الأربعاء 19 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

كش ملك.. كيف تواجه الحياة على طريقة لاعب شطرنج؟

حرف

- صاحبة الكتاب جينيفر شاهادى بطلة فى الشطرنج والبوكر ومؤلفة لعبة الشطرنج تغيّر فهمنا لمفهوم النجاح وكيفية تحقيقه

- الكتاب يقدم دروسًا حياتية فى اتخاذ قرارات أكثر ذكاء وبناء التركيز والثقة

- التفكير بعيد المدى قد لا يُجدى نفعًا بقدر دراسة خيارات أكثر بدقة

- أذكى خطوة فى الحياة كما فى الشطرنج هى أحيانًا خطوة جانبية

- بدلًا من التفكير فى المستقبل البعيد.. علينا البحث عن المفاجآت الصغيرة التى لا يراها أحد سوانا

الشطرنج هو فن الممكن. ففى النهاية، عدد حركات الشطرنج الممكنة يفوق عدد الذرات فى الكون.

يعتبر لاعبو الشطرنج خبراء فى دراسة خياراتهم، ما يتيح لهم اغتنام فرصة أو فكرة أو خطوة لم يلحظها أحد. تطلق جينيفر شاهادى، بطلة الولايات المتحدة للشطرنج مرتين، على هذا «التفكير الإبداعى». وفى عالمنا شديد التنافسية اليوم، يمكن للتفكير الإبداعى أن يساعدك على النجاح فى الحياة.

فى كتابها «التفكير الجانبى: كيف تفكر كلاعب شطرنج وتفوز فى الحياة»، تبين شاهادى أنه ليس من الضرورى أن تكون لاعب شطرنج محترفًا لتفكر مثله. من بناء «قصور العقل» إلى تصميم «أشجار القرارات»، تكشف عن أكثر الاستراتيجيات فائدة من هذه اللعبة العريقة التى يمكننا استخدامها فى حياتنا اليومية. 

الكتاب الذى يقع فى 272 صفحة، صدر فى 7 أبريل الماضى، عن دار نشر «بيجاسوس بوكس» المستقلة، وتأتى أهميته فى أنه بالاستناد إلى أمثلة من عالم الأعمال والرياضة وعلم النفس، والتجارب الشخصية، يغيّر شهادة فهمنا لمفهوم النجاح وكيفية تحقيقه.

لا يتناول الكتاب تحسين مهارات الشطرنج، أو حتى ممارسة الشطرنج من الأساس، بل يسلط الضوء على كيف يمكن للتفكير الإبداعى أن يقودنا إلى النجاح والسعادة.

 

 

جينيفر شاهادى بطلة فى الشطرنج والبوكر، ومؤلفة، ومتحدثة. وهى أول امرأة تفوز ببطولة الولايات المتحدة المفتوحة للناشئين، كما أنها تحمل لقبين فى بطولة الولايات المتحدة للسيدات. لديها شغف كبير بتطوير مهارات الحياة والإبداع من خلال اللعبتين اللتين تعشقهما: الشطرنج والبوكر. 

فازت بجائزة البوكر العالمية مرتين، وحصلت على الميدالية الفضية الأوليمبية، وظهرت فى برنامج «جيباردى!»، ونشرت كتاباتها فى صحف «واشنطن بوست»، و«وول ستريت جورنال»، و«نيويورك تايمز». 

تُستضاف بانتظام فى وسائل الإعلام الرئيسية، بما فى ذلك CNN وNBC، للتعليق على مواضيع مثل ازدهار الشطرنج، الذى أثاره مسلسل «مناورة الملكة». تقيم جينيفر فى فيلادلفيا.

تقول شاهادى إنها ألّفت الكتاب جزئيًا لنفسها، لأنه ساعدها فى تطوير أفكار ومسارات كانت بحاجة إليها فى تفكيرها وحياتها؛ وإنها تأمل أن يفيد القراء ويساعدهم فى رؤية الأمور بمنظور إيجابى، رغم صعوبة الحياة وصعوبة تطوير الذات. 

