الأحد 06 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

بيان إيمانى.. توفيق الحكيم: لماذا أنا مسلم؟

حرف

- بعض علماء الدين يريدون أن يكون لهم وحدهم حق تشكيل عقلية الأمة على أساس العلم الدينى الذى درسوه

- علماء الدين يعتمدون فقط على العلم والثقافة الموجودة فى عهد النبوة

- الشيخ الشعراوى هاجم توفيق الحكيم دون أن يقرأ مقالاته بل بناء على سمعه من صحفيين فقط

- كان توفيق الحكيم يرى أن ما يميز الإسلام هو الاعتدال بعدم الغلو والتطرف والإسراف بعكس ما يريده المتطرفون

- رجال الدين نظروا إلى مظهر الدين وليس إلى جوهره وتركوا الشباب حائرًا لا يجد من يقوده

- كان يدعو ويقول: اللهم احفظ الإسلام ممن يسىء فهمه وفهم المؤمنين به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا

يعرف كثيرون منّا قصة أحاديث توفيق الحكيم الأربعة التى نشرها فى جريدة «الأهرام» بداية من 1 مارس 1983. 

وضع الحكيم عنوانًا لأحاديثه فى البداية كان «حديث مع الله»، لكنه قابل اعتراضًا كبيرًا على ما كتبه، فكيف يتحدث مع الله، وكيف يضع كلامًا على لسان الله يستنطقه به؟، فاضطر إلى أن يغير العنوان من «حديث مع الله» إلى «حديث إلى الله». 

لم يكن الأمر بهذه البساطة، فقد أثارت هذه الأحاديث جدلًا كبيرًا حول توفيق الحكيم، وأخرجه المعترضون من الإسلام- وكان على رأسهم الشيخ الشعراوى- بسبب ما اعتبروه جرأة على الله، واعتداء على ذاته، سبحانه وتعالى. 

فبينما كان القراء يتابعون ما يكتبه توفيق الحكيم، نشر الشيخ الشعراوى فى 17 مارس 1983 بيانًا فى الصفحة الأولى بجريدة «اللواء الإسلامى»، وضع له عنوانًا واضحًا هو «ما يكتبه توفيق الحكيم ضلال وإضلال». 

وجاء البيان نصًا: لقد شاء الله تعالى ألا يفارق هذا الكاتب الدنيا إلا بعد أن يكشف للناس ما يخفيه من أفكار وعقائد كان يتحدث بها همسًا ولا يجرؤ على نشرها، ولقد شاء الله ألا تنتهى حياته إلا بعد أن يضع كل خير عمله فى الدنيا، حتى يلقى الله، سبحانه وتعالى، بلا رصيد إيمانى، إننى أطالب كما يتم عقد ندوات فى التليفزيون لمناقشة الذين ينشرون أفكارًا خاطئة عن هذا الدين بأن تعقد ندوة ينقلها التليفزيون المصرى ويحضرها الناس، وأطلب أن يحضر هذه الندوة توفيق الحكيم ويوسف إدريس وزكى نجيب محمود، وأحضرها أنا وحدى لأكشف هؤلاء الناس للمسلمين فى العالم أجمع وأرد عليهم، ونترك الحكم لجموع المسلمين، كما أكشف وسائل الإعلام التى تقوم بنشر هذا الكلام لهم، وأتحدى أن تعقد مثل هذه الندوة، أنا مستعد لها فى هذه اللحظة، إذا كان هناك ما يسمونه فكرًا لهم، فكل كلامهم خارج هذا الدين وكله مردود عليه، وأنا أريد النقاش علنًا ليعرف كل إنسان قدره، ولا يصبح دين الله نهبًا مباحًا لكل من يريد أن يتعدى على مقدساته ويشوهه أمام الناس، إن ما يقوم به هؤلاء الثلاثة لا يمت إلى الحق بصلة، ولا إلى الفكر الإسلامى الصحيح، وما يكتبونه هو قضية تحمل الضلال والإضلال، وإذا كان لديهم ذرة حق فليأتوا ولنتناقش أمام الناس جميعًا، وإنى فى انتظارهم. 

خاف توفيق الحكيم على نفسه بعد ما حدث معه فى نفس اليوم الذى نشر فيه الشعراوى بيانه. 

عاد الكاتب الكبير إلى بيته مساء ذلك اليوم فوجد رجلًا يقف عند باب بيته يراقبه، أرسل إليه البواب ليسأله مَن يكون؟ فقال له إنه مخبر عينته جهات الأمن لحماية الأستاذ بعد ما نشرته «اللواء الإسلامى»، فشعر الحكيم بالخطر، اتصل بمحاميه صبرى العسكرى ليستشيره فى الأمر، فنصحه باللجوء إلى القضاء، فقدم بلاغًا إلى النائب العام. 

كان نص البلاغ على النحو التالى: مقدم البلاغ حسين توفيق الحكيم الكاتب بجريدة الأهرام والشهير بـ«توفيق الحكيم»، بعد أن علم من بواب العمارة 1905 كورنيش النيل أن جهات الأمن قد عينت له حراسة خوفًا على حياته دون طلب منه مما أشعره أن حياته باتت مهددة لأسباب تعرفها جهات الأمن ولا يعرفها هو، بل إن كل ما يعرفه أنه ينشر مقالات فى جريدة الأهرام بعنوان «حديث مع الله أو إلى الله»، كانت محل تقدير كثيرين ومنهم المسئولون عن النشر فى الأهرام، إلى أن طلع الشيخ الشعراوى بتصريح فى مجلة اللواء الإسلامى يقول إن ما كتبه الحكيم ضلال وإضلال، وثار الموقف عند كل من قرأ ومن سمع ومن أشاع أن توفيق الحكيم كافر، وانهالت خطابات الاحتجاج والمقالات واللعنات بالأسلوب الجارح والعدوانى بأسلوب لا يدعو إلى الطمأنينة. 

ما الذى طلبه الحكيم فى بلاغه؟ 

كما يقول هو: كل ما أطلبه من بلاغى هو حمايتى من التهديد بالتحقيق فى هذا الموضوع لإظهار الحقيقة، وهل قد صدر منى حقًا ما يستحق التشهير بدينى، وما حقيقة أنى قد ضللت هذا الضلال، خاصة أن الذى أهاج الرأى العام من رجال الدين الموثوق بهم، وأنا لا أوجّه اتهامًا إلى أحد، لكنى أطلب درء خطر اتهامى بالضلال. 

طالب الحكيم، أيضًا، باتخاذ الإجراءات القانونية للتحقيق فيما نسبه إليه الشيخ الشعراوى من اتهامات، وفيما قدمه من آراء خادشة للاعتبار، وطالب بالاستشهاد بآراء رجال الدين والفكر المشهود لهم باستقامة الرأى وحرية التفكير وهم كثيرون، على سبيل المثال الشيخ الباقورى والدكتور أحمد شلبى والدكتور أحمد هيكل والدكتور إبراهيم بدران.

