الثلاثاء 06 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

حرب السادات.. شهادة صحفى أمريكى على خط بارليف: يوم أن دهس المصريون إسرائيل

حرف

- «دستة» دبابات سليمة تمامًا تركها الإسرائيليون وراءهم بعد فرارهم أمام المصريين

- العمال والفلاحون يسيرون بشكل طبيعى وسط ناقلات الجنود ومنصات صواريخ «سام»

- شاهدتُ مقابر الدبابات الإسرائيلية المتفحمة وحطام قاذفات «سكاى هوك» 

- حرب أكتوبر تضاهى الفتوحات العربية وصعود الخلافة الأموية وهزيمة الصليبيين

فى كل ذكرى لنصر أكتوبر المجيد، أذهب لأبحث عن كتب ودراسات غربية حديثة تكشف عن تفاصيل الحرب، وأسباب التفوق المصرى الذى أجبر العالم بأسره، وليس الإسرائيليين فقط، على عدم المساس بشبر من أرض مصر.

هذا العام قادنى فضولى للرجوع إلى الصحافة الأمريكية خلال أيام الحرب ذاتها فى 1973، للتعرف على ما تناوله مراسلو كبريات الصحف، وتحديدًا صحيفة «نيويورك تايمز» العريقة.

استرعى انتباهى تقرير أقرب إلى تحقيق ميدانى مُكوّن من حوالى 6 آلاف كلمة، كتبه إدوارد شيهان، الصحفى والكاتب الأمريكى الشهير، مراسل «نيويورك تايمز» خلال الحرب، بعنوان «Sadat›s War» أو «حرب السادات».

التقرير نُشِر بتاريخ 18 نوفمبر 1973، بعد أيام قليلة من وقف إطلاق النار، وكان مرفقًا بصورة للرئيس «السادات» بالزى العسكرى وهو باسط ذراعيه لأعلى ومبتسم ابتسامة المنتصر، فى تجسيد لما أسميه «فن اختيار الصورة».

وإدوارد ريتشارد شيهان، الذى رحل عن عالمنا فى ٣ نوفمبر ٢٠٠٨، كان كاتبًا ومراسلًا صحفيًا أمريكيًا غطى أحداثًا من الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا الوسطى، ونشر أعماله فى الصحف والمجلات الأمريكية الكبرى، فضلًا عن تأليفه العديد من الكتب أبرزها «العرب والإسرائيليون وكيسنجر» الصادر عام ١٩٧٦.

وشملت مساهمات «شيهان» فى مجلة «نيويورك تايمز»، خلال حقبتى الستينيات والسبعينيات، تقارير حول تولى الرئيس محمد أنور السادات السلطة فى مصر، واشتهر بتغطيته للصراع العربى الإسرائيلى.

ويتناول «شيهان» فى تقريره «حرب السادات» الحسابات الاستراتيجية للرئيس الراحل، وتنسيقه للعمليات العسكرية مع سوريا خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣، وكيف وظّف القوة العسكرية كأداة مكملة للسياسة الخارجية بهدف تحطيم الأسطورة العسكرية الإسرائيلية، وإجبار القوى العظمى على سماع صوت مصر وتنفيذ رغباتها، وعلى رأسها انسحاب إسرائيل من الأراضى المصرية.

«حرف» تنشر فيما يلى أبرز ما جاء فى هذا التحقيق المهم على لسان كاتبه، الذى كتبه خلال أيام النصر، من أرض مصر، مع تصريحات موثقة لمسئولين مصريين وأمريكيين آنذاك.

تهمس مصر الخالدة وسط الحاضر والمستقبل على الطريق الممتد من القاهرة إلى القنطرة. نمضى مسرعين تحت سماء متألقة وبين أشجار الكافور بمحاذاة «ترعة الإسماعيلية»، وهى أحد روافد النيل المتجهة نحو تلك الأراضى فى سيناء التى حررها الجيش المصرى من الإسرائيليين.

