الخالد.. كتاب ألمانى يحتفى بـ«السادات»: زعيم غير التاريخ بشجاعته
- أستاذ التفاوض ريمى سولينسكى: الرئيس المصرى اعتمد على دبلوماسية غير معتادة
فى عالم يحتاج إلى السلام الآن أكثر من أى وقت مضى، يبرز كتاب ألمانى حديث، صدر منذ شهور عن دار نشر «سبرينجر» الألمانية البريطانية الأكاديمية، ويحمل عنوان «مفاوضون غيّروا العالم: دروس خالدة فى القيادة والتفاوض»، من تأليف الخبير الألمانى ريمى سمولينسكى، أستاذ التفاوض بكلية الدراسات الإدارية العليا فى لايبزيج الألمانية.
الكتاب نُشر فى أكتوبر الماضى، ويضم 571 صفحة، موزعة على 5 أجزاء و28 فصلًا، خصص منها المؤلف الجزء الثالث للحديث عن صُنَّاع السلام والوسطاء الموثوق بهم، ومن بينهم الرئيس الراحل محمد أنور السادات فى الفصل الـ14.

ويسلط الكتاب الضوء على «السادات» كواحد من القادة الذين واجهوا صراعات مستعصية، لكنهم فى النهاية بنوا السلام من رحم الحرب، مبينًا كيف وازن الرئيس المصرى الراحل بين القيادة الأخلاقية والحل العملى، والتعاطف والشجاعة فى وقت واحد.
ويكشف كل فصل من الكتاب عن الاستراتيجيات الحاسمة، والعقليات، واللحظات المحورية التى تقف وراء نجاحات هؤلاء القادة أو السياسيين أو الاستراتيجيين، فى تهدئة الصراعات المستعصية، خاصة المحادثات السرية التى أنهت الحروب.
ومن بين 27 قائدًا وضعهم الكتاب كأفضل وأنجح القادة الذين أسهموا فى إنهاء حروب أو فض نزاعات، لم يكن هناك سياسى إسرائيلى واحد، فى ملاحظة جديرة بالذكر.

المسيح
وضع الكتاب السيد المسيح عليه السلام فى فصل من فصوله، واصفًا إياه بالقائد الخادم الأمثل، ومتعمقًا فى استراتيجيات القيادة التى اتبعها، ونهجه الفريد فى حل النزاعات والقيادة.
ويدرس الكتاب تفاعلات رئيسية فى حياة السيد المسيح، مثل مناظراته مع المنتقدين، ولقائه بشاب ثرى، وتعامله مع المرأة المتهمة بالزنا، لاستخلاص دروس عملية للمهنيين المعاصرين.
ويصف هذا الفصل أيضًا التحركات الأخيرة للمسيح، بما فى ذلك تفاعلاته مع بيلاطس البنطى، وإعداده لتلاميذه قبل رحيله. ومن خلال هذه اللقاءات، يُحدد مبادئ أساسية مثل: التركيز على القيم الجوهرية، واستخدام التعاطف لبناء الثقة، وإعادة صياغة التحديات لتغيير وجهات النظر، وتشجيع التأمل الذاتى فى مواجهة الصعاب، وتعزيز الصمود فى وجه الشدائد.
كما يناقش الفصل الأثر الفورى والبعيد المدى لنقاشات المسيح على الفكر الدينى والأطر الأخلاقية ونماذج القيادة، مختتمًا بتأكيد الأهمية الخالدة لنهجه فى القيادة، ومقدمًا رؤى يمكن تطبيقها فى سياقات مهنية متنوعة فى الوقت الحاضر.
كونفوشيوس
يتناول الفصل المعنون باسم «كونفوشيوس كفيلسوف واستراتيجى قديم» الأهمية الدائمة لتعاليمه فى ممارسة القيادة الحكيمة الحديثة، التى تركز على فن إدارة المفاوضات، إلى جانب فضائل أساسية مثل الكرم والعدل والوئام، متعمقًا فى حياته وفلسفته.