أخذ صبرى العسكرى، محامى اتحاد الكتاب، بلاغ توفيق الحكيم وصاغ على أساسه عريضة دعوى تقدم بها إلى مكتب النائب العام، وكان هذا نصها: 

السيد الأستاذ النائب العام.. بعد الاحترام.. فإننى أتشرف بأن أرفع لسيادتكم البلاغ المقدم من موكلى الأستاذ توفيق الحكيم المؤرخ ٣ أبريل ١٩٨٣ بشأن الاتهامات التى نسبها إليه فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى فى أحاديثه الصحفية المنتشرة بالصحف والمجلات المصرية فى الآونة الأخيرة، ويلتمس موكلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للتحقيق فيما نسبه إليه الشيخ محمد متولى الشعراوى من اتهامات، وفيما قدمه من آراء خادشة للاعتبار، وذلك لكى تبرأ ساحة موكلى من تلك الاتهامات، ولكى يبقى ما له من اعتبار لدى مواطنيه نقيًا غير مشوب، ويركن موكلى فى هذا إلى آراء رجال الدين والفكر المشهود لهم باستقامة الرأى وعمق البحث وحرية التفكير، وهم كثيرون فى بلدنا والحمد لله، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر فضيلة الشيخ أحمد حسن الباقورى، والدكتور أحمد شلبى، والدكتور أحمد هيكل، والدكتور إبراهيم بدران.

ويضيف صبرى العسكرى، المحامى، فى دعواه: بالإضافة إلى الأسانيد المقدمة فى البلاغ المرفوع منا إلى النائب العام فتخلص وجهة نظر الأستاذ توفيق الحكيم ومن وقف معه دفاعًا عن حرية الرأى والتفكير فى أنه إذا كان فضيلة الشيخ الشعراوى قد أخذ عليه أنه أنشأ كلامًا ونسبه إلى الله- عز وجل- فإن هذا مردود عليه بالعديد من السوابق المتواترة فى التراث الدينى والإسلام، بخاصة عند الصوفية، إلى حد أن فضيلة الشيخ المرحوم الدكتور عبدالحليم محمود أجاز لنفسه أن يحقق كتابًا لأحد هؤلاء الصوفية أنشأ فيه حوارات مع الله وأحاديث دون أن يتحرز فضيلته من إيراد هذه النصوص، ودون أن يتهم صاحبها بالإضلال والتضليل، وأيضًا هناك كتاب «المواقف والمخاطبات» للشيخ عبدالجبار النفرى والمنشور فى مصر سنة ١٩٣٤ «طبعة دار الكتب المصرية» والمطبوع فى المطبعة الأميرية، وبه العديد من المخاطبات المنسوبة إلى الله مباشرة، بل ودون أن يفسر الصوفى كيفية أنه أجاز لنفسه إنشاء تلك المخاطبات، ولم يقل إنها كانت ثمار شطحات صوفية أو حوار متصور، وفى هذا يكون قد قال بما لم يقل به الأستاذ توفيق الحكيم الذى تحوط لكل هذا، وقال بكل الصدق إنه صاحب الحوار، دون أن يوقع القارئ فى أى شبهة حول نسبة أى من ذلك الحوار إلى الله، عزت قدرته، أضف إلى النفرى مؤلفات الصوفى الكبير محيى الدين بن عربى، والجنيد، والحلاج.. وغيرهم.

ويختم صبرى العسكرى دعواه بقوله: لقد علمت أن الشيخ متولى الشعراوى قد دعا كاتبنا عن طريق عدد من الأصدقاء والوسطاء إلى تناول الغداء فى محل أبوشقرة الشهير، وهكذا بدأ الشيخ الشعراوى مساعى الصلح، ورد توفيق الحكيم بما جاء فى الآية الشريفة «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى الله»، لكن السؤال الآن: هل يكفى لاعتبار دعوة الغداء منتهية أو لا بد من صدور بيان صريح من الشيخ الشعراوى يزيل ما لحق وما أشيع عن الحكيم وعن خروجه عن الدين؟.

انتهت هذه الضجة إلى لا شىء، فقد تم حفظ البلاغ، ولم تعقد المناظرة بين الكاتب والشيخ، بل لم يمت توفيق الحكيم إلا بعد لقائه مع الشيخ الشعراوى. 

وهو ما يكشفه لنا إبراهيم عبدالعزيز فى كتابه «الملف الشخصى لتوفيق الحكيم»، حيث يقول: دخل الحكيم المستشفى وأعلن رغبته فى أن يزوره الشيخ الشعراوى، معللًا ذلك بأنه رآه فى منامه، ولما زاره الشيخ أخبره الحكيم أنه فى مناجاة دائمة مع الله فلم يعد له إلا هو، فقال له الشيخ الشعراوى إنه لم يقرأ مقالاته فى الأهرام حرفيًا، لكن بعض الصحفيين الذين يثق فيهم نقل مضمونها إليه. 

وقد تتعجب من حدة الشيخ فى بيانه، فقد تصدى لشىء لم يقرأه أو يتبين حقيقته، لكن هذا ما جرى. 

لا يعرف كثيرون أن توفيق الحكيم سجل هذه المعركة فى كتاب أصدره فى العام نفسه ١٩٨٣ اسمه «الأحاديث الأربعة»، وهو الكتاب الذى نشر فيه الحكيم بيانًا تحت عنوان «أنا مسلم.. لماذا؟»، أراد به تقريبًا لا أن ينهى جدل الأحاديث الأربعة فقط، ولكن ينهى الجدل حول مسألة إيمانه التى كانت محل شك من المحيطين به ومن قرائه. 

يصدر الحكيم كتابه «الأحاديث الأربعة» بالآية الكريمة «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقى إلا بالله». 

وفى تقديمه للكتاب يقول: هذا الكتاب «الأحاديث الأربعة» يضم الأحاديث التى نشرت بعنوان: «مع وإلى الله» والتى أثارت الضجة المعروفة بين الناس، مع أنها لم تخرج عن كونها نوعًا من المناجاة مع الله تعالى، مناجاة بلغتى الخاصة، وثقافتى الخاصة، تعبيرًا عن حبى الخالص لربى، فلن أقبل الفكر الذى يصدر بلا تفكر عن غير عقلى الذى خلقه الله ليفكر، ولا أرتدى بلا مناقشة ما خرج من قلب وعقل الآخرين دون تأمل فيه وتمحيص.

يصف الحكيم الضجة التى حدثت بأنها كانت طارئة ودخيلة. 

