امش معنا ولا تقلق.. 10 مبدعين يقدمون «الخلطة السرية» للنجاح
- يمكن أن نتعلَّم من جيكل قيمة انسجام العناصر حين تعمل معًا عبر دراسة من سبقونا
كانت الكاتبة الروائية الأمريكية تونى موريسون تنهض من سريرها وتتجه إلى مكتبها، قبل أن تشرق الشمس، بينما كان أطفالها لا يزالون نائمين، لتبدأ الكتابة.

وكان ستيفن كينج يكتب على مكتبٍ صغير مخصَّص للأطفال داخل مقطورةٍ. وفى قبو مكتبة باول، كان الكاتب راى برادبرى يُدخل القطع النقدية فى آلة كاتبة تعمل بالدفع مقابل الاستخدام ليكتب رواية «فهرنهايت 451». لقد استلهم كثير من الكُتَّاب من هذه الطقوس ليصوغوا عاداتهم الخاصة، وأنا كنت واحدة منهم.
حين أكون غارقة فى عملٍ طويل، أُلقى على نفسى خطابًا صارمًا كل صباحٍ عند الخامسة، عندما يرنّ المنبّه:
«تونى موريسون لم تصبح عظيمة لأنها أطالت النوم. ستيفن كينج ما كان ليكتب، سالِمز لوت لو لم ينهض من فراشه، آر. إل. ستاين لم يواصل النشر لعقودٍ لأنه يفضِّلُ دفء الأغطية، أوكتافيا بتلر...».
وأستمر فى تعداد أسماء كُتَّاب أُعجب بهم إلى أن أنهض أخيرًا وأكتب لبضع ساعات. لكننى لا أقتدى بعادات الكُتَّاب وحدهم. فى الواقع، كثيرًا ما أجد فى روتين فنانين من مجالاتٍ أخرى ما هو أكثر إلهامًا. وعلى الأقل أشعر بأن الأمر لا يشبه توبيخًا للذات بقدر ما هو فسحة حرية للتجريب والخلق.
لقد قضيت يومًا أتقمّص الموسيقار موزارت، أتجوَّل فى الغابة وأتأمل عملى والعالم من حولى. ومزَّقت قصصى وأعدت ترتيبها لأرى أى أشكالٍ غريبة قد تولد منها، كما كان يفعل ديفيد بوى؛ فاستكشاف هذه الأساليب الجديدة فى الإبداع ساعدنى على إبقاء جذوة الخيال متَّقدة داخلى. وفى الأيام التى يثقل فيها ذهنى ويتعطَّل، كانت هذه التجارب تعيدنى إلى قصصى من جديدٍ.

ومن الفنانين الذين تركوا أثرًا واسعًا فى الآخرين بأسلوبهم فى الإبداع وطريقتهم فى التعامل مع فنِّهم، كان برينس هو كل شىء، فقد كتب أغنيات ناجحة له ولغيره «لا شىء يُقارن بك»، و«المطر البنفسجى» و«الإثنين العصيب»، على سبيل المثال لا الحصر. وإلى جانب ذلك كان عازف جيتار وطبول مذهلًا يعزف على آلات مثل البيانو والأورج والسينثسايزر. ولم يعرف فقط بين كُتَّاب الأغانى كصانع أغنيات ناجحة أو عبقرىٍّ موسيقىٍّ، بل كقوةٍ فنيةٍ جارفةٍ.
وبحسب سوزان روجرز مهندسة الصوت التى رافقته لسنواتٍ طويلة، كان برينس يمضى ساعاتٍ طويلةً فى الاستديو «قد تتجاوز ١٨ ساعة». كان يدخل وفى ذهنه أغنية، ولا يغادر إلا وقد خرج بتسجيل مكتمل. امتلك مهارة راسخة اكتسبها بجهدٍ، إذ كان يجيد العزف على عدة آلات، ما أتاح له التنقُّل بسلاسةٍ بين الغناء والعزف والتأليف. ومع أنه كان يعمل غالبًا بطريقةٍ منظمة، فيسجِّل مسارات آلة محددة دفعةً واحدة قبل الانتقال إلى الآلة التالية.
