فى صوته فتنةٌ.. أسرارُ الحلَّاج.. «النَّاسُ مَوْتَى وأَهْلُ الحُبِّ أَحْيَاءُ»
كلُّ شاعرٍ يحملُ قطعةً
من خشبةِ الحلَّاجِ
كُلُّ عاشقٍ يعرفُ أنَّ الطَّريقَ
إلى اللهِ يمُرُّ من ساحةِ الإعدامْ
كانَ يمشِى فى السَّماءِ كهُدهُدٍ
أضَاعَ الغابةَ فدخلَ النَّارَ مُطمئنًّا
المآذنُ ترتجفُ كُلَّما نُطِقَ اسمُهُ
والسَّماءُ تتوضَّأُ بالرَّمادِ
قالَ «أنا الحقُّ» فارتبكَ الهواءُ
وسقطتْ من يدِ الخليفةِ مِسبحتُهُ
كأنَّ القيامةَ مرَّتْ من هُنا
أىُّ بابٍ فتحتَهُ حتَّى قَطَّعتِ السَّكاكينُ اللغةَ؟
يخافُونكَ لأنَّكَ كُنتَ ترى اللهَ فى وجُوهِ الفُقراءِ
وفى عَرَقِ الحمَّالين وبُكاءِ امرأةٍ تغسلُ الليلَ
علَّقوكَ على خشبةٍ أعلى من خوفِهِم
وكانَ جسدُكَ ينزِفُ نُورًا
هبطتِ السِّياطُ على ظهرِكَ أوامرَ عمياءَ
وكُنتَ تبتسمُ كأنَّ الملائكةَ تسرِّحُ شَعْرَ رُوحِكَ
قالوا اقتلُوهُ ففى صوتِهِ فِتنةٌ
لم يفهمُوا أنَّ العاشقَ حينَ يحترقُ يصيرُ مِئذنةً
ارتديتَ الفقرَ كما يرتدى النبىُّ غيمتَهُ الأخيرةَ
وخُطاكَ تترُكُ على التُّرابِ أثرَ صلاةٍ طويلةٍ
حينَ قطعُوا يدَكَ طارَ الحمَامُ
من أطرافِ المدينةِ وحينَ قطعُوا رِجلَكَ
مالَ النَّهرُ كأنَّهُ يبكى
ورأسُكَ وحدَهُ مدينةٌ كاملةٌ من الأسرارِ
وجهُكَ أشدُّ بياضًا من الأكفانِ
والموتَ تلميذٌ صغيرٌ تعلَّمُ منكَ الطَّهارةَ
أىُّ قلبٍ هذا الذى ظلَّ يُغنِّى
والسَّكاكينُ تدخُلُ إليهِ طعنةً بعد طعنةٍ؟
ظلَّ الناسُ يرجُمُونكَ بالحِجارةِ
وأنتَ توزِّعُ عليهم الرَّحْمَةَ كخُبزٍ ساخنٍ
حتَّى الذينَ بصقُوا عليكَ خرجُوا من لُعابِهم أقلَّ ظلامًا،
يا ابنَ النَّارِ البيضاءِ يا مَن جعلتَ من الجسدِ سُلَّمًا للغيْبِ
كيفَ استطعتَ أن تُحوِّلَ العذابَ إلى نشيدٍ؟
فى ليلتِكَ الأخيرةِ نامتِ السُّجونُ مفتُوحةَ العينيْنِ
وكانتِ النُّجُومُ تقتربُ من نافذتِكَ لتسمعَ ما تبقَّى من دُعائكَ
وحينَ أحرقُوكَ تناثرَ رمادُكَ على الماءِ
زادَ حُزنُ النَّهرِ
صارَ يعرفُ اللهَ أكثرَ
