الجمعة 25 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

جامع العملات القديمة.. تغريب المألوف فى مجموعة قصصية جديدة

حرف

- شريف عبدالمجيد صنع إسهامًا متنوعًا عبر مجموعاته القصصية المختلفة

13 قصة قصيرة تشكل المتن السردى للمجموعة القصصية «جامع العملات القديمة»، للقاص شريف عبدالمجيد، والصادرة فى القاهرة عن مؤسسة «بتانة» للنشر. 

وتبدأ المجموعة بقصة «مشاهد من حياة الساحر القديم»، وتنتهى بنص «ثلاث نهايات لقصة واحدة»

يصدر شريف عبدالمجيد مجموعته بجملة هاملت: 

«العالم مضطرب، ومن المؤسف أن أكون قد ولدت لأصلح هذا الاضطراب». 

أى أن ثمة خللًا ما، وكل شىء يسير على نحو خاطئ، وتعزز جملة «ومن المؤسف أن أكون قد ولدت لأصلح هذا الاضطراب» من فداحة الشعور بأن ثمة عبئًا ثقيلًا، يصبح المرء بإزائه مجبرًا على مهمة إصلاح عوار كبير لم يختره بنفسه.

وتنبئ تلك المسئولية القسرية، عن رؤية وجودية للعالم، تحمل حسًا تشاؤميًا، لكنه يصر من طرف خفى على المجابهة. فى «مشاهد من حياة الساحر القديم»، نصبح أمام ستة مشاهد يسبقها تقديمة درامية، تمثل مدخلًا للنص القصصى، إذ تضع المتلقى أمام الشخصية المركزية فى القصة»: 

فى الحجرة الصغيرة التى يتخذها كغرفة للمكياج بالمدرسة الدولية الشهيرة جلس ليضع الرتوش الأخيرة على وجهه، وضع كريم الأساس الأبيض على جبينه وخديه، ثم وضع دائرة حمراء على خده الأيمن ودائرة مثلها على خده الأيسر، وضع أحمر شفاه غليظًا على شفتيه، أتبعه برسمة حمراء عريضة على فمه؛ لتبرز شكل الابتسامة عندما يضحك. تأكد للمرة الأخيرة من وجود الأدوات التى يستعملها، تعلم ذلك من تجارب سابقة، فالمراجعة أساس النجاح، وربما نسيان الأشياء البسيطة أكثر ما يفسد العروض الكبيرة، تأكد من وجود الإناء المعدنى الكبير والقرطاس الذى يفرغ فيه اللبن، والهون الذى يدق به الساعة والحمام الصغير الذى يخفيه فى طيات ملابسه الكثيرة، التى يرتدى فوقها ما يشبه الروب المزخرف بألوان عديدة، تلعب تلك الألوان دورًا كبيرًا فى نجاح العرض، راجع أوراق الكوتشينة التى يستخدمها فى الفقرة المهمة، والساعة التى يضعها فى طيات ملابسه ليخرجها ويطحنها والساعة الأخرى التى ستكون مع مساعده». 

وتتواتر المشاهد الستة فيما بعد، فى توظيف دال لتقنية المشاهد السردية، وهنا يقترب النص من مفهوم اللوحة القصصية ذات التكوينات المختلفة، والتى تعتمد فى دلالتها الكلية على تشكيل وحدة جمالية بصرية. ولعل استخدام تقنية المشاهد السردية تقرب المتلقى من الدراما البصرية، وتتمحور حول ذلك الساحر الضاحك، عميق الحزن، وهى تيمة مألوفة، تختزلها عبارة فحواها «إن من يمنحونك البهجة ربما يصبحون أكثر الناس حزنًا». والبطل المركزى فى القصة هو مدرس مكافح نتعرف على اسمه عرضًا، «أحمد» مدرس الدراسات الاجتماعية، الذى يهديه المدرس المخضرم «سعيد» حيلة للتعاطى مع الحياة، إذ يعلمه بعض ألاعيب الساحر، ويصير بدوره متمرسًا فى المهنة الجديدة، فتدعوه المدارس الدولية والجمعيات الخيرية إلى إحياء حفلاتها، وينتخب الكاتب شريف عبدالمجيد حفلة مرضى السرطان من الأطفال، لتكون ذروة حدثه الدرامى، حيث يقرر فيها الساحر حلاقة شعره تماهيًا مع أطفالنا الأبطال:

شريف عبدالمجيد
شريف عبدالمجيد

«كان أجمل عرض قدمه أستاذ أحمد فى حياته، العرض الذى كان مخصصًا لمرضى السرطان، كانت وجوه الأطفال جميلةً بريئة ورءوسهم حليقة ويضحكون، وعلى وجوههم امتنان وتقدير لا ينساه. اندمج أستاذ أحمد فى العرض وسط التصفيق الحار.

قام الأستاذ أحمد بعمل فقرة اللبن فى القرطاس؛ حيث يصب اللبن الموجود فى الإناء المعدنى فى القرطاس، وبعد أن يقول بعض الكلمات غير المفهومة للأطفال؛ مثلًا: جلا جلا. أو غيرها يرفع القرطاس فى الهواء ويفرده فلا تنزل منه قطرة لبن، يصفق الأطفال، ويندمجون مع فقرات الحفل المختلفة.

وقرر فى لحظة نشوة أن يحلق شعره أمامهم كان قد جهز ماكينة حلاقةٍ مع أدوات العرض، وعندما حلق شعره بمشط (الزيرو) كان الجميع يصفق له كنجم كبير. 