ويُعتقد أن برينس كان يكتب أغنية كل يومٍ، ولتحقيق هذا المعدَّل، لم يكن أسير الكمال، بل كان منحازًا إلى فعل الخلق ذاته. كان يعرف أدواته ويثق فى منهجه ومعرفته بالموسيقى، وجزء من عبقريته أنه كان يكمن فى منح نفسه مساحة للعب والتجريب، والارتجال والانطلاق، أما موهبته ومهارته فكانتا تتكفلان بالبقية.
وبوصفنا كُتَّابًا يمكننا أن نستفيد من طريقته عبر النظر إلى وقتنا لا بوصفه أرقامًا لعدد كلمات أو فصول، بل باعتباره بناءً متكاملًا. فكل عنصر فى القصة يسهم فى تشكيل الكل، ولا سبيل إلى إنجاز العمل الكامل إلا ببناء مكوناته جزءًا جزءًا.
فى المرة المقبلة التى تجلس فيها للكتابة، ركِّز على العنصر المحدد الذى تعمل عليه: هل هو تقديم شخصية جديدة؟ أم خلق الأجواء المناسبة فى مشهدٍ ما؟ أم أمر آخر؟ ثم أضف ما تحتاجه طبقة فوق طبقة؛ لا بحثًا عن الكمال، بل سعيًا إلى الاكتمال.
قد يبدو نهج برينس فى إنجاز العمل كاملًا خلال جلسة واحدة أمرًا مُرهقًا لبعض الناس، وهذا طبيعى تمامًا. فأنت لست مضطرًا إلى أن تفعل ما كان يفعله. يمكنك أن تستلهم من عالم التصميم والبناء لتجد مدخلًا مختلفًا إلى قصتك وحرفتك.
هل أنت معمارىٌّ أم بستانىٌّ؟ إن لم تسمع بهذا التقسيم من قبل، فهو يشبه التفريق بين من يخطط مسبقًا لكل شىءٍ فى الكتابة ومن يكتب ارتجالًا، أو بين الشيف والطاهى. فالمعماريون فى الكتابة هم الذين يضعون المخططات ويرسمون البناء قبل أن يبدأوا فعلًا فى الكتابة. أما البستانيون فيعتمدون على الحدس؛ لا يرسمون خططًا تفصيلية بقدر ما يزرعون البذور ويراقبون ما ينمو من كتابتهم.
المعمارية زها حديد والبستانية جيرترود جيكل لم تكونا نمطيتين فى مجاليهما، لأن كلتيهما استمدت من تخصصات أخرى، وأبرزها الرسم. تلك القدرة على السماح لفنونٍ أخرى بأن تؤثر فى العمل هى ما ميزتهما، وما لا يزال فى تجربتهما ما يمكن أن نتعلمه حتى اليوم.
كانت المعمارية العربية العراقية زها حديد فنانة تشكيلية ومعمارية من بغداد، ويمكن وصف مبانيها بأنها أعمال فنية تجسِّد الحركة فى سكون، وقد عُرفت بنهجها التجريدى، وإيمانها بأن المبانى يمكن أن تحاكى تضاريس الطبيعة التى تقوم عليها. ولتشييد تصاميمها، كانت تدرس الموقع بعنايةٍ، فتتعرف تضاريسه وخصائصه عبر التحليل ورسم الخرائط للمشروع المستقبلى ومواده. وبعد هذه المرحلة من الدراسة والتهيئة، تبدأ برسم اسكتشاتها اللافتة التى لا تُنسى. ورغم اعتمادها على البيانات والتحليل، كانت رسوماتها تجريدية، تفكِّرُ فى كيفية التفاف عناصر الطبيعة، كالريح والرمال وجناح الطائر، حول الفراغ، وكيف يمكن للمبانى أن تحاكى تلك الحركة بدورها.
