أنا السادات جئت.. محاولة لفهم أسباب كراهية زعيم أسطورى
- كارهو السادات يريدون تحميله كل خطايا الأرض ومساوئها
ما يحدث ليس نقدًا أبدًا.. إنه كراهية مطلقة.
إنهم يكرهون السادات ما فى ذلك شك.. كتب ومقالات وحوارات تليفزيونية وأفلام وثائقية بلا حصر ولا عدد، على امتداد عقود، تنال من الرئيس، تقلل من شأنه، وتطعن فى وطنيته، وتحكم عليه بالخيانة، وتنزع عنه أى فضل، رغم أنه صاحب أفضال كثيرة.

عندما تسأل جموع الناصريين وفصائل من اليساريين عن سبب كل هذه الكراهية؟ لن يجيبوك بشىء منطقى، ولكنها تهويمات سياسية وطنطنات لفظية وعنتريات طائشة، وكلام معاد ومكرر ومبتذل ومرذول عن ذهابه لإسرائيل طالبًا السلام، وعن سياسات سياسية واقتصادية واجتماعية يحملونها مسئولية ما يحدث الآن، رغم أن الرجل رحل منذ أكثر من ٤٥ عامًا.. لكنه لا يزال هدفًا للطعن، يصلبونه كل صباح على صليب كراهيتهم التى لا تبددها الأحداث التى أثبتت أنه سبق زمنه.
عزاؤنا وعزاء السادات ما قاله الفيلسوف اليونانى الكبير سقراط عند إعدامه: ويلٌ لمن سبق عقله زمنه.

لقد تولى السادات حكم مصر بعد رحيل سلفه عبدالناصر فى نهايات العام ١٩٧٠.
كانت الأرض محتلة، صحيح أن عبدالناصر تدارك خطأه فى هزيمة ١٩٦٧ وبدأ حرب استنزاف يشهد لها الجميع، لكنه فى النهاية مات وهو رئيس مهزوم، وخلال ثلاث سنوات حوّل السادات الهزيمة إلى انتصار مدوٍ، وبعد أن كانت رءوس المصريين ومَن خلفهم العرب فى التراب، رفعها إلى السماء.
ولأن السادات كان سياسيًا عبقريًا من الطراز النادر، وليس مجرد فتوة يهدد ويتوعد دون أن يفعل شيئًا، حوّل طاقة الحرب إلى طاقة سلام، فعل ما عجز عقل العالم عن استيعابه، وذهب إلى إسرائيل، إلى الكنيست ذاته، ليزرع الأرض بالسلام، ويجبر من هزمونا على أن يستمعوا له دون أن يرفعوا رءوسهم فى مواجهته، وراجعوا صور قادة إسرائيل وهم يجلسون فى مقاعدهم بقاعة الكنيست يستمعون إلى خطابه.

لم يعجب ما فعله السادات دراويش عبدالناصر، رغم أن عبدالناصر نفسه لو كان حيًا ورأى ما فعله السادات لما تردد عن التصفيق له وتحيته، فقد محا الرئيس المنتصر عار الرئيس المهزوم.
المؤسف أن كراهية السادات التى زرعت فى الذهنية المصرية صنعها كتاب كبار ومثقفون لهم وزنهم وأدباء يملكون القدرة على الخيال، وبدلًا من أن يكونوا منصفين، خانوا أنفسهم وخانوا رئيسهم.. وفى النهاية خانونا جميعًا، عندما قاموا بأكبر عملية تضليل شهدها تاريخنا الحديث.
لا أنكر أنه كان للسادات خصوم سياسيون، وأنه فى سبتمبر ١٩٨١ عندما جمعهم فى سجن واحد، تكتلوا ضده، وجعلوا منه هدفًا لانتقامهم منه، لكن هناك ثلاثة كتب هى الأسوأ على الإطلاق قام أصحابها بعملية تشويه ممنهجة ضد الرئيس السادات، وأعتقد أن هذه الكتب الثلاثة هى المرجعية الأساسية لكل هجوم ولكل كراهية للرئيس المنتصر.

