الفيلسوف المقاتل.. فلسفة فؤاد زكريا فى تحطيم العقل المتطرف
- أنظمة الحكم التى ادعت تطبيق الشريعة ابتعدت عن الحرية والعدالة والمساواة وجميع القيم الدينية
- الحركات الإسلامية لم تنجح فى إقامة مجتمع العدل والحرية والتقدم
- تجربة تطبيق الشريعة فى السودان تحولت إلى فضيحة عالمية مدوية
- مجمل القول أن دعاة تطبيق الشريعة يرتكبون خطأ فادحًا حين يركزون جهودهم على الإسلام كما ورد فى الكتاب والسنة
- مهمة الحكم أصبحت بشرية وستظل بشرية حتى لو كانت الأحكام التى يرجع إليها إلهية
- الكثيرون من العقلاء فى صميم الحركة الإسلامية ذاتها يؤكدون أن تطبيق الشريعة أوسع من موضوع الحدود
- كان مأخذ فؤاد زكريا الأساسى على الشيخ الشعراوى أنه كان فى خطابه الدعوى يخاصم العلم
كان اللقاء الأول مع الكاتب الفيلسوف فؤاد زكريا مهمًا وملهمًا فى آن واحد.
لم يكن لقاء مباشرًا، بل كان بالتعرض لفكره ومنطقه من خلال كتابه الرائد والملهم «التفكير العلمى».
صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب فى العام 1987، لكننى تعرفت عليه فى العام 1995 عندما بدأت دراسة مناهج البحث مع الدكتورة عواطف عبدالرحمن فى السنة الثالثة من كلية الإعلام، عندما أصبحنا طلابًا فى قسم صحافة.
قالت لنا الدكتورة عواطف إنه لا يمكن لأحد أن يدخل إلى عالم مناهج البحث دون المرور من بوابة كتاب «التفكير العلمى» للدكتور فؤاد زكريا.
أقبلت على «التفكير العلمى» بشغف الباحث الذى أدرك أن بين يديه كنزًا، وكان الكتاب كذلك بالفعل.
وكم سعدت باستهلال الدكتور فؤاد لكتابه، عندما وجدته يقول إن التفكير العلمى ليس هو بالضرورة تفكير العلماء.
فالعالم يفكر فى مشكلة متخصصة هى فى أغلب الأحيان منتمية إلى ميدان لا يستطيع غير المتخصص أن يخوضه، بل قد لا يعرف فى بعض المجالات أنه موجود أصلًا، وهو يستخدم فى تفكيره وفى التعبير عنه لغة متخصصة يستطيع أن يتداولها مع غيره من العلماء، هى لغة اصطلاحات ورموز متعارف عليها بينهم، وإن تكن مختلفة كل الاختلاف عن تلك اللغة التى يستخدمها الناس فى حديثهم ومعاملاتهم المألوفة، وتفكير العالم يرتكز على حصيلة ضخمة من المعلومات، بل إنه يفترض مقدمًا كل ما توصلت إليه البشرية طوال تاريخها الماضى فى ذلك الميدان المعين من ميادين العلم.

لم يكن فؤاد زكريا يقصد هذا التفكير العلمى، ولكنه قصد به ذلك التفكير الذى لا ينصب على مشكلة متخصصة بعينها، أو حتى مجموعة المشكلات المحددة التى يعالجها العلماء، ولا يفترض معرفة بلغة علمية أو رموز رياضية خاصة، ولا يقتضى أن يكون ذهن المرء محتشدًا بالمعلومات العلمية، أو مدربًا على البحث المؤدى إلى حل مشكلات العالم الطبيعى أو الإنسانى.
حدد زكريا ما يقصده بشكل محدد، يقول: ما أود الحديث عنه هو ذلك النوع من التفكير المنظم الذى يمكن أن نستخدمه فى شئون حياتنا اليومية، أو فى النشاط الذى نبذله حين نمارس أعمالنا المعنية المعتادة، أو فى علاقاتنا مع الناس ومع العالم المحيط بنا.
لقد تفاعلت مع ما كتبه فؤاد زكريا؛ لأننى وجدته يخرج بالتفكير العلمى من ضيق معامل البحث ومدرجات الدراسة ومكاتب أساتذة الجامعة وصومعة المفكر الفيلسوف إلى الشارع، فهو يريد أن يكون تفكير الناس جميعًا علميًا، وحتى يتحقق ذلك فإنه يشير إلى أن ما يشترط فى هذا التفكير فقط أن يكون منظمًا، وأن يبنى على مجموعة من المبادئ التى نطبقها فى كل لحظة دون أن نشعر بها شعورًا واعيًا، مثل مبدأ استحالة تأكيد الشىء ونقيضه فى آن واحد، والمبدأ القائل إن لكل حادث سببًا، وإنه من المحال أن يحدث شىء من لا شىء.
يبشرنا فؤاد زكريا بأننا جميعًا يمكن أن نفكر بطريقة علمية فقط إذا التزمنا بهذه الشروط، ومن باب التيسير على الناس فإنه يخبرهم بأن هذا النوع من التفكير هو الذى يتبقى فى أذهاننا من حصيلة العمل الشاق الذى قام به العلماء من أجل اكتساب المعرفة والتوصل إلى حقائق الأشياء.

وفى محاولته لتعزيز التفكير العلمى لدى العامة، ومدحه لقدرتهم عليه، يخبرنا زكريا بما جرى خلال مسيرة العلم، فبناء العلم يعلو طابقًا فوق طابق، وكل عالم يضيف إليه لبنة صغيرة، وربما اكتفى بإصلاح وضع لبنة سابقة أضافها إليه غيره من قبل، ولكن الأغلبية الساحقة من البشر لا تعرف تفاصيل ذلك البناء، ولا تعلم الكثير عن تلك الجهود المضنية التى بذلت حتى وصل إلى ارتفاعه هذا، وهى تكتفى بأن تستخدمه وتنتفع به، دون أن تعرف إلا أقل القليل عن الطرق المستخدمة فى تشييده، وهذا أمر طبيعى لأن العلم تحول على مر العصور إلى نشاط يزداد تخصصًا بالتدريج، ولا تقدر على استيعابه إلا فئة من البشر أعدت نفسها إعدادًا شاقًا ومعقدًا.
ويسأل فؤاد: هل يعنى ذلك أن جمهرة الناس لم تتأثر بشىء مما زودها به العلم فيما عدا تطبيقاته؟ وهل يعنى أن العلم لم يترك أثرًا فى أى عقول فيما عدا عقول العلماء المشتغلين به؟
ويجيب: الواقع أن العلم وإن كانت تفاصيله وأساليبه الفنية مجهولة لدى أغلبية البشر، قد ترك فى عقول الناس آثارًا لا تُمحى، وأعنى بذلك أساليب معينة فى التفكير لم تكن ميسورة للناس قبل ظهور عصر العلم، وكانت فى المراحل الأولى من ذلك العمر مختلطة بأساليب أخرى مضطربة مشوشة وقفت حائلًا دون نمو العقل الإنسانى وبلوغه مرحلة النضج والوعى السليم.
الأساليب التى يتحدث عنها فؤاد زكريا هى تلك التى تركها العلم فى العقول، حتى لو لم تكن قد اشتغلت به أو أسهمت بصورة مباشرة فى تقدمه، هى ذلك النوع من التفكير العلمى الذى يجب أن يمارسه الناس، فبعد أن يقدم العلماء إنجازاتهم قد لا يفهمها حق الفهم ويشارك فى استيعابها ونقدها إلا قلة ضئيلة من المتخصصين، ولكن شيئًا ما يظل باقيًا من هذه الإنجازات لدى الآخرين، وهى طريقة معينة فى فهم الأمور، وأسلوب خاص فى معالجة المشكلات، وهذا الأثر الباقى هو تلك العقلية العلمية التى يمكن أن يتصف بها الإنسان العادى، حتى لو لم يعرف نظرية علمية واحدة معرفة كاملة، ولو لم يدرس مقررًا علميًا واحدًا طوال حياته.
يصف فؤاد زكريا هذه العقلية التى يتحدث عنها بأنها عقلية منظمة تسعى إلى التحرر من مخلفات عصور الجهل والخرافة، وهى العقلية التى أصبحت سمة مميزة للمجتمعات التى صار للعلم فيها تراث يترك بصماته على الناس.
أكبرت فى فؤاد زكريا منذ هذا الوقت أنه الفيلسوف الذى يدرك دوره جيدًا فى المجتمع الذى يعيش فيه، فهو لا يعزل نفسه ولا ينعزل بعيدًا عن الناس، وها هو يقدم له وصفة سحرية تجعل التفكير العلمى للجميع، وليس للعلماء فقط، وأعتقد أننا لو كنا سمعنا لما قاله ونادى به لكنا اختلفنا كثيرًا، ولما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه، فنحن مجتمع يفتقد كثيرًا إلى التفكير العلمى.

