قصيدة النثر المصرية التأسيس الثانى 1
أحمد طـه.. الباحث عن قصيدة تزوره فى الأحلام
- «إمبراطورية الحوائط» ديوان حافل بالطرق والاقتراحات الجمالية لكن الشاعر لم يسر فيها حتى النهاية
بعد التجارب الفردية المتناثرة للآباء المؤسسين، مرت قصيدة النثر المصرية بمرحلة جمالية طوال عقدى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى، يمكن وصفها بمرحلة الحيرة والتساؤلات الجمالية، مرحلة من عدم اليقين والتضارب والجدل العنيف بين إرث رواد قصيدة التفعيلة المهيمن على الوعى الجمعى الثقافى فى مصر، وبين التيارات الجمالية الوافدة على استحياء من مراكز عربية أخرى من بيروت ودمشق وبغداد أو نزعات التمرد الشخصية. هذه المرحلة من الحيرة الجمالية شهدت محاولات جادة للتأسيس الثانى لقصيدة النثر فى مصر، بعد أن صارت هدفًا على طاولات النقاش والاختبار لعدد كبير من الشعراء البازغين، بعض هذه المحاولات كانت لشعراء بدءوا سعيهم الجمالى ضمن قوس قصيدة التفعيلة ثم خرجوا عليها، وبعضها الآخر كان لشعراء خاضوا رحلتهم التفعيلية فى فترة التكوين وعندما قرروا النشر أفصحوا عن انحياز كامل لقصيدة النثر وواصلوا الطريق فيها حتى النهاية.

ومثلما كان التأسيس الثانى لقصيدة النثر المصرى خلال عقدى السبعينيات والثمانينيات مثار جدل وشك دائمين أمام سطوة الأصوات الرجعية المهيمنة على الفضاء الثقافى العام، فإنه من ناحية ثانية، لم يحظ بالمتابعة النقدية التى يستحقها، وعندما حدث الانفجار الشعرى الكبير لقصيدة النثر فى التسعينيات، وتحولت من هامش مرفوض إلى متن مهيمن، انشغل الشعراء والنقاد بمحاولة الإحاطة بهذا النتاج الهادر من الشعر الجديد، وفهم التحولات الجمالية المرتبطة بتحولات فى السياسة والمجتمع وثورة الاتصالات والمعلومات، وانحسر الضوء عن مجموعة كبيرة من الشعراء أسهمت بنصيب فى تعبيد الأرض وتقديم الاقتراحات الجمالية طوال عقدى السبعينيات والثمانينيات، فكأنهم تعرضوا للظلم مرتين.
فى الحلقات التالية، نستعرض عددًا من تجارب المرحلة الثانية لقصيدة النثر المصرية بعد مرحلة الآباء المؤسسين، أو لنقل: مرحلة التأسيس الثانى لقصيدة النثر المصرية..


الشاعر أحمد طه «١٩٤٨» الأكبر سنًا بين أقرانه شعراء السبعينيات، والأكثر تجريبًا واقتراحًا لأشكال ومعالجات للقصيدة وفى الوقت نفسه الأقل نتاجًا منشورًا بينهم، فلم يصدر خلال العقود الماضية سوى أربعة دواوين، منها ديوانان فى قصيدة التفعيلة «لا تفارق اسمى-١٩٨٠» و«الطاولة ٤٨- ١٩٩١»، وديوانان فى قصيدة النثر «إمبراطورية الحوائط- ١٩٩٣» و«ممر البستان ٢٠٠٨»، لكنه ورغم قلة إنتاجه المنشور كان الأكثر حراكًا وبحثًا بين مجايليه وظل يعقد ندوة كل خميس فى بيته تجمع الحالمين بالنص الجديد ويستضيف فيها الشعراء العرب الزائرين للقاهرة، كما يحسب له أنه المبادر إلى إصدار مجلة الكتابة السوداء المعبرة عن جماعة أصوات ١٩٨٨، وكذلك مجلة الجراد ١٩٩٤ المعبرة عن جانب من الانفجار الشعرى لقصيدة النثر فى التسعينيات، وهو خلال هذه السنوات يستمع ويناقش ويدعم وينشغل بكل جديد فى الشعر المصرى المعاصر، وكيف يكون حرًا ومستقلًا ومعبرًا عن اللحظة الراهنة بحق.