أما السبب الآخر، فهو شعورها بأن ثقافتنا، للأسف، تتجه نحو فقدان النزعة الإنسانية بسبب صعود الذكاء الاصطناعى. وهو أمر تجده مقلقًا للغاية. لذا فكتابها كتاب إنسانى بامتياز، حيث إنه عندما نفكر فى تطورنا الشخصى، فإننا نسعى لنكون أفضل البشر الذين يمكننا أن نكون فى عالم سريع التغير.

السبب الثالث هو أنها كانت تمعن النظر فى مسيرة أشخاص مثل ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذى لشركة ديب مايند تكنولوجيز، الذى وظّف الشطرنج لتحقيق إنجازات عظيمة خارج نطاق اللعبة، خاصة فى مجال الذكاء الاصطناعى. فالشطرنج فى جوهره أسلوب تفكير، ويمكنك استخدامه ليس فقط لتصبح بطلًا فى الشطرنج، بل لتحقيق إنجازات مهمة أخرى خارج اللعبة.

جينيفر شاهادى
جينيفر شاهادى

تناولت المؤلفة كتابها فى سبعة فصول وخاتمة، هى: أشجار القرار، وإدارة الوقت، والذاكرة، والتعرف على الأنماط، والطموح «كفضيلة ورذيلة»، ومعرفة نقاط القوة، والمجازفة، واختتمت بنظرة نقدية أخيرة للتفكير الإبداعى: تحسين اللعبة «الحياة، الشطرنج، البوكر، المجتمع» بدلًا من مجرد السعى للتحسين.

توضح فى كتابها، الذى يمزج بين فلسفة الشطرنج وعلم النفس والبوكر واتخاذ القرارات، ماهية التفكير الجانبى، مفندة المفهوم الخاطئ الشائع عن تفكير لاعبى الشطرنج بأنهم يفكرون فى المستقبل البعيد، ولكن فى الحقيقة يفكرون فى خيارات متعددة.

تجادل عكس ما يتوقعه الكثيرون: «فى عالمنا الحالى، حيث يسود الكثير من عدم اليقين.. أنت على صواب إذا لم تفكر فى الكثير من الخطوات مُسبقًا»، تشكل هذه الفلسفة جوهر كتابها، الذى يتناول التعقيد، من خلال توسيع خياراتك بدلًا من الالتزام بتوقع واحد.

ترى الكاتبة أن كثيرًا منا يُعجب بهذه المهارة ويحاول تقليدها فى حياته. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فالتفكير البعيد المدى قد لا يُجدى نفعًا بقدر دراسة خيارات أكثر بدقة. تخيل شخصين يتخذان قرارات، أحدهما ينظر إلى حركته المفضلة لعشر خطوات للأمام، كشجرة بلا فروع عالية فى السماء. أما الآخر فينظر إلى أربع حركات مختلفة، متخيلًا كل حركة منها لثلاث خطوات للأمام، لشجرة أقصر وأكثر كثافة وفروعًا. 

مَن منهما ينظر إلى خيارات أكثر؟ اللاعب الثانى، باثنى عشر احتمالًا بدلًا من عشرة. نظر اللاعب الثانى إلى عدد أقل من الخطوات للأمام، لكنه درس خيارات أكثر. وهذه الخيارات أكثر ترجيحًا للتنفيذ، لأنها لا تتطلب افتراضات كثيرة حول كيفية تطور الأحداث. إن اتساع نطاق التحليل أهم من عمقه.

كما تقول الأستاذة الكبرى آنا موزيتشوك: «ليس طول الخطوط التى نستطيع تحليلها هو المهم، بل دقتها. أحيانًا لا نحسب سوى نقلتين أو ثلاث نقلات للأمام». 

حتى ماجنوس كارلسن، المصنف الأعلى فى تاريخ الشطرنج، صرح بأنه لا يعتبر نفسه خبيرًا فى الحساب. بل قال: «أنا بارع فى حساب النقلات القصيرة» و«رؤية التفاصيل الدقيقة» التى يغفل عنها الآخرون.