من مرَّ ببابِ اللهِ يجدُ ظلَّكَ جالسًا هناكَ
يبتسمُ وفى عُنقِهِ لا تزالُ آثارُ الحَبْلِ
كان يمشى إلى اللهِ كمن يمشى إلى مقصلتِهِ
عارفًا أنَّ السكِّينَ أصدقُ من القاضِى
والفُقهاءَ حينَ يلبسُونَ العمائمَ السَّوداءَ
يصيرُونَ غِربانًا تحرُسُ موتَ القصيدةِ
فى بغدادَ كانت المآذنُ أعلى من الرَّحمةِ
والنَّهرُ يُخْفِى وجهَهُ منَ الخجلِ
كلَّما مرَّ الحلَّاجُ محمُولًا على خشبةٍ
كأنَّهُ آخرُ الأنبياءِ
كأنَّه أوّلُ العاشقين
لم يفهموا أنَّ العارفَ حينَ يقُولُ «أنا» يكُونُ محَا نفسَهُ
كنقطةِ مِدادٍ ذابتْ فى البحر
كانت بغدادُ تحتاجُ قتيلًا لتنامَ مطمئنَّةً
والفُقهاءُ يحتاجُونَ رأسًا مُعلّقًا ليثبتُوا
أنَّهُم حُرَّاسُ اللهِ
خافُوا صوتَهُ لأنَّهُ صوتُ النَّاىَ
والسَّلاطينُ لم يحبُّوا الموسيقى حينَ تُوقظُ العبيدَ
وحينَ صُلبَ كانَ الموتُ أقلَّ منه
ظلَّ يتدلَّى فوقَ بغداد قنديلًا مكسُورَ الضَّوءِ يُلَمِّعُ خرائبَ الرُّوحِ
ويداهُ المُسمَّرتانِ فى الهواءِ تُلَوِّحَانِ صَوبَ سرٍّ
لا يفهمهُ إلَّا العُشَّاقُ
إلى الآنَ، كلما مرَّتْ جنازةُ شاعرٍ
يضحكُ الحلَّاجُ فى أعلى خشبتِه القديمةِ
يقُولُ ما زالتِ الخُطبُ المِقْصَلةَ نفسَها
والعاشقُونَ يختبرُونَ الأذى
فى الليلِ ينامُ الحلَّاجُ فى جُرحِهِ
مِثْلَ طفلٍ تخلَّتْ عنهُ الأماكنُ
بغدادُ تغسلُ وجهَها بماءِ الفُقهاءِ
والنَّاسُ تبيعُ التَّمرَ والحريرَ والعبيدَ واللهَ أيضًا
كان الحلَّاجُ يعْرضُ قلبَهُ للعابرينَ نحْوَ السَّماءِ
وكانوا يريدونَ عِبادةً بلا ريحٍ، ولا مُوسيقى ولا جُنُون
يُشبهُ قصرَ الخليفةِ باردًا
مرصُوصًا مليئًا بالحَرَسِ
ظلَّ عامًا فى مكةَ يأكلُ صمتَهُ
يشربُ من جُوعِه حتَّى خفَّ
كآيةٍ ضاعتْ من الكتابْ
لم يفهمُوا العاشقَ حينَ يذُوبُ
لا يعُودُ يفرِّقُ بين المِرآةِ والوجْهِ
يريدُ أن يخلعَ عن الرُّوحِ عباءتَها الثقيلةَ
يمشيَ عارِيًا نحوَ النُّورِ.
صُلِبَتِ الشَّمسُ معهُ يَوْم دَمِهِ
مَشَى النَّهرُ حافيًا خلفَ جنازتِهِ.