الكتاب الأول «خريف الغضب» لمحمد حسنين هيكل.. وهو فى الحقيقة ليس كتابًا، بل أقرب إلى وثيقة إدانة واتهام، لم يترك هيكل خطيئة منذ خلق الله الأرض ومَن عليها إلا وألحقها بالسادات، فعل ذلك بأسلوبه الساحر ومعلوماته المتدفقة وتحليلاته العميقة، وبدلًا من أن يعترف بأن غضبه من السادات هو الذى دفعه إلى كتابة هذا الكتاب خارجًا به عن موضوعيته، راح يؤكد أنه كان موضوعيًا، رغم أن فرقًا شاسعًا فصل بينه وبين الموضوعية فى هذا الكتاب.
فى مقدمته للطبعة العربية من «خريف الغضب»- صدر أولًا باللغة الإنجليزية- تحسس هيكل البطحة التى على رأسه، يقول: «كانت هناك محاولة لتصوير (خريف الغضب)، وكأنه غضبى الشخصى على الرئيس السادات لأنه وضعنى فى السجن ضمن من وضعهم فى سبتمبر ١٩٨١، وليس ذلك صحيحًا، ولا أظننى فى حاجة لأن أقول إننى من مدرسة لا تؤمن باتخاذ المنابر العامة وسيلة لتصفية حسابات شخصية، على فرض أن هناك حسابات شخصية».

لم يكن هيكل صادقًا فيما يقول، فقد كانت هناك حسابات شخصية عديدة بينه وبين الرئيس السادات، فهو لم ينسَ أبدًا أنه من أخرجه من مملكته فى الأهرام فى فبراير ١٩٧٤، وأنه مَن كان وراء التحقيق معه أمام المدعى الاشتراكى، وأنه أخيرًا مَن وضعه فى السجن، ولم يكن هيكل يتخيل أبدًا أن يجد نفسه لا فى هذا الوضع ولا فى هذا المكان.
ولم يكن هيكل صادقًا، أيضًا، عندما قال إنه من مدرسة لا تستغل المنابر العامة لتصفية الحسابات الشخصية، فقد فعلها مع السادات فى «خريف الغضب»، وفعلها بعد ذلك مع مصطفى أمين فى كتابه «ما بين الصحافة والسياسة».
الكتاب الثانى «محاوراتى مع السادات» لأحمد بهاء الدين، وهو الكتاب الذى لا يقل حقدًا وكراهية للسادات عن كتاب هيكل، لكنه لم يحظَ بما حظى به كتاب هيكل، لأن بهاء كما هى عادته فى معظم كتاباته كان يمسك بالعصا من المنتصف، تصنع بهاء البراءة وهو يكتب عن السادات، رغم أنه كان يذبحه بدم بارد وسكين من حرير.

حاول بهاء أن يدفع عن نفسه تهمة النيل من السادات، فهوّن من شأن ما كتبه، عندما قال فى مقدمة كتابه: هذه الأحاديث ليست مذكرات، فالمذكرات تقتضى تغطية مرحلة من المراحل التى عايشها الكاتب بكل جوانبها وبكل أحداثها وأبطالها، وهى أيضًا ليست كتابًا عن أنور السادات، فهذا عمل يقتضى دراسة الشخص التاريخى بكل مراحل حياته، وبكل جوانب شخصيته وسياساته، ولكن هذه السطور اختارت لنفسها مساحة محددة للحديث، وهى محاورات مباشرة، دارت بين الكاتب ورئيس الدولة فى مراحل مختلفة وموضوعات متعددة، ولم يكن مقصودًا تسجيل كل ما دار من حوارات، ما يتعلق بمئات الأحداث ومئات الأشخاص، ولكننى عمدت إلى الانتقاء الشديد لما تصورت أنه يلقى ضوءًا مباشرًا على تفكير الرجل ودوافعه وطريقة نظرته للأشياء والأشخاص، من الزاوية التى أتيح لى أن أراها بشكل مباشر.
عندما تستعيد ما كتبه بهاء عن كتابه ستكتشف أنه كلام رجل كان يخفى السكين بين طيات ملابسه، استعدادًا لطعن مَن يكتب عنه على غفلة، يذبحه ثم يغسل يديه، وقد منح نفسه فرصة للتراجع، عندما قال إنها مجرد ذكريات انتقائية، وهو ما جرى، فعندما واجهه بعض منتقدى الكتاب الذين أخذوا عليه عدم الدقة فيما كتب، قال إنها ذكريات وليست مذكرات.. والإنسان فى الغالب ينسى لأنه ابن النسيان.

