الأربعاء 05 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

شريط لجديلة هالة

حرف

-بعد رحيل الأم ضاع المشط مثلما ضاع كل جميل وجفّت الزيوت مثلما جفّ نسغُ الحياة

هالة.. كان شَعرُها عقوبتَها اليومية. لم ينبت لينساب، بل ليشتجرَ مثل غابة من خصلات جافة، عصيّة على الترويض والكبح والتمشيط. كان شعرها شبكة صياد تلتقط قشّ الخرابات، ودخان الحرائق، وروائح الأكياس التى تقضى نهارها تُنقِّب فيها مع أقرانها من أطفال حىّ المزابل. وفى الممر الضيق المؤدى إلى الجبل، كان أولاد الزبالين يهرولون خلفها ضاحكين: 

- هالة المقشّة.. أهى أهى أهى!

تلوذُ بصَمتِها، وتبتلعُ دموعَها. وحين تدخل بيتها تختلس لمسة على رأسها لتتحسس شعرها المنفوش، حِملُها اليومى الثقيل الذى تحمله مع أكياس القمامة، وتفشل فى إخفائه تحت أى منديل. 

فى ذلك الصباح، كانت تجلس جوار أبيها فوق عربته الكارو، يفرزان حصيلة الفجر. غاصت يدُها الصغيرة المتشققة فى كيس بلاستيكى معطر، يختلف عن بقية الأكياس الرثّة. كان كيس عائلة «مريم»؛ الطفلة الساحرة التى تراها أحيانًا تخرج من بوابة الفيلا الكبيرة بشعرها الناعم المسترسل كموج البحر، مثل أميرات الحكايا. 

من بين بقايا مناديلَ ورقيةٍ معطرة وقشور فاكهة، لمع شىء مبهج. سحبت يدها ببطء كأنها تسرق كنزًا. كان شريطًا حريريًا عريضًا بلون الورد، ناعمًا كبشرة المواليد، تلوح منه بقايا رائحة زهور ذكية. تطلعت إليه فى دهشة. فكّرتْ. ثم رسم عقلُها المشهد: هذا الشريط انزلق من شعر «مريم» الناعم دون أن تشعر. أو ربما زهقت منه فألقته فى القمامة ووضعت غيره. هذا الشريط الكنز، كان لـ«هالة» تذكرة عبور لعالم آخر لا يعرف القبح. 

مسحت الشريط بطرف جلبابها تكرارًا، ليزداد نصاعةً وجمالا فوق جمال. وعيناها تلتمعان بلهفة طفولية لم يطفئها عُسرُ العمل. تلمست نعومتَه التى جرحتها خشونةُ أصابعها. ودون أن تنطق، تراجعت زحفًا على مؤخرتها إلى خلفية العربة فى ركن خفىّ بعيدًا عن عين أبيها. حاولت تمشيط شعرها بأصابعها، عساها تلمّ شتات خصلاتها المتمردة إلى الخلف. ثم رفعت الشريط، ولفته حول كتلة شعرها المنفوش، وحاولت ربطه. 

لكن عاصفة الشَّعر الأجعد كانت أضخم وأعنف من أن يطوّعه شريطٌ حريرى رقيق. كلما عقدت طرفًا، انزلق الحرير هربًا من خشونة شعرها وقسوته. بدا واضحًا أن الحرير يأبى مصادقة هذا الرأس. أعادت المحاولة مرة، ومرّات، وكان وجهها يزداد احتقانًا بالخجل، والتعب، والغضب، والشعور بالقهر، وكانت الخصلات العنيدة تنفلت وتتشعث لتغطى وجهها، وفى جوفها المعقد تلتهم شريط الحرير. 

من مقدمة العربة كان الأب يراقب بصمت من طرف عينيه معركة طفلته الخاسرة مع شريط حريرى. أطرق وراح يفرك سيجارته بين أصابعه. هو يعرف تضاريس هذا العجز جيدًا. راح يتذكر معاناة زوجته مع طفلتها لحظة التمشيط. كانت تُجلس «هالة» بين ركبتيها، ثم تغرس المشط فى تلك الغابة السوداء، فلا يخرج إلا بعد شد ودموع وقد فقد بعض أسنانه. هذا الشعر لا يزيده التمشيط إلا هياجًا وتمردًا وشعثًا. ومع هذا كانت الأم تنجح دائمًا فى ابتكار طرق لترويض غابة طفلتها بمشط واسع الأسنان بعد تقسيمه خصلات صغيرة وبلّه بالماء وتهدئته بالزيوت. بعد رحيل الأم، ضاع المشط، مثلما ضاع كل جميل، وجفّت الزيوت مثلما جفّ نسغُ الحياة، وازداد شعرُ «هالة» جنونًا بعد موات الأصابع الوحيدة التى كانت تعرف لغته. 

نهضت الطفلةُ وأفلتت الشريطَ من يدها، كمن يُفلت لغزًا لا حلّ له. فانزلق بنعومته الباردة كحيّة تتلوّى بعدما نجت من شباك صياد، واستقر الشريطُ فوق كومة من القمامة تحت قدميها. نظر إليها أبوها، ثم انحنى بظهره النحيل، والتقط الشريط ومسحه من بقايا أطعمة رخوة، ودون أن ينظر فى عينى ابنته المتورمتين، طبّق الشريط بعناية، ثم وضعه فى جيب جلبابه بحرص، وقال بصوت خفيض:

- بكرة نلاقى مشط يا «هالة»... بكرة.