وأعاد نشر الأحاديث الأربعة فى كتابه بعد استبعاد كل الكلمات والأسطر التى كُتبت تخيلًا منسوبة إلى الله، مراعاة للحساسية الدينية التى لا يريد إطلاقًا أن تسبب إزعاجًا لأى مؤمن، كما حرص على تخريج الأحاديث الشريفة والأفكار التى وردت فى الأحاديث الأربعة والتى قال عنها بعض العلماء إنها أحاديث موضوعة، ضعيفة، أو غير موجودة، فعاد إلى المصادر التى استقاها منها فإذا بها أحاديث حسنة الإسناد لا يكاد يخلو منها كتاب من أمهات الكتب الإسلامية. 

يقول الحكيم: أما القضية التى يجب أن تناقش بجدية، فتتلخص فى أن بعض علماء الدين يريدون أن يكون لهم وحدهم حق تشكيل عقلية الأمة على أساس العلم الدينى الذى درسوه هم من الكتب المعتمدة لديهم طبقًا للنصوص التى قرأوها وأقروها وحدها، وقرأوها على طريقتهم، بطريقة منفصلة عما استجد فى العالم من معارف وإضافات، ونراهم فى نفس الوقت لا يعترفون لمن ليس منهم بحق التوجيه والتشكيل لعقلية الأمة على أساس العلم والثقافة العصرية، بغير أن يكون هذا الأساس العصرى خاضعًا لرقابتهم وموافقتهم، وهم على ما هم عليه من انفصال عن حركة الفكر فى أزمانه المتجددة، دون تفريق بين الثابت فى الدين، والمتغير بتغير الزمان والمكان، فى حين أن رجال الرأى والعلم يجدون أن تشكيل عقلية الأمة يجب أن تسهم فيه كل العناصر الإنسانية القائمة على النشاط الذهنى والشعورى للإنسان: من عقيدة دينية، وفكر علمى، وأدب، وفن، وثقافة متجددة بتغير العصور من قديمة وحديثة، ما دام الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان. 

ويتحدث الحكيم عن الخلاف الأساسى بين بعض علماء الدين ورجال الفكر المعاصر، يقول: هو أن علماء الدين هؤلاء يعتمدون فقط على العلم والثقافة الموجودة فى عهد النبوة بأسانيدها المعتمدة عن هذه الفترة، أما رجال الفكر فيعتمدون على ذلك أيضًا، ويضيفون إليه كل ما وصلت إليه العهود الحديثة من علم وثقافة. 

ويخلص الحكيم فى هذه القضية المهمة التى هى أصل مسألة التجديد، فيقول: إن تراث الأقدميين ليس إلا إفراز عقول وقلوب بشرية عاشت فى ظل معطيات حضارية تختلف عن يومنا هذا بما حدث من إضافات الحياة المتجددة، وعليه فلا يجب أن نقف عند حدود تلك المعطيات الأولى وحدها، ونجعلها قيدًا على أفكارنا أو حدًا لا نتخطاه، فنظل مئات السنين ندور فى حلقة مفرغة حول عصر واحد فقط كأن الإسلام لا يصلح إلا له ولأفكاره وظروفه وحدها، وهو عصر الإسلام الأول، نبنى عليه كل تفكيرنا، وننسى أن الإسلام صالح لكل العصور والأزمان، لأنه من اليسر بحيث يصلح للحياة والتقدم فى كل عصر وزمان ومكان.. والله تعالى أكبر، وعلمه أوسع، ورحمته أعمق، وغفرانه أرحب. 

لم يكن توفيق الحكيم فقيهًا ولا عالمًا فى الدين، يمكننا أن نلمح ببساطة بعضًا من سلوكه وتكوينه الدينى. 

فى حواره المطول مع جمال الغيطانى، والذى نشره فى كتابه «توفيق الحكيم يتذكر»، انتهز الحكيم الفرصة ليتحدث عن مساحة الدين فى حياته، وهى المساحة التى أسهمت فى أن تقوده إلى أحاديثه مع الله أو إليه، كما اضطر إلى أن يفعل ذلك. 

يحاول الحكيم أن يتذكر ما كان، فيقول: لست أذكر بالضبط متى كان أول انفعال لى بالجمال الفنى؟ لعل أول مظهر من مظاهره اتخذ صورة التلاوة القرآنية الجميلة، يوم كنت بالريف بأبى مسعود، أحضروا لى شيخًا يُحفّظنى القرآن، ويُعلّمنى مبادئ القراءة والكتابة فى ذلك الوقت من العام، وقت الصيف حيث نغادر البنادر بمدارسها، ولا يوجد فى ناحيتنا تلك من الريف وقتئذ كتاب من الكتاتيب، كان ذلك الشيخ الذى أحضروه جميل الصوت، يعلّمنى ويحفّظنى ساعة، ويتلو القرآن ساعة، ويؤذن للصلاة فى المصلى القائمة على مصرف الترعة، كان الإعجاب بصوت هذا الشيخ فى كل ناحية حافزًا لى على محاكاته، فكنت أحفظ ما يلقننى إياه من الآيات لأتلوها مثله بصوت جميل، ويظهر أنه كان لى مثل هذا الصوت، إذ كنت أسمع من يطربه ويثنى عليه فيزيدنى إقبالًا على التلاوة وتجويدًا لها، وشعرت لأول مرة فى قرارة نفسى بما يشبه الشعور باللذة الفنية، ذلك الذى نصفه اليوم بإحساس الفنان وهو يقوم بعمل فنى.

ويضيف الحكيم: كان من عادة ذلك الشيخ أن ينام ساعة القيلولة تحت شجرة سنط قرب الترعة، فإذا أفاق ليؤذن للعصر مسح وجهه بكفيه متشهدًا وهو لم يزل مغمض العينين، ولاحظ أخى الصغير ذلك منه بما جبل عليه من روح المداعبة الخبيثة، فتربص به حتى غرق فى النوم مادًا كفيه إلى جنبيه، فأخذ من الترعة قطعتين من الطين ملأ بهما هاتين الكفين للشيخ النائم، ولما أفاق لصلاة العصر مسح وجهه بكفيه على عادته، فتلطخ وجهه بالطين، فأثار ضحك الحاضرين، وقام الشيخ غاضبًا ساخطًا لاعنًا على قلة الأدب وعبث الصغار وسخرية أهل العزبة، وأقسم ألا يبيت فيها ليلته، وبذلك فقدتُ ذلك المنبع الأول من منابع إحساسى الفنى.

