الوحش فى هاتفك.. كيف تدمر «السوشيال ميديا» حياتنا ببطء؟
على مدى العقدين الماضيين، تحولت منصات التواصل الاجتماعى إلى ساحة مزايدة فكرية وأخلاقية، واستعراض للآراء الشخصية وفرضها، مع سعى كل شخص لإثبات التفوق القيمى والنقاش المثالى على حساب النقاش الحقيقى، بدلًا من الحوار الهادئ.
وكثيرًا ما يظن كاتب المنشور على مواقع مثل «فيسبوك» أو «إنستجرام»، أن رأيه الصارم حول قضية مجتمعية أو سياسية ما، يجعله أفضل من الآخرين، ما يدفعه للعمل على إلغاء الآخر، ورفض أى رأى مخالف وتخوين صاحبه فورًا.
وحول انتشار ظاهرة ممارسة المزايدة والتعالى والتنظير على «السوشيال ميديا»، صدر كتاب «قصة حياتك: كيف تُشكّل وسائل التواصل الاجتماعى طريقة تفاعلنا مع كل شىء»، أمس الثلاثاء ٤ أغسطس الجارى، عن دار نشر «بنجوين راندوم هاوس»، وهو ما تستعرضه «حرف» فى السطور التالية.


تستكشف عالمة الاجتماع كاثرين جيزر مورتون، الكاتبة الصحفية فى مجلة «نيويورك»، فى كتابها الجديد «قصة حياتك: كيف تُشكّل وسائل التواصل الاجتماعى طريقة تفاعلنا مع كل شىء»، كيف تُغيّر المنصات الرقمية التعبير السياسى والاجتماعى.
وترصد «مورتون»، من خلال كتابها المكون من ٢٧٥ صفحة، كيف تُحوّل المساحات الإلكترونية على مواقع «فيسبوك» و«إنستجرام» و«إكس» و«تيك توك» وغيرها، المعتقدات السياسية إلى مؤشرات هوية استعراضية، لتسطّح القيم المعقدة، وتحوّلها إلى قوالب جامدة مدفوعة بالتفاعل، ومُصممة للاستهلاك العام، مع تأطير المستخدمين آراءهم السياسية كعلامة تجارية شخصية «براند شخصى» بدلًا من كونها نقاشًا.
الكتاب يُصنّف سلوكيات وسائل التواصل الاجتماعى المُعقّدة فى فصول مُنفصلة تحمل عناوين مثل «الإجازات» و«السياسة»، ويغطى تأثير «السوشيال ميديا» على عرضنا لحياتنا الشخصية أو آرائنا تجاه قضايا اجتماعية وسياسية راهنة.
وترى المؤلفة، فى الكتاب، أن السياسات المعقدة أصبحت تُختزل إلى شعارات بسيطة على «السوشيال ميديا» لتُناسب منشورًا أو مقطع فيديو قصيرًا، مشيرة إلى أن «الخوارزميات» تُزوّد المستخدمين بمحتوى يُطابق وجهات النظر السائدة، لزيادة وقت استخدام الشاشة، لتؤثر هذه «الخوارزميات» على طريقة تبادلنا للمعلومات، وتصبح تُشكّل المحتوى نفسه، والقصص التى نختار سردها.
وتنبه إلى أن فعل المشاركة على وسائل التواصل الاجتماعى، فى عام ٢٠٢٦، يتم ضمن منظومة معقدة من الأولويات المتنافسة، وهى إدارة السمعة العامة، والحفاظ على العلامة التجارية الشخصية، وجذب الانتباه، وليس لمجرد المشاركة بحد ذاتها، لافتة إلى أن «الخوارزميات» تكافئ الاستعراض والمبالغة والمزايدة والتنظير. وكل من يسعى للوصول إلى جمهور واسع يدرك ذلك تمامًا، ويُعدّل أسلوبه وفقًا له.
وتشير الكاتبة إلى إشكالية أخرى أصبحت أكثر انتشارًا عن ذى قبل، وهى تحوّل مواقع التواصل الاجتماعى إلى أداة للمراقبة السلبية. وشرحت: «نحن نتتبع مواقف وآراء بعضنا بعضًا، ونكوّن أفكارًا جامدة عن بعضنا بناءً على ما ننشر وما لا ننشر. ماذا لو كانت الافتراضات التى نبنيها على ما ينشره الناس على وسائل التواصل الاجتماعى خاطئة تمامًا؟ ماذا لو كان ما يبدو ظاهريًا سلوكًا عقلانيًا غالبًا ما يكون نتاج دوافع وأهداف أخرى؟».
وتطرح المؤلفة بعض الأمثلة حول ظاهرة التنظير والمزايدة ومراقبة أفكار الآخر، فخلال فترات الانقسام السياسى الحاد، مثل الأيام الأولى لجائحة «كوفيد- ١٩»، أو الحرب الإسرائيلية على غزة، حتى الأصدقاء اتهموا بعضهم بعضًا بالتقاعس عن التعبير عن آرائهم على وسائل التواصل الاجتماعى، أو أن لهم آراء مختلفة. ومن خلال منشوراتنا على تلك الوسائل نصب ضغائننا الشخصية، ونختبر بعضنا بعضًا، ونسعى لإثبات وجهات نظرنا، ونُصفّى حساباتنا.