لم يتركنا فؤاد زكريا على قارعة الطريق دون أن يدلنا على سمات التفكير العلمى، ويمكننا أن نوجز ما قاله فى الآتى:
أولًا: التراكمية.. فالعلم معرفة تراكمية، ولفظ «التراكمية» هذا يصف الطريقة التى يتطور بها العلم التى يعلو بها صرحه، فالمعرفة العلمية أشبه بالبنّاء الذى يشيّد طابقًا فوق طابق، مع فارق أساسى هو أن سكان هذا البناء ينتقلون إلى الطابق الأعلى، أى أنهم كلما شيّدوا طابقًا جديدًا انتقلوا إليه وتركوا الطوابق السفلى لتكون مجرد أساس يرتكز عليه البناء، وقد يبدو هذا الوصف أمرًا طبيعيًا بالنسبة إلى أى نوع من النشاط العقلى أو الروحى للإنسان، ولكن قليلًا من التفكير يقنعنا بأن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى أنواع متعددة من هذا النشاط، فقد عرف الإنسان منذ العصور القديمة نوعًا من النشاط العقلى قد يبدو مشابهًا للمعرفة العلمية إلى حد بعيد، هو المعرفة الفلسفية، ولكن هذه المعرفة الفلسفية لم تكن تراكمية، بمعنى أن كل مذهب جديد يظهر فى الفلسفة لم يكن يبدأ من حيث انتهت المذاهب السابقة، ولم يكن مكملًا لها، بل كان ينتقد ما سبقه ويتخذ لنفسه نقطة بداية جديدة، ومن هنا فإننا إذا استخدمنا التشبيه السابق كان فى وسعنا أن نقول: إن البناء الفلسفى لا يرتفع إلى أعلى، بل إنه يمتد امتدادًا أفقيًا، فضلًا عن ذلك، فإن سكان هذا البناء لا يتركون طوابقه القديمة، بل يظلون مقيمين فيها مهما ظهرت له من طوابق جديدة، ذلك لأن افتقار المعرفة- فى ميدان الفلسفة- إلى الصفة التراكمية، يجعل المشتغلين بالفلسفة يجدون فى تياراتها القديمة أهمية لا تقل عن أهمية التيارات الحديثة، ومن ثم تظل موضوعًا دائمًا لدراستهم.
وتكشف لنا سمة «التراكمية» هذه عن خاصية أساسية للحقيقة العلمية، هى أنها نسبية، فالحقيقة العلمية لا تكفّ عن التطور، ومهما بدا فى أى وقت أن العلم قد وصل فى موضوع معين إلى رأى نهائى مستقر، فإن التطور سرعان ما يتجاوز هذا الرأى ويستعيض عنه برأى جديد.
ثانيًا: التنظيم.. إننا لا نترك أفكارنا تسير حرة طليقة، وإنما نرتبها بطريقة محددة، وننظمها عن وعى، ونبذل جهدًا مقصودًا من أجل تحقيق أفضل تخطيط ممكن للطريقة التى نفكر بها، ولكى نصل إلى هذا التنظيم ينبغى أن نتغلب على كثير من عاداتنا اليومية الشائعة، ويجب أن نتعود على إخضاع تفكيرنا لإرادتنا الواعية، وتركيز عقولنا فى الموضوع الذى نبحثه، وكلها أمور شاقة تحتاج إلى مران خاص، وتصقلها الممارسة المستمرة.
وإذا كان العلم تنظيمًا لطريقة تفكيرنا أو لأسلوب ممارستنا العقلية، فإنه- فى الوقت ذاته- تنظيم للعالم الخارجى، أى أننا فى العلم لا نقتصر على تنظيم حياتنا الداخلية فحسب، بل تنظيم العالم المحيط بنا أيضًا، ذلك لأن هذا العالم ملىء بالحوادث المتشابكة والمتداخلة، وعلينا فى العلم أن نستخلص من هذا التشابك والتعقيد مجموعة الوقائع التى تهمنا فى ميداننا الخاص، وهذه الوقائع لا تأتى إلينا جاهزة، ولا تحتل جزءًا منفصلًا من العالم أُلصقت عليه بطاقة اسمها «الكيمياء» أو «الفيزياء»، بل إن مهمتنا فى العلم هى أن نقوم بهذا التنظيم الذى يمكننا من أن ننتقى من ذلك الكل المعقد ما يهمنا فى ميداننا الخاص.
ثالثًا: البحث عن الأسباب.. فلا يكون النشاط العقلى للإنسان علمًا- بالمعنى الصحيح- إلا إذا استهدف فهم الظواهر وتعليلها، ولا تكون الظاهرة مفهومة- بالمعنى العلمى لهذه الكلمة- إلا إذا توصلنا إلى معرفة أسبابها.
رابعًا: الشمولية واليقين.. فالمعرفة العلمية معرفة شاملة، بمعنى أنها تسرى على جميع أمثلة الظاهرة التى يبحثها العلم، ولا شأن لها بالظواهر فى صورتها الفردية، وحتى لو كانت هذه المعرفة تبدأ من التجربة اليومية المألوفة، مثل سقوط جسم ثقيل على الأرض، فإنها لا تكتفى بتقرير هذه الواقعة على النحو الذى نشاهدها عليه، وإنما تعرضها من خلال مفاهيم ذات طابع أعم، مثل فكرة الجاذبية والكتلة والسرعة والزمن، بحيث لا تعود القضية العلمية تتحدث عن سقوط هذا الجسم بالذات، أو حتى عن مجموعة الأجسام المماثلة له، بل عن سقوط الجسم عمومًا، وبذلك تتحول التجربة الفردية الخاصة- على يد العلم- إلى قضية عامة أو قانون شامل، ولا تسرى شمولية العلم على الظواهر التى يبحثها فحسب، بل على العقول التى تتلقى العلم أيضا، فالحقيقة تفرض نفسها على الجميع بمجرد ظهورها، ولا يعود فيها مجال للخلاف بين فرد وآخر، أى أن العلم شامل بمعنى أن قضاياه تنطبق على كل الظواهر التى يبحثها، وبمعنى أن هذه القضية تصدق فى نظر أى عقل يلم بها.
خامسًا: الدقة.. ففى حياتنا المعتادة نستخدم فى أحيان كثيرة عبارات تتسم بالغموض وتبتعد عن الدقة، كأن يقول شخص: قلبى يحدثنى بأنه سيحدث كذا، وأمثال هذه التعبيرات ليست مرفوضة فى الأحاديث اليومية المألوفة، بل إنها قد تؤدى فيها وظيفة عامة، هى الإيحاء بشىء معين دون تحديد دقيق له، أما فى العلم فمن غير المقبول أن تترك عبارة واحدة دون تحديد دقيق، أو تستخدم قضية يشوبها الغموض أو الالتباس، بل إنه حتى فى الحالات التى لا يستطيع فيها العلم أن يجزم بشىء ما على نحوٍ قاطع، وإنما يظل هذا الشىء «احتماليًا» فى ضوء أحدث معرفة وصل إليها العلم، وحتى فى هذه الحالات يعبر العلم عن هذا «الاحتمال» بدقة، أى بنسبة رياضية محددة، وبذلك فإنه يحدد بدقة درجة عدم الدقة، إذا جاز لنا أن نستخدم تعبيرًا فيه مثل هذه المفارقة.
أخذت من فؤاد زكريا فى هذا الكتاب ما لم آخذه من غيره، وأصبح بالنسبة لى أيقونة من أيقونات المعرفة الدقيقة المحددة، وظل معى هكذا حتى قابلته وجهًا لوجه.

كان اللقاء على هامش مشاركته فى مناقشة رسالة دكتوراه فى كلية الإعلام، أعدها الباحث عن معالجات الصحف العالمية لقضايا العالم الإسلامى.
جلس الدكتور فؤاد زكريا على منصة المناقشة، ورغم سنواته التى تجاوزت الثمانين، فإنه كان يتحدث بحيوية ويتحرك بحماس، ويقيّم الرسالة التى بين يديه بعدالة وإنصاف، أعطى الباحث ما يستحقه من ثناء، ولم يتجاهل ما وقع فيه من أخطاء وهنات.
لا أنسى أبدًا ما قاله فؤاد زكريا للباحث عندما وضع يده على ما ارتكبه من تجاوز الواقع العلمى فى مصر، عندما استعان بأدوات بحثية غربية لا يتحملها بحثه.
قال له: أنت تذكرنى بما كان يحدث عندما كنا طلابًا صغارًا فى كلية الآداب، فقد كان يدرس معنا مجموعة من الطلاب الأثرياء، يتحركون فى سيارات فاخرة، ويأكلون فى أفخم المطاعم، ويرتدون أشيك الثياب، وفى يوم الخميس من كل أسبوع نسمعهم وهم يقولون إنهم سيسافرون إلى الإسكندرية ليتناولوا ساندوتشات الفول والطعمية من عند محمد أحمد، ومطعم محمد أحمد كان من أشهر مطاعم الفول والطعمية ليس فى الإسكندرية فقط، ولكن فى مصر كلها.
توقف فؤاد زكريا عن الحكى قليلًا، فتحيرنا فى دلالة القصة وحكيه لها فى موضع مناقشته للرسالة التى أمامه، لكن قبل أن تستبد بنا الحيرة، وجدناه يقول للباحث: هؤلاء الزملاء كانوا من الطبيعى أن يذهبوا إلى مطعم محمد أحمد ليأكلوا ساندوتشات الفول والطعمية، لأنهم كانوا قد شبعوا من اللحوم طوال الأسبوع، فالفول والطعمية عندهم رفاهية، أما أنت فقد طلعت بنا إلى الإسكندرية لنأكل معك الفول والطعمية دون أن نشبع من اللحوم.
ضحك فؤاد زكريا وضحكت القاعة وتحفظ الباحث، لكننى أدركت أن الفيلسوف الجالس أمامنا لا يزال محتفظا برؤيته فى ربط العلم بمجتمعه، يجب ألا نتجاوز هذا الواقع ووضعه فى سياق لا يتوافر له.