ويولى الكتاب اهتمامًا خاصًا بتركيز كونفوشيوس على النزاهة الأخلاقية والوئام الاجتماعى، وكيف يمكنه، من خلال هذه القيم، أن يرشد القادة خلال أوقات الحرب أو الصراع إلى نتائج أخلاقية ومفيدة للطرفين.
ويوضح أيضًا العناصر الخمسة الأساسية للقيادة خلال تلك الأوقات الصعبة: الأطراف المعنية، والمصالح، والعلاقات، والتفاعلات، والنتائج، ويوضح كيف يمكن للمبادئ «الكونفوشيوسية» أن تُعزز كل جانب منها.
علاوة على ذلك، يُقدم دروسًا عملية لتعزيز العلاقات طويلة الأمد، والحفاظ على النزاهة فى حالات الحرب. وبنهاية الفصل، يكتسب القراء رؤى ثاقبة حول كيفية تحويل الحكمة «الكونفوشيوسية» إلى استراتيجيات القيادة، مع تأكيد أهمية الاحترام والمعاملة بالمثل والوئام فى التوصل إلى اتفاقيات ناجحة ودائمة.
جون كينيدى
فى الفصل الذى خصصه للرئيس الأمريكى الراحل، جون كينيدى، ركز الكتاب على أسلوب قيادته، والذى تجنّب من خلاله حدوث كارثة نووية أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، متعمّقًا فى الاستراتيجيات الحاسمة التى اتبعها حينها، لدى لحظة محورية فى تاريخ الحرب الباردة.

ويتناول الفصل الأبعاد الرئيسية الثلاثة للقيادة التفاوضية الخاصة بـ«كينيدى» وهى: «العملية» و«العلاقة» و«المضمون»، مُبينًا كيف حوّل نهجه حالة الجمود المتوترة إلى حلّ دبلوماسى، ومؤكدًا أهمية إدارة عملية النقاشات المفتوحة لتعزيز التواصل الشخصى، والتعاطف والحفاظ على ماء الوجه فى بناء العلاقات، والتركيز على المصالح بدلًا من المواقف الجوهرية.
ويكشف هذا الفصل كيف لعبت القرارات الاستراتيجية لـ«كينيدى»، مثل التحوّل من التواصل الرسمى إلى غير الرسمى، وفهم المصالح الأساسية لكلا الطرفين، دورًا حاسمًا فى منع وقوع كارثة نووية، مشيرًا إلى رؤى معمقة حول الإرث طويل الأمد لأزمة الصواريخ الكوبية، بما فى ذلك إنشاء خط الاتصال الساخن بين موسكو وواشنطن، وبدء معاهدات الحد من التسلح.
ميخائيل جورباتشوف
يستكشف الفصل الذى يثنى على قيادة ميخائيل جورباتشوف آخر زعماء الاتحاد السوفيتى، والدور المحورى الذى لعبه فى إعادة تشكيل السياسة العالمية من خلال مهاراته، متناولًا إصلاحاته الداخلية، خاصة فى القطاع الزراعى، وتغلبه على العقبات الأيديولوجية والإدارية لزيادة الإنتاج الغذائى.

ويُسلط الفصل الضوء على التحركات والسياسات الدولية للزعيم السوفيتى، مُبرزًا معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى التاريخية مع الولايات المتحدة، وعلاقاته مع شخصيات سياسية بارزة مثل رونالد ريجان ومارجريت تاتشر.
ويشير إلى أثر هذه الاتفاقيات على العلاقات الدولية والإرث المعقد الذى تركه «جورباتشوف»، مختتمًا بتأمل فى مكانته بالتاريخ، مع تقييم نجاحاته والتحديات التى واجهها، وذلك كقائد شارك فى مقاوضات واتفاقيات أثّرت تأثيرًا بالغًا فى تاريخ البشرية.
هيلموت كول
يركز الفصل الذى يثمّن قيادة هيلموت كول ومسيرته السياسية على دوره المحورى فى إعادة توحيد ألمانيا والتكامل الأوروبى، ويدرس حياته المبكرة، وتجاربه التكوينية خلال الحرب العالمية الثانية، وصعوده السريع داخل حزب الاتحاد الديمقراطى المسيحى.

يسلط الفصل الضوء على براعة «كول» فى إدارة العلاقات الاستراتيجية وتقنيات بناء الروابط، والتى كانت حاسمة لنجاحاته السياسية. كما يستكشف أسلوبه القيادى، بما فى ذلك صبره، وتخطيطه طويل الأمد، وقدرته على التركيز على المصالح الكامنة وراء مواقفه.
ويقدم سردًا مفصلًا لعلاقات «كول» ومفاوضاته واتفاقياته مع شخصيات دولية بارزة مثل ميخائيل جورباتشوف وفرانسوا ميتران ومارجريت تاتشر، بالإضافة إلى دوره فى معاهدة «ماستريخت» ومفاوضات «٢+٤»، وتأثير تحركاته السياسية على أوروبا الحديثة.
أنجيلا ميركل
المستشار الألمانية السابقة أنجيلا ميركل من أبرز القادة الذين وضعهم الكتاب ضمن قائمته، واصفًا إياها بـ«القوة الهادئة للقيادة العالمية»، مع التركيز على أسلوبها فى إجراء المفاوضات، الذى تشكل بفعل نشأتها فى ألمانيا الشرقية وعقليتها العلمية.