فى المرحلة الأولى من سعيه إلى اكتشاف قصيدة تخصه وحده، أو القصيدة التى تزوره فى الأحلام، كان الشاعر أحمد طه متوزعًا بين عدة تأثيرات، تأثير أمل دنقل وصلاح عبدالصبور من ناحية وتأثير أدونيس من ناحية ثانية، هو الذى صادق أمل دنقل واستقبل أدونيس فى بيته وحاول التصالح على تلك الفترة القلقة من خلال النفرى والقناع الصوفى الذى كان يعتبر ملاذًا للشاعر أو استعارة كبيرة يحملها ما يريد أن يقول.
صحيح أن أحمد طه كان من أوائل الشعراء المفتونين بالنفرى وخطابه البلاغى الذى يقترب كثيرًا من الشعر ويحمل معينًا لا ينضب من الحكمة المكثفة الجارحة ويقدم شكلًا مُغريًا بالتقليد، وصحيح أن أحمد طه قد سبق كثيرين من الأجيال السابقة واللاحقة فى الكتابة على منوال النفرى بوعى من ينافح الرجعية الدينية بفورم تراثى دينى منفتح على الحكمة والخيال والإمكانات اللغوية غير المحدودة، إلا أن النفرى لم يلبث أن سقط من اقتراحات أحمد طه، ربما لأن «طه» الكثير المراجعة والشكاك، أدرك فى لحظة ما أن الشكل الذى اجترجه النفرى، هو ابن زمنه وابن مرحلته التاريخية بما تتضمنه من علاقات دينية وثقافية واجتماعية ولغوية أيضًا، وأنه لا يمكن لأحد يأتى بعد مئات السنين ليقفز على الزمن والتاريخ ويجذبهما إلى لحظته الراهنة بسهولة، كما لا يمكن أن تكون المواقف أو المخاطبات قناعًا لأحد غير خالق هذا الخطاب ومبتدع الشكل والعارف بأسراره واختزالاته، وأن أى خطاب يتمسح فى هذا الشكل بدعوى الحداثة، سينهار سريعًا ويزول فى الزمن لأنه ليس أصليًا، مثل بيت رمل أمام موجة.
سيغادر أحمد طه بيت النفرى، وسيبحث عن خيمة ينصبها أو بيت يقيمه أو قصيدة تطابق الشكل الذى يخايله فى الحلم، وسيكون طريقه إلى تلك القصيدة الكثير من الندوات والنقاشات وجمع الشعراء والكتاب من أجيال مختلفة ومن مشارب متباينة وبلاد بعيدة وقريبة ليلتقوا فى بيته، يتكلمون ويهتفون ويحكون عن أحلامهم وهو يستمع، كأنما يحفز الأصدقاء على الكلام والبوح ليرى هل سبق أحدهم إلى اكتشاف الفورم الذى يراوده؟
سنوات طويلة يقيم أحمد طه ندوته الأسبوعية، حيث تحترق ملايين الكلمات فى القصائد وخارجها مع دخان السجائر والأصوات المتجادلة والأحكام القاطعة والنميمة، إلى أن حانت لحظة الكشف.. لقد وجد أحمد طه الشكل الذى يبحث عنه تحت قدميه، فى البيت الذى يسكنه والمنطقة التى يعيش فيها وفى اللحظة الراهنة التى يحياها، لم يكن مضطرًا أن يعود ألف عام ليستعير روح النفرى المسكونة فى مواقفه، أو أن يسافر آلاف الأميال إلى العراق ليسكن مكانًا لم يترك فيه بصماته وصوته ورائحته، وهنا فقط عثر على الحوائط التى تحاصره وبدل أن يستعير الفروسية المزيفة لدى الشعراء الرواد أو ينتزع الأناشيد من على ألسنتهم، اختار أن يتعايش مع الحوائط الوجودية وأن يتحدث معها ولها وعنها باعتبارها شريكًا فى الزمن والحياة.

يظل ديوان «إمبراطورية الحوائط» الاكتشاف الأهم فى مسار أحمد طه، والعمل الذى ينضوى على اقتراحاته الجمالية الأساسية فى قصيدة النثر المصرية، ولو كنت مجايلًا لأحمد طه فى التوقيت الذى أصدر فيه هذا الديوان، لضغطت عليه حتى يكمل الطرق الجمالية التى ابتدعها حتى النهاية، ليخرج علينا بست أو سبعة أعمال شعرية تجديدية.