فأسلوب زها حديد وطريقتها فى النظر إلى العالم زعزعا ما اعتدناه حول كيفية تآلف المواد معًا، وأعمالها تتحدَّانا نحن الكُتَّاب أن نعيد التفكير فى ما يمكن أن نفعله بالقصة والسرد. ماذا لو كانت الأمكنة فى نصوصنا مجرد أصوات؟ ماذا لو تحولت حبكاتنا إلى شخصياتٍ هاربة تتبدَّلُ أشكالها على الصفحة؟ أىُّ أبواب إبداعية يمكن لهذا النوع من التفكير أن يفتحها أمام أعمالنا؟

وفى حين مزجت زها حديد بين بُنى الطبيعة والمواد الصناعية فى عملها، كانت جيرترود جيكل تصمِّم مناظرها الطبيعية وهى تفكِّر بالألوان وتعاقب الفصول. كانت مهتمة بتفاعل الضوء واللون فى حدائقها، وهو اهتمام امتدَّ من بداياتها كرسَّامةٍ. استخدمت حسِّها فى التكوين لترى الحدائق لا كمجرِّد مساحاتٍ خضراء، بل كفنٍّ حىٍّ نابضٍ، وهو منظور كان ثوريًّا فى زمنه. وألَّفت كتابًا بعنوان «تنسيقات الألوان فى حديقة الزهور»، تُعلِّم فيه البُستانيين كيفية تصميم أحواض الزراعة وتنسيق المشهد باستخدام طيف واسع من الألوان والحواف، بما يخلق حدائق تتبدَّل ملامحها كلما تنقَّلت خلالها.
قبل أن تصبح بستانية، كانت جيكل رسَّامة تسافر مع فنانين آخرين لتتعلم وتطوِّرُ أدواتها. ومن ممارساتها الفنية ما يشبه النسخ التمرينى لدى الفنانين؛ إذ أعادت رسم لوحة جوزيف مالورد ويليام تيرنر «السفينة المقاتلة تيميرير» مرارًا، لتفهم استخدامه الشفيف للألوان وإحساسه بالحركة.
وقد مكنها هذا الوعى بكيفية تناغم الألوان معًا من إدراك كيف يمكن للنباتات أن تؤدى الدور ذاته، فتصنع من الطبيعة لوحةً متكاملة.
وبصفتنا كُتَّابًا، يمكن أن نتعلَّم من جيكل قيمة انسجام العناصر حين تعمل معًا، عبر دراسة من سبقونا. فالنسخ التمرينى ممارسة قديمة فى الكتابة، يلجأ إليها كثير من الكُتَّاب ليتأملوا عن قربٍ كيف تُبنى الأعمال العظيمة كلمةً كلمةً. جرِّب هذا التمرين واختر نصًّا ينجح فى تحقيق ما تطمح إليه فى كتابتك، وما تظن أنك قد لا تبلغ مستواه أبدًا، واكتبه بيدك أو على لوحة المفاتيح، وتأمَّلْ كل سطرٍ، واسأل نفسك كيف يقود إلى السطر الذى يليه، وكيف تنتقل الفقرات بانسيابٍ، وما المشاعر التى يثيرها النص، ثم انقل ما تعلَّمته إلى عملك الخاص.
تُعدُّ الفنانة التشكيلية الأمريكية جورجيا أوكيف من الفنانات اللواتى حاولتُ أحيانًا أن أترجم منهجهن إلى عالم الكتابة، كانت ملتزمة بروتينٍ يومىٍّ ثابت، وإن كان يتبدَّل عبر مراحل حياتها. فى نيو مكسيكو، اعتادت الاستيقاظ باكرًا، وتقضى الساعة الأولى من يومها تمشى فى الصحراء، تتأمَّل موضوع لوحتها وتتعرف إليه عن قرب. ولأنها رسمت كثيرًا من المناظر الطبيعية ومشاهد من العالم الطبيعى أو الصناعى من حولها، كانت تترك للبيئة المحيطة، بخطوطها وتكويناتها، أن تغويها وتلهمها. تمشى، وتراقب، وتتخيَّل. ثم تعيد تشكيل ما رأت وما شعرت به بأقصى ما تستطيع من صدقٍ.
