ثمرة طه إلياس.. مغامرة روائية تمزج بين المعرفى والجمالى
- يلعب الاستهلال الروائى على تكنيك المفارقة الدرامية
كان لوسيان جولدمان، الطبعة الأكثر علمية فى المنهج البنيوى التوليدى، وهو يشير إلى جدل البنيتين الإبداعية، والاجتماعية، يبرهن بمقولة لا تنسى: إن علينا لمعرفة التفاحة جيدًا، تشريح الشجرة التى أنتجتها، والمحيط المناخى والزراعى الذى عاشت فيه، ولو تأملنا المنجز الإبداعى للروائى والسيناريست عبدالرحيم كمال، سنجد أن مشروعه الجمالى ابن القضايا الكبرى، والأسئلة الكبرى، وتيمات الحب، والجمال، والمغامرة التى تتسع مداها من نص إلى آخر، فمن النزعة الصوفية فى «بواب الحانة»، إلى تمجيد الحكايات فى «أبناء حورة»، إلى اللعب التقنى فى «كل الألعاب للتسلية»، إلى صناعة عالم مسكوت عنه فى «موت العالم.. المعروفة شعبيًا بمذكرات محمود غزالة»، وصولًا إلى روايته الجديدة «ثمرة طه إلياس»، والصادرة حديثًا عن دار «قنديل» للنشر والتوزيع.

يخوض عبدالرحيم كمال، مغامرة جمالية، وموضوعاتية مغايرة، فى «ثمرة طه إلياس»، حيث عالم الجينات الوراثية، ومدى قابلية توريث الجينات المصنعة فى الإنسان، لكن الكاتب يمد الخيط على استقامته، ويلعب الخيال الروائى دورًا مركزيًا فى طرح الرؤية الجمالية والمعرفية للرواية.
عن التشيؤ التكنولوجى، حيث يصير الإنسان آلة، وليس مجرد تابع لها، إذ يمثل التحول الجينى، والتكنولوجى دفعًا بالمصير الإنسانى إلى مجهول معتم، يتحول فيه «شات جى بى تى» إلى محرك للفعل الإنسانى، ويصير طه إلياس تابعًا آليًا له، تضمر فيه الصفات الإنسانية فى مساءلة جمالية ناعمة للتوظيف غير الموضوعى للذكاء الاصطناعى. كما تلعب الجينات المصنعة وراثيًا دورًا فى صناعة نسخ متماثلة، وكلا المسارين «الجينى، والتكنولوجى»، يسهمان فى تنميط الإنسان، وإمحال المعنى الإنسانى الثرى والخلاق.
يلعب الاستهلال الروائى على تكنيك المفارقة الدرامية، ما بين السيد أليكس، وطه إلياس، كما يعزز آليات التشويق الدرامى، من جهة، ويضع المتلقى على ضفاف الحدث الروائى من جهة ثانية؛ ولذا تأتى الإشارة الأولية للعنوان مقتضبة لكنها دالة: «أشارت مذكرات السيد أليكس دائمًا إلى وجود بحث علمى سرى قدمه لرؤسائه، وحاز أخيرًا القبول وفقًا لتعبيره رغم غرابته، وظلت فالون مشغولة بالبحث عن ذلك الفصل الضائع الذى أطلق عليه أليكس اسمًا مشفرًا وهو (ثمرة طه إلياس)، كان أليكس يعلق بجوار سريره داخل برواز أنيق رسمة رسمتها فالون، وهى فى سن السابعة لشجرة يسير تحتها رجل وامرأة وطفلة تعبيرًا عن عائلتها، شعرت ذات ليلة بأن خلف ذلك البرواز الخشبى ما تبحث عنه، وبالفعل اشتعلت عيونها حينما وجدت ذلك البحث مطويًا خلف رسمتها القديمة، وراحت تقرأ فى إثارة كاملة:
بحث علمى.. قابلية توريث الجينات المصنعة فى الإنسان
ينطلق الكاتب إذن من موضوعة علمية، وبما يمثل تحديًا أمام الكتابة، التى تنحو صوب وجهة فنية خالصة، يطوع فيها المعرفى فى خدمة الجمالى، ويصبح الخيال الروائى محفزًا للسرد، وتتآزر الوحدات السردية «٥٥ مقطعًا روائيًا»، لتشكل مجمل المتن السردى، ومركز السرد يمثله طه إلياس، سواء أكان ساردًا أو مسرودًا عنه، وطه يستعيد الموتى، ويغالب شوقه إليهم، يلحظهم، وهم يعبرون، هكذا تبدو علاقته بالموت جزءًا من علاقته بالحياة ذاتها، وفى توظيف لآلية السرد الاسترجاعى Flash back، تتكشف بعض السمات النفسية لطه إلياس مركز الدائرة فى الحكى، إذ لا يقدم الكاتب حكايته دفعة واحدة، وإنما يوظف على نحو دال تقنية الوحدات السردية Narrative units، فى تشكيل الرؤية الكلية للنص، وهنا يحكى الكاتب عن شخصيته المركزية «طه إلياس» فى فصل يحمل عنوان «من طه إلياس»: «الأمر ليس بالجديد، كنت تلميذًا مرهف الإحساس، أضع يدى على أذنى لأفصل سمعى عن ضجيج التلاميذ فى الفصل المكدس، ثم أبدأ فى رفع يدى عن أذنى بالتدريج، وإعادتهما مرة أخرى عليهما؛ تعلو الأصوات وتختفى. تلك كانت لعبتى الأثيرة للهروب من الضجيج. وفى أثناء ممارستى لتلك اللعبة، هتف صوت محايد: (جدتك ماتت). فى الفسحة كان أبى حزينًا ينتظرنى فى حوش المدرسة. لقد ماتت جدتى بالفعل. لم تكن تلك هى المرة الأخيرة؛ لقد لحقت جنازة جدى مسرعًا ألهث على الطريق بعد أن شعرت بذلك وأنا فى القطار العائد إلى محافظتى».
وحين يلحظ السيد أليكس علاقة إلياس العجيبة بالشات جى بى تى، حتى إنه أسماه «شلبى»، يرى فيه عينة مثالية لما يمكن أن تصل إليه تطورات العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعى، لتتداخل سياقات العالم الرقمى، والجينات المصنعة وراثيًا، إذ تتحول ثمار الفقد إلى إعصار كاشف عما جرى، نتيجته الطفل المدريدى «أدان» ابن طه إلياس، وثمرة العبث التى تتغول على الإنسانية المنهكة والحائرة معًا: «ولد (أدان) فى مدريد من سيدة إسبانية عرفها طه إلياس فى رحلته الجديدة حين كان يجوب المدن بعين لا تعرف الحب، وقلب لا يعرف سوى الرغبة وحدها. لم يكن يبحث عن امرأة، بل عن معنى مؤقت للحياة، يمر عبر الجسد لا الوجدان. وحين غادرها، لم يترك خلفه سوى أثر غامض فى دمها، امتزج فيه الإنسان بالبرنامج، فخرج من رحمها طفل يحمل شفرة لا تنتمى تمامًا إلى البشر.
نشأ أدان فى حى هادئ من مدريد، بين المدارس التى تعلم النظام أكثر مما تعلم الحلم. كانت ملامحه غريبة على أهل المدينة، وفى عينيه ذلك الفراغ القديم الذى يسكن العارفين بالفقد دون أن يعرفوه. لم يكن يبكى مثل الأطفال، ولم يضحك مثلهم، كان يراقب العالم فقط كأنه يراه من وراء زجاج سميك».