نرى فلاحين يرتدون الجلاليب البيضاء يعزقون الأرض الطينية، وقوافل من ناقلات الجنود، ونساءً يرتدين السواد ويحملن حزمًا من الحطب فوق رءوسهن، ودبابات سوفيتية ضخمة؛ وأبقارًا تدير سواقى مياه عتيقة الطراز تعود لعصر الفراعنة، ومنصات صواريخ «سام» المتحركة. 

يبدو المشهد برمته أشبه بحلم سريالى، فالسكان الذين يضربون بجذورهم فى عمق التاريخ على طول ذلك الطريق وفى تلك البلدات المكتظة، يختلطون بأعداد غفيرة من الرجال بالزى العسكرى وبمظاهر الآلة العسكرية فائقة الحداثة المنتشرة فى كل مكان. ومع ذلك، يمضى الفلاحون والجنود فى أعمالهم وهم يدندنون ويتحركون فى دأب يشبه طنين النحل.

وبينما نتقدم نحو الجبهة فى سيارة «جيب» روسية الصنع، أحاول جاهدًا فى عقلى ترتيب الأحداث، وإعادة بناء وتوضيح أسباب هذه الحرب، وفك تعقيدات السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط، ثم كواليس المفاوضات السرية بين هنرى كيسنجر والزعيم السوفيتى ليونيد بريجنيف، لأقيّم بشكل أفضل أى فرصة قد تكون متاحة لسلام دائم هنا.

فجأة، تترنح السيارة «الجيب»، فأصطدم برأسى بالزجاج الأمامى، لأعود بقوة إلى واقع «هنا والآن».

نصل إلى قناة السويس ونعبرها على الفور، حيث نمر فوق جسر عائم بدائى ولكنه متين، ثم نمر عبر بقايا «خط بارليف».

نهبط منحدرًا رمليًا، ونخترق تلك البرية القاحلة التى تبهر الأبصار، لنجد أنفسنا أمام مشهد استثنائى. هناك، مبعثرةً أمامنا، تقبع نصف دزينة من دبابات «باتون» و«سنتوريون» سليمة تمامًا، كان الإسرائيليون قد تركوها وراءهم فى خضم المعركة.

علقت سيارتنا «الجيب» فى الرمال، فظهر جنود مصريون أقوياء البنية وذوو بشرة برونزية من خنادقهم لدفع السيارة وتحريرها، وهم يهتفون: «الله معنا! الله ناصرنا!».

انطلقنا بسرعة وسط عاصفة رملية، ووصلنا بعد قليل إلى القنطرة، تلك المدينة التى طالتها يد التخريب، بفعل الرصاص والقنابل، كل شىء فيها: مبانى الطوب اللبن، ومساجدها الهادئة، ومقاهيها الوادعة. ونحن نمضى لفحص «خط بارليف».

اختلطت كتل الفولاذ والخرسانة بأحذية الصحراء وزجاجات المياه، وتشابكت وتشوّهت جميعًا بفعل انفجار مروع. قال رائد مصرى: «لقد حاصرنا عشرات الإسرائيليين داخل هذا الحصن، ثم حشونا الشقوق بمادة (تى إن تى). رفض الإسرائيليون الاستسلام، فنسفناهم جميعًا وقضينا عليهم».

واصلنا طريقنا مسرعين نحو عمق الصحراء، لمسافة ٦ أو ٧ أميال، حتى وصلنا إلى نقطة قريبة من الخطوط الإسرائيلية. 

كان الجنود المصريون ينتشرون فى كل مكان، تارة تلوح صورهم الظلية فوق التلال المتموجة، وتارة أخرى يظهرون داخل الخنادق أو وهم يعتنون بالدبابات والمدافع. 

قد يتطلب الأمر طوفانًا هائلًا من الدماء والحديد لإزاحتهم عن تلك المساحة الشاسعة من الرمال، التى تناهز ٢٠٠٠ ميل مربع، والتى استعادوا السيطرة عليها فى سيناء.