وحول حالة التنظير فى الآراء السياسية وعلاقتها بـ«السوشيال ميديا»، تقول المؤلفة إن «الخوارزميات» تتعمد إظهار المحتوى الذى يوافق توجهات المستخدم السياسية فقط، ما يعزز آراءه ويجعلها تبدو وكأنها الحقيقة المطلقة، وهذا يؤدى إلى استقطاب الرأى العام، وتحويل النقاشات السياسية إلى شعارات حماسية ومواقف متطرفة تفتقر للعمق والتخصص لكسب التفاعل السريع.
الأسوا من ذلك يتم تقييم الآراء السياسية بناءً على الشكل والصورة والأداء الاستعراضى لا على البرامج العميقة أو الأفكار الموضوعية. ويشعر بعض الأفراد بتردد فى إبداء آراء سياسية مخالفة للتيار السائد على المنصات خوفًا من الإقصاء أو الهجوم الرقمى.
وتجبر منصات التواصل الاجتماعى الآراء السياسية على اتخاذ أشكال محسّنة وأدائية، وتُعيد تشكيل التعبير السياسى من قناعة راسخة إلى استعراضات سطحية مُصممة لتحقيق مكاسب اجتماعية، لأن «الخوارزميات» تُكافئ التصريحات السياسية المتطرفة والجاذبة للانتباه على حساب المناقشات السياسية الهادئة. لذلك يُصوّر المستخدمون الآراء السياسية على أنها علامات تجارية شخصية وانتصارات أخلاقية بدلًا من كونها عملًا جماعيًا.
من هنا يحدث تآكل للعمق، فيما تُختزل تنسيقات التمرير السريع النقد الأيديولوجى العميق إلى شعارات رد فعلية وتوافق جمالى، وتُملى منصات «السوشيال ميديا» النصوص التى نستخدمها للتعبير عن قيمنا الشخصية وآرائنا السياسية، مُسطّحةً الفروق الدقيقة السياسية إلى مجرد استعارات استعراضية، وغضب مُنمّق، والأداء على حساب السياسة.
فالغضب المُوجّه بـ«الخوارزميات» يزيد من خلاصات الأخبار والمواقف المُتطرفة والعاطفية، ما يجعل الآراء المُعتدلة أو الدقيقة غير مرئية. وفى نفس الوقت يشعر مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعى الطبيعيون بالضغط لمُطابقة النبرة السياسية السائدة فى شبكتهم المُحدّدة لتجنّب العقاب الاجتماعى.


تعبر الكاتبة عن قلقها من حالات الاستعراض والتنظير والمراقبة على وسائل التواصل الاجتماعى قائلة: «أحيانًا تُثير مشاركة منشورات حول معتقداتى السياسية على وسائل التواصل الاجتماعى قلقى. ليس لأننى أخشى التعبير عن رأيى، فلكل شخص الحق فى حرية التعبير عن معتقداته. وليس خوفًا من اتهامى بالتظاهر بالفضيلة».
وتضيف: «أعلم أن الكثيرين ينتبهون لأسلوب بعضهم بعضًا فى النشر على وسائل التواصل الاجتماعى، وأننا بتنا ننظر إلى الكثير مما نقوله ونفعله على هذه المنصات على أنه مجرد تلميع للحقائق. لكن هذا ليس ما يُقلقنى».
وتواصل: «ما يُثير تساؤلاتى هو الطريقة التى تغيّر بها استخدامنا لوسائل التواصل الاجتماعى خلال العقد الماضى تقريبًا. ربما كان موقع التواصل الاجتماعى فى الماضى مكانًا للمشاركة. لكن معظمنا تعلم استخدامه لغرض ثانوى، وهو مراقبة الآخرين وما يكتبونه أو يعبرون عنه من خلال منشوراتهم».
وتنبه المؤلفة إلى أن تأثير منصات التواصل الاجتماعى لا يتوقف عند التنظير أو المزايدة حول الأفكار والمعتقدات، بل يشمل تأثيرها على التجارب الإنسانية ككل. فهى تعمل على تحويل التجارب العادية إلى عروض مرئية تتطلب المصادقة والإعجاب المستمرين.
وأصبح هناك طمس للحدود بين الواقع المعاش والصورة المنشورة على تلك الوسائل، وهو ما يخلق شعورًا دائمًا بالتناقض بين الرغبة فى التواصل العميق والشعور بالعزلة الوهمية، ويؤدى إلى تغليب المشاعر السطحية السريعة على التعقيد النفسى والمشاعر الإنسانية العميقة مثل التردد والحيرة.