وتناول الكتاب أهم مشاركاتها فى مواجهة أزمات العالم، بما فى ذلك الأزمة المالية، وأزمة اليورو، وأزمة اللاجئين، والأزمة الأوكرانية، والاستراتيجيات التى اتبعتها فى ذلك.
كما يستكشف الفصل الدروس المستفادة من نهجها القيادى، سواء داخل ألمانيا أو على الصعيد العالمى، مشيرًا إلى قدرتها على الاستماع إلى جميع الأطراف، والنظر الاستراتيجى فى جميع الجوانب، ما مكّنها من معالجة القضايا المعقدة، والتكيف بفعالية مع الظروف المتغيرة.
ويقدم أيضًا لمحة موجزة عن حياة «ميركل» ومسيرتها المهنية، مع تسليط الضوء على الأحداث والتجارب الرئيسية التى شكلت أسلوبها القيادى.
نيلسون مانديلا
يستكشف هذا الفصل رحلة نيلسون مانديلا الاستثنائية كقائد، مسلطًا الضوء على مرونته الاستراتيجية وتعاطفه ورؤيته المبدئية، وكيف مكّنه أسلوبه القيادى، المتجذر فى تجاربه وملاحظاته، من رأب الصدع وإنهاء نظام الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا.

ويتناول الفصل الاستراتيجيات التفاوضية لـ«مانديلا»، بما فى ذلك قدرته على بناء علاقات مع خصومه، وفهمه لأهمية التوقيت، والتزامه بالمصالحة.
علاوة على ذلك، يناقش الفصل التحديات التى واجهها «مانديلا» فى مفاوضاته مع الحكومة وقاعدته الانتخابية، وكيف تغلب على هذه العقبات لتحقيق انتقال سلمى إلى الديمقراطية، قبل أن يُبرز الجزء الختامى إرثه كزعيم عظيم، والأثر الدائم لقيادته واستراتيجياته للتهدئة.
كوفى عنان
يصف المؤلف سياسة كوفى عنان، الأمين العام السابع للأمم المتحدة، بـ«القوة المتواضعة»، موضحًا استراتيجيات وتكتيكات الحوار التى استخدمها خلال عملية استقلال تيمور الشرقية، مع إبراز قوة الدبلوماسية الشخصية وبناء العلاقات فى حل النزاعات.

ويؤكد الكتاب أهمية طريقة كوفى عنان فى فهم مخاوف ورغبات جميع الأطراف المعنية، والاستخدام الفعال لقنوات الاتصال التى اتبعها، بما فى ذلك الوسائل الرسمية وغير الرسمية، للوصول إلى جماهير متنوعة، وتحقيق أهداف محددة.
كما يشير إلى دور المجتمع الدولى فى دعم عملية الحوار والإرث طويل الأمد لاتفاقية تيمور الشرقية، شارحًا الدروس الرئيسية المستفادة من استراتيجياته، ومسلطًا الضوء على أهمية بناء الثقة، وإشراك الطرف الثالث فى النزاع، واستخدام القوة بمسئولية لتحقيق حلول سلمية.
جاسيندا أرديرن
سلط أحد فصول الكتاب الضوء على نهج القيادة الخاص برئيسة وزراء نيوزلندا السابقة، جاسيندا أرديرن، المتمثل فى التعاطف والقوة والحزم، خلال تعاملها مع أزماتٍ كبرى مثل جائحة «كوفيد-١٩»، ومذبحة مسجدى «كرايست تشيرش»، التى أظهرت فيها تعاطفًا كبيرًا بارتداء الحجاب، وزيارة أهالى الضحايا، والعمل على حظر الأسلحة نصف الآلية، مؤكدة قيم التسامح والوحدة فى خطاب مؤثر أمام البرلمان بدأته بـ«السلام عليكم»، وأنهته بتأكيد تعاطفها مع ضحايا الهجوم.