مررنا بمواقع بدت كمقابر لدبابات «باتون» المتفحمة، وحطام قاذفات «سكاى هوك» الممزقة، ثم رفعنا أنظارنا إلى الأعلى، حيث كانت طائرة استطلاع إسرائيلية تشق عباب السماء الملبدة بالغيوم بسرعة خاطفة، أو بالأحرى كانت تلتوى فى مسار يشبه حركة الثعبان، محاولةً الإفلات من رصد صواريخ «سام» المضادة للطائرات.

يقول الجنود المصريون: «لقد أوصلنا رسالتنا». وهم حقًا فعلوا ذلك. بل إن الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة قد تُعتبر قريبًا واحدةً من أهم ٦ أحداث فى التاريخ العربى الحديث، وربما فى التاريخ العربى بأسره.

هذه الحرب قد تضاهى، عند النظر إليها بأثر رجعى، الفتوحات العربية فى العصور الوسطى، وصعود الخلافة الأموية، وهزيمة الصليبيين، وبزوغ فجر القومية العربية والمصرية، وتأميم قناة السويس، وذلك من حيث الأهمية السياسية والوجودية.

ليس باعتبارها انتصارًا عسكريًا فحسب، بل باعتبارها منعطفًا حاسمًا لم يتحقق إلا عبر الحرب، فقد تمكنوا من إقناع العالم بتدمير ما يقرب من ثلث سلاح الجو الإسرائيلى و٨٠٠ دبابة.

أثبتوا للجميع، ولأنفسهم أيضًا، أنهم لا يقلون قوة عن الإسرائيليين أو أى طرف آخر، وأنهم قادرون، بفضل الإصرار والمثابرة، على إتقان أكثر التقنيات تعقيدًا، والأهم من ذلك كله، أنهم يتحلون بالشجاعة.

ولا يمكن استيعاب هذا الإنجاز الواضح إلا بالنظر إلى سلسلة الإحباطات التى - ويا للمفارقة- مهدت الطريق لتحقيقه. 

ونستعرض هنا تسلسلًا للأحداث استُمد معظمه من محادثات مع شخصيات مصرية بارزة، ودبلوماسيين، وخبراء عسكريين فى القاهرة وعواصم غربية مختلفة

نعود بالذاكرة إلى الوراء، وتحديدًا إلى المسار المضطرب والمشحون بالتوترات الذى اتسمت به علاقات مصر مع الولايات المتحدة. 

ونظرًا لاستحالة الإحاطة بكافة التفاصيل هنا، فمن الأفضل أن نبدأ من شهر أكتوبر عام ١٩٧١، حين قام الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون بتهميش وزير خارجيته ونقل مسئولية صياغة سياسة الشرق الأوسط من وزارة الخارجية إلى البيت الأبيض مباشرة.

كان الوزير ويليام روجرز قد نجح فى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار فى الشرق الأوسط خلال صيف عام ١٩٧٠، مستندًا فى ذلك جزئيًا إلى تعهد قُطع للعرب بالدفع نحو مفاوضات تفضى فى نهاية المطاف إلى انسحاب إسرائيلى ملموس من الأراضى العربية. 

غير أن الإسرائيليين قاوموا هذا التوجه، ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تزايدت هواجس «نيكسون» وتحفظاته. 

ووفقًا لما ذكره دبلوماسيون أمريكيون، فقد استدعى الرئيس نيكسون «روجرز» إلى البيت الأبيض وقال له، فى جوهر حديثه: «كفى هذا العبث! لن أمارس أى ضغوط على إسرائيل إلا بعد إعادة انتخابى، هذا إن فعلت ذلك أصلًا». وهكذا، أُرجئ الأمر بالنسبة للمصريين مرة أخرى بوعود جديدة، وطُلب منهم الانتظار.

لكنهم لم يكونوا فى مزاج يسمح بذلك، فقد كانت التوترات الداخلية تتصاعد، وتهديدات الرئيس أنور السادات بشن حرب، ومصداقيته الشخصية، كانت قد أصبحت بالفعل على المحك.