أصدر فؤاد زكريا خلال حياته عددًا من الكتب المهمة، يأتى على قمتها كتابه الرائد «التفكير العلمى»، إضافة إلى مؤلفاته «الإنسان والحضارة» و«التعبير الموسيقى» و«آفاق الفلسفة» و«نقد الاستشراق وأزمة الثقافة العربية» و«آراء نقدية فى مشكلات الفكر والثقافة».. هذا غير ترجماته العديدة فى مجالات الفلسفة المختلفة، لكننى توقفت عند كتبه التى تناول فيها ظاهرة الحركات الإسلامية المعاصرة، وعلى وجه التحديد كتابان، الأول هو الحقيقة والوهم فى الحركة الإسلامية المعاصرة»، والثانى هو «الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل».
صدر الكتابان فى العامين ١٩٨٦ و١٩٨٧ على التوالى، وأعتقد أن التاريخ هنا مهم، فقبل سنوات كانت مصر خارجة من محاولة اغتيال الرئيس السادات على يد جماعتى الجهاد والجماعة الإسلامية، ثم ما حدث بعد ذلك من انفلات عام استغلته هذه الجماعات لتحكم وتسيطر فى مناطق مختلفة على طول وعرض الخريطة المصرية، ثم- وهذا هو الأهم- كان استعادة جماعة الإخوان بعضًا من الفرص للعمل، بعد أن قرر مبارك أن يدخل فى صفقة معها، معتقدًا أنها يمكن أن تطرد الجماعات المتطرفة وتحتل مكانها، اعتقادًا من النظام أن الجماعة أقل ضرًرا من الجماعات الأخرى، دون أن يعرف أن هذه الجماعات جميعها خرجت ساخنة من رحم الإخوان المتطرف.
القيمة الكبرى لكتابات فؤاد زكريا فى كتابيه كانت فى تفكيك خطابات هذه الجماعات، وهو التفكيك الذى كان يصب فى النهاية فى صالح تجديد الخطاب الدينى بشكل عام.
وهنا نتوقف عند أهم الأفكار التى حرص فؤاد زكريا على أن يضعها أمام العقل المصرى فى مرحلة مواجهته لأفكار وأفعال هذه الجماعات المتطرفة.
فى تقديمه كتابه «الحقيقة والوهم فى الحركة الإسلامية المعاصرة» يبدأ فؤاد زكريا بحديث مطول عن المسلم المعاصر والبحث عن اليقين.

يختار زكريا نقطة ساخنة جدًا لحديثه، فيبدأ من الثورة فى إيران، التى عندما قامت، ونجحت فى القضاء على نظام من أعتى الأنظمة الاستبدادية التى عرفتها البشرية، وأقامت حكمًا إسلاميًا كاملًا فى بلد يملك كل مقومات النهوض والتقدم، من طاقة بشرية ضخمة واعية، وموارد طبيعية وفيرة، على رأسها التدفق الغزير للبترول، وحضارة مجيدة تضرب بجذورها فى أعماق التاريخ، كان تقويمه وقتها لها أنها اختبار حاسم لكل الحركات الإسلامية المعاصرة، فإذا نجحت فى إقامة مجتمع العدل والحرية والتقدم، كان معنى ذلك أن هذه الحركات ستكتسب قوة دفع هائلة يصعب إيقافها فى أى بلد من بلدان العالم الإسلامى الذى يشكو من التخلف ويرزح تحت أعباء أنظمة قمعية ويتعطش إلى البديل، أما إذا أخفقت، فإن إخفاقها سيعنى إسكاتًا طويل الأمد لتلك الأصوات المنادية بالحكم الإسلامى وتطبيق الشريعة، فالاختبار الحاسم كان هناك، فى تلك الثورة التى أمسكت بزمام بلد إسلامى عظيم الأهمية، له ماضٍ عريق ومستقبل حافل بالإمكانات المشجعة.
فؤاد زكريا كان يتحدث هنا بمنطق الفيلسوف الذى يحتكم إلى العقل والمنطق، لكن هل كانت الحركات الإسلامية تحتكم لنفس العقل والمنطق؟
للأسف الشديد لم يحدث شىء من هذا.
يقول فؤاد: مع مظاهر الإخفاق التى توالت على هذه الثورة الإسلامية عامًا بعد عام، لم يتردد صداها على الإطلاق لدى المنادين بالحكومة الإسلامية فى بقية أقطار العالمين العربى والإسلامى، فلم يتأثر هؤلاء بما انتهت إليه الثورة الإسلامية من إحكام قبضة رجال الدين على الدولة، وإنما ظلوا يرددون زعمهم القائل إن الحكم الإسلامى لا يعنى تسليم زمام الأمر لرجال الدين، ولم يبد هؤلاء الدعاة أى استنكار لقيام حكومة الملالى بتصفية أحزاب المعارضة واحدًا بعد الآخر، حتى لا يبقى فى الساحة السياسية آخر الأمر غير رجال الدين، أو لتلك المحاكمات الصورية المتعجلة التى كان تصدر فيها أحكام الإعدام بنفس السرعة التى يقرأ بها مدرس الفصل نتيجة الامتحان على تلاميذه، أو لفرض مناهج متزمتة على التعليم الجامعى والتعليم العام، أو لروح الكآبة والعبوس التى سادت حياة الناس اليومية وارتسمت حتى على تعبيرات وجوههم.
لا يتوقف فؤاد زكريا عند تجربة «الملالى» وحدها، بل يتعرض لتجارب أخرى تم تطبيق الشريعة فيها ببلاد أخرى.
يتحدث عن تجربة السودان، يقول: كان التطبيق هذه المرة بقرار من حاكم فرد ظل يتقلب بين الأنظمة والاتجاهات المختلفة، إذ كان فى بداية حكمه محسوبًا على اليسار مستقطبًا للقوى التقدمية، وأصبح فى نهايته مستندًا إلى أشد القوى رجعية وجهالة، وهلل دعاة تطبيق الشريعة لتجربة النميرى، على الرغم من مظاهر الظلم الصارخة التى ظهرت للعيان فى كل تصرف من تصرفات هذا الطاغية، وطالبوا معارضيهم بأن يمنحوا الرجل فرصة، وتجاهلوا المجاعة وأحكام الإعدام والاستنزاف الدائم لثروة البلاد وسرقات الحكام المفضوحة لأموال شعب بأسره، ووضعوا هذا كله فى كفة، والتطبيق الشكلى لحدود السرقة والخمر والزنا فى كفة أخرى، فرجحت الكفة الثانية لديهم على المظالم الفادحة التى كانت تثقل الكفة الأولى.

ويتطرق زكريا إلى محاولات أخرى لتطبيق الشريعة الإسلامية، ضمن سلسلة أطول من المحاولات الأسبق عهدًا، كان على رأسها محاولة السعودية ثم باكستان، فضلًا عن المحاولات الجزئية فى إندونيسيا وليبيا وغيرهما، وفى جميع هذه المحاولات كانت النتائج واحدة: أنظمة للحكم تبعد كل البعد عن الحرية والعدالة والمساواة وجميع القيم التى سعت إلى إقرارها جميع الأديان ودعا إليها الفلاسفة والمصلحون منذ أقدم العصور، ومع ذلك فإن دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية لم يعيروا أى اهتمام لذلك الإخفاق الصارخ الذى انتهت إليه تلك التجارب السابقة، بل إن أصواتهم ازدادت ارتفاعًا فى نفس الوقت الذى كانت فيه تجربة تطبيق الشريعة فى السودان قد تحولت إلى فضيحة عالمية مدوية.
قاد هذا التناقض فؤاد زكريا إلى البحث فى عقلية وخطاب الحركات الإسلامية، وجعله يتساءل: علام يدل هذا التجاهل التام للواقع، وللتاريخ القريب، وللأمثلة والنماذج الملموسة؟ وكيف يرضى أى مجتمع أن يسلم مقاليد أموره لجماعات تغمض عينيها عن التجارب المحيطة بها، ولا تحاول أن تتعلم من الدروس الماثلة أمامها، أو أن تراجع خطواتها وتعيد النظر فى أهدافها فى ضوء الواقع الملموس؟
ويرد زكريا على تساؤلاته فى نقاط محددة على النحو التالى:
أولًا: الرد الجاهز الذى يرد به أنصار هذه الجماعات على كل من ينبههم إلى إخفاق هذه التجربة فى تطبيق الشريعة أو تلك، هو أن هذا ليس هو «الإسلام»، وأن خطأ النميرى أو ضياء الحق، هو خطأ أشخاص، وليس خطأ الإسلام فى ذاته، ولكن هذا الرد حق أريد به باطل، فمن المؤكد أن أى تجرِبة لتطبيق الشريعة الإسلامية يمكن أن تنحرف عن جوهر الشريعة ذاتها، بحيث لا يصح تحميل الشريعة أوزار التطبيق الباطل، هذه حقيقة لا يصح أن يجادل فيها أحد.