وكما قلنا إن هذا الديوان كان علامة على طريق طويل من السعى خاصة أحمد طه ليعثر على مفاتيح لقصيدته، وبعد طواف كثير بقصيدة الرواد وبالتراث العربى، وبعد ارتكاز على الأقنعة الصوفية فى مرحلة من المراحل، يخلع أحمد طه مجموعة الاستعارات التى يحيا بها، ويقرر أن يتعامل جماليًا مع الحياة باللمس والتذوق والشم، وعلى عكس ديكارت الذى بنى فلسفته على الشك فى الحواس وصدقيتها، ينحاز الشاعر هنا إلى الحواس وحدها، وعلى ما يدركه مباشرة وعلى خبرته الحياتية وخياله الشعرى الذى يجمع الغرائبيات والمتناقضات.
فى قصيدة «حكاية» من ديوان «إمبراطورية الحوائط»، «الديوان كله أناشيد وحكايات»، يؤكد أحمد طه أنه يعرف على أى أرض يضع قدميه وفى أى لحظة زمنية يعيش، دون استعارات ودون أقنعة من التراث، لا يملك إلا صرخته أو خطابه أو لغته المباشرة مثل قطع الزجاج المكسور، لا بأس أن تتلوث القصيدة بمياه السياسة، ولا ضير من اختلاط الوعى الجمالى بالالتزام العقائدى إلى حين، على أن تكون السخرية المريرة هى الإطار العام للخطاب فى تلك اللحظة العدمية:
«يعبره راعى البقر على ظهر مركبته الفضائية
ممسكًا حباله الغليظة
يطلق التعاويذ والتأوهات الملونة
فيرتج حائط الأرابيسك
ويرتج حراسه من الحروف والأسماء
يطلق كرات ملتهبة من العجين والعسل
ويطلق الأسبلة والتكايا
ويطلق فروجًا وقضبانًا بغير رءوس ولا أبدان
فيرتج الجوعى والهائمون
وترتج الأجساد المجردة من أعضائها
ويرتج المريدون والمجاذيب وأصحاب الخرق
هكذا..
يشعر راعى البقر بالغبطة
فيطلق أنشوطة خلف المدن التى تفر مذعورة
فتتشابك قرونها
وتصطدم الأسوار بالأسوار
القاهرة ومانيلا
هيروشيما وبيروت
بغداد سانتياجو
جوهانسبرج وتل أبيب
عندئذ
يشعر راعى البقر بالنشوة
فيطلق أنشوطة ثانية
باتجاه الوقت الذى يفصل
بين قلب الأرض وذنبها
فيضم امرأة تجمع أشلاء رجلها من طمى الوادى
ورجلًا يجمع اسم امرأته من ذاكرة الآى بى إم
هكذا
يصل راعى البقر إلى الأورجازم
فيضم لحم مركبته الفضائية
ويقذف
بعيدًا عن الأرض».

فى لحظة كشف أخرى تشبه ما عثر عليه مارسيل بروست وأغلق على نفسه ليكتب طفولته وزمنه المفقود، عثر أحمد طه على «شبرا» وقرر أن يجعلها نقطة انطلاق إلى العالم ومرصدًا يرى من خلاله الآتى من الشعر والأصدقاء واللحظات التى تنسرب من بين أصابعه مثل الرمال.سنجد «شبرا» حاضرة فى معظم القصائد كتميمة ضد التيه، كأيقونة على الحائط، كبوصلة، كقطعة خشب يستند إليها من يقاوم الغرق، أو من يسعى لكتابة سفر تكوين يخصه وحده.
«لأنك كنت تلبس مريلة من الدمور
بها بقعتان من الحبر الباهت
وعدة خطوط تتقاطع كلها فى الصدر
لكنها لا تشبه تلك الخريطة
التى كنت تحفظها عن ظهر قلب
إذن
فقد كان لك وطن حقيقى.. «حائط الطفولة ص٢١».