شعر الحكيم بعد ذلك بالفن فى صورة أخرى، وهى مولد سيدى إبراهيم الدسوقى، والموكب الذى كان يمر من تحت نوافذ بيته بركبة الخليفة على حصانه شاهرًا سيفه، تحف به البيارق والأعلام والبنادير والرايات بمختلف الألوان، والطبول الكبيرة والمزامير بمختلف الأحجام، ثم عربات النقل الكثيرة، يتلو بعضها البعض فى صف طويل لا ينتهى، تجرها كل أنواع الدواب من خيول وبغال وحمير وبقر وجواميس وثيران، كل عربة تمثل حرفة من الحرف بكل أدواتها وأهل الكار فيها، فالحدادون على عربتهم أمامهم الكور والسندان يضربون بالمطارق ممثلين عملهم، ثم يأتى النجارون بالمناشير، والبناءون بالمسطرين، والفخرانية بالقلل والأباريق، والسمكرية بالكيزان وفوانيس رمضان، كلهم يمثلون أدوارهم فى الحياة، حتى الفكهانية لهم عربتهم قد علّقوا عليها الأغصان يتدلى منها التفاح والبرتقال، نوع من كرنفال ساذج، ولكن تأثيره على نفسه فى تلك السن كان عجيبًا، كان شيئًا لا يمكن وصفه.

لم يكن الحكيم متزمتًا ولكنه صاحب رؤية مصرية بسيطة متسامحة فيما يخص الدين. 

يمكننا أن نفتح مرة أخرى كتاب إبراهيم عبدالعزيز «الملف الشخصى لتوفيق الحكيم»، لنتعرف على بعض هذه الملامح. 

فعندما يرى الحكيم ابنته كاشفة شعر رأسها يقول لها: ألم تكونى متحجبة.. خلعت الحجاب ليه؟ 

فتقول له: من كثرة سخرية حضرتك من المحجبات. 

فينفى ذلك ويقول: لا.. لا.. أنا لم أقل لك اخلعى الحجاب. 

فتقول له: أنا أنوى ارتداءه حينما أقتنع تمامًا لأننى مترددة. 

فيقول لها: ارتدى الحجاب ولا داعى للتردد. 

وحين تستعد للصلاة يجدها ترتدى فستانًا وتحته بنطلون، فيقول لها: ولماذا البنطلون ما دام الفستان طويلًا؟ فتقول له: لأن فى الفستان فتحة فى أسفله تبين قدمى. 

فيقول لها ساخرًا: هو يعنى ربنا سيترك الكون كله وينشغل بفتحة فستانك؟ 

وعندما تلبس البيجاما لتخفى بها كل جسدها أثناء الصلاة، يلاحظ الحكيم أن البيجاما تكاد تتفتق لضيقها مما يحدد ملامح جسد زينب، فيقول لها: ما هذا.. ترتدين بيجاما ضيقة لإغراء مَن؟ 

وحين تدخل فى صلاتها ويقبل عليها طفلها محمد يداعبها فتتضايق لأنه يعطلها عن مواصلة صلاتها، فيقول لها الحكيم: دعيه يلعب، إنه يفعل معك كما كان يفعل الحسن والحسين مع جدهما الرسول، صلى الله عليه وسلم، حينما كانا يمتطيان ظهره فلا يتحرك من سجوده قبل أن يتركانه حتى لا يزعجهما. 

ويتعجب الحكيم من أن الشغالة التى تعمل عنده فى البيت لا تحب من يسميها خادمة، ويقول مع أن الشرع يقول «سيد القوم خادمهم»، وإن النبى، صلى الله عليه وسلم، كان يذكر كلمة الخادم موصيًا به خيرًا. 

ويتساءل الحكيم: لماذا الإصرار على التعقيد وتنفير أبنائنا من التعليم؟

ويجيب: كله كوم والتربية الدينية كوم آخر، لدرجة أن أخوف ما أخافه هو إدخال «الدين» فى المدارس كمادة أساسية بدلًا مما هى عليه الآن كمادة غير داخلة فى المجموع. 

ويسأله إبراهيم عبدالعزيز: لماذا؟ 

فيجيب الحكيم: إننى أسمع من أولياء الأمور أنهم يجدون أولادهم فى حالة خوف شديد ومشقة شديدة من إدخال الدين فى المدارس كمادة أساسية، لأن المسئولين عن التعليم لا يختارون فى المقرر الدينى إلا أصعب الآيات لغة ومضمونًا، وهذا مما ينفر من الدين أكثر مما يحبب فيه، بينما فى جيلنا نحن كنا نقبل على حصة الدين لأن الدين كان يصور لنا بصورة مبدعة، فكانت الآيات المقررة قصيرة وبسيطة تتدرج بعد ذلك مع مداركنا وأفهامنا كلما صعدنا درجة من درجات الدراسة، كما كان الأستاذ أو الشيخ الذى يدرس لنا يروى قصص الأنبياء بطريقة تستهوينا، لهذا لم نكن نشعر أبدًا أن الدين شىء صعب، مثلما يحدث اليوم، مع أن الدين بسيط فى تعاليمه، ويجب أن يكون كذلك بسيطًا فى طريقة تناوله للطلبة، وهذه هى البداية لتربية سلوك يتمشى مع طبيعة الإسلام وبساطته، وبهذا يكون الدين أداة للرُّقى، وبذلك تتخرج لدينا أجيال تتفهم المعنى الحقيقى للإسلام، ولكن ما يحدث عكس ذلك تمامًا، فليس فى برنامج المدرسة ما يدل على مباشرة هذا السلوك. 

ويضيف الحكيم: سور القرآن بوجه خاص ومنهج الدين المقرر ليس فى مستوى تلميذ فى مرحلة ابتدائية. 

ولذلك كان الحكيم يقول لحفيده إسماعيل متعجبًا: هذه السور مقررة عليكم؟ أنتم تتعبون جدًا، بل حتى الموجهون للفكر الدينى من شيوخ المساجد بعضهم يميل إلى التعصب. 

ويستأذن الحفيد جده فى النزول يوم الجمعة لأداء الصلاة، فيبدو السرور على الحكيم ويسأله: هل تصلى يا إسماعيل؟ ويشجعه ويوصيه بأن يحذر السيارات، وأن ينظر يمينًا وشمالًا قبل أن يعبر الشارع تجنبًا للحوادث التى أصابت زيدًا وعمرو، ويعود إسماعيل ليسأله جده عما قاله خطيب المسجد فى خطبته للمصلين، فيخبره بأنه تناول ادعاءات المسيحيين ببنوة المسيح لله، فيتعجب الحكيم ويتساءل: هل هذه قضايا تُطرح على الناس فى المسجد؟، إنهم يؤججون نار التعصب والفتنة، إن رجال الدين أولًا وأخيرًا هم المسئولون فى الأغلب عن الشباب الغيور على دينه عندما يلجأ إلى العنف لأنه وجدهم لا حول لهم ولا قوة، وقد أهملوا مسئولياتهم فى توجيه الشباب والتفتوا إلى الدين من حيث هو شعائر ونصوص وحلال وحرام، وكلام ليس له دخل فى المهمة الحقيقية التى يجب على رجال الدين القيام بها لأنهم الورثة الحقيقيون للنبى، صلى الله عليه وسلم، فى أن يحتفظوا بالأمة الإسلامية كخير أمة أخرجت للناس بعد أن ارتفع بها الرسول من محيط الجاهلية، ولكنهم نظروا إلى مظهر الدين وليس إلى جوهره وتركوا الشباب حائرًا لا يجد من يقوده، فقاد نفسه، وكانت النتيجة التى يعرفها الجميع. 