ويصبح الساحر الطيب على أعتاب لحظة النهاية، إذ يشاهد صورة أمه الراحلة تترأى له، إنه وداع هادئ ومهيب فى الوقت نفسه، وفى متن المشاهد، نقف على مشاعر ذلك الرجل المهموم قلبه، والذى طعنته زوجته بخيانتها مع زميل لها فى العمل، وإمعانًا فى التماهى مع ما أحب، يلعب ورق الكوتشينة فى فنتازيا ساحرة، ويقرر أن يتركها بلا ضجيج حفاظًا على ابنتيه. و على الرغم من أن حركة الشخصية هنا تبدو غير واقعية، لكنها على الرغم من ذلك تتماس مع روح الشخصية القصصية.

فى قصة «السبع عرائس»، يجدل شريف عبدالمجيد بين الجمالى والتاريخى، أو على وجه الدقة يخرج من الواقعى إلى الفنتازى من خلال استحضار حكاية السبع عرائس، وتضفيرها بتنويعاتها فى متن الحكاية، من دون التقيد بمكان الحكاية، إذ جمع المرويات الشعبية عنها بصيغها الثلاث «بنات الوزير المغربى للحاكم بأمر الله، أو المحاربات السبع اللاتى قاتلن ضد الرومان، دفاعًا عن عقيدتهن ووطنهن، أو الراهبات السبع اللاتى نذرهن حياتهن لعلاج المرضى». ثمة تقنية مركزية فى قصص شريف عبدالمجيد أسميها «تغريب المألوف»، إذ ينطلق من لحظة واقعية، سرعان ما يتلوها حدث فنتازى، كما فى «السبع عرائس»، وغيرها. 

فى «انتقال السيد حسان» نرى تحويل الواقع الحى إلى فن، فالبطلة المركزية فى القصة «سلمى حسان» مديرة حسابات العملاء بأحد البنوك، امرأة طموح وصارمة، عاشت حياة ملؤها العمل، لديها إخفاقات جانبية، تتمثل فى انفصالها، لكنها تستعيد نفسها بالعمل، وتعد علاقتها بأمها جوهر القصة فنيًا، وفى النص أيضًا سخرية مضمرة، ومأساة تظهر بنقل رفات الأب، وتختتم القصة باتصال عن إعلان لمقابر جديدة، وتخلو هذه القصة من الإدهاش، الذى يعد طبيعة مصاحبة للفن ذاته، وهو ما ينبغى للكاتب أن يلتفت إليه جيدًا. 

فى «جامع العملات القديمة»، وهى القصة المركزية فى المجموعة والتى تحمل اسمها، يوظف الكاتب تقنية الرسائل توظيفًا فنيًا دالًا، وناعمًا، فلا تكاد تشعر به سوى من دلائل نصية مذكورة كما فى صفحتى «٣٤، ٤٥»، وتبدو العناوين الفرعية شارحة، ودالة، وتختتم القصة نهاية ساخرة، فبعد أن ذهبت أحلام جامع العملات القديمة أدراج الرياح، ولم ينل المكاسب المتوقعة، يقرر عمل قناة خاصة على اليوتيوب للعملات القديمة، يأتيه جده فى «الحلم الأخير»، فما كان منه إلا أن يطلب من الجد الاشتراك فى القناة وتفعيل الجرس:

«رأيت جدى فى المنام حاولت التأكد من ملامحه هذه المرة؛ هل كان يريد أن يعطينى شيئًا، كما فى المرة السابقة؟! لا أعرف على وجه التحديد، هل أنا ما زلت فى الحلم ولم تكن هناك أى شنطة سوداء معدنية بها كل تلك العملات القديمة؟ ربما ولكن ما أتذكره أننى طلبت منه أن يشترك فى القناة ويفعل الجرس ويخبر الجميع بها».

ثمة توظيف لتقنية التكنو سرد فى القصص، من قبيل ما رأيناه فى «جامع العملات القديمة»، أو فى قصة «بث مباشر»، التى تبدأ من لحظة النهاية، إذ ينتحر «أحمد»، فى بث مباشر، لتبدأ بعدها الإشارة من خلال العناوين الفرعية، التى تعد سمة أصيلة فى المجموعة، إلى جانب من حياته السابقة عبر المقاطع القصصية التالية: « حديث (حماة) أحمد/ حلقة أخرى من البرنامج/ حنان أخت أحمد». 

وفى «مقتل السيدة الألبانية»، تنهض القصة على تقنية التحقيق الدرامى، ومن خلالها نتعرف على السيدة الألبانية كاريمان هانم، وعوالمها المتشعبة.

وفى «نصف ابتسامة» تصبح البطولة المبتورة للرجل الباحث عما يسعد أسرته الصغيرة أشبه بنصف ابتسامة، وفى القصة الأخيرة «ثلاث نهايات لقصة واحدة» نرى تفعيلًا لذلك المنطق الديمقراطى للسرد، عبر تعدد زوايا النظر فى النص، واعتماد نهايات ثلاث «أ/ب/ج». 

وبعد.. يحفر شريف عبدالمجيد مجرى يخصه فى القصة المصرية، صنع من خلالها إسهامًا متنوعًا عبر مجموعاته القصصية المختلفة «مقطع جديد لأسطورة قديمة، خدمات ما بعد البيع، فرق توقيت، جريمة كاملة، تاكسى أبيض، صولو الخليفة، الببلومانى الأخير».