الكتاب الثالث «البحث عن السادات» ليوسف إدريس، ورغم أن يوسف لم يكن كاتبًا سياسيًا إلا أنه حاول أن يجرّب قلمه فى النيل من السادات فى كتاب طبعه القذافى فى ليبيا على حسابه لتصفية حساباته مع الرئيس الذى لم يكن يقدره ولم ينزله المنزل الذى كان يعتقد أنه يستحقه.
احتمى يوسف إدريس خلف ما ادعاه بأنه كان يبحث عن الحقيقة وليس عن السادات، وقد استخدم فى هجومه على منتقدى كتابه لسانه الحاد، الذى كان منفلتًا فى كثير من الأحيان.

اسمعه وهو يقول فى مقدمة كتابه: أنا لست طرفًا فى اللعبة السياسية الدائرة منذ حادث المنصة حول السادات، أو هكذا بدوت، وأن أطلع فجأة على القراء برأى خطير فى أنور السادات، مسألة قيل فى تأويلها كل ما يمكن أن يخطر على بال إنسان موتور أو حتى حسن النية، غير أن أحدًا لم يتوقف للحظة ويتساءل عن الحقيقة، ولماذا بدا أننى خرجت على الناس فجأة برأى فى السادات وكأننى قد اتفقت مع الأستاذ هيكل، ومع الصحف العربية التى نشرت كتابه ومقالاتى فى مؤامرة للنيل من الرئيس الراحل، وفى وقت واحد، ولو كنا فى ظروف عادية، ولو لم يملأ الصغار والمسترزقون الصحفيون من عهد السادات وإلى الآن الجو بالغبار والرمال وقذائف الطين، لأمكننا جميعًا أن نرى الحقيقة بنفس البساطة التى تمت بها.
تبسيط مخل كان ما قام به يوسف إدريس فيما كتبه عن السادات، وتخيل أن الروائى المرموق صاحب الخيال الخصب، لم يرَ فى حرب أكتوبر إلا تمثيلية قام بها السادات بالاتفاق مع الأمريكان.

يقولون إنه لكل شىء بداية، ورغم أن الهجوم على السادات بدأ مبكرًا جدًا، تقريبًا من اللحظة التى أصبح فيها رئيسًا لمصر، وهو هجوم كان يتم فى الغالب بالسخرية منه، وكان رأس الحربة فيه الكاتب الساخر محمود السعدنى، الذى كان صديقًا للسادات، إلا أن البداية الحقيقية لزرع بذور الكراهية للرئيس السادات كانت مع هذه الكتب الثلاثة، لأنها ببساطة نزعت منه أى وكل إنجاز، بل شوّهت كل ما قام به، حتى الانتصار الكبير على إسرائيل حاولوا أن يخصموه منه، وأن يصوروه على أنه لم يكن أكثر من تمثيلية.
لقد تعامل خصوم السادات معه بفجر أعجز أحيانًا عن تصوره أو استيعابه، أخذوا مما كتبه هيكل ورفاقه منهجًا ودستورًا، تعاملوا معه وكأنه الحقيقة المطلقة، وأخذوا يرددونه ويزيدون عليه، ليتواصل هجومهم على الرئيس المنتصر حتى الآن، محملينه مسئولية ما يجرى لنا الآن، وعندما تسألهم: لقد مات الرجل منذ ما يقرب من نصف قرن، فلماذا لم تعالجوا أخطاءه التى تدعون؟ لا يجيبونك بشىء، بل يواصلون هجومهم وسخريتهم وتطاولهم.
السادات بالنسبة لى رئيس صاحب تجربة خاصة، لا أدعى له عصمة، فلم يكن نبيًا ولم يكن ملكًا جاء من السماء، ولكنه إنسان جاء فى لحظة قدرية أرادها الله لمصر، فقام بما يستوجبه دوره التاريخى، وهو فى ذلك له ما له وعليه ما عليه، تمامًا مثل عبدالناصر من قبله ومبارك من بعده، لكن شيطنته بهذه الطريقة تؤكد لنا أن المسألة لا تخضع للتقييم الموضوعى، بقدر ما تسير بمنطق الحب والكراهية، وهو منطقى عاطفى لا يصلح أبدًا فى التعامل مع الرؤساء من أصحاب التجارب الكبرى.. والسادات كان- شاء من شاء وأبى من أبى- من أصحاب التجارب الكبيرة.