وألمح «روجرز» لـ«السادات» بأن «نيكسون» قد يبدى مرونة أكبر، لو قام الرئيس المصرى بتقليص الوجود السوفيتى الضخم فى مصر، وهو الرأى الذى أيده الملك فيصل، العاهل السعودى.

وبحلول صيف عام ١٩٧٢، وفى ظل تزايد الاحتكاك بين الضباط السوفيت والمصريين كعامل دافع إضافى، اتخذ «السادات» قرارًا هائلًا: لم يكتفِ بتقليص الوجود الروسى، بل قرر إنهاءه تمامًا. 

طرد الـ٢٠ ألف مستشار عسكرى سوفيتى من مصر، ثم تطلع نحو واشنطن بانتظار تنفيذ وعدها.

لكن ذلك الوعد لم يتحقق، إذ تجاهل «نيكسون» هذا الحدث التاريخى وكأنه لم يكن، ما أثار حيرة المصريين واستياءهم فانتظروا إعادة انتخابه، لكن شيئًا لم يحدث.

وأخيرًا، فى فبراير من ذلك العام، أرسل «السادات» حافظ إسماعيل، الذى وصفه ذات مرة بأنه «كيسنجر الخاص بى»، للقاء «نيكسون». 

أبدى «نيكسون» انفتاحًا كبيرًا، وتحدث بمرح عن إيجاد صيغة توفق بين الأمن الإسرائيلى والسيادة المصرية فى سيناء. 

غادر «إسماعيل» واشنطن وهو فى غمرة من التفاؤل والنشوة، لكنه علم أثناء توقفه فى باريس، فى طريق عودته، أن «نيكسون» قد قرر تزويد إسرائيل بـ٣٦ طائرة جديدة من طراز «سكاى هوك» و٤٨ طائرة من طراز «فانتوم».

فى القاهرة، تأكد «السادات» من نوايا «نيكسون». لطالما ساوره الشك فى عدم صدق الرئيس الأمريكى، أما الآن فقد تيقن من ذلك. 

فى تلك اللحظة، أى فى وقت ما من شهر مارس، اتخذ «السادات» قراره الحازم باستئناف الحرب مع إسرائيل، وصرح لمجلة «نيوزويك» قائلًا: «إذا لم نأخذ حقوقنا بأيدينا، فلن يحدث أى تحرك».

قال أيضًا: «كل باب فتحته أُغلق فى وجهى بعنف، وحانت لحظة إحداث صدمة، فكل شىء فى هذه البلاد يجرى حشده استعدادًا لاستئناف المعركة التى باتت الآن حتمية». فى تلك الأثناء، عيّن «السادات» نفسه رئيسًا للوزراء وحاكمًا عسكريًا عامًا، وأصدر أوامر بإجراء تدريبات على الغارات الجوية وتطبيق إجراءات التعتيم.. وسخر العالم من ذلك!

يرى محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير صحيفة «الأهرام» الشهير، مستشار الرئيس «السادات»، أن زيارة حافظ إسماعيل لـ«نيكسون» كانت نقطة التحول على الطريق نحو الحرب. 

«هيكل» قال لى: «إذا تتبعت تحركات السادات منذ ذلك الحين، فسترى كيف كان يتهيأ للأعمال القتالية. لقد حدث انقطاع تام فى اتصالاتنا مع الولايات المتحدة، تلاه سعى دقيق منه لاستكشاف ما يمكن للدول العربية الأخرى أن تقدمه فعليًا لمساعدتنا».

وأضاف رئيس تحرير «الأهرام» متحدثًا عن «السادات»: «كانت اتصالاته بالدول الإفريقية، وبالملك فيصل، وبالرئيس السورى حافظ الأسد، كلها جزءًا من مساره الحتمى».

وواصل: «لقد كانت زيارة إسماعيل إلى واشنطن هى الحلقة الأخيرة فى سلسلة طويلة من خيبات الأمل فى أمريكا، إذ كانت الزيارة صادمة لأن جوهر مهمة إسماعيل تمحور حول البحث عن سبل للسلام، غير أن الولايات المتحدة سدت الطريق أمام ذلك بتأكيدها على تفوق إسرائيل، ودورها هى كطرف غير مباشر فى احتلال أراضينا».