ولدراسة تلك الظاهرة، تضمن الكتاب بحثًا دقيقًا ومقابلات معمقة مع عدد من مستخدمى وسائل التواصل الاجتماعى، بالإضافة إلى الخبراء فى هذا المجال، الذين أكدوا أن منصات التواصل الاجتماعى، التى نروى عليها قصص حياتنا على مدى الـ٢٠ عامًا الماضية، حددت شكل هذه القصص ومضمونها.
فاليوم، باتت فترات انتباهنا قصيرة، وتنعكس هذه الحقيقة فى تناولها، حيث يلعب الاستعراض والمبالغة دورًا متزايدًا فى سردنا لحياتنا اليومية.
ومن خلال دراسة كيفية مشاركتنا وحديثنا ونشرنا عن إنجازاتنا وإجازاتنا ومنازلنا وعلاقاتنا ومصاعبنا وقضايا السياسة وغيرها، يُظهر الكتاب أيضًا مدى تأثير منصات التواصل الاجتماعى على نظرتنا لأنفسنا بكل جوانبها، وما نعتبره حياةً كريمة مرفهة أم لا.


ترى المؤلفة أن المشكلة بدأت منذ عقود، فى أواخر التسعينيات تحديدًا، عندما انتشر مصطلح «العلامة التجارية الشخصية» أو «البراند الشخصى» على نطاق واسع فى الخطاب العام كما انتشرت البالونات التى تُعدّ مثالية للتصوير على «إنستجرام» فى الحفلات منذ ذلك الحين بعد مقالٍ رئيسى فى مجلة «فاست كومبانى» الأمريكية. من وقتها تجاوز الأمر كل الحدود، ولم يقتصر تأثيره على تشتيت الانتباه فحسب، بل امتدّ ليشمل إحساس الأفراد بالهوية، الفردية والجماعية، وفق المؤلفة، والتى تتساءل: «ماذا لو حصرتنا منشورات وسائل التواصل الاجتماعى فى أنماط حياة خانقة وغير مُرضية؟ ماذا لو قوّضت هذه المنشورات الاستعراضية شعورنا بالراحة والانتماء؟ ماذا لو كانت هذه المنشورات التى يبدو الكثير منها غير ضار، مرتبطة ببعض أكبر التحديات التى نواجهها فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية والمساواة؟».
وتوضح أن الاستعراض والمبالغة فى إظهار حياتنا يكونان بسبب مكافأة «السوشيال ميديا» للذروات العاطفية الشديدة والمشاهد الباهرة. تتطلب العقبات اليومية تأطيرًا دراميًا، وتتحول المصاعب إلى انتصارات بطولية للصمود، ويشعر المستخدمون بأن الحياة العادية غير كافية، فيُضخّمون قصصهم لجذب الانتباه العابر، ويُصبح الناس مُشاهدين لأقرانهم، ويتحول التواصل الحقيقى إلى تصفح صامت وتأكيد ضمنى.
وتُدربنا «المنصات الخوارزمية» على رؤية روتيننا اليومى وحياتنا من خلال عدسة الاستعراض فقط، حيث يعيش الأفراد الأحداث بينما يتخيلون فى الوقت نفسه كيف تبدو على الإنترنت، لتتضاءل العفوية، وتحل الصور واللقطات المخططة محل الواقع غير المسجل فى اللحظة الراهنة.
ويوضح الكتاب أنه حتى التجارب الإنسانية أصبحت «الخوارزميات» تؤثر عليها، حيث تعمل كإطار عمل، فهى تُملى شكل المعالم المقبولة فى الحياة، ويستوعب المستخدمون منطق منصة التواصل الاجتماعى، ويُشكّلون خياراتهم فى العالم الحقيقى لتتناسب مع القوالب الرقمية، وتُصبح الهوية محتوى مُنتقى بعناية، وتتحول اللحظات المعاشة إلى سرديات استراتيجية.
ويستكشف الكتاب أيضًا كيف تُجبر الثقافة الرقمية الروايات اليومية على الانصياع لقوالب جامدة ومبالغ فيها، ما يُغير صورتنا الذاتية، ويُشوه قيمنا الشخصية، إذ تُكافئ منصات مثل «إنستجرام» و«تيك توك» المحتوى الذى يُبسط التفاصيل الدقيقة، دافعةً المستخدمين إلى الاعتماد على الصور المؤثرة والمشاعر الجياشة، ومن ثمّ الحاجة إلى المبالغة.
فنظرًا لضيق فترات الانتباه، تتطلب الإنجازات العادية والصعوبات تضخيمًا دراميًا لتُصبح ذات معنى أو مرئية على الإنترنت. ويُفضل السرد القصصى الرقمى بشدة الحبكات السردية المُتقنة، مثل العودات المنتصرة أو الحياة المنزلية المُنمقة، على الواقع الفوضوى. ومن هنا تتم إعادة تعريف الحياة الجيدة، ويتغير معنى ما يعتبره الأفراد حياة ناجحة أو مُعاشة بشكل طبيعى.