كانت أوكيف شديدة الإخلاص لفعل الرؤية نفسه، ولنقل تلك الرؤى والمشاعر إلى اللوحة، حتى إنها أنجزت سلاسل من الأعمال بتكبيرٍ شديد يبرز أدق التفاصيل أو بورتريهات مستندةً إلى صورٍ فوتوغرافية، مثل سلسلتها «Jack-in-Pulpit». وهذا الالتزام بفنِّ الإظهار ليس غريبًا على الكُتَّاب؛ فنحن أيضًا نكدُّ لنصنع تجارب وصورًا حيَّة فى أذهان قُرَّائنا.
استلهم من وفائها لروتينها ومنهجها: جرب أن تكتب مشهدًا أو مقطعًا من قصتك على هيئة سلسلة، تقترب فيها تدريجيًّا أكثر فأكثر من قلب المشهد ومشاعره. كانت جورجيا أوكيف لا تمانع العمل ببطءٍ، مركِّزةً على النيَّة التى تحرِّك لوحتها، حجم القماشة، ونوع الفرشاة التى تستخدمها لرسم ضرباتها الدقيقة شبه الخفية، وكل ذلك كان اختيارًا واعيًا لديها. ومع ازدياد وطأة السوق وضغوطه، بدأ كثير من الكُتَّاب يتخلُّون عن النيَّة لصالح النشر.. ما الذى يُباع؟ ما الرائج؟ ما المتداول؟ نندفع نحو خط نهاية يتقلص باستمرارٍ، بدل أن نلتقط أنفاسنا، نتوقَّف قليلًا، ونتراجع خطوة لننظر إلى عملنا ونسأل أنفسنا: ماذا نحاول حقًّا أن نقول لقرَّائنا؟ ثم ننجز ذلك ببطءٍ، ووعىٍّ، لا لأجل أحد سوى القارئ وأنفسنا.
أما الفنان الأخير الذى أودُّ التوقّف عنده، فهو اسم تعرَّفت إليه خلال العام الماضى فقط، هو جيرود إمبيتشاشاها تيت. فهو مواطن من أمَّة الشيكاساو ومؤلف موسيقى كلاسيكى، اشتهر بمزجه بين التأليف الكلاسيكى وعناصر من السرد واللغة والموسيقى لدى الشعوب الأصلية، ليبتكر أسلوبًا خاصًّا يمكن وصفه بالموسيقى الكلاسيكية الأصلية.
وتقوم عمليته الإبداعية على روح الجماعة. فهو كثيرًا ما يتواصل مع أفراد عائلته وأصدقائه وأشخاص من قبائل أخرى ليستمع إلى قصصهم ويتحاور معهم حول الموضوعات التى تدور فى العمل. يحرص تيت على أن يكون عمله فى حوارٍ لا مع مقطوعات موسيقية أخرى فحسب، بل مع المجتمعات التى يخاطبها ويتفاعل معها، ثم يتأمَّل بعنايةٍ فى بناء القطعة وجوانبها العملية، لأى غرض يؤلِّف، وما الآلات المتاحة له؟
من أقوى ما كشفه لى منهج تيت هو طريقته لكتابة قصة لا تُقصى الناس، بل تفتح لهم الباب للدخول. فأنا مثل كثير من الكُتَّاب، أكتب لنفسى لكن حين يحين وقت النشر لا أريد لقصصى أن تعزل القُرَّاء أو تحتكر المعنى أو تدفعهم إلى الخارج، إلا خارج حدود ذواتهم الضيقة. فى المرة المقبلة التى توشك فيها على بدء قصة جديدة، أو حين تجد نفسك عالقًا، بدل أن تُغلق الباب وتعزل العالم، ارفع الهاتف واخرج من منزلك، ودَع العالم يدخل إليك.
تيت، وبقية الفنانين الذين مررنا بهم هنا، يعلموننا أن نصغى، وأن نتمهَّل، وأن ننظر بقلوبنا كاملةً إلى الخارج، وأن نبدع بالطريقة نفسها، بكامل حضورنا وشغفنا. لعلَّنا بذلك ننجح فى الوصول إلى شخصٍ ما وسط كلِّ هذا الضجيج والمعاناة.







