الخميس 11 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

ما فعلت شيئًا إلا من أجل وطنى.. عاش الشهيد فرج فودة ومات الإرهابى القاتل

حرف

فى تاريخ الفكر المصرى الحديث، ثمة أسماء ارتبطت بأسئلة كبرى تجاوزت أصحابها وأزمنتهم، وبقيت حاضرة لأنها لامست قضايا تأسيسية فى حياة المجتمع والدولة. ويأتى الدكتور فودة فى مقدمة هذه الأسماء، لا بوصفه طرفًا فى سجال فكرى عابر، ولا لأنه انتهت حياته باغتيال مأساوى، وإنما لأنه كان واحدًا من أبرز من انشغلوا بسؤال الدولة الوطنية الجامعة وحدود العلاقة بين الدين والسياسة فى العقود الأخيرة من القرن العشرين.

وُلد فرج فودة فى ٢٠ أغسطس ١٩٤٥، وحصل على درجة الدكتوراه فى فلسفة الاقتصاد الزراعى من جامعة عين شمس، وهى خلفية أكاديمية تركت أثرها الواضح فى كتاباته التى اتسمت بالميل إلى التحليل والمقارنة والاستناد إلى الوقائع التاريخية. وقد تشكل وعيه فى مرحلة حافلة بالتحولات الكبرى؛ فاستُشهد شقيقه الملازم محيى الدين فودة فى حرب يونيو ١٩٦٧، كما شارك فى احتجاجات الطلبة عام ١٩٦٨، وتعرض للاعتقال لفترة قصيرة شأن كثير من أبناء جيله الذين عاشوا آثار الهزيمة وأسئلة المراجعة الوطنية والفكرية التى أعقبتها.

وينتمى فرج فودة إلى جيل مصرى وعربى تشكل وعيه على وقع هزيمة ١٩٦٧ وما تبعها من مراجعات فكرية وسياسية عميقة. وهو الجيل الذى انشغل، على اختلاف اتجاهاته، بأسئلة النهضة والدولة والهوية وأسباب التعثر العربى. ومن هنا جاءت كتاباته امتدادًا لسياق أوسع من مجرد السجال السياسى المباشر، إذ كان يرى أن مستقبل المجتمعات لا يُبنى بالشعارات، بل بإعادة التفكير فى الأسس التى تقوم عليها الدولة والعلاقة بين المجتمع والسلطة.

فى بداياته السياسية اقترب من حزب الوفد ورأى فيه امتدادًا لتقاليد الحركة الوطنية المصرية، وكان معجبًا بالزعيم الوفدى آنذاك فؤاد سراج الدين. غير أن هذا التقارب لم يدم طويلًا؛ إذ انتهت علاقته بالحزب بعد التحالف الانتخابى الذى جرى عام ١٩٨٤ بين الوفد وجماعة الإخوان المسلمين. لم تكن المسألة بالنسبة إليه خلافًا انتخابيًا عابرًا، بل تعبيرًا عن اختلاف أعمق فى فهم المجال السياسى وحدود توظيف الدين فى التنافس الحزبى، وهو ما دفعه إلى الاستقلال فكريًا والاتجاه نحو الكتابة العامة والعمل الثقافى.

ومنذ ذلك الحين أخذ مشروعه الفكرى يتبلور بصورة أوضح. لم يكن فرج فودة منشغلًا بمجرد نقد جماعة أو تيار بعينه، بل كان منشغلًا بسؤال أكبر: كيف تُدار الدولة الحديثة فى مجتمع متدين ومتعدد فى الوقت نفسه؟ وكيف يمكن الحفاظ على المرجعية الدينية والثقافية للمجتمع دون أن تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات دينية مغلقة؟ وكيف تبقى الدولة وطنًا مشتركًا لجميع مواطنيها على اختلاف اجتهاداتهم وانتماءاتهم؟

ولهذا السبب لا يمكن فهم تجربة فرج فودة بمعزل عن المسار الفكرى المصرى الأوسع. فقبله بسبعة عقود تقريبًا كان الدكتور على عبدالرازق قد أثار نقاشًا واسعًا فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم» عقب سقوط السلطنة العثمانية عام ١٩٢٤. وقد انشغل على عبدالرازق بالسؤال ذاته تقريبًا، وإن كان بصياغة مختلفة فرضتها ظروف عصره: ما طبيعة الدولة فى الإسلام؟ وما حدود التمييز بين الرسالة الدينية بوصفها هداية روحية وأخلاقية، وبين الدولة بوصفها نظامًا سياسيًا من صنع البشر؟