ربما كانت شبرا فى إمبراطورية الحوائط، هى الاختزال التقليدى للوطن، مثلما تظهر الحبيبة فى الأغانى العاطفية، إلا أنها سرعان ما تتحول إلى مرآة للذات وفرصة لحشد زمن ومفردات وشخوص تمثل الشاعر ومداره، كما تتطور لتصبح اللبنة الأولى فى سفر التكوين الذى يسعى الشاعر إلى كتابته بعيدًا عن التراث، أو بمعنى آخر الأساس المتجسد صناعة تراث آنى من المكان والزمان المعاشين، وبدلًا من الإيغال فى الزمن والتاريخ للبحث عن شكل قديم يصلح قناعًا للقصيدة، يمكن أن يصنع الشاعر من مفردات الواقع المعيش شكلًا أسطوريًا دون أن يخون زمنه أو مكانه، فقط بأن يتعامل مع مفردات الواقع على أنها مقدسة!
يقول أحمد طه فى قصيدة بعنوان «أنور كامل يوسع منفاه»
«وهذه شبرا
جسد يمتد كمقبرة تسع الجميع
ولا تتسع لأحد
تخجل من اهتراء صدرها فتنحنى
يتساقط الموتى والجياع والأطفال
ولابسات السواد
كما يتساقط اللبن الدافئ
وتبقى جيوش الأمن المركزى
وعربات الترام الخاوية
وجبانة القطارات على طرفها العلوى
ويبقى..
عيال بلون التراب
رجال تهمهم فى الليل
تصرخ فى النهار
نسوة يبكين كما يضحكن
تحت أزواجهن
وخلف نعوشهم
نسوة ينتفخن بأنفاس الرجال اللاهثة
فتسعى تحت جلابيبهن العيال».

من الاقتراحات الجمالية الثورية التى قدمها أحمد طه فى «إمبراطورية الحوائط»، قصيدة السرد الخالص أو قصيدة الكتلة، حيث تنساب القصيدة فى سطور متتابعة بعرض الصفحة دون أى تقطيع نغمى أو شبه نغمى، ودون اهتمام بالمعتاد من الوقفات الشعرية التقليدية فيما سبق من التراث الحديث، بل تقدم القصيدة شكلًا سرديًا كامل النثرية، ويتعمد الشاعر التخلص من كل أشكال الإيقاعات، حتى يجبر المتلقى على السير فى الطريق المراد، طريق النثر الخالص، لأن الشعرية هنا لا تكمن فى الاستعارات التقليدية ولا فى وضع الجمل متتابعة على السطور، وإنما الشعرية هنا تكمن فى الموقف الشعرى الكلى، والتناول المبتكر للعلاقات بين الأشياء والكلمات، كأن يصطدم القارئ بسور الأزبكية باعتباره السور الأكثر تسامحًا، لأنه يستقبل برحابة أشرس الأعداء الأيديولوجيين، كما يتجاور عنده كل المراحل الزمنية والتاريخية.
إننا هنا أمام وعى جمالى جديد يتجاهل الطرطشات العاطفية وأشكال التداعى المزيفة والتمسح فى إرث التفعيليين، أمام طريقة مبتكرة فى إنتاج العلاقات الجمالية التى تصنع شعرية القصيدة بالتجاور بين الأشياء والكائنات، حيث يستدعى سور الأزبكية الأسوار الأخرى ذات الطبيعة والوظائف المغايرة، كما تستدعى الكتب والمؤلفات أصحابها على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، وكأن الجمادات تلخيص للعلاقات البشرية المتناقضة والمحفزة لخيال المتلقى ومن هنا تتولد شعرية جديدة تختلف عن شعرية المجاز والاستعارة والتدفق المجانى للعاطفة، يقول فى قصيدة أخرى بعنوان «حكاية»:
«لم يكن يفصل بين البار وأوراق البحث سوى شارع صغير واحد، عبره فإذا
هو أمام أرفف من الأوراق المصفوفة والمجلدة، وهكذا قرر أن يبدأ بسور
الأزبكية. فمهما قيل عما آل إليه من فساد فهو فى نهاية الأمر السور الأكثر
تسامحًا من بقية الأسوار. وإذا ما تطلعت إلى ما فيه بقلب مفتوح تسللت إليك
الحكمة، وصرت مع الوقت ليبراليًا أو زاهدًا. ففيه يرقد جنبًا إلى جنب
أشرس الأعداء الأيديولوجيين، وتتحاور فى ألفة سائر الأزمنة والمراحل
التاريخية التى ادعوا زوالها. عندما ستكتشف أن لا شىء يموت سوى الإنسان
كما سترى مآل جامعى الأوراق والكتب فتشعر بينك وبين نفسك بالحسد تجاه
أولئك الأذكياء الذين انكشفت أمامهم الأستار فعجنوا الكتب لتخرج للناس مناديل
وشراشف من الكلنيكس الملون. كما لا بد ستعيد النظر فى أولئك الذين يطاردون
جامعى الكتب ويزجون بهم خلف أسوار لا تشبه سور الأزبكية».