ثانيًا: هذا الرد بالرغم من ذلك ينطوى على مغالطات فادحة، ذلك لأن أى تجربة أخرى، تطبق فى المجتمع المصرى مثلًا، ستكون بدورها مجرد تطبيق آخر، فهل نحن واثقون من أن هذا التطبيق الجديد سيكون هو وحده القادر على تجنب جميع الأخطاء السابقة، وسيكون هو وحده المعبر عن جوهر الإسلام؟ ما هو الضمان، ومن أين أتى هذا اليقين، ومن أدرانا أن هذا التطبيق الجديد لن يكون صورة مكررة لأخطاء التطبيق السعودى أو جرائم النميرى أو ضياء الحق؟
ثالثًا: هل بذلت جماعاتنا الإسلامية الداعية إلى تطبيق الشريعة أى جهد لكى تضمن على نحو قاطع تطبيقًا يخلو من هذه العيوب؟ وإذا قيل لنا، بعبارات إنشائية مطاطة، إن هؤلاء قد انحرفوا عن جوهر الإسلام، فهل نسينا أن كلّا منهم كان- ولا يزال- يؤكد أن تجربته هى التعبير الحقيقى عن جوهر الإسلام، ويجد بين رجال الدين والمثقفين ورجال الإعلام فى بلده من يقدم أقوى الحجج التى تثبت صحة هذا التأكيد؟ فما الذى يضمن لنا ألا يتكرر ذلك فى تجربتنا نحن؟ وعلى أى أساس نأمل فى أن نكون نحن، من دون الباقين جميعًا، القادرين على تجنب انحرافات التطبيق وتحقيق جوهر الإسلام؟
رابعًا: التجاهل التام للتاريخ، وإغماض العين عن الدروس التى يقدمها الواقع الفعلى، لا يميز موقف الحركات الإسلامية من التجارب المعاصرة لتطبيق الشريعة فحسب، بل هو سمة بارزة تميز موقفها من جميع التجارب السابقة على مر التاريخ الإسلامى، فهذه الحركات الإسلامية ترسم لنا صورة للتاريخ الإسلامى مستمدة من النصوص الدينية فحسب، فإذا تحدثت عن موقف الإسلام من العدالة الاجتماعية، جاء حديثها مليئًا بالآيات والأحاديث النبوية التى تدعو إلى تلك العدالة، أو التى تقبل التفسير فى هذا الاتجاه، وهى تقف عند هذا الحد وتتصور أنها قد أثبتت بذلك قضيتها الرئيسية، وهى أن الإسلام يدعو إلى العدالة الاجتماعية، وأن هذه العدالة الاجتماعية تتحقق فى الإسلام خيرًا مما تتحقق فى أى نظام آخر، ولكن هل تعد الإشارة إلى النصوص وحدها كافية لإثبات هذه القضية؟
خامسًا: الخطأ الأساسى الذى يقع فيه معظم دعاة تطبيق الشريعة، وأنصار الحكم الإسلامى بوجه عام، حين يجعلون من النصوص وحدها أساسًا للحكم على موقفهم، الذى يزعمون أنه موقف الإسلام، من مشكلات الإنسان الرئيسية، ويتجاهلون ما حدث بالفعل فى التاريخ، فطوال الجزء الأكبر من التاريخ الإسلامى كان الحكام يملكون نصوصًا قرآنية وأحاديث نبوية يمكن أن تستخلص منها مبادئ رفيعة وقيمًا سامية، ولكن هذا لم يمنع معظمهم من أن يحكموا حكمًا مطلقًا، فيعبثون بأرواح المسلمين ويتلاعبون بأموالهم ويصادرون حرياتهم، وهكذا فإن النصوص لا تغنى عن الرجوع إلى ما حدث بالفعل فى التاريخ.

سادسًا: مجمل القول أن دعاة تطبيق الشريعة يرتكبون خطأ فادحًا حين يركزون جهودهم على الإسلام، كما ورد فى الكتاب والسنة، ويتجاهلون الإسلام، كما تجسد فى التاريخ، حين يكتفون بالإسلام كنصوص، ويغفِلون الإسلام كواقع، ويزداد هذا الخطأ فداحة إذا أدركنا أن محور دعوتهم هو مشكلات ذات طابع عملى، لا يكفى فيه الرجوع إلى النصوص، وإنما ينبغى أن يكمله على الدوام الاسترشاد بتجربة الواقع.
يخرج فؤاد زكريا من هذه المناقشة لما يحدث على أرض الواقع من الحركات الإسلامية ومن ينتمون إليها إلى تفكيك عباراتها الحاكمة، ويختار منها على وجه التحديد الحكم الإلهى فى مقابل الحكم البشرى، وصلاحية أحكام الشريعة لكل زمان ومكان.
عن العبارة الأولى وهى الحكم الإلهى مقابل الحكم البشرى، يقول زكريا:
إنى أعترف بأننى عاجز عن فهم تعبير «الحكم الإلهى» أو «الاحتكام فى كل شىء إلى شرع الله» أو الحاكمية وما شابه ذلك من التعبيرات، فالرجوع إلى نصوص إلهية لا يحول دون تدخل العنصر البشرى فى اختيار النصوص الملائمة وتفسيرها بالطريقة التى ترضى مصالح الحكم، على نحو ما كان يحدث طوال معظم فترات التاريخ الماضى والحاضر.
ففى عصر النبوات وحده كان يجوز الكلام عن حكم إلهى، أما طوال التاريخ اللاحق الذى انتهى فيه ظهور الرسل والأنبياء، فإن مهمة الحكم أصبحت بشرية وستظل بشرية حتى لو كانت الأحكام التى يرجع إليها إلهية.
ولنضرب مثالًا بالدستور، فأسمى المبادئ الدستورية لا تحول دون قيام حاكم طاغية باضطهاد رعيته ونشر الرعب والظلم بينهم، وبالمثل فإن أرفع التشريعات السماوية لا تمنع، ولم تمنع طوال التاريخ، من وجود حكام مستبدين يتلاعبون بها كما يشاءون، ويفسرونها على هواهم.
والدرس البسيط الذى يستخلص من هذا هو أن تطبيق أحكام الشريعة ليس فى ذاته ضمانًا لأى حكم أفضل من تلك الأنظمة التى ظلت تستبد بنا طوال التاريخ، وإنما المهم والأساسى والجوهرى هو الضمانات التى تحول بين الحاكم وبين الانحراف، ومفهوم الضمانات هذا بشرى بحت، تطور على مدى التاريخ، وخضع لأسلوب المحاولة والخطأ، واستطاعت البشرية أن تنميه وتزيده إحكامًا بعد تجارب طويلة مريرة أخفق الكثير منها ونجح القليل نجاحًا نسبيًا، ولكن الناس ما زالوا يتعلمون، ويستفيدون من كل تجربة.
إننى أجد تعبير «الحكم الإلهى» تعبيرًا متناقضًا، لأن البشر هم دائمًا الذين يحكمون، وهم الذين يحولون أى شريعة إلهية إلى تجربة بشرية، تصيب أو تخطئ، من خلال ممارستهم للحكم، تمامًا كما يطبق الحاكم- فى الغالبية الساحقة من الحالات- أحكام الدستور ويفسرها على النحو الذى يخدم أغراضه ومصالحه، بحيث لا تتحول هذه الأحكام من كلمات مسطورة على الورق إلى واقع فعلى متجسد إلا على يديه.
وعن العبارة الثانية وهى صلاحية أحكام الشريعة لكل زمان ومكان، يقول فؤاد:
أنا أشك كثيرًا فى أن يكون هناك نص دينى مباشر يحمل المعنى الذى تفهم به هذه العبارة لدى القائلين بها، وأعتقد أن التفكير فى هذه العبارة بشىء من التعمق يكشف فيها عن تناقضين أساسيين:
الأول: يرجع إلى أن الإنسان كائن متغير، ومن ثم ينبغى أن تكون الأحكام التى تنظم حياته متغيرة، والحق أن تغير الإنسان حقيقة أساسية لا يستطيع إنسان يحترم عقله وعلمه أن ينكرها، وحقيقة التغير هذه تحتم أن تكون القواعد التى يخضع لها متغيرة بدورها، فالعقل البسيط والمباشر يأبى أن يكون هناك فى المجال البشرى، ما يصلح لكل زمان ومكان، ما دام الإنسان ذاته قد طرأت عليه تغيرات أساسية فى الزمان، منذ العصر الحجرى حتى عصر التواريخ، كما طرأت عليه تغيرات جوهرية فى المكان، ما بين بيئة الجزر الاستوائية البدائية وبيئة المدن الصناعية الشديدة التعقيد.

إن العقل الذى توصل بعلمه وبمشاهداته وخبراته إلى أن الإنسان كائن جوهره التغير، ليس من صنع الشيطان، وعلى القائلين بفكرة الصلاحية لكل زمان ومكان، بمعناها الساذج المباشر، أن يعترفوا بحقيقة أخرى تتناقض مع قضيتهم هذه تناقضًا صارخًا، وهو أن العقل الذى خلقه الله للبشر، والعلم الذى حضهم عليه ودعاهم إلى التزود به، هو نفسه الذى كشف عن حقيقة التغير الأساسية التى لا تفلت منها أى ظاهرة بشرية.
أما التناقض الثانى الذى يتصل بالأول اتصالًا وثيقًا، فهو أن التفسير المباشر لعبارتهم هذه، وهو التفسير الأكثر تداولًا بينهم، يعنى الحجر على الإنسان والحكم عليه بالجمود الأبدى، فالمعنى المباشر لعبارتهم هذه هو أن الله قد وضع للناس فى وقت ما، سننًا ينبغى عليهم أن يسيروا وفقًا لها إلى أبد الدهر، وأقصى ما يمكنهم أن يتصرفوا فيه هو أن يجددوا فى تفسير هذا النص أو تأويل ذاك، ولكن الخطوط العامة لمسار البشرية اللاحق كلها مرسومة ومحددة.