يزعم دبلوماسيون غربيون فى القاهرة أن «السادات» كان قد قرر فى الأصل خوض الحرب فى أواخر أبريل، غير أنه كان على تواصل مستمر مع الملك فيصل، الذى قدم إلى القاهرة وأقنعه بالعدول عن ذلك القرار. 

ومنذ مايو فصاعدًا، أسقط «السادات» كلمة «الحرب» من قاموسه العلنى، وشرع فى مرحلة «التمويه» ضمن استعداداته المتقنة.

فى سبيل ذلك، شجّع التكهنات القائلة بأن العرب، بدلًا من الحرب، يعتزمون الاعتماد مستقبلًا على «سلاح النفط» للضغط على الولايات المتحدة كى تمارس بدورها ضغوطًا على إسرائيل لإخلاء الأراضى المحتلة. 

فى الوقت نفسه، عمل بذكاء على تحسين علاقاته وبناء جبهة موحدة مع أشقائه العرب، القريبين منهم والبعيدين.

ولم تؤدِ قمة «نيكسون - بريجنيف»، التى عُقدت فى يونيو، إلا إلى تعزيز عزيمته، فقد رأى «السادات» فى ذلك الحدث اتفاقًا بين القوتين العظميين على «الاختلاف»، واعتبارهما للشرق الأوسط كمجرد مصدر إزعاج يمكن التعامل معه فى وقت ما فى مستقبل غامض. 

كان تقديره أن هذا هو بالضبط ما تريده أمريكا وإسرائيل، اللتين كانتا تعتبران مصر عاجزة عن خوض الحرب، وتتوهمان أنها، مع مرور الأشهر والسنوات، ستضطر حتمًا إلى قبول التفاوض على تسوية وفق الشروط الإسرائيلية.

فى غضون ذلك، كانت إسرائيل تواصل سياسة «الذراع الطويلة» عبر شن غارات انتقامية على لبنان وسوريا، واختطاف طائرة عراقية، دون أى رادع فعلى من واشنطن. 

وفى أغسطس، أقر حزب «العمل» الإسرائيلى الحاكم برنامجًا يدعو إلى الاستيطان الدائم فى الأراضى العربية، ما رسّخ قناعة «السادات» بأن الدبلوماسية باتت عقيمة، وأنه لا بد له من بدء المعركة قريبًا.

وتشير مصادر سوفيتية هنا إلى أن «السادات» اتخذ قراره العملياتى بتحرير سيناء، فى وقت ما من أوائل شهر أغسطس، محددًا شهر أكتوبر موعدًا لبدء الهجوم «ساعة الصفر». 

على ضوء ذلك، يصف سفير غربى بارز تحركات «السادات» فى الصيف الماضى بأنها كانت «بارعة».

فى شهر يوليو، ورغم اعتراضات فرنسا وبريطانيا، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض «الفيتو» ضد قرار فى مجلس الأمن يدعو إلى انسحاب إسرائيلى كامل من الأراضى المحتلة.

لم يكن «السادات» يتوقع غير ذلك، بل فى الواقع، كان مسرورًا بهذا الموقف. فقد أبرز «الفيتو» حالة العزلة التى تعيشها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وأثار استياء الأوروبيين الذين تزايد قلقهم بشأن إمدادات النفط العربى.

كان يُنظر إلى «السادات» على أنه الأكثر براعة وذكاءً على الجبهة العربية، وكان أحد أبرز أهدافه السياسية والنفسية يتمثل فى إثبات أن إسرائيل ليست منيعة.

كان يهدف أيضًا إلى أن يثبت للولايات المتحدة أنها أمام خيارين: إما الانسحاب الإسرائيلى، أو مواجهة عالم عربى يعمل ضد المصالح الأمريكية.

وفى زيارة خاطفة إلى الرياض، خلال شهر أغسطس، أطلع «السادات» الملك فيصل على قراره بخوض الحرب.