ويوضح هذا الفصل نهج «أرديرن» فى اتفاقيات التجارة الحرة، بما فيها تلك المبرمة مع الاتحاد الأوروبى ودول أمريكا اللاتينية، مع التركيز على الإنسانية وتأثيرها طويل الأمد.
يتعمق الفصل أيضًا فى استراتيجياتها التفاوضية والدروس العملية المستفادة من فترة توليها منصب رئيسة وزراء نيوزيلندا، لافتًا أيضًا إلى استقالتها، وتأثيرها فى إلهام القادة المستقبليين، خاصة النساء، قبل أن يختتم بتوصياتٍ حول الأصالة، والموازنة بين التعاطف والحزم، ومراعاة الفوائد قصيرة الأجل والتأثير طويل الأمد فى القيادة.
أنور السادات
أثبت نهج الرئيس الراحل محمد أنور السادات أنه حتى فى الصراعات المستعرة والعدائية، يستطيع القائد الملتزم تغيير مجرى التاريخ من خلال إجراءات استراتيجية غير متوقعة واستباقية، غالبًا ما تجبر الخصوم على تبنى نموذج جديد وأكثر إنتاجية، كما هو موضح فى أحد فصول الكتاب الذى يتناول ٣ لحظات فارقة فى مسيرته كقائد وصانع سلام، بدءًا من ثورة ١٩٥٢ وحتى اغتياله.

ويشير الفصل إلى إنه فى البداية، طغى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، سلفه الكاريزمى، على السلطة، لكن «السادات» عززها بهدوء بعد وفاة «عبدالناصر» من خلال «ثورته التصحيحية»، التى أزال من خلالها منافسيه وأكد قيادته.
وعزمًا منه على استعادة شبه جزيرة سيناء المحتلة، شن حرب أكتوبر ١٩٧٣ لاستعادة السيادة المصرية، مستخدمًا الصراع كورقة ضغط استراتيجية لجذب إسرائيل والولايات المتحدة إلى مفاوضات جادة.
ويكشف الفصل نهج «السادات» غير التقليدى والفعّال فى الدبلوماسية، والمجازفة الجريئة، وإعادة صياغة الصراعات المتأصلة، وإجبار الخصوم على الحوار، موضحًا براعته خلال الأزمات والحروب الثقيلة، و«تكتيكاته الأساسية» التى غيّرت مجرى تاريخ الشرق الأوسط.
ويتناول أيضًا صعود «السادات» إلى السلطة، ورئاسته، واستراتيجياته الجريئة، ودبلوماسيته المبنية على «القوة التى تفضى إلى السلام»، والدروس الخالدة من فكره عن القيادة، مؤكدًا أهمية القدرة على التكيف والتواصل والتوقيت والذكاء العاطفى والاستعداد للتفكير الاستراتيجى.
وينبه الفصل إلى الجوانب الرئيسية لقيادة «السادات»، وطريقته فى الحوار خلال حالات الحروب، ومنها عدم القدرة على التنبؤ الاستراتيجى، إذ تعمّد «السادات» بناء شخصية غير متوقعة، مستخدمًا تصرفات مفاجئة ومثيرة لإعادة صياغة الصراعات، وتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية، والسيطرة على طاولة المفاوضات.
بالإضافة إلى الدبلوماسية غير المسبوقة التى مكنته من نيل جائزة «نوبل للسلام»، والمغامرة، وانطلاقًا من خلفيته الفلاحية المتواضعة، أظهر «السادات» ثقةً بالنفس وإيمانًا كبيرين، وكان على استعداد للمخاطرة لوقف الحرب، مع أسلوب تفاوضى مميز، اعتمد فيه على العلاقات الشخصية، والتواصل المباشر مع القادة العالميين والقادة المعنيين بالصراع، وخلق لحظات مفاجئة لكسر الجمود الدبلوماسى.
واختتم الفصل بشرح كيف بقى إرث «السادات» خالدًا كصانع سلام وقائد مؤثر غير متوقع، لا تنطبق عليه جميع معايير القيادة التقليدية. فمن خلال إعادة تعريف قواعد الاشتباك، سواء فى ساحة المعركة أو على طاولة المفاوضات، وضع «السادات» سابقة لجهود السلام المستقبلية، موضحًا كيف يمكن للقيادة المبنية على الرؤية والمجازفات المحسوبة أن تُنهى حربًا مستعصية.