والتناقض هنا يكمن فى أن أصحاب هذا الفهم يؤكدون فى الوقت ذاته، أن الله قد استخلف الإنسان فى الأرض وكرمه على العالمين، فهل يتمشى هذا التكريم والاستخلاف مع تحديد المسار البشرى مقدمًا، ووضع قواعد يتعين على الإنسان ألا يخرج عنها مهما تغير وتطور؟ هل يمكن أن يلجأ الأب الحريص على رعاية أبنائه وسلامة نموهم العقلى والنفسى، إلى وضع قواعد ثابتة وأوامر محددة لا يحيدون عنها طوال حياتهم؟ أليس مما يتمشى مع حرصه عليهم، أن يترك لهم هامشًا واسعًا من حرية التصرف، والخروج عن القواعد الصارمة، بل وممارسة الخطأ ذاته فى بعض الأحيان، كيما يتعلموا منه دروسًا تفيدهم فى مستقبل أيامهم؟
إن قضية «الصلاحية لكل زمان ومكان» تحتاج إلى إعادة تفسير شاملة، فى ضوء تلك الحقيقة التى أصبحت الآن من بديهيات العقل والعلم، وهى أنه فى الميدان البشرى، لا شىء ثابت أو نهائى، ولقد اعترف الكثيرون بهذه الحقيقة، ولو بصورة ضمنية، حين ميزوا بين أحكام الشريعة العامة وبين تطبيقاتها، وأكدوا أن الحكم العام يقبل تفسيرات ينبغى الاجتهاد فيها حسب متطلبات كل عصر، وهذا موقف سليم، ولكن ينبغى أن نتنبه جيدًا إلى النتائج التى تترتب عليها، فكلما ازداد العصر تعقيدًا، وكلما جدت عليه متغيرات علمية وتكنولوجية واجتماعية واقتصادية، كان معنى ذلك أن دور الاجتهاد يتزايد، ودور المبدأ العام يتناقص، بحيث إن القدر الأكبر من الجهد الذى يبذل من أجل تدبير شئوننا يصبح بشريًا، ويتعين علينا أن نعتمد على عقولنا، وعلى طريقة تفكيرنا فى معظم أمور حياتنا، وبقدر ما تزداد المسافة اتساعًا- من الناحيتين الزمنية والحضارية- بيننا وبين عصر نزول الوحى، تزداد أهمية الاجتهاد البشرى، ولا بد لمن يملك أقل قدر من الحس الواقعى، ولا ينقاد باستسلام للعبارات الإنشائية المطاطة، أن يعترف بأن هذا الاتجاه إلى تأكيد دور العنصر البشرى سوف يزداد أهمية كلما تغيرت حياة الإنسان فى المستقبل، وفى ضوء هذا الدور المتزايد أبدًا لعقل الإنسان واجتهاده ينبغى أن تفهم عبارة «الصلاحية لكل زمان ومكان».
ويخرج فؤاد زكريا من تفكيك هاتين العبارتين، إلى تفكيك مفهوم آخر وهو «تطبيق الشريعة الإسلامية».
وعنها يقول: الدعوة إلى تطبيق الشريعة ترتكز بلا شك على قاعدة جماهيرية واسعة، وكثير من أنصارها يتخذون من سعة الانتشار هذه حجة لصالحها، ويستدلون على صحة اتجاههم من كثرة عدد أشياعهم وأنصارهم، وفى رأيى أن اتساع القاعدة الجماهيرية التى تنادى بمبدأ معين لا يمكن أن يكون مقياسًا لنجاح هذا المبدأ إلا فى حالة واحدة فقط هى تلك التى يكون فيها وعى هذه الجماهير ناضجًا كل النضج، قد أثبتت تجارب واقعية كثيرة أن انعدام الوعى أو تزييفه يمكن أن يؤدى إلى التفاف الجماهير حول أمور لا يمكن أن تكون لها قيمة فى ذاتها، ومن وجهة نظر الخاصة، إن الانتشار الواسع للاتجاهات الإسلامية بشكلها الراهن إنما هو مظهر صارخ من مظاهر نقص الوعى لدى الجماهير، فبعد ثلث قرن من القهر وتغييب العقل وسيادة سلطة سياسية لا تناقش، يصبح هذا الانتشار أمرًا لا مفر منه.
ويضيف زكريا: لابد أن نولى اهتمامًا خاصًا لتعبير الاتجاهات الإسلامية بشكلها الراهن، لأن العيب الأكبر لهذه الاتجاهات يكمن فى غلبة الطابع الشكلى على فهمها للدين، وهكذا فإن انقياد الجموع الكبيرة من الناس إلى التيارات الدينية التى تركز جهدها على الجانب الشعائرى من الدين، وعلى التحريمات الجنسية وشكل الملبس، وتتصور أن أول جوانب تطبيق الشريعة وأهمها هو تطبيق حدود الخمر والسرقة والزنا، وتتجاهل كليةً مشكلات الحياة الاقتصادية والسياسية بتعقيداتها التى لا تنتهى، هذا الانقياد لا يمكن أن يكون علامة صحة، وإنما هو حالة شاذة طارئة لم تعرفها مصر إلا فى ظل عهود الحكم الفردى المتلاحقة، وفى العهد الذى فتح الباب لتسرب الفكر المتخلف الوافد من مجتمعات بترولية تستخدم الدين أداة للحفاظ على مصالحها فى الداخل ونشر أيديولوجيتها الهابطة فى الخارج.
ويحدد زكريا بدقة فى ضوء ذلك ما يحتاج إليه المجتمع الإسلامى، فنحن نحتاج إلى مراجعة قوانينه بحيث تصبح قادرة على معالجة مشكلات الحاضر، ومواجهة تحديات المستقبل، وبحيث يستبعد منها ما هو دخيل وما هو قمعى ظالمًا ومع ذلك فإن النظرة التراجعية التى تركز على العودة إلى الماضى، هى التى تطغى على تفكير الجماعات الإسلامية الحالية، بينما تختفى تمامًا أى نظرة واقعية أو مستقبلية.
لم يكتف فؤاد زكريا بهذه الإشارة العابرة إلى مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية، ولذلك عاد إليها مرة أخرى فى فصل من كتابه بعنوان « المسألة الدينية فى مصر المعاصرة»، وأعتقد أنه جاء على خطاب هذه الدعوة بشكل فلسفى ينسفها من الجذور.
يضع زكريا رؤيته فى إجابته الواضحة على سؤالين محددين:
السؤال الأول هو لماذا الدعوة إلى تطبيق الشريعة؟
ويقدم إجابته بشكل مستفيض على ذلك بقوله:
الرد الجاهز الذى يجيب به كل من يتحمس لهذه الدعوة عن هذا السؤال، هو أن تطبيق الشريعة ضرورى لأن الشريعة آتية من عند الله، بينما القوانين الوضعية التى نعمل بها من صنع البشر، والمنطق البسيط والمباشر الذى تتغلغل به هذه الدعوة إلى قلوب الملايين من البشر وعقولهم هو أنه لا وجه للمقارنة بين قانونٍ يأتى من عند الله وقانون يضعه البشر، إن الإنسان كائن هش ضعيف، لا يمتد عمره إلا لحظة خاطفة فى زمن الكون الأزلى، ولا يشغل كيانه إلا ذرة ضئيلة فى كون شاسع تقاس أبعاده بملايين السنين الضوئية، فإذا كانت لدينا شريعة أوحى لنا بها خالق هذا الكون، وقانون وضعه هذا الإنسان الضئيل المحدود، فهل يصح أن نتردد لحظة فى الاختيار بين الاثنين؟
إنه منطق واضح مباشر يبدو فى نظر الإنسان العادى أمرًا يستحيل الاعتراض عليه، بل إن قدرته الإقناعية أعظم من قدرة أشد البديهيات الرياضية وضوحًا، ومما يزيد من قدرة هذا المنطق على الإقناع، حالة التردى والتأزم التى يعيشها الناس، فكلما أحكمتِ الأزمات الاقتصاديةُ والاجتماعية والسياسية قبضتَها على رقابهم، ازدادوا استعدادًا لقبول الحجة التى تخاطبهم بكل ثقة فتقول: أرأيتم إلى أين يؤدى بكم حكم البشر؟ إن كل مصائبكم ترجع إلى ابتعادكم عن طريق الله، فلماذا لا تسيرون فى هذا الطريق، إن كنتم تريدون حقًّا أن تنتشلوا أنفسكم من هذه الهاوية؟
وبطبيعة الحال فلو كان الاختيار حقًا بين حكم إلهى وحكم بشرى، لأصبحت المسألة محسومة على الفور، ولكن السؤال الأساسى هو: هل نحن حقًا إزاء اختيار بين شرع الله وقانون الإنسان؟ فى رأيى أن الأمر على حقيقته أبعد ما يكون عن ذلك، وأن البديلين اللذين يطرحهما علينا دعاة تطبيق الشريعة لا وجود لهما إلا فى ذهن يتأمل الأمور بغير تعمق، ويرتكز هذا الرأى الذى أقول به على أساسين جوهريين:
الأول هو أن أحكام الشريعة باعتراف الجميع، تمثل فى أغلبها مبادئ شديدة العمومية، يتعين بذل جهد كبير من أجل ملء تفاصيلها بمضمون صالح للتطبيق فى ظروف كل عصر بعينه، وكلما تعقدت أوضاع الحياة ازداد الدور الذى تلعبه هذه التفاصيل أهمية، ومن المؤكد أن مجتمعنا المعاصر يمثل قمة التعقيد الذى بلغته البشرية طوال تاريخها، نتيجة للتقدم العلمى والتكنولوجى المذهل وما يترتب عليه من تغييرات متلاحقة فى ظروف حياة البشر، وهى التغييرات التى واجهتنا بمواقف جديدة لم يكن لها نظير فى أى فترة سابقة، ومن هنا كان لزامًا على أى مجتمع يريد لنفسه الحياة وسط عالم متغير متجدد يتعين عليه أن يتعامل معه، أن يبذل جهدًا بشريًا هائلًا لكى يترجم المبادئ الدينية العامة إلى واقع يمكن تحقيقه فى عالم كهذا.