لقد عبر بطل العالم الثالث فى الشطرنج، خوسيه راءول كابابلانكا، المعروف بموهبته الفذة فى الشطرنج وأسلوبه الراقى، عن هذا الأمر بأفضل طريقة. فى حوار أسطورى، سأله صحفى: «كم عدد النقلات التى تفكر فيها مُسبقًا؟» فأجاب العبقرى الكوبى ببساطة: «نقلة واحدة. لكنها النقلة الصحيحة». 

إذا كان كابابلانكا يفكر فى نقلة واحدة فقط، فكيف كان متأكدًا من أنها النقلة الصحيحة؟ لأنه كان يفحص جميع الاحتمالات. نقلة واحدة للأمام، لكن كل نقلة كانت واسعة النطاق. قد تكون هذه المقولة ملفقة ومبالغ فيها، لكن ذلك لم يمنعها من الانتشار على نطاق واسع عبر العقود. وهى الآن أكثر أهمية من أى وقت مضى.

تشير شاهادى إلى أن فى عام ٢٠٢٤، نشر مركز أبحاث الذكاء الاصطناعى التابع لشركة جوجل، ديب مايند، مقالًا استنادًا إلى بحثه بعنوان «شطرنج بمستوى أستاذ كبير دون بحث»، وهو نموذج ذكاء اصطناعى جديد للشطرنج يلعب تمامًا وفقًا لنمط «أفكر فى خطوة للأمام» الشهير. 

لم يكن الهدف هو ابتكار ذكاء اصطناعى قادر على هزيمة أفضل لاعبى الشطرنج البشريين- فقد تم ذلك بالفعل فى عام ١٩٩٧. ولم يكن الهدف أيضًا ابتكار أقوى ذكاء اصطناعى للشطرنج- فقد سبق لديب مايند أن حقق ذلك فى عام ٢٠١٧. 

بل كان الهدف هو إزالة عنصر أساسى ظاهريًا لمعرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعى سيظل قادرًا على العمل. ما مدى جودة أداء الذكاء الاصطناعى دون أى بحث على الإطلاق؟ «البحث» هنا يعنى «النظر إلى الأمام». 

لن يخطط هذا البرنامج للمستقبل بتاتًا. سيفحص جميع خياراته ويختار الحركة التى تحقق أفضل النتائج فى أنماط مماثلة. تأمل فى هذا. تخيل كتابة قصيدة دون حرف «E» أو صنع كعكة براونيز دون شيكولاته.

ما افتقر إليه البرنامج من حيث العمق، عوّضه بالشمولية. فباستخدام قاعدة بيانات تضم ملايين المباريات والمواقف، بإجمالى ١٥ مليار نقطة بيانات، امتلك البرنامج شبكة واسعة من الأنماط «أشجار القرار» التى تساعده على تخمين النقلة الصحيحة فى أى موقف. 

ومع ذلك، فإن فكرة التفكير المسبق فى سلسلة النقلات التالية متداخلة بشدة مع المفهوم الشائع لما يجعل لاعب الشطرنج جيدًا، لدرجة يصعب معها تخيل برنامج حاسوبى كهذا يلعب بشكل جيد. فقد يفوته بسهولة تحقيق «كش ملك» قبل نقلتين. إذن، ما مدى جودة هذا اللاعب؟ سيئ؟ عبقرى؟ أم فى مكان ما بينهما؟

وصل الحاسب إلى مستوى أستاذ بارع، متجاوزًا التوقعات، والأهم من ذلك، أنه حطم الخرافة القائلة بأن لاعبى الشطرنج المتميزين يجب أن يخططوا للعديد من النقلات مسبقًا.

تضيف: لا يستطيع البشر تخزين مليارات البيانات، لذا فإن قدرتنا على اللعب ببراعة دون التفكير فى أى خطوة مستقبلية لن تكون بنفس فاعلية الذكاء الاصطناعى. لكن الأمر قد لا يكون سيئًا كما تظن. تخيل أنك تتخذ قرارات فى الحياة بعد استعراض كل الخيارات المتاحة، ثم تختار بناء على حدسك. 