كان على عبدالرازق يكتب فى لحظة تاريخية انشغل فيها المسلمون بمصير الخلافة، بينما كان فرج فودة يكتب فى زمن مختلف تمامًا، زمن صعود الحركات الإسلامية واتساع حضورها الشعبى والسياسى فى العالم العربى. لكن الرجلين التقيا عند نقطة مركزية واحدة: البحث عن صيغة للدولة الوطنية القادرة على استيعاب جميع مواطنيها، بعيدًا عن تحويل الخلاف السياسى إلى خلاف عقدى أو دينى.

وربما لهذا السبب تبدو تجربة فرج فودة امتدادًا لحوار فكرى مصرى طويل شارك فيه محمد عبده، وعلى عبدالرازق، وطه حسين، وخالد محمد خالد، وفؤاد زكريا، وغيرهم من المفكرين الذين انشغلوا بأسئلة الإصلاح والدولة والنهضة والعلاقة بين التراث ومتطلبات العصر.

وقد عبّر فودة عن هذه الرؤية فى عدد من كتبه التى أصبحت من أبرز أعماله الفكرية، مثل «الحقيقة الغائبة»، و«قبل السقوط»، و«نكون أو لا نكون»، و«زواج المتعة»، و«النذير»، وغيرها من الأعمال التى ناقش فيها التاريخ السياسى الإسلامى، وصعود الحركات الأيديولوجية، وأزمة الدولة العربية، ومستقبل المجال العام.

ومع اتساع حضوره الفكرى، تحولت أفكاره إلى جزء من النقاش العام فى مصر خلال أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. وبلغ هذا النقاش ذروته فى المناظرات الشهيرة التى شارك فيها مطلع عام ١٩٩٢. ففى السابع من يناير من ذلك العام انعقدت فى معرض القاهرة الدولى للكتاب مناظرة كبرى بعنوان «مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية»، وحظيت بحضور جماهيرى واسع عكس حجم الاهتمام الشعبى بالقضايا التى كانت تُناقش آنذاك.

شارك فى المناظرة من الجانب الإسلامى الشيخ محمد الغزالى، ومأمون الهضيبى الذى أصبح لاحقًا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، والدكتور محمد عمارة، بينما شارك من الجانب الآخر الدكتور فرج فودة والدكتور محمد خلف الله. وكان من المقرر أن يدير الندوة الدكتور محمد عمارة بحكم عمله فى هيئة الكتاب، لكنه فضّل المشاركة طرفًا فى النقاش، فتولى إدارتها الدكتور سمير سرحان.

ولم تكتسب هذه المناظرة أهميتها من كونها مواجهة بين أشخاص أو تيارات، بل لأنها كشفت عن حجم التحول الذى طرأ على المجال العام المصرى. فقد خرجت الأسئلة المتعلقة بالدولة والهوية من حدود النخب الفكرية إلى فضاء جماهيرى واسع، وأصبح الجمهور يتابع هذه القضايا باعتبارها جزءًا من مستقبله السياسى والاجتماعى.

وخلال المناظرة ركز كل طرف على تصوراته لمستقبل الدولة والمجتمع. دافع المشاركون الإسلاميون عن مركزية المرجعية الإسلامية فى المجال العام، بينما ركز فودة على أهمية الدولة الوطنية والمؤسسات والقانون والمواطنة بوصفها الإطار الجامع الذى يضمن حقوق الجميع. وقد استند فى كثير من مداخلاته إلى الوقائع التاريخية والتجارب المعاصرة، مؤكدًا أن الخلاف السياسى يجب أن يبقى فى إطار الاجتهاد البشرى لا أن يتحول إلى صراع حول الدين ذاته.

ولم تنته آثار المناظرة بانتهاء ساعاتها الثلاث، بل امتدت إلى الصحافة والندوات والجامعات والحوارات العامة، وأصبحت إحدى العلامات الفارقة فى الحياة الثقافية المصرية آنذاك.

وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، وتحديدًا فى ٢٧ يناير ١٩٩٢، شارك فرج فودة فى مناظرة ثانية بنقابة المهندسين فى الإسكندرية تحت عنوان «مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية». وشارك معه الدكتور فؤاد زكريا، بينما شارك من الجانب الآخر الدكتور محمد عمارة والدكتور محمد سليم العوا. واتسمت هذه المناظرة بطابع أكثر هدوءًا وأقرب إلى الحوار الفكرى المنظم، وركزت على قضايا التشريع والدولة والهوية ومستقبل المجال العام.

ومع مرور الوقت أصبح فرج فودة أحد أبرز الأصوات الحاضرة فى النقاش المصرى حول الدولة الوطنية. ولم يكن تأثيره راجعًا إلى اتفاق الجميع معه، بل إلى قدرته على إثارة الأسئلة وإجبار خصومه ومؤيديه على السواء على التعامل معها. وبطبيعة الحال، لم يكن محل اتفاق بين المثقفين أو الإسلاميين أو حتى التيارات الليبرالية نفسها، وظلت بعض أطروحاته موضع نقاش واعتراض ونقد. غير أن قيمة التجربة لا تكمن فى الاتفاق الكامل مع صاحبها، بل فى إسهامها فى إثراء الحوار العام وطرح أسئلة ظل المجتمع العربى يناقشها لعقود متعاقبة.

ولعل من مفارقات التجربة أن كثيرًا من القضايا التى أثارها فرج فودة فى أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات تحولت لاحقًا إلى موضوعات نقاش واسعة فى المجال العربى؛ مثل العلاقة بين الدعوى والسياسى، وأولوية الدولة الوطنية، وخطورة العنف المؤدلج، وإشكالية الجماعات العابرة للحدود الوطنية. ولم يعد النقاش حول هذه القضايا مقتصرًا على خصومه أو مؤيديه، بل أصبح جزءًا من الحوار العام فى عدد من البلدان العربية خلال العقود اللاحقة.

وقد استمرت أعماله تُقرأ بعد رحيله، كما استمرت الكتابة عنه وعن تجربته من قبل عدد من المثقفين والباحثين، ومن أبرزهم حلمى النمنم، وجابر عصفور، وسيد القمنى، وغيرهم. وقد لفت معالى الأستاذ حلمى النمنم النظر إلى أن أهمية فرج فودة لا تكمن فقط فى آرائه، بل فى موقعه ضمن تقليد فكرى مصرى طويل دافع عن فكرة الدولة الوطنية الجامعة وعن حق المجتمع فى إدارة شئونه عبر الحوار والنقاش السلمى.

وفى الثامن من يونيو ١٩٩٢ تعرّض فرج فودة لعملية اغتيال أمام مكتبه فى القاهرة، فى حادثة هزت الأوساط الثقافية والسياسية المصرية والعربية، وأعادت إلى الواجهة أسئلة حرية الفكر وحدود الاختلاف والعلاقة بين الجدل الفكرى والعنف السياسى. وقد نُقل عنه فى لحظاته الأخيرة قوله: «يعلم الله أننى ما فعلت شيئًا إلا من أجل وطنى». غير أن أهمية فرج فودة لا تختزل فى الطريقة التى رحل بها، ولا فى الجدل الذى أحاط باغتياله، بل فى الأسئلة التى تركها وراءه. فالمسائل التى شغلته قبل أكثر من ثلاثة عقود ما زالت حاضرة فى النقاش العربى المعاصر: سؤال الدولة الوطنية الجامعة، وإدارة التنوع، والعلاقة بين الدين والسياسة، وحدود الاختلاف داخل المجتمع، ودور المؤسسات فى حماية المجال العام من الانقسام والعنف.

وربما ترك استشهاد شقيقه فى حرب ١٩٦٧ أثرًا عميقًا فى وعيه المبكر بقضايا الدولة والوطن والمصير المشترك، وهى القضايا التى ستظل حاضرة فى معظم كتاباته حتى نهاية حياته.

لقد رحل فرج فودة- رحمه الله- فى صيف عام ١٩٩٢، لكن السؤال الذى شغله لم يرحل معه. وربما لهذا السبب بقى حضوره قائمًا فى الذاكرة الفكرية العربية؛ فالأفكار المؤثرة لا تُقاس بطول حياة أصحابها، بل بقدرتها على البقاء بعدهم، وبما تتركه من أسئلة تدفع كل جيل إلى إعادة التفكير فى مستقبله ومصيره.

اقرأ  أيضًا:

من لديه هذه الكتب لا يموت.. ننشر مقدمات أهم أعمال فرج فودة