ولنضرب لذلك مثلين: فمبدأ الإحسان مبدأ معترف به فى الإسلام، تنص عليه آيات كثيرة تهدف كلها إلى إشعار الأغنياء بأن للمحرومين فى أموالهم حقًا، أى إلى ضمان حد أدنى من المعيشة للفقير، أى إن الإحسان صيغة أساسية تستهدف تحقيق شكل من أشكال العدالة الاجتماعية.
غير أن تعقد المجتمعات الحديثة، وعدم وجود اتصال وثيق أو تعارف مباشر بين الغنى والفقير فى مجتمع المدينة الضخم المزدحم، يحتم علينا أن نأخذ من مبدأ الإحسان روحه العامة، وهى السعى إلى تضييق الفجوة بين الغنى والفقير، ثم نبذل جهودًا هائلة من أجل تحديد الوسائل التى تكفل تحقيق شكل من أشكال العدالة الاجتماعية فى هذا المجتمع المعقد، وتتفاوت الصيغة التى يمكننا تطبيقها، بين قيام الغنى بتقديم صدقة مباشرة إلى الفقير وبين منع الأغنياء من أن يمتلكوا الوسائل التى تمكنهم من استغلال الفقراء والضعفاء، فى الطرف الآخر من سلم الحلول الممكنة، وفيما بين هذين الطرفين تدور خلافات لا أول لها ولا آخر، كلها خلافات بشرية خالصة، وإن كانت كلها قابلة لأن تندرج تحت المبدأ الدينى العام.. مبدأ الإحسان.
أما المثل الآخر فهو مفهوم الشورى، الذى يحتمل تفسيرات شديدة التباين: ما بين همس الحاكم فى أذن وزرائه وأمرائه المقربين للتشاور، وما بين إجراء انتخابات نيابية نزيهة تؤدى إلى اختيار ممثلين حقيقيين للشعب يكونون سلطة تراقب جميع تصرفات الحاكم وتضع لها ضوابط لا يستطيع أن يتعداها، فالمبدأ الإلهى واحد، ولكن التفسيرات متعددة ومختلفة، وكلها تفسيرات تتم بجهود بشرية.
والسبب الثانى الذى يجعلنى أقول إننا لسنا أمام اختيار بين حُكم إلهى وحُكم بشرى هو أن النص الإلهى لا يفسر نفسه بنفسه، ولا يطبق نفسه بنفسه، وإنما يفسره البشر ويطبقونه، وفى عملية التفسير والتطبيق البشرى هذه تتدخل كل أهواء البشر ومصالحهم وتحيزاتهم.
كانت الإجابة التى قدمتها الجماعات الإسلامية عن سؤالنا الأول: لماذا الدعوة إلى تطبيق الشريعة؟ هى أن تطبيق الشريعة معناه الرجوع إلى الحكم الإلهى الذى أطلق عليه بعض مفكريهم اسم الحاكمية، ولا وجه للمقارنة بين الحكم الإلهى والحكم البشرى.
ولكن التحليل الذى قدمناه أفضى إلى نتيجة أساسية، هى أنه لا توجد فى عالم البشر مفاضلة بين حكم إلهى وحكم بشرى، لأن كل حكم يتولاه الإنسان، حتى لو كان يرتكز على شريعة إلهية، سيصبح بالضرورة بشريًا، تنعكس عليه أهواء البشر وتحيزاتهم وأطماعهم وكل جوانب ضعفهم.
وهذا معناه أن الاختيار الحقيقى ليس بين حكم الله وحكم الإنسان، وإنما بين حكم بشرى يزعم أنه ناطق بلسان الوحى الإلهى، وحكم بشرى يعترف بأصله الإنسانى.
وخطورة النوع الأول الذى تظل تلازمه كل أخطاء البشر تكمن فى أنه يضفى على هذه الأخطاء والأهواء صبغة القداسة، ويخلط عامدًا بين الأصل الإلهى للأحكام وبين التفسيرات البشرية المغرضة لها، فيقدم إلى الناس نزوات الحاكم وسوءاته كما لو كانت امتثالًا للوحى الإلهى، ويخلع على ضعفه البشرى عصمة لا يستحقها من قريب أو بعيد.
أما النوع الثانى الذى يعترف ببشريته، فإن الخطأ والتحيز فيه أقل خطرًا، لأننا نعلم مسبقًا أنه من صنع بشر فانين، غير معصومين من الهوى والغرض.
إن البشرية كلها تخطئ مرارًا وتكرارًا فى تجارب الحكم المختلفة التى تمارسها، وتتعلم كل يوم من أخطائها، ولكن أفدح أنواع الخطأ هو ما يرتكبه حاكم يتصور أن أهواءه ومصالحه الضيقة إنما هى تجسيد للإرادة الإلهية، ويوهم الناس بأن كل ما يفعله مستلهَم من وحى الشرع الإلهى الذى يحكم بمقتضاه. وقد أثبتت التجارب المريرة التى خاضها عالمنا الإسلامى، فى تاريخه القريب والبعيد، أن أمثال هؤلاء الحكام كانوا، فى معظم الأحيان، هم الأكثر دموية، والأشد استخفافًا بمصائر البشر.
السؤال الثانى الذى طرحه فؤاد زكريا كان: كيف نطبق الشريعة؟ ويتبع هذا السؤال الرئيسى بتساؤلات فرعية: فهل يكفى لكى يقال إن الشريعة أصبحت مطبقة، أن نفرض الحدود، أى أن نطبق حد السرقة فنقطع يد السارق، وحد الخمر فنجلد السكّير، وحد الزنا فنرجم مرتكب الخطيئة؟
ثم يبدأ فى الإجابة على النحو التالى:
الكثيرون من العقلاء فى صميم الحركة الإسلامية ذاتها يؤكدون أن تطبيق الشريعة أوسع مدى بكثير من موضوع الحدود، فالعقوبات ليست إلا الوجه السلبى للشريعة، إنها هى الجزاء الذى ينبغى أن يناله الآثم والعاصى، ولكن هل معنى ذلك أن الناس الأسوياء، الذين لا يسرقون ولا يسكرون ولا يزنون - وأفترض أن هؤلاء هم الأغلبية- لن تمسهم الشريعة ولن تنظم حياتهم؟ لا جدال فى أن الشريعة ينبغى أن تنطبق على الجوانب الإيجابية من حياة الناس، لا على الجوانب السلبية أو غير السوية فحسب، ومن هنا فإن تطبيق الشريعة لا بد أن يكون أوسع نطاقًا من فرض الحدود والعقوبات.
ومن جهة أخرى، هل تنحصر مشكلات أى مجتمع فى هذه الآثام وحدها؟
لنفرض أننا أقمنا الحد على السارق وشارب الخمر والزانى، ولنفرض أننا استطعنا بذلك أن نستأصل هذه الآفات من المجتمع، فهل يكفى ذلك لكى تنصلح أحوال المجتمع وتنتهى مشاكله؟
إن المشكلة الاقتصادية لا تُحل بمنع السرقة فحسب، بل بزيادة الإنتاج وعدالة التوزيع وترشيد الاستهلاك، وقُل مثل هذا عن المشكلات الاجتماعية والأخلاقية فى علاقتها بالحدود الأخرى كحد الخمر والزنا، وهنا أيضًا يكفينا أن ننظر حولنا إلى مجتمعات أخرى طبقت هذه الحدود بكل همة ونشاط، كالسودان وباكستان، لكى ندرك أن تطبيق الحدود لم يكن كافيًا على الإطلاق لحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية.
ولقد أدرك الكثيرون هذه الحقيقة، فطالبوا بألا تقتصر الجهود على تطبيق الحدود وحدها، وسايرهم فى ذلك كثير من المطالبين بالتطبيق العاجل للشريعة، حتى يتخلصوا من الاعتراض الصحيح القائل إن الشريعة أوسع وأكثر إيجابية بكثير من تطبيق الحدود، ومع ذلك فإنى أشك فى أن يكون هذا هو موقفهم الحقيقى، وأعتقد أن جهدهم الفعلى يتركز فى تطبيق الحدود وحدها.
ذلك أولًا لأن التطبيق الشامل يحتاج إلى وقت طويل وتدرج شديد، ولا معنى للإلحاح عليه فى لحظة معينة، أو لتنظيم جلسات ومسيرات تدعو إلى تنفيذه على الفور، والشىء الوحيد الذى يمكن تنفيذه بين يوم وليلة هو أن يصدر قرار بتطبيق الحدود الشرعية.
