى لمعطف المتوفى. ونعم، سيبقى موجود لفترة طويلة بعد رحيلنا». 

كان نعى نيكلسون خالدً.. يقول: «كلماتى تعطى القراء آلاف اللحظات ليتذكروا حياة صغيرة عاشوها على أكمل وجه. ربما حتى إننى منحتهم أسرار كيفية عيش حياة جيدة».

كتبت كيسى سيب، فى مجلة «نيويوركر»، أن ما يعجب القراء فى النعى هو «فرصة الاحتفاء بنعمة البقاء على قيد الحياة، ومتابعة مسار الموت- مَن يلقى حتفه، وفى أى عمر، وما يجمعنا بالمتوفى- بالإضافة إلى تتبع مسار سردى موجز للغاية. فمعظم الأخبار مستمرة وغير مستقرة، لكن النعى، بحكم تعريفه، يحمل نوعًا من النهاية الجذابة». فى الأسبوعين التاليين لوفاة والدة فيكتوريا تشانج بمرض التليف الرئوى عام ٢٠١٥، كتبت الشاعرة المقيمة فى لوس أنجلوس سبعين قصيدة بحماس شديد. كان هدفها إعادة صياغة النعى فى الصحف لتحديد ما فقد «التهذيب، واللغة، والمستقبل»، (كما كتبت)، وتأثير الموت الثقافى على الأحياء. وصفت كتابة النعى بأنه بمثابة جرس إنذار.. كتبت تشانج: «هذا الشخص مات.. أنت حى».