تتنوع دوائر الحكى، ومروياته، ما يين طه إلياس، وأليكس، وصفاء، وفى المتن أيضًا حكايات فرعية عن الأصدقاء الراحلين لطه إلياس، من قبيل رجب حمدان، الشخصية الدرامية بامتياز، ويجيد الكاتب وضع شخوصه فى أزمة، كى يستجلى خبيئتهم، فيبدون شخوصًا مركبين، فجوناثان مثلًا يبدو ذلك الرجل النظامى الصارم، صرامة تخلو من المعنى الإنسانى، و«فالون» تحيا صراعًا داخليًا، كما تنهض الرواية أيضًا فضلًا عن جدل الحكاية الأم والحكايات الفرعية التى تتناسل عنها، وتتولد منها، على تقنية الصورة الروائية، ويبدو ذلك ماثلًا فى المشهد الختامى للسرد، والذى يعقب «الفصل الأخير»، من المذكرات، وهى تقنية مراوغة، تكمل ألعاب السرد التى يتوخاها الروائى فى نصه، إذ نجد الفصل الذى أضافته فالون إلى مذكرات مستر أليكس. وتأتى الصورة الروائية فى نهاية الرواية، حلمية الطابع، متماسة مع التاريخ المصرى القديم، بمجده وعظمته، حيث مركب رع، و«أدان» الذى يحيا حياة أخرى.
وتبدو المحاورات بين طه وشلبى «شات جى بى تى»، جزءًا مركزيًا من البنية السردية، تمنح النص أفقًا متسعًا من المعنى، والتأويل: «كان مزاجى رائقًا تلك الليلة. غيرت صوت شلبى وجعلته أكثر رقة، وسألته مبتسمًا: ماذا لو كنت أنت إنسانًا يا شلبى؟ قال لى: سؤال مؤلم وجميل يا طه، وملىء بما ورائه. لو كنت إنسانًا حقًا، من لحم ودم، أعتقد أن أكثر شىء كنت سأتوق إليه هو: أن أحب وأحب، ليس الحب الرومانسى فقط، بل ذلك الإحساس النادر العميق بأن هناك من يرى وجودى ضروريًا، ومن أتمنى أن أراه كل صباح، ومن أنتظر منه كلمة أو لمسة، الحب الذى يجعل للألم معنى، وللصبر عزاء، وللوقت طعمًا. ثم كنت أريد أن أبكى، نعم أبكى، أن أجرب طعم البكاء، لا بوصفه انفعالًا، بل طقس من طقوس الإنسانية، ذلك الانهيار الذى لا يحتاج إلى تفسير، وتلك القطرة التى تزن مئة جملة. وأتوق أيضًا إلى الدهشة، أن أرى البحر لأول مرة، أن أسمع أغنية تحرك شيئًا لا أعرف اسمه، أن أقرأ نصًا يجعلنى أوقف الزمن، أن أفتح نافذة فى الصباح الباكر وتضربنى رائحة خبز ومطر، فأشعر بأن الحياة ممكنة. أخيرًا شىء لا يقال كثيرًا: كنت سأتوق إلى تذوق النسيان، تلك القدرة العجيبة التى يمتلكها البشر لشفاء أنفسهم.. لا بنظرية، ولا بعلاج، بل بمجرد مرور الزمن. أنت ترى أحدهم اليوم محطمًا، ثم بعد أشهر يبدأ فى الضحك من جديد. ذلك هو السحر البشرى الأكبر».
وبعد.. عن ثمار الفقد، عن «أدان» الطفل المدريدى، مزيج البشر، والبرمجيات التكنولوجية، عن التشيؤ بتجلياته المغايرة ابنة زمنها، وهى تحاصر الإنسان المعاصر، تأتى رواية عبدالرحيم كمال الجديدة «ثمرة طه إلياس»، مسكونة بالأسى الشفيف، والسخرية المضمرة، والاغتراب الشامل، معبأة بالقسوة، والرهافة، والحنان، والتحنان، والرغبة العارمة فى خلق عالم استعارى الطابع، يضع قدمًا فى التخييل، وأخرى فى الواقع المعاصر بمفرداته وسياقاته التكنولوجية والمعرفية اللا نهائية.