وأغلب الظن أن هؤلاء الدعاة يؤمنون بأن الخطوة الأولى والحاسمة فى طريق التطبيق الشامل للشريعة هى فرض الحدود، وكل شىء يمكن أن يأتى بعدها سهلًا ميسورًا، ولكن ليس هناك فى رأيى ما هو أبعد عن الصواب من هذا الرأى، لأن أى نظام يستطيع أن يلهى الناس سنوات وسنوات بمنظر الأيدى المقطوعة والظهور الملتهبة بالسياط، بل والحجارة التى ترجم الآثمين حتى الموت، دون أن يتجاوز هذا المدى خطوة واحدة فى طريق الإصلاح الشامل. وهذا ما حدث بالفعل فى جميع التجارب المعاصرة لتطبيق الشريعة.
والدليل الثانى على أن الدعوة السائدة لتطبيق الشريعة تتجه فى حقيقتها إلى المطالبة بتحقيق الحدود دون غيرها من جوانب الشريعة، هو أن أقطاب هذه الدعوة صفقوا بكل حماسة للرئيس السودانى الأسبق عندما أصدر قوانينه المشهورة التى اقتصرت على قطع الأيدى والجلد والرجم وغيرها من الحدود، وانهالت بيانات التأييد والاستحسان لما حدث فى السودان فى كل الصحف التى تصدرها الجماعات الإسلامية فى مختلف أرجاء العالم العربى، دون أن يكترث أحد من مفكريها بتأمل الأمور على حقيقتها، ودون أن يسأل نفسه هل ما يحدث فى هذا المجتمع مطابق حقيقة لشرع الله؟ بل إن بعض الصحف الإسلامية أصابها حرج شديد عندما سقط نظام الرئيس نميرى بعد أن كانت تكيل له المدح، فلم تجد مفرًا من أن تهاجم طريقة تطبيقه للشريعة بعد سقوطه، وهى تعلم جيدًا أنها كانت فى أعدادها السابقة تؤكد أنه خطا الخطوة المطلوبة فى كل مجتمع إسلامى.
وهكذا أصبحنا الآن نجد، ضمن التيار الإسلامى، مدرستين فكريتين:
إحداهما تنادى بالتطبيق الفورى للشريعة، وتعنى بها- واقعيًا- الحدود، وتؤكد أن هذه هى الخطوة الأساسية التى ستترتب عليها جميع الخطوات التالية.
والأخرى ترى أن تطبيق الحدود هو الخطوة الأخيرة لا الأولى، وأن من الواجب أن يسبقه إقرار حد أدنى من العدل الاجتماعى والاقتصادى والسياسى بين الناس، حتى يستطيع المجتمع أن يفرض العقوبات الرادعة التى تنص عليها الحدود وهو مطمئن إلى أنه لن يظلم أحدًا.
ومن المؤكد أن موقف المدرسة الأخيرة ينطوى على منطق قوى يصعب الاعتراض عليه، ذلك لأن التسرع فى تطبيق الحدود، دون تهيئة الجو الاجتماعى الصالح للبشر، يمكن أن يؤدى إلى نتائج مأساوية، فكيف تقبل ضمائرنا أن نقطع يد إنسان يسرق فى زمن يسوده العسر والفاقة، وينهب فيه الأغنياء قوت الفقراء؟ إن اليد التى تُقطع يستحيل أن تعود، أى أن هذه عقوبة يستحيل تعويضها أو إصلاحها، فماذا يكون الأمر لو قطعنا يد إنسان سرق فى أوقات عصيبة ليسد رمقه، ثم ندم فيما بعد وتاب، والله يقبل التوبة من الجميع؟ ستظل الوصمة، التى تتخذ شكل علامة واضحة يراها الجميع، تلاحقه وتلاحق أبناءه وأحفاده من بعده.
وهل تقبل ضمائرنا أن نساوى بين المال الذى سُرق بدافع الحاجة الشديدة، والذى هو فى نهاية الأمر متاع زائل يذهب ويجىء، وبين جزء أساسى فى كيان الإنسان وعنصر جوهرى من عناصر كرامته وآدميته؟ لمثل هذه الأسباب كان أنصار التروّى فى تطبيق مثل هذه العقوبة على حق حين يقولون: اضمنوا للناس أولًا حدًا أدنى من العدل، ومن المعيشة الآدمية، وبعد ذلك طبقوا عليهم حد السرقة.
ولنتأمل مثلًا آخر: فجريمة الزنا، كما نعلم جميعًا، أمر يصعب إثباته إلى أبعد حد، وقد نصت الشريعة على أدلة حاسمة شديدة التعقيد من أجل إثباتها، وذلك نظرًا إلى قسوة عقوبة الرجم.
ولكن هل يستطيع أحد أن يساوى بين ارتكاب الزنا فى مجتمع تستفحل فيه أزمة الإسكان، ولا تجد فيه الغالبية العظمى من الشباب سبيلًا إلى الزواج الحلال لأنها تعجز عن الحصول على مسكن مناسب، وبين ارتكاب هذه الجريمة ذاتها فى مجتمع مترف تتوافر لدى أفراده جميع وسائل العيش المرفّه؟ صحيح أن الزنا يظل جريمة فى كل الأحوال، ولكن هل يُلام الرجل الذى اضطرته أزمات الغلاء والإسكان إلى أن يظل أعزب عشرات السنين، بنفس القدر الذى يُلام به من يرتكب الزنا عامدًا وهو يمتلك كل شىء؟
من الواضح أن الجرائم والآثام التى يراد تطبيق الحدود الشرعية عليها ليست شرورًا مجردة معزولة عن سياقها الاجتماعى، وتظل تحمل نفس المدلول مهما اختلفت الظروف، بل إن معناها، ودرجة خطورتها، تتفاوت وفقًا لتغير أوضاع المجتمع وشروط حياة الناس فيه، وهنا أيضًا يكون دعاة التروّى على حق، ويكون من الواجب ضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية قبل أن نفكر فى تطبيق هذه الحدود.
هكذا تدل الدلائل كلها على أن التطبيق الفورى للحدود، قبل أن يصل المجتمع إلى حد معقول من الاكتفاء، يمكن أن يُلحق ظلمًا فادحًا بالبشر، وأظن أن متحف الأيدى المقطوعة فى السودان، الذى لا يزال يعانى من المجاعة، هو خير شاهد هذا الظلم.
ولكن السؤال الذى يبدو أن هؤلاء العقلاء، من دعاة التمهل وتوفير الحد الأدنى من المستوى الآدمى للمعيشة قبل توقيع العقوبة، لم يطرحوه على أنفسهم، هو: ماذا يعنى توفير مثل هذا الحد الأدنى فى بلد كمصر؟ إنه يعنى حل مشكلة التنمية، ومشكلات البطالة والفقر والجوع والإسكان والتعليم، ومعظم المشكلات التى نكافح منذ عشرات السنين من أجل مواجهتها، وفى ضوء الزيادة السكانية المستمرة، والأزمات العالمية والمحلية المتلاحقة، لا تبدو فى الوقت الراهن شواهد واضحة على أن مثل هذا الحل يمكن أن يأتى فى المستقبل القريب.
وهكذا تتضح معالم المأزق الذى تقع فيه الدعوة المتعجلة إلى تطبيق الشريعة، فلو بادرنا إلى هذا التطبيق فى ظل الأوضاع الراهنة، ودون تهيئة الظروف الاجتماعية الملائمة، لارتكبنا فى حق الناس مظالم فادحة، أما لو انتظرنا إلى أن تتهيأ هذه الظروف، لكان معنى ذلك أن مشاكلنا الرئيسية قد تم حلها من قبل بوسائل أخرى؛ وبذلك تختفى الأسباب التى كانت تستوجب تطبيق الشريعة.
الكتاب الثانى الذى توقفت عنده من كتب فؤاد زكريا كان كتابه «الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل» والذى صدر فى العام ١٩٨٧، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات التى نشرها فى عدة صحف ومجلات عربية خلال السنوات التى سبقت صدوره.
اهتم زكريا فى هذا الكتاب بمناقشة العلاقة بين الفكر الإسلامى ومشكلات العصر.
منهج فؤاد فى كتابه لا ينصرف إلى استخلاص مفاهيم عصرية من المنابع الأصيلة للفكر الإسلامى، ولكنه بحث خلاله فى الطرق التى فهم بها المسلمون المعاصرون تلك المنابع الأصلية للعقيدة.
فعل فؤاد ذلك لأنه كما يقول: إننا نشهد كل يوم محاولات لتفسير الآيات والأحاديث على أنحاء تتيح للمفسرين أن يهتدوا فيها إلى كشوف أو نظريات علمية حديثة، وإلى اتجاهات اجتماعية وسياسية عصرية، وإلى أهم مبادئ التشريعات التى تنظم حياة الإنسان، غير أن تعدد هذه التفسيرات وتناقض الاتجاهات التى تستخلص منها، والتى يزعم كل منها أنه هو الذى يعبر عن روح النص الأصلى، كل هذا كفيل بإقناعنا بعدم جدوى هذه المحاولات، وبأنها فى حقيقتها مجادلات يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية دون أن تحسم أمرًا واحدًا.
سعى زكريا من خلال مقالاته إلى الارتكاز على أرض أكثر صلابة؛ يفسر من خلالها الفكر الإسلامى بأنه الطريقة الفعلية التى فهم بها المسلمون المعاصرون عقيدتهم.
والفرق يكمن- كما يقول- فى أننا لا نزعم أن أى رأى نناقشه هو رأى الإسلام، وإنما نحن نقتصر على مناقشة آراء المسلمين، ومن ثم فإننا نتجاوز كلية مشكلة المفاضلة بين هذه الآراء، ونتجنب البحث فيما إذا كان هذا الرأى أو ذاك هو الأقرب إلى روح الإسلام الحقيقية، لأن ما يُهِمُّنا هو أنَّ المسلمين فى عصرنا الحاضر قد فهموا عقيدتهم على هذا النحو أو ذاك.