ربما سترتكب الكثير من الأخطاء، لكنك ستتخذ أيضًا الكثير من القرارات الصائبة. بصفتى شخصًا وقع فى الحب من النظرة الأولى، فأنا سعيد لأننى لم أفكر كثيرًا فى الخطوات المستقبلية عندما قررت التحدث إلى ذلك الرجل ذى الابتسامة المشرقة التى أسرتنى من بعيد.

تتحدث المؤلفة، أيضًا، عن مفهوم «التحركات المرشحة»، وهو مفهوم شائع فى الشطرنج بين لاعبى الأندية.

تقول: «عندما ترى وضعية شطرنج.. يتوقف الكثيرون عند الحدس ويلعبون تلك النقلة فحسب. لكننا نريد أن نكون أفضل من ذلك.. أن نتوصل إلى ثلاث نقلات مرشحة على الأقل.. نقيم كل واحدة منها ونختار الأفضل».

وتضيف أن التحدى يكمن فى أن الناس يميلون إلى مواجهة صعوبات فى جوانب مختلفة من هذه العملية. «بعض الناس بارعون جدًا فى تقييم جميع خياراتهم، لكنهم مترددون للغاية.. إذا كنت بارعًا فى رؤية كل الاحتمالات، فقد تتجمد بسهولة. لذلك من المنطقى أن يكون من الصعب الجمع بين خيارين، وهذا هو سبب صعوبة الشطرنج. الحياة أصعب من ذلك».

تشير الكاتبة إلى الحركات الجانبية الماكرة التى يعتمد عليها لاعبو الشطرنج المحترفون، والتى تعرف باسم «الحركات الانتقالية» أو «الحركات بين النقلات». وقد نفذها عبقرى الشطرنج الأمريكى وبطل العالم غير الرسمى، بول مورفى، مرارًا وتكرارًا فى مقاهى نيو أورليانز، حيث كان يحقق انتصارات متتالية فى القرن التاسع عشر. 

بدت حركة مورفى واضحة، فلماذا لا يستعيد القطعة التى أُخذت للتو؟ ولكن فجأة، وبحركة هجومية مختلفة، قاطع مورفى التسلسل، محدثًا اضطرابًا كبيرًا فى موقف خصمه. الحركات الانتقالية مذهلة حقًا. فعندما لعبت جوديت بولجار إحداها ضد أستاذ كبير آخر، قفز الأخير من مقعده. 

تذكرنا الحركات الانتقالية بأنه بدلًا من التفكير فى المستقبل البعيد، علينا البحث عن المفاجآت الصغيرة التى لا يراها أحد سوانا.

تقول شاهادى: تتجلى عبثية التخطيط المسبق فى إحدى عباراتى المفضلة، من الكوميدى الراحل ميتش هيدبيرج: «أين ترى نفسك بعد خمس سنوات؟».

«أحتفل بمرور خمس سنوات على سؤالك لى هذا».

فى الواقع، تنهار الخطط الخمسية عند مواجهة ما هو غير متوقع، كجائحة عالمية مثلًا. أعتبر الخطط الخمسية بمثابة خمسة نماذج مستقبلية لنفسى. أراعى المخاطر والمهارات المشتركة، مع الحرص على توقع المفاجآت. 

يقول بيل بورنيت وديف إيفانز، مؤلفا كتاب «تصميم حياتك»: «لا تصمد أى خطة أمام أول احتكاك بالواقع». 

يؤيد أستاذا جامعة ستانفورد ما يسميانه «خطة الأوديسة»، حيث تتخيل خططًا بديلة لحياتك، انطلاقًا من فكرة أنه حتى لو لم تسر الخطة على نحو متوقع، فإن التخطيط نفسه سيساعدك على اكتشاف قيمك ورغباتك ومخاوفك. 

يوصيان بوضع ثلاث خطط مختلفة تتراوح مدتها بين خمس وعشر سنوات: خطة أساسية، وخطة بديلة، وخطة ستنفذها لو لم يكن المال وآراء الآخرين عائقًا. هدفهما هو جعلك أكثر انفتاحًا على الاحتمالات، بدلًا من أن تقيد برؤية جامدة.