ويحاول الحكيم أن يصلح فى عقل حفيده ما أفسده خطيب المسجد من بذر بذور التعصب، مفهمًا إياه فكرة الدين الصحيحة وأنه دين يسر وسماحة، وليس دين عسر وتعصب، ولكن الحفيد لا يستطيع أن يفهم أو يعى كثيرًا مما يقوله له جده، الذى رغم ذلك يحاول أن ينزع من رأسه أى أفكار قد تترسب فى عقله الباطن تكون لها مردوداتها كلما نما وكبر. 

ولذلك كان الحكيم يسأل حفيده كلما عاد من صلاة الجمعة عن موضوع خطبة إمام المسجد ليطرد له منها بالشرح والتحليل ما يكون قد علق بذهنه من مفاهيم خاطئة لأمور الدين. 

نعود مرة أخرى إلى كتاب الغيطانى «توفيق الحكيم يتذكر»، فقد كان يعرف أهمية معرفة الناس بالحكيم على حقيقته، وعلى دوافعه لأن يكتب ما كتبه فى أحاديثه إلى الله، وهى الأحاديث التى جرت عليه اتهامًا بالكفر والعياذ بالله. 

يرصد الغيطانى الخطابات الكثيرة التى وصلت إلى الحكيم بعد أن اتهمه الشيخ محمد متولى الشعراوى بالضلال، معظمها كان يتساءل عما جرى للرجل، وكان أصحابها حسنى النية، يبدون أسفهم لما أصاب الحكيم فى آخر العمر، وخطابات أخرى عبر أصحابها عن ثقتهم فى إيمان الحكيم، واستنكارهم لمبدأ أن يكفر مسلم مسلمًا آخر، والعديد من الخطابات وصلت أيضًا إلى الناشر الذى يتعامل معه توفيق الحكيم منذ الثلاثينيات لم يطبع كتبه إلا عنده، ولم ينظر إلا من خلاله، قام الناشر على إثر وصول خطابات القراء إليه بالطبع بنشر توضيح من أربع صفحات أرفقه مع كل نسخة من كتب الحكيم. 

 بدأ اتصال توفيق الحكيم بالدين وبالإسلام منذ عهد الطفولة والصبا فى الكتاتيب

كان التوضيح عنوانه «الإسلام عند توفيق الحكيم»، ويتضمن خطوطًا عريضة لعلاقة توفيق الحكيم بالإسلام، ماذا يقول؟ وماهى أبعاد اجتهاداته وأفكاره؟

وكان من بين ما جاء فى هذا التوضيح: 

بدأ اتصال توفيق الحكيم بالدين وبالإسلام منذ عهد الطفولة والصبا فى الكتاتيب التى كانت تُحفّظ القرآن للصبية الصغار، على نحو ما ذكره فى سيرته الذاتية: «سجن العمر»، ثم تأتى مرحلة الاتصال العلمى، وقد كانت فى مدرسة الحقوق من عام ١٩٢١ إلى عام ١٩٢٤، حيث تلقى الشريعة الإسلامية على يد الشيخ زيد، وهو العالم الثقة الذى اشتهر فى ذلك العهد بأن على يديه تلقى الشريعة كبار رجال مصر المعروفين فى تاريخ القضاء والسياسة.

ثم جاءت مرحلة التأليف فى السيرة النبوية، حيث أسهم فى هذا المجال أهل الفكر والأدب من رجال عصر التنوير الذى أشرق على إثر ثورة ١٩١٩، وقد رأى أدباء هذا العصر أن القرآن مصدر نور إلهى وإنسانى، ومنبع أدب وعلم وفكر لا بد أن يستمدوا منه الإلهام، وأن يعملوا فى حقله المزهر الخصيب إلى جانب علماء الدين المتخصصين، فكان أن ظهرت مؤلفات إسلامية فذة مثل «حياة محمد» للدكتور هيكل، و«على هامش السيرة» للدكتور طه حسين، و«عبقرية محمد» لعباس محمود العقاد، و«محمد الرسول البشر» لتوفيق الحكيم. 

وقد جعل الحكيم منهجه فيه الاعتماد الكلى على الأحاديث المعتمدة، ينطق بها الرسول وصحابته وكل من ورد ذكره فى الكتاب، ولذلك عكف على دراسة هذه الكتب المعتمدة، وهى على سبيل الحصر: «سيرة ابن هشام وتفسيرها» للسهيلى، و«طبقات ابن سعد» و«الإصابة» لابن الحجر، و«أسد الغابة» لابن الأثير، وتاريخ الطبرى، وصحيح البخارى، وتيسير الوصول، والشمائل للترمذى وللبيجورى، وقد قرظ هذا الكتاب أعلام العصر ومنهم: مصطفى صادق الرافعى، صاحب «إعجاز القرآن» الذى وصفه سعد زغلول بأنه تنزيل من التنزيل.

وتبنى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية طبع النسخة الإنجليزية لكتاب «محمد» لتوفيق الحكيم وتوزيعه فى أنحاء العالم، وذلك ضمن سلسلة «دراسات فى الإسلام». 

ثم استمرت كتابات توفيق الحكيم فى الإسلام، فجاءت مقالاته فى كتابه «تحت شمس الفكر» ١٩٣٨ مثل: «الدفاع عن الإسلام» و«منطقة الإيمان» و«نجم أحمد» و«سر العظمة عند محمد صلى الله عليه وسلم» و«جوهر الدين». 

وفى كتابه «فن الأدب» أفرد بابًا للدين كتب فيه فصولًا رائعة تحت عناوين «معجزة الدين» و«الحقيقة الكاملة» و«ثورة العقل» و«الماء الحى» و«الإيمان بالحياة» و«السماء هى المنبع». 

وتوالت مؤلفاته فى شتى دروب الفكر الإنسانى ملتزمة برسالة ترقية الإنسان والإصلاح الاجتماعى، ولقد أكد فى ذلك الدور الجوهرى الذى يلعبه الدين والنواحى الروحية فى تحقيق الهدف المنشود.