من بين فصول الكتاب توقفت عند رؤية مهمة وضعها فؤاد زكريا وهو يناقش العلاقة بين العلم والدين، وهى الرؤية التى تعامل معها على أنها نظرة شاملة بناها على أن هناك حقائق أساسية عن الإسلام تجعل لمشكلة العلاقة بين العلم والإيمان الدينى فيه وضعًا خاصًا، يتلخص هذا الوضع فى الآتى:
أولًا: الإسلام وحى مباشر، والقرآن هو كلمة الله الحرفية، التى لا يتناولها تغيير ولا تبديل، وقد أدى هذا الوضع فى أوقات التدهور الحضارى بوجه خاص إلى حالة من التصلب وعدم المرونة إزاء كثير من التطورات العلمية التى تتم خارج نطاق الدين، إذ تواجه هذه التطورات بنصوص دينية تفسر تفسيرًا متزمتًا، فتكون النتيجة عداء لا داعى له بين العلم والإيمان الدينى.
وبطبيعة الحال فإن المفكرين المستنيرين كثيرون، وهم لا يكفّون عن بذل المحاولات لمواجهة أحدث تيارات العلم بأفق واسع، ولكن بذور التشكيك فى صدق إيمانهم تظل موجودة، وفى الوقت الذى استوعب فيه الغرب أشكالًا مختلفةً للعلاقة بين الله والعالم، مثل صورة الإله الذى يحكم العالم بالرياضيات أو مهندس العالم عند ديكارت، أو صورة الصانع الذى لا يخطئ لساعة كبرى تظل تؤدى عملها بكفاءة وثبات هى الكون عند ليبنتس، فإن العالم الإسلامى لا يسمح بمثل هذا التغيير فى شكل العلاقة بين الله والعالم بسهولة، ولا يدمج هذه الصور المتغيرة التى تعمل حسابًا لتطورات العلم فى إطار العقيدة الدينية، كما فعل هؤلاء الفلاسفة.
وعلى حين أن كبار مفكرى الغرب المتدينين يقبلون بسهولة الفكرة القائلة بأن عناصر كثيرة من الأفكار الدينية ينبغى أن تتغير نتيجةً للمعرفة الجديدة التى جلبها العلم والتكنولوجيا، فإن مثل هذه الأفكار مرفوضة من حيث المبدأ فى معظم الأوساط الدينية الإسلامية.
ثانيًا: ومن جهة أخرى، فإن الحضارة الإسلامية لا تعترف- فى أغلب اتجاهاتها- بالتمييز بين الزمنى والروحى، أو الدنيوى والدينى، ومن ثم فإنها تجد صعوبة فى قبول الطريقة التى تم بها التوفيق بين العلم والدين فى الغرب المسيحى منذ عصر النهضة، فقد اتجهت جهود الأوروبيين إلى الفصل بينهما، بحيث يكون لكل منهما مجاله الذى لا يتعدى على الآخر. وعبّر نيوتن، العالم الإنجليزى الأشهر، عن هذا الاتجاه بوضوح قاطع، حين دعا إلى عدم تدخل الوحى الدينى فى الفلسفة «يقصد العلم» أو الآراء الفلسفية فى الدين.

وتلك طريقة فى تحديد العلاقة بين العلم والإيمان الدينى، ربما كانت تتماشى مع حضارة تفصل بين الدنيا والدين فصلًا حادًا، أما الحضارة الإسلامية التى اتجهت- فى الأغلب- إلى صبغ العالم الدنيوى بصبغة روحية، وأضفت على الحقائق الروحية طابعًا واقعيًا عينيًا فى كثير من الأحيان، والتى ألغت التضاد بين عالم العقيدة وعالم الحياة الواقعية، فلم تكن تستطيع أن تقيم التعايش بين العلم والإيمان الدينى عن طريق وضع حاجز قاطع بينهما، ومن هنا رأيناها تلجأ إلى طرق أخرى كجعل العلم ينبثق عن الدين، أو إعطائه مكانةً هامشيةً بالقياس إلى الدين.
ثالثًا: الشىء اللافت للنظر هو أنه إذا لم تكن المشكلة قد وجدت حلًا سليمًا لها على المستوى النظرى، فإن التعايش بين مبادئ الإيمان ونتائج العلم قائم بالفعل على المستوى العلمى فى كل جانب من جوانب حياة المسلمين، بل إن أشد المتدينين تحمسًا فى أكثر المجتمعات الإسلامية تمسكًا بحرفية العقيدة، قد يرفض العلم الأوروبى بفكره الواعى، ولكنه يستخدم أحدث منتجاته فى حياته اليومية، دون أن يدرك ما ينطوى عليه ذلك من تناقض، والأهم من ذلك أن عددًا غير قليل من العلماء، من ذوى الحس الدينى، يجمعون بين الإيمان الحرفى وبين الممارسة العلمية رفيعة المستوى، لا على أساس أى محاولة فلسفية للتوفيق بين الاثنين، بل بأن يضعوا كلًا منهما ببساطة فى صندوق مغلق، لا ينفتح على الآخر، ولا يجدون غضاضةً فى أن يحتوى عقلهم على الصندوقين معًا جنبًا إلى جنب.
وهكذا فإن المشكلة النظرية المتعلقة بالصلة بين العلم فى أحدث تطوراته، وبين الإيمان الدينى، لم تجد بعد حلًا حاسمًا متفقًا عليه فى العالم الإسلامى المعاصر، وما زال يشوبها قدر كبير من اختلاف الرأى، الذى قد يصل أحيانًا إلى حد اتخاذ أشد المواقف تناقضًا.
ولا يبدو أن فى الإمكان حل هذه المشكلة على النحو الذى يلغى نهائيًا هذه المعركة المزعومة بين نشاط الإنسان فى ميدانى المعرفة والعقيدة الدينية، إلّا إذا سادت مبادئ تجديدية فى مجال الفكر الدينى، تهدف إلى القضاء على التزمت والجمود، وتسمح بقدر من المرونة الفكرية، لا يدع للمجتمع الإسلامى مجالًا للتوقّف عند حدود عفا عليها الزمان.
وإذا كان للفكر الدينى دور مهم فى إحداث هذا التحول المرغوب، فإنه لا يمكن أن يتحقق مكتملًا إلا بحدوث تغييرات اجتماعية جذرية فى العالم الإسلامى، ذلك لأن التفسير السلطوى المتزمت للدين إنما هو فى الأغلب انعكاس لأساليب متسلطة فى إدارة شئون المجتمع، ولا يمكن أن تتحقق المرونة والاستنارة على المستوى الفكرى إلا إذا ابتعدت أشكال العلاقة بين الحاكم والمحكوم فى البلاد الإسلامية عن مظاهر التسلط والاستبداد.
كان ما كتبه وقاله فؤاد زكريا فى كتابيه «الحقيقة والوهم فى الحركة الإسلامية المعاصرة»، و«الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل» مراعيًا للسياق الزمنى الذى قدّم فيه أفكاره، فقد كانت أفكاره منسجمة مع حالة الزخم التى خلّفتها الحركات الإسلامية وراءها، وقد يعتقد البعض أن ظلال هذه الأفكار تلاشى عن مجتمعنا، إلا أن الواقع يقول إن هذه الأفكار لا تزال موجودة، ولذلك فإن استدعاء ما كتبه فؤاد زكريا يمثل أهمية خاصة، فقد كان ما قدمه طرحًا فلسفيًا عميقًا أحاط بأفكار هذه الجماعات إحاطة علمية واعية ومتمكنة، وربما لهذا يمثل الفيلسوف الكبير خصمًا لهذه الحركات لا يزال.
ولأن تخطيط هذه الجماعات مستمر ودائم فى شيطنة خصومهم، فقد تجاهلوا أفكاره الفلسفية التى خلخلت طرحهم، واهتموا بتصدير معركته مع الشيخ الشعراوى، وصدّروه للناس على أنه خصم للإسلام، لا لشىء إلا لأنه انتقد الشيخ الكبير.
انتقاد فؤاد زكريا للشيخ الشعراوى لم يكن إلا فصلًا واحدًا من فصول كتابيه، وهو الفصل الذى عنونه بـ«العالم المعاصر عند الشيخ شعراوى»، وكان فى انتقاده له عالمًا وفيلسوفًا ولم يسئ إلى الشيخ الكبير رغم تأكيده أن ما كتبه كان سباحة ضد التيار لمعرفته بمكانة الشيخ فى العالم الإسلامى، لكن لم يمنعه ذلك من أن يقول ما قاله عنه.
كان مأخذ فؤاد زكريا الأساسى على الشيخ الشعراوى أنه كان فى خطابه الدعوى يخاصم العلم ولا يأخذ بما يقتضيه، وكان محقًا فى ذلك إلى حد بعيد.
بعيدًا عن كل هذه المعارك يبقى تراث فؤاد زكريا مهمًا وأساسيًا فى معركتنا فى مواجهة الخطاب الدينى المتطرف، وأعتقد أننا فى حاجة إليه الآن أكثر من أى وقت مضى، المهم أن نستعيده بما يناسبنا ويصب فى تفكيك خطاب الجماعات الجديد الذى هو نسخة من خطابها القديم، كل الفارق أنه يرتدى حُلّة عصرية.. وهى الحُلّة التى لا يجب أن ننخدع بها أبدًا.