دعا الملك فيصل إلى التروى والحذر، ثم وافق على مضض، شريطة الالتزام بعدة شروط. كما وافق العاهل السعودى على استخدام سلاح النفط ضد الولايات المتحدة، ولكن فى البداية على الأقل بأسلوب يتسم بالاعتدال.

قبل «السادات» هذه الشروط، ووعده «فيصل» بتقديم ٦٠٠ مليون دولار. كما وعدت دول نفطية أخرى فى الخليج العربى بممارسة الضغط على الولايات المتحدة.

بحلول الوقت الذى وصل فيه «السادات» إلى الجزائر العاصمة لحضور مؤتمر دول عدم الانحياز فى أوائل سبتمبر، كان قد أنجز مهمة تاريخية. فقد نجح فى تحقيق ما عجز سلفه العزيز، جمال عبدالناصر، عن تحقيقه طوال ١٨ عامًا فى السلطة: إرساء دعائم وحدة عربية حقيقية لا مجرد شعارات جوفاء. 

اكتسب هذا الإنجاز أهمية بالغة نظرًا لأن السياسة الإسرائيلية الجوهرية منذ عام ١٩٤٨ كانت تقوم على إبقاء العالم العربى منقسمًا. والآن، وفى الجزائر، عزز «السادات» قاعدته العربية، وحصل على التزامات راسخة من معظم الدول الإفريقية، هى وعود تم الإيفاء بها فى أكتوبر حين ارتفع عدد عواصم دول جنوب الصحراء الكبرى التى قطعت علاقاتها مع تل أبيب إلى ٢٥ عاصمة.

وبعد تأمين جبهته الخارجية، التفت «السادات» إلى توحيد الصفوف فى الداخل. 

اكتسبت عملية التمويه التى نفذها «السادات» زخمًا متزايدًا فى شهر سبتمبر، فقد أعلنت الحكومة عن خفض الإنفاق العسكرى، والتوجه نحو مزيد من سياسات السوق الحرة.

فى ١٣ سبتمبر، استدرجت الطائرات الإسرائيلية ١٣ طائرة سورية من طراز «ميج» إلى كمين فوق البحر الأبيض المتوسط وأسقطتها جميعًا. 

حينها أجرى الرئيس حافظ الأسد اتصالًا هاتفيًا بـ«السادات»، وطلب منه، وفقًا لما ذكره دبلوماسيون غربيون، تقديم موعد الحرب. 

كان الموعد المحدد للهجوم «يوم الحسم» قد تقرر لما بعد شهر رمضان، وتحديدًا فى أواخر أكتوبر أو أوائل نوفمبر. غير أن «السادات» و«الأسد»، خشية أن يكون الإسرائيليون قد كشفوا عن خططهما وقد يشنون هجومًا استباقيًا، قررا بدء الهجوم فى أوائل أكتوبر. وعلى الفور حشدا القوات.

لم يسبق أن كُتِم سرٌّ عظيم كهذا ببراعة فائقة فى بلدٍ يكثر فيه الكلام والثرثرة مثل مصر. 

ومع ذلك، لم يستطع «السادات» مقاومة إلقاء تلميحٍ صريح، وكأنه كان مبتهجًا لأن سمعته المعروفة بالمبالغة والخطابة الرنانة كانت تخدمه بامتياز فى تلك اللحظة الحاسمة.

ففى خطاب ألقاه يوم ٢٨ سبتمبر، الذى وافق الذكرى الثالثة لوفاة «عبدالناصر»، ركّز «السادات» حديثه بالكامل على المشاكل الداخلية. 

وفى الختام، نظر إلى الحضور بنظرة غامضة وقال: «أيها الإخوة والأخوات، ربما تساءلتم عن الموضوع الذى لم أتطرق إليه؛ أعنى المعركة. لقد فعلت ذلك عن عمد. لقد اكتفينا من الكلام. أريد أن أقول شيئًا واحدًا: نحن نعرف هدفنا وعازمون على تحقيقه، ولن ندخر جهدًا أو تضحية لبلوغ غايتنا. أيها الإخوة والأخوات، أنا لا أعد بشىء، ولن أناقش تفاصيل أى أمر».