ثم كتابه الضخم «مختار تفسير القرطبى» الذى قال فى تصديره: إن ضرورة هو ما نراه اليوم من الاهتمام المخلص بالدين مما يقتضى الرجوع إلى المنبع الأصلى للشريعة، ولما كانت المراجع مثل «تفسير القرطبى الجامع لأحكام القرآن» المشهور بأنه من أجل التفاسير وأعظمها نفعًا يبلغ من الضخامة فى مجلداته العشرين ما تشق قراءته على أكثر الناس، فقد رأيت أن أقوم بمثل ما قام به صاحب «مختار الصحاح» للتيسير على الناس باستخراج مختار فى مجلد واحد للجامع لأحكام القرآن، وقد حرصت فيه على ما سبق أن حرص صاحب مختار الصحاح فى مختاره من الاقتصار على ما لا بد لكل متدين ومسلم وقارئ للقرآن من معرفته وحفظه لكثرة استعماله وجريانه على الألسن.

وأخيرًا كتابه «الإسلام والتعادلية» الذى وضح فيه أن الإسلام يقوم على الإيمان بوجود الدنيا ووجود الآخرة، ولكل وجود شأنه المستقل، فالدنيا وجود يعمل له الإنسان كأنه يعيش أبدًا، والآخرة وجود يعمل له الإنسان كأنه يموت غدًا، لا طغيان لأحدهما على الآخر إلى حد الإفناء والإلغاء، وإن ما يميز الإسلام هو الاعتدال بعدم الغلو والتطرف والإسراف.

ويختم الناشر توضيحه بقوله: وقد استأذنا الأستاذ توفيق الحكيم فى نشر هذه البيانات تذكيرًا للقراء بسابق اطلاعه وعطائه للفكر الدينى من قديم، وهو القائل: إن الدين مصدر أساسى من مصادر الفكر والإلهام للأديب والمفكر والفنان بخاصة فى الإسلام، حيث يقول رسوله، صلوات الله عليه: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة». ولا ينتقص فى هذا الوضع ما يحدث لبعض المفكرين وكتاباتهم من نقد ومن اختلاف فى الرأى ومن حساسيات للبعض من أسلوب أو منهج، «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين». 

فى ختام كتابه «الأحاديث الأربعة» يغلق توفيق الحكيم مسألة دينه وإيمانه وإسلامه بشكل عملى، حيث يكتب ما يمكننا اعتباره بيانًا إيمانيًا تحت عنوان» أنا مسلم.. لماذا»؟ 

وهو المقال الذى يمكننا أن نقرأه معًا، يقول فيه: 

لما جاء فى الإسلام من عناصر ثلاثة: الرحمة والعلم والبشرية، وقبل ذلك وفوق ذلك لأنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. 

ثم لأنى مؤمن بالرحمن الرحيم، وهى الصفة التى وصف الله تعالى بها نفسه، ونكررها فى كل ساعة: «بسم الله الرحمن الرحيم». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون».

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله»، وقوله تعالى: «وأدخلنا فى رحمتك وأنت أرحم الراحمين». 

ولأنى مؤمن بقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». 

وقوله: «عُذّبت امرأة فى هرة حبستها حتى ماتت جوعًا». 

وقوله: «من رحم ولو ذبيحة رحمه الله يوم القيامة». 

وقوله: «بينما رجل يمشى بطريق اشتد به العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذى كان بلغ بى، فنزل البئر فملأ خفه فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله وإن لنا فى البهائم أجرًا؟ قال: «فى كل ذات كبد رطبة أجرًا». 

ولأنى مؤمن بقول النبى- صلى الله عليه وسلم-: «أترون هذه طارحة ولدها فى النار؟ قلنا: لا، وهى تقدِر أن لا تطرحه، فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها». 

ولأنى مؤمن بدعاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «اللهم رحمتك، أرجو، ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، وأصلح لى شأنى كله، لا إله إلا أنت».

ولأنى مؤمن بما رواه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «جعل الله الرحمة جزءًا فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل فى الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». 

ولأنى مؤمن بقول الله تعالى: «اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم». 

وقوله تعالى: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات».

وقوله تعالى: «كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء». 

وقوله تعالى: «وقل رب زدنى علمًا».

ولأنى أؤمن بقوله تعالى: «ويتفكرون فى خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك». 

ولقول رسول الله- صلاة الله عليه وسلامه-: «لا عبادة كتفكر» وقوله : «وهل ينفع القرآن إلا بالعلم»، وقوله: «اطلبوا العلم ولو فى الصين». 

وقوله تعالى: «خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا».

وقوله تعالى: «كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه». 

وقوله تعالى: «ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين». 

وقوله تعالى: «من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها».

وقوله تعالى: «قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون». 

وقوله تعالى: «فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون». 

وقوله تعالى: «قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم».

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورًا رحيمًا».

وقوله تعالى: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله».

وقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع». 

ولأنى مؤمن بقول الرسول- صلوات الله عليه-: «أنتم أدرى بأمور دنياكم». 

ولأنى مؤمن بما جاء فى القرآن الكريم: «قل يا أهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم»، و«إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون». 

وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغى للجاهل أن يسكت على جهله، ولا للعالم أن يسكت على علمه»، وقوله: «فضل العلم خير من فضل العبادة» وقوله: «من علم علمًا فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار».

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «قُل يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق». 

ولأنى مؤمن بالحديث الشريف: «لا تؤمنوا حتى تحابوا»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». 

ولأنى مؤمن بقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».

ولأنى أؤمن بقوله صلوات الله عليه: «إن الله بعثنى لأتمم مكارم الأخلاق».

ولأنى أؤمن بقوله صلوات الله عليه: «إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، كما جاء فى قوله تعالى: «وأما بنعمة ربك فحدث». 

ولأنى أؤمن بقوله صلى الله عليه وسلم: تفكروا فى الخلق ولا تتفكروا فى الخالق فإنكم لا تقدرون قدره». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «ولا تنس نصيبك من الدنيا». 

ولأنى مؤمن بقول رسول الله: «أما إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى»، وقوله: «حُبب إلىّ النساء والطيب وجعلت قرة عينى فى الصلاة». 

ولأنى مؤمن بخلق رسول الله البشرى- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخارى ومسلم، قالا: 

استأذن عمر بن الخطاب على رسوله الله وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فدخل عمر ورسول الله يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله! فقال النبى: عجبت من هؤلاء اللاتى كن عندى فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، فقال عمر: أنت أحق أن يهبن يا رسول الله، ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن، أتهبننى ولا تهبن رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فقلن: نعم.. أنت أفظ وأغلظ من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله: إيه يا ابن الخطاب، والذى نفسى بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك. 

ولأنى مؤمن بما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من يرد الله به خيرًا يفقه فى الدين» و«إنما العلم بالتعلم»، وقوله: «مَن سلك طريقًا يطلب به علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة».

ولأنى مؤمن بما روى عن عائشة أنها قالت: «ما خيّر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»، ولما جاء فى حديث صحيح: «خير دينكم أيسره».. قالها ثلاثًا.