جلَدُوهُ فتفَصَّدَ من ظهرِهِ نشيدٌ
قطعُوا يدَيهِ فصفّقَ الهواءُ بحُزنٍ
اقتلعُوا لسانَهُ وظلَّ الكلامَ يتكاثرُ فى أفواهِ الدراويشِ
ما زالَ الحلَّاجُ يتدلَّى فوقَ أبوابِ التاريخِ كقمرٍ مذبُوحٍ
ما زالَ يقُولُ لكلِّ عاشقٍ خائفٍ: لا تخفْ
فالطريقُ إلى الله يمرُّ أحيانًا من المِقصلةِ
كانوا يريدونَ إلهًا يسكُنُ الكُتبَ
بينما الحلَّاجُ أطلقهُ فى الطُّرقاتِ
حينَ تحدّثَ عن النُّقطةِ كان يرى الكونَ
ينامُ داخلَ حرفٍ هو قلبُ الوجُودِ
منها يبدأُ الخطُّ وتنبتُ الجهاتُ
ليستِ الأرواحُ سوى نقاطٍ تائهةٍ
تعُودُ إلى دائرتِها الأولى
يتكلّمُ كمن يشْعِلُ بَخُورًا داخلَ عاصفةٍ
لا يُحبُّ الفُقهاءُ الغُمُوضَ، لأنّهَ يفتحُ بابَ الأسئلةِ
ظلَّ الحلَّاجُ مسجُونًا يُطعِمُ الطُّيُورَ من فُتاتِ قلبِهِ
كلَّما اقتربَ السَّجَّانونَ
يشعُرُونَ كأنَّ القيُودَ فى أرواحِهم لا فى يدَيهِ.
قطعُوا يدَيهِ فأكملَ الدُّعاءَ بأصابعِ الغيْبِ
كأنَّ النَّارَ يُمكنُها أن تُعدمَ الفكرةَ
لكنَّ الحلَّاجَ خرجَ من الرَّمادِ أكثرَ اتساعًا
فى جسدِهِ الأخير كان الحلاجُ يشبهُ نخلةً
تعرفُ أنَّ الفأسَ فى الطريقِ
كانت تمرُّ الرِّيحُ على النَّهرِ كأنَّها تقرأُ سُورةَ الحُزنِ
والجنُودُ من حولهِ مثلُ مساميرَ فى نعشِ المعنى
عرفَ أنَّ العاشقَ لا يعُودُ من مُنتصفِ الطَّريقِ
كلُّ جَلدةٍ كانتْ تنزعُ عنهُ طبقةً من العالمِ
حتى صارَ خفيفًا كالدُّعاء
كالنُّورَ لا تكسرُهُ العصىُّ
قطعُوا يدَهُ فسقطَ منها نُورٌ على الترابِ
وقطعُوا الأخرى فشهقتِ المآذنُ
نزفَ الحلَّاجُ بهدُوءٍ والدمَ نهرٌ
يعُودُ إلى أصلِهِ
منذُ تلكَ الليلةِ صارَ تاريخُنا يحملُ رائحةَ حريقٍ
مشَى إلى موتِه كعريسٍ
تغسلُهُ الملائكةُ بماءِ الغيْبِ
كان إذا لمسَ حجرًا سمعَ تسبيحَهُ
وإذا نظرَ فى وجهِ فقيرٍ رأى العرشَ يبتسمُ
المدينةُ كانتْ أضيقَ من قلبِ درويشٍ
يخافُ الخليفةُ من جُملةٍ
والقاضى من مجازٍ
ويرتجفُ الجُنُودُ من رجُلٍ لا يحملُ غيرَ رُوحِهِ
مازال الرجلُ واقفًا داخلَ يقينِهِ بعد ألفِ سوْطٍ
كلُّ ضربةٍ كانتْ تفتحُ فى جسدِهِ نافذةً على الله
وحينَ اقتربَ السَّيفُ من عُنقِه ابتسمَ كمن رأى بابَ الحبيبْ
سقطَ الرأسُ
لكنَّ العِبارةَ ظلّتْ مُعلّقةً فوقَ بغداد: «أنا الحقُّ»
ثم أحرقُوهُ
أكلتِ النَّارُ جسدَهُ لكنَّها عجزتْ
عن إحراقِ المعنى.