لقد انتصر السادات على عدو قالوا إنه لا يقهر، خطته فى الخداع الاستراتيجى كانت معجزة من معجزات السماء أيده الله بها، لكن جاء من حاولوا أن يهونوا من هذا الانتصار، فقالوا مرة إن عبدالناصر هو من بنى الجيش وهو صاحب الخطة وهو صاحب القرار، وجاء من حاولوا أن ينسبوا النصر للجنود، فهم الذين حاربوا، وكأن هناك جنودًا يمكن أن يقاتلوا وينتصروا دون أن يكون لهم قائد، وعندما تبخرت هذه الادعاءات، جاء من قالوا إن السياسة خذلت السلاح فى أكتوبر، وإن السادات أضاع ثمار حرب أكتوبر وأهدرها بمعاهدة السلام.
لا أحد يحارب من أجل الحرب.. ولا يمكن أن يقول لنا أحد إن عبدالناصر حارب، فهو لم يجرب ذلك، كان هو متلقى الضربة فى ٥٦ وبعد ذلك فى ٦٧، وعندما دخل اليمن لم يخرج منها، أما السادات فقد حارب، كان صاحب الضربة الأولى فى المعركة، ولم يحارب إلا من أجل الجلوس إلى مائدة السلام، ليحقن دماء أبنائه، وليتفرغ لبناء بلده، لكن المؤسف أنه عندما بدأ فى ذلك تخلى الجميع عنه، وبدأوا فى إهالة التراب عليه.

لقد أخذت على السادات خطأه فى تقريب الجماعات الدينية منه، لكن حتى هذا الخطأ لا يمكننى تحميل السادات مسئوليته وحده، فقد وضعه خصومه فى خانة اليك، ولو لم ينسحبوا من خلفه ويتحولوا إلى شوكة فى ظهره لما لجأ إلى الجماعات الدينية ليحتمى بها، لا يعفيه هذا من الخطأ بالطبع، لكن على الأقل ومن باب الإنصاف لا بد أن نقرأ ما حدث فى سياقه السياسى والتاريخى.
إننى أشفق بالفعل على كارهى السادات، هؤلاء الذين يريدون تحميله كل خطايا الأرض ومساوئها، لأنهم بذلك يكشفون عن نفسياتهم الخربة، ثم إنهم يستعرضون أمامنا خواءهم الظاهر للجميع، فهل من المعقول أن ندخل معركة مع رئيس مات منذ ما يقرب من نصف قرنك لنتبرأ من فشلنا وإخفاقاتنا وهواننا على إسرائيل ومَن يحمونها؟

لو أنصف هؤلاء لوضعوا السادات وتجربته فى سياقها التاريخى، لكن التعامل معه بكل هذه الكراهية- التى لا تزال- فأعتقد أن أصحابها يجب أن يتوجهوا إلى أقرب طبيب نفسى، ليطلبوا منه العلاج العاجل من مرض يعانون منه اسمه مرض «كراهية السادات»، فهم عندما يفعلون ذلك سوف يستريحون ويريحون.. وكفانا عبثًا وتضييعًا للوقت.
السادات مات.. أما أنتم فأحياء.
فهل يمكن أن تقولوا لنا ماذا فعلتم؟