ولأنى مؤمن بما قاله رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لكل شىء دعامة ودعامة المؤمن عقله، فبقدر عقله تكون عبادته، أما سمعتم قول الفجار فى النار: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير». 

ولما رواه أبو هريرة قال: لما رجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من غزوة أحد سمع الناس يقولون: فلان أشجع من فلان، وفلان أبلى ما لم يبل فلان، ونحو هذا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أما هذا فلا علم لكم به، قالوا: وكيف يا رسول الله؟ فقال: إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل، وكانت نصرتهم ونيتهم على قدر عقولهم، فأصيب منهم من أصيب على منازل شتى، فإذا كان يوم القيامة اقتسموا المنازل على قدر نياتهم وعقولهم. 

وعن عائشة قالت: قلت يا رسول الله بمَ يتفاضل الناس فى الدنيا؟ 

قال: بالعقل. 

قالت: وفى الآخرة؟ 

قال: بالعقل. 

قالت: أليس إنما يجزون بأعمالهم؟ 

قال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم- عز وجل- من العقل، فبقدر ما أُعطوا من العقل كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا يجزون». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى فى حديث قدسى: «يسب ابنُ آدم الدهر وأنا الدهر بيدى الليل والنهار».

ولأنى مؤمن بقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله».

ولأنى أؤمن بقوله تعالى فى قرآنه الكريم: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»، وقوله تعالى: «سيجعل الله بعد عسر يسرًا»، وقوله: «فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا». 

ولأنى مؤمن بدعاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- نقلًا عن عائشة أنها رأت النبى يدعو رافعًا يديه يقول: «إنما أنا بشر فلا تعاقبنى، أيما رجل من المؤمنين آذيته أو شتمته فلا تعاقبنى فيه».

ولأنى مؤمن بدعاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فى دعوات المكروب: «اللهم رحمتك أرجو، ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، وأصلح لى شأنى كله، لا إله إلا أنت».

ولأنى مؤمن بقوله صلى الله عليه سلم: «علموا ويسروا، علموا ويسروا» ثلاث مرات، «وإذا غضبت فاسكت».. مرتين.

ولأنى مؤمن بما قال أبو بكر- رضى الله عنه- للنبى- صلى الله عليه وسلم-: علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى، قال: «اللهم إنى ظلمت نفسى ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لى من عندك مغفرة، إنك أنت الغفور الرحيم». 

ولأنى مؤمن بقول رسول الله- صلوات الله عليه: «ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدى صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله».

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «إن أريدُ إلا الإصلاح ما استطعتُ وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب». 

ولأنى مؤمن بما جاء فى خطبة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس». 

ولأنى مؤمن بما جاء فى القرآن الكريم: «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «وجادلهم بالتى هى أحسن».

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «ومن يؤت الحكمة فقد أؤتى خيرًا كثيرًا وما يذكر إلا أولو الألباب». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «لا إكراه فى الدين». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا». 

ولأنى مؤمن بقوله تعالى: «مَن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى. وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا».

وفى الخاتمة النهائية للكتاب يتساءل الحكيم: ما المراد من كتابى هذا؟

والمفاجأة أنه لا يتوجه بإجابته على هذا السؤال للقراء، بل يتحدث إلى الله مباشرة. 

يقول: المراد يا ربى هو طاعتك فيما أمرتنا به فى كتابك الكريم.. وها هى ذى آياتك العظيمة:

«أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِى أَنْفُسِهِمْ» (سورة الروم: من الآية: ٨).

«كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» (سورة البقرة: من الآية: ٢١٩).

«أَنْ تَقُومُوا لِلهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا» (سورة سبأ: من الآية: ٤٦).

«قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ» (سورة الأنعام: من الآية: ٥٠).

«كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (سورة يونس: من الآية: ٢٤).

«الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» (سورة آل عمران من الآية: ١٩١).

«فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (سورة الأعراف من الآية: ١٧٦).

«وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (سورة النحل الآية: ٤٤).

«وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (سورة الحشر الآية: ٢١).

وهكذا.. وهكذا.. فى آياتك الكثيرة يا ربى دعوة إلى التفكير، وخلقت لنا آلة للتفكير، فلم نستخدمها كثيرًا، واكتفى أكثرنا بالتلقين دون تفكير، واستخدم بعضنا التفكير داخل جدران التلقين، ولم يعملوا بقول رسولك- صلى الله عليه وسلم-: «لا عبادة كتفكر»، لأن التفكر إذا أدى إلى معرفتك الحقيقية، وليست فقط المعرفة التلقينية، فقد أصبح عبادة، لأن العبادة فى جوهرها هى معرفة قدرتك، وتقديرك حق قدرك، وهذه المعرفة العليا لا يكفى للوصول إليها حفظ وترديد العبارات الملقنة، ولقد قالها الرسول- صلوات الله عليه-: «وهل ينفع القرآن إلّا بالعلم؟!». 

وقد جاء فى قرآنك الكريم: «وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ» (سورة لقمان: من الآية ٢٧) حقًا يا ربى! وهل لو تحولت الأشجار إلى أقلام والبحار إلى مداد يمكن أن نكتب بها كل عجائب صنعك؟! وهل يمكن لكل ما عندنا من فكر يتجدد بتجدد العلوم والأزمان أن يصل إلى بعض ما عندك من أسرار خلقك؟! ما نحن إلا بشر ضعيف فوق كوكب صغير خلقت مثله بقدرتك غير المحدودة ما لا حصر له من ملايين الكواكب والشموس، وأنت وحدك الأعلم بما خلقت فيها من مخلوقات قد تكون أقوى منا إدراكًا، ولقد سلحتنا من فضلك بسلاح الفكر لندفع به عنا شر الأقوى من وحوش الأرض، وشر الأذكى من مخلوقاتك فى كوكب آخر قد يهدد بقاءنا، ولا بد لذلك من فكر متجدد يتسع ويرتفع لإدراك بعض أسرارك المعجزة.

لا بد لرجل الدين المتعمق أن يعرف اللغة العلمية ليزداد معرفة بالله وقربًا من أسرار خلقه

ولقد قمت يا ربى بتدريبنا وتوسيع مداركنا البشرية على مراحل. 

بدأت المرحلة الأولى فيها بأداة «اللغة» المعروفة للناس، بكلام مبين مُوحى به منك، ليس فيه تفصيلات علمية لا يدركها بعد عقلنا البشرى فى تلك المرحلة، ولكن فيه إشارات لذوى الألباب، وأنت يا ربى تعرف مواقيت المراحل المقبلة التى يستطيع فكرنا أن يقترب فيها خطوات من المعرفة التى أردت لنا بها أن نكشف عن شىء من أسرار خلقك، وهيأت لنا فيها لغة أخرى صالحة لذلك هى لغة القوانين العلمية والمعادلات الرياضية التى يمكنها الكشف عن تركيب الذرة وتكوينات العناصر فى أنواع خلقك، ولذلك لا بد لرجل الدين المتعمق أن يعرف هذه اللغة العلمية ليزداد معرفة بالله وقربًا من أسرار خلقه.