تلفت المؤلفة إلى أن لعبة الشطرنج تتطلب نفس العقلية: التخطيط، ولكن كن مستعدًا للتخلى عن الخطة فى أى لحظة. نسختنا من المثل القائل: «الإنسان يخطط، والله يضحك»، هى: «التنويع الطويل، التنويع الخاطئ». 

عندما يفكر أستاذ الشطرنج فى عشر أو حتى خمس نقلات للأمام، غالبًا ما يفوته رد فى النقلة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة. قد يتطلب رسم مستقبل لسنوات عديدة تغييرًا جذريًا إذا تغيرت رغباتك أو ظروفك. كن مرنًا حتى تكون على دراية بالفرص المتاحة من حولك.

تشير الكاتبة إلى أنها فازت بأول بطولة أمريكية لها، وحصلت على معيار الأستاذية الدولية، بفضل رؤيتها حركة خاطفة فى الشطرنج. كانت مجرد نقلة صغيرة للرخ، لكنها كانت مدمرة، إذ هددت نمطًا تكتيكيًا يُعرف باسم «طاحونة الهواء». 

طاحونة الهواء هى سلسلة من الحركات الخاطفة التى تقصى عدة قطع للخصم، واحدة تلو الأخرى. بعد فوزى بالمباراة واللقب، سألنى بعض أصدقائى كيف استطعت التنبؤ بهذه المسافة البعيدة فى مباراة شديدة التوتر كهذه. لكن السر الحقيقى لم يكن فى مدى بُعد ما رأيته، بل فى مدى بُعد ما رأيته فى الملعب.

تروى شاهادى: فى مرحلة من حياتى، بعيدًا عن الشطرنج، كان علىّ أن أتخذ خطوة حاسمة عندما كنت أبحث عن شراء منزلى الأول. كانت لدىّ دوافع قوية لشراء منزل لأسباب تقليدية كثيرة؛ فلأول مرة فى حياتى، استطعت دفع الدفعة الأولى، وبدا لى شراء منزل بمثابة تحقيق أول بند فى قائمة الحلم الأمريكى. 

إضافة إلى ذلك، كانت عملية البحث عن منازل مع صديقى، زوجى الآن، ممتعة للغاية. حتى المنازل المتواضعة التى كنا نشاهدها كانت مؤثثة بشكل جميل للغاية؛ بدت جميعها فخمة خالية من الفوضى اليومية التى تثقل كاهل منازلنا الحقيقية. 

وكان الجزء الممتع هو تخيل جميع المسارات المختلفة التى يمكن أن تسلكها حياتنا، اعتمادًا على المنزل الذى سنشتريه: المقاهى والحانات التى سنرتادها، والجيران الذين سنتعرف عليهم، وزوايا القراءة وأجهزة المطبخ التى ستكون لدينا مساحة لها. مَن سنكون لو عشنا فى هذا المنزل أو ذاك؟.

بعد معاينة حوالى عشرة خيارات، استقررنا على ثلاثة منها: شقة مجددة أنيقة فى حى مركزى، ومنزل صغير أقرب إلى قلب المدينة النابض، ومنزل متلاصق فى جنوب فيلادلفيا، وهى منطقة تشتهر بأفضل المطاعم وأماكن الترفيه فى المدينة.

خلال عملية البحث، أقنعت نفسى بضرورة اختيار أحد هذه الخيارات. كان الأمر أشبه بإنتاج حلقة خاصة بى من برنامج «صائدو المنازل»، حيث يعرض على المشترين ثلاثة منازل فقط قبل الشراء. 

اشترينا المنزل فى جنوب فيلادلفيا. لكن فى تلك الفترة من حياتى، كنت أسافر باستمرار. لم أكن قد قررت بعد ما إذا كنت أرغب فى إنجاب أطفال، لذا من يدرى إن كان هذا هو «منزلى الدائم؟». 

هناك مبدأ مشابه لمن يترددون بين شراء منزل أو استئجاره. إذا كنت تخطط للعيش فى مدينة لمدة خمس سنوات على الأقل، فمن المنطقى الشراء. أما إذا كانت المدة أقل من ذلك، فستتكبد خسائر فادحة بسبب تكاليف المعاملات والانتقال.