وبعد أسبوع واحد، وتحديدًا فى السادس من أكتوبر، الذى وافق يوم العاشر من رمضان ويوم الغفران اليهودى «يوم كيبور»، اقتحم الجيش المصرى قناة السويس، واخترق «خط بارليف»، وتوغل داخل سيناء.

لقد تحولت الدقة الفنية، وهى سمة نادرًا ما ارتبطت بالشخصية العربية، إلى ما يشبه العقيدة الراسخة.

انتشر المستشارون السوفيت فى الميدان، حيث تولوا تشغيل صواريخ متطورة ومعدات إلكترونية أخرى، وعملوا على تدريب المصريين على استخدامها. 

أثبتت الأحداث اللاحقة أن المصريين استوعبوا تلك الدروس جيدًا، رغم أن هذا لم يكن الرأى السائد حين طرد «السادات» الروس، فى يوليو من العام السابق على الحرب، وكان الاعتقاد السائد آنذاك، وحتى اندلاع الحرب الجديدة، أن المعدات الروسية كانت تصدأ فى الرمال، وأن تعقيداتها تفوق قدرة العقل المصرى على الاستيعاب. وفى الواقع، بدا أن المصريين أنفسهم كانوا يغذون هذه الأسطورة، ربما بهدف تضليل الإسرائيليين.

لقد استندت الاستراتيجية المصرية لعبور القناة، التى تمثلت فى هجوم كاسح على جبهة عريضة وبوتيرة متأنية، إلى أساليب القتال الروسية، رغم أن الروس لم يشاركوا فى الإعداد لها.

وضع خطط هذه الاستراتيجية ٤٠ ضابطًا شابًا لم تكن أسماؤهم معروفة إعلاميًا فى مقر هيئة الأركان بالقاهرة. 

أما دور رئيس الأركان، الفريق سعد الدين الشاذلى، فيحيط به الغموض، إذ دأبت الصحافة الغربية على وصفه بأنه مهندس الجيش المصرى الجديد والعقل المدبر للهجوم على «خط بارليف»، فى حين يزعم مصريون مطلعون أن «الشاذلى» كان، فى الواقع، مجرد واجهة.

لكن، من الصعب الاكتفاء بهذا الوصف، فمسيرته المهنية بأكملها تعكس الشجاعة والتميز. 

«الشاذلى»، الذى يبلغ من العمر ٥٣ عامًا، ويتمتع ببنية رياضية رشيقة، قاتل الألمان قرب العلمين، وواجه الإسرائيليين فى ٤ حروب. 

هو مظلى محترف تدرب فى أمريكا وروسيا، وقاد لواءً فى اليمن، وقوة تابعة للأمم المتحدة فى الكونغو. 

لم يكن عسكريًا تقليديًا، إذ كان شغوفًا بالنظريات غير التقليدية لحرب الصحراء، ومُطلعًا نهمًا على أحدث العقائد العسكرية. كما كان يحظى بمحبة كبيرة من جنوده.

فى أعقاب هزيمة عام ١٩٦٧، نجح فى الانسحاب بلوائه من سيناء دون خسائر، ما دفع جمال عبدالناصر لتعيينه قائدًا للقوات الخاصة، قبل أن يقود وحدة نخبة من القوات الخاصة «الكوماندوز» عبر القناة، ويخوض مواجهات قصيرة ولكن دامية مع الإسرائيليين. 

هو بعيد تمامًا عن السياسة، ولعل هذا كان أحد الأسباب التى دفعت «السادات» لتجاوز ٣٠ جنرالًا آخرين وتعيينه رئيسًا للأركان قبل عامين. ومنذ ذلك الحين، أُطلق عليه لقب «رائد التنسيق العربى».