وحتى فى هذا فطن عالم مؤمن مثل «أينشتين» إلى ما جعله يقول إن العلم الذى يمارسه هو أيضًا نابع من نوع من الإلهام الإلهى.

لقد علمنا الله فيما علمنا بعض أدوات العلم الذى أراد لنا التقدم فيه، من ذلك «مبدأ السببية»، أساس العلم، فهو تعالى وإن كانت إرادته هى العليا، ويكفى أن يقول للشىء: كن فيكون، إلا أنه أراد أيضًا أن يعلمنا أن الإرادة- حتى إرادته أحيانًا- تكون على أساس السبب والمسبب، كما جاء فى قوله تعالى: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا» (سورة الإسراء: الآية ١٦)، وكان من الممكن أن يكتفى بالإرادة، ويقول: «وإذا أردنا أن نهلك قرية دمَّرناها تدميرًا»، ولكن الله تعالى أراد بحكمته وعلمه أن يقول لنا: فلتكن لكم إرادة، ولكن لتكن هناك أيضًا الأسباب التى توصل إلى تحقيق هذه الإرادة … والله أعلم.

ومهما يكن من أمر فقد أرانا الله تعالى الفرق بين الإرادة وبين الأسباب الموصلة إلى تحقيقها، كذلك «معرفة الله» وهى الهدف الأسمى من «العبادة»، ثم طريق الوصول إلى هذه «المعرفة» وهو «الفكر».

ويجب أن نفرق بين «العلم الصرف» الذى يقربنا إلى معرفة الله، والعلم التطبيقى «التكنولوجيا» الذى هو المسئول عن القنابل الذرية والإنسان الآلى والقلق الحضارى. 

إن مسئولية إنقاذ البشرية تقع اليوم على رجال الفكر بالتعاون مع رجال الدين على دعم القوى الروحية، وإن كان الاتفاق على معنى واحد لكلمات: «القوى الروحية» و«الفكر» و«العلم» و«الثقافة» ليس من الميسور دائمًا عندنا، وهو ما يؤدى إلى سوء الفهم واختلاف الأحكام.

كذلك فى «الدين» على وجه العموم: هنالك من يرى فيه الغرض الأصلى وهو «الوصول إلى الله»، وهناك من يراه فـ«الشعائر» و«الطقوس»، وهناك من يتبع بكل دقة الشعائر التى أمر الله تعالى ولا يعتبر أنه قد وصل، إنما هو اتبع الطريق الذى أراده الله للوصول إليه لأنه السلم الذى يرتقى عليه. 

إنما الوصول ذاته هو القمة، وهى معرفته وحبه تعالى، وحب الله ليس هو الحب الذى نعرفه من البشر للبشر، لأن الحب البشرى له أسبابه وأعضاؤه التى خلقها الله لنا وبها، والله ليس بشرًا مثلنا، فهو «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ» (الشورى: ١١). 

كل من اتجه إلى «التفكير» فى دين أو علم حاصرته «الإشاعة» وطاردته

إذن «حب الله» «هو: «حب نوره»، ونوره تعالى ليس مصدره القلب وحده، ولا العقل وحده، ولكنه فى كل ما يضىء كياننا البشرى، ويرفعنا لنسمو على أنفسنا. 

ويصل توفيق الحكيم بنا إلى نهاية رحلته، يقول: إن من واجبى أن أنبه إلى خطر أخشى استفحاله يتعرض له الإسلام وأهله والفكر وأهله من انتشار «الغوغائية»، وهى القوة الغاشمة التى تقوم على مجرد الإشاعة ونبذ «التفكير»، التفكير الذى أوصى به الله تعالى ورسوله صلوات الله عليه، وكان أن قام نفر اتخذ من «الغوغائية» البعيدة عن «التفكير» سلاحًا للسيطرة على العقول، وكان من أثر ذلك ما تعرض له فى الإسلام أمثال: «ابن رشد» و«ابن سينا» من اضطهاد، وفى المسيحية أمثال: «جاليليو» و«كوبرنيكوس»، وكانت الحجة التى فى يد قادة «الغوغائية» هى دائمًا: الدفاع عن الدين ضد الإلحاد، وتتكفل الإشاعة بالباقى، فإذا كل من اتجه إلى «التفكير» فى دين أو علم قد حاصرته «الإشاعة» وطاردته.

ويضيف الحكيم: الإسلام اليوم فى نهضة تحتاج إلى فهم صحيح لكتاب الله الكريم وحديث رسوله الشريف، وأسلوب القرآن مبين، وحديث الرسول واضح، ولكن «الإشاعة» لا تقرأ ولا تفكر، وفى هذه «الأحاديث الأربعة» «مع الله وإلى الله» أطلقت «الإشاعة» القول بأن المُؤلف تجرأ وتطاول على الله تعالى بمخاطبته، ولو قرءوا القرآن بعناية وفكر لوجدوا الله تعالى يخاطب الإنسان بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» (سورة الانفطار الآية: ٦).

وبقوله تعالى يُخاطب الناس: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِى الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا» (سورة البقرة: من الآية: ١٦٨).

وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ» (سورة النساء من الآية: ١).

وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ» (سورة الصف الآية: ١٠).

بل إنَّ الله تعالى يُخاطب الكافرين أيضًا فى قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ». (سورة التحريم الآية: ٧).

أمَّا الإنسان فهو أيضًا يُخاطب ربه كما جاء فى القرآن الكريم: «رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا». (سورة الكهف من الآية: ١٠).

وكما جاء فى كتابه الكريم: «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ» (سورة الأعراف من الآية: ٨٩).

ويسأل الحكيم أخيرًا: أليس فى كل هذه الآيات مخاطبة الله تعالى للإنسان والناس والمؤمنين والكافرين.. كما أن فيها مخاطبة من الإنسان والناس لله سبحانه وتعالى؟ 

ويختم حديثه كله بدعاء أعتقد أننا جميعًا فى حاجة إليه، يقول: اللهم احفظ الإسلام ممن يسىء فهمه وفهم المؤمنين به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا. 

لا يحتاج ما كتبه توفيق الحكيم إلى تفسير أو إيضاح، يكفينا أن نعيد قراءته لنصل إلى الصيغة المثلى لتجديد الفكر الدينى، وإذا أردتم أن تتأكدوا من ذلك فليس عليكم إلا أن تقرأوا ما قاله الحكيم من جديد.