لو فكرت طويلًا فى المسارات المختلفة التى كان من الممكن أن أسلكها فى حياتى فى هذه المرحلة، لربما أجّلت عملية الشراء الكبيرة ونظرت فى خيارات بديلة. كان بإمكانى إيجاد حل وسط. 

ربما كان بإمكانى السفر حول العالم وتخزين أغراضى فى وحدة سكنية. أو استئجار شقة فى مدينة تتطلب منى القيام بمعظم أعمالى، مثل سانت لويس، عاصمة الشطرنج، أو لاس فيجاس، عاصمة البوكر. 

تقول المؤلفة: يمنحك الحل الوسط الجيد وقتا، ما يسمح لك بالعودة لاحقًا إلى مفترق الطرق الذى حيّرك بمعلومات أكثر. لا يقتصر دور الحلول الوسط على تأجيل القرار فحسب، بل يمكنها تحسينه، مع الحفاظ على ما يسميه الاقتصاديون «الخيارات المتاحة». لم أرَ أيًا من ذلك. كنت غارقة فى دوامة لا تنتهى.

استغل صديقى مات فترة الانتظار بعد أن تغيّرت حياته بشكل غير متوقع إثر اختياره عضوية هيئة المحلفين. كان قد تجاوز الأربعين من عمره آنذاك، وكان قد راودته سابقًا رغبة فى العمل فى المجال القانونى، لكنه لم يُقدم على أى خطوة. ثم اختير محلفًا فى محاكمة قتل فى بروكلين. 

أشعلت مشاهدته محاميًا عامًا متحمسًا وهو يكافح لجذب انتباه المحلفين- الذين كانوا يرغبون فى العودة إلى العمل، أو الذين اعتقدوا أن المتهم مذنب من النظرة الأولى- حلمًا فى نفسه بأن يصبح ذلك المحامى. 

قال لى مات: «افترضت أن الأمر سينتهى عند هذا الحد، فكرة أن أصبح محاميًا عامًا فى حياة أخرى». لكن هذا الشعور لم يختف.

بعد أشهر، ظلت الفكرة تراوده. كان عليه أن يفعل شيئًا. وخطر بباله أن مهنة المحاماة ليست قرارًا واحدًا، بل سلسلة من القرارات. فلماذا لا يتخذ خطوة وسيطة بينما يقيّم قدراته واهتماماته؟.

فبدأ بالدراسة لاختبارات القبول فى كلية الحقوق التى ستؤهله للالتحاق بها. وقد زودته خطواته الوسيطة بمعلومات قيمة: ففى كل مرة، كان يتوق إلى الخطوة التالية. التحق بكلية بروكلين للحقوق فى سن الثامنة والأربعين؛ ليخوض تجربة فريدة من نوعها فى حياته.

تؤكد الكاتبة من ناحية أخرى أهمية تجاهل النتائج، مشيرة إلى مغالطة الارتباط/ السببية بين القرارات الصائبة والنتائج السيئة والعكس. فبدلًا من التركيز على النتائج، من الأفضل على المدى الطويل اتباع نهج يركز على العملية، نظرًا لتأثير الحظ أو انعدامه فى الحياة. 

أحيانًا تسير الأمور بشكل غير متوقع، وليس بالضرورة أن يكون ذلك بسبب أسلوبك فى العمل؛ لذا فإن تجاهل النتائج قد يؤدى إلى حياة أسعد. فالعمليات الجيدة تؤدى فى المتوسط إلى نتائج جيدة مع مرور الوقت، حتى وإن خسرت فى بعض الأحيان. 

إن الطريق إلى الإتقان فى الشطرنج والبوكر والحياة ملىء بآلاف الخسائر فى طريق الفوز، لذا فإن نصيحة الكاتبة هى الفشل بطريقة غير مباشرة- فهناك دائمًا أشياء جديدة يمكن تعلمها من إخفاقاتنا، والمخاطرة التى نتحملها بعدم المخاطرة، أكبر من المخاطرة إذا قمنا بالغطس البارد وحاولنا بجد- لا أحد يُصبح بطلًا فى الحياة أو أى شىء آخر بعدم المخاطرة.