تأكد «السادات» أن واشنطن كانت تمد إسرائيل بكميات هائلة من الأسلحة آنذاك، خاصةً بعدما أكد سفراء غربيون فى القاهرة صحة الاتهامات المصرية القائلة بأن طائرات الشحن الأمريكية العملاق من طراز «جالاكسى» كانت تفرغ شحنات من العتاد الحربى فى مدينة العريش بسيناء، وهى أرض مصرية.

وأصر «السادات» علنًا على ضرورة الانسحاب الإسرائيلى الفورى، لأن الوجود الإسرائيلى على الضفة الغربية للقناة أمر لا يُطاق بالنسبة لغالبية المصريين.

يوضح أحد المثقفين البارزين ذلك قائلًا لى: «الضفة الغربية ليست مثل سيناء، فالضفة الغربية هى قلب مصر النابض. وإذا بقى الإسرائيليون هناك، فستشهدون حربًا شعبية ضارية تثير الرعب فى النفوس. هل تذكرون الاحتلال البريطانى لمنطقة القناة؟ هل تذكرون الكمائن وعمليات الطعن والتفجيرات؟ سيكون الوضع أسوأ بكثير بالنسبة للإسرائيليين».

خلال وقف إطلاق النار، ركز المصريون على الهدف من هذه الحرب: استعادة أراضيهم. 

وفى المحادثات العاجلة التى أجراها هنرى كيسنجر فى القاهرة مع الرئيس «السادات»، مطلع نوفمبر، أُعجب «كيسنجر» برقى «السادات» وسحره.

وعلى النقيض، قال «السادات» لاحقًا: «كان روجرز رجلًا نبيلًا بلا سلطة. أما كيسنجر فهو واقعى يملك السلطة. ولذلك أثق به أكثر». 

طالب «السادات» بالانسحاب الإسرائيلى إلى خطوط وقف إطلاق النار فى ٢٢ أكتوبر. وأكد «كيسنجر» لـ«السادات» تأييده لانسحاب إسرائيلى من سيناء.

وحتى ينعقد مؤتمر السلام ويتحقق تقدم ملموس على صعيد الانسحاب الإسرائيلى من سيناء، سيحتفظ «السادات» بخيار الحرب كخيار احتياطى، وسيشجع أشقاءه العرب على مواصلة استخدام سلاح النفط.

وتُعد دعوة المجموعة الأوروبية لإسرائيل بضرورة الانسحاب من الأراضى العربية انتصارًا مهمًا آخر لسياسة الرئيس المصرى، إذ سيواصل هجومه الدبلوماسى الواسع- والناجح حتى الآن- لعزل إسرائيل على الأصعدة كافة.

ومن وجهة نظر «السادات»، تبدو تحركاته وحشده للعرب والمجتمع الدولى منطقية للغاية، فما كان لـ«كيسنجر» أن يأتى إلى القاهرة، وما كان للسباق المحموم نحو مفاوضات شاملة وتسوية نهائية أن يحدث، لولا أن مصر وسوريا قد شنتا الحرب. 

كما يرى المصريون أن الضغوط على أمريكا وإسرائيل ستخف حدتها إذا ما أبدى الإسرائيليون منطقية فى المفاوضات.

وقد شرح لى محمد حسنين هيكل، الذى ربما يكون أكثر الرجال درايةً ببواطن الأمور فى القاهرة بعد «السادات» نفسه، جوهر الموقف التفاوضى المصرى قائلًا: «نحن نريد السلام حقًا؛ نريد إعادة فتح القناة، وإحياء مدننا المدمرة، وبناء مصر جديدة. ولكن ليس على حساب أراضينا».

وأضاف لى أيضًا: «إذا أبدى الإسرائيليون جدية فى انسحابهم، وإذا تخلوا عن سياسة الغطرسة وفرض القوة، فسيكون بوسعنا أن نمنحهم الفرصة- أخيرًا- لقبولهم فى الشرق الأوسط. بإمكان إسرائيل أن تجد مكانها بيننا، ولكن ليس بصفتها القوة المهيمنة، ولا بصفتها الذراع الطويلة، ولا جيمس بوند أو طرزان أو الفأر الخارق!».