عالم كامل متشابك من العلاقات الضدية والتوتر بين أطراف صراعات كان من الممكن أن يعبر عنها شاعر تقليدى بنشيد مغرق فى العاطفية والبكائيات والحزن المفتعل، لكن «طه» هنا يستند خلف البرودة الظاهرية للنص وخلف حيادية السرد البادية على توتر عنيف بين عناصر القصيدة، وهو ما يدفع المتلقى إلى الإمساك بها والانفعال بها واستكمالها فى خياله.

من الاقتراحات الجمالية التى يزخر بها ديوان إمبراطورية الحوائط، القدرة على تحويل المكان الراهن إلى أسطورة حية دون أى أقنعة تراثية أو اللجوء إلى وسائط أخرى، ومثال ذلك القصيدة البديعة بعنوان «حائط التكوين»، حيث يستعرض الشاعر مفردات منطقة شبرا الجامعة للمتناقضات، ومن خلال هذا الاستعراض البرىء للمتناقضات، يظهر المكان المقدس أو الأسطورى المسمى بـ«شبرا» محققًا هدف الشاعر الجمالى، يقول أحمد طه فى قصيدة «حائط التكوين»:
«ذات صباح
استيقظ فلاح
ونظر حواليه
فلم يرَ دخانًا يحوم حول أسقف البيوت
ولا نيلًا يتأرجح على رءوس البنات
ولم يسمع امرأة تغنى لطفلها الصاحى من الموت
ولا رجالًا يسعلون، فتخرج من صدورهم روائح الزوجات
ولم يرَ ترامًا له مؤخرة من العيال
ولا عفريتًا يُقهقه عائدًا إلى القبور
وهكذا
قرر أن تكون شبرا
تمامًا كما رآها فى أحلامه
فكانت شبرا.
«ذَاتَ صَبَاحٍ آخَر
اسْتيقَظَ مَلِكٌ
وَنَظَرَ حَوَاليْهِ
فلمْ يَرَ سَتَائرَ تَحْجُبُ سَرِيْرَهُ
وَلا عَلَمًا يُرَفْرِفُ بجِوَارِ نافذتِهِ
وَلمْ يَجِدْ فَخْذًا نَاعِمًا بَيْنَ سَاقيْهِ
وَلا سجَّادَةً تُغَطِى الأعْشَابَ بدَوْرَةِ المِيَاهِ
وَلمْ يَسْمَعْ هَمْهَمَةَ الحُرَّاسِ
وَلا قَعْقَعَةَ سِلاحِهِمْ
وَهَكَذَا
قرَّرَ أنْ يكونَ مَلِكًا على شُبْرَا
تَمَامًا كمَا فى أحْلامِهِ
فكَانَتْ شُبْرَا
وَكَانَ عَلَمُهَا المَصْنُوعُ منْ لفائِفِ الأطْفَالِ
وَمَحَارِمِ النِّسَاءِ».
لا أدرى لماذا لم يستكمل أحمد طه تلك الاقتراحات الجمالية العديدة فى ديوان إمبراطورية الحوائط، فهنا عديد من الاقتراحات يمكن أن يكون كل اقتراح منها عملًا شعريًا تجريبيًا ضمن قصيدة النثر المصرية، لكن أحمد طه لا يفعل ذلك، بل ينتقل من اقتراح جمالى إلى آخر بخفة من تزعجه الكتابة، كمن يهرب من التدوين إلى الشفاهية ومن القصائد المكتوبة إلى القصائد المعاشة ومن النشر إلى جمع الأصدقاء والشعراء والائتناس بهم وبما يقرأون.

فى الديوان الأحدث للشاعر أحمد طه «ممر البستان- ٢٠٠٨» استكمال لما بدأه الشاعر فى «إمبراطورية الحوائط»، من التخفف إلى أقصى درجة من أقنعة التراث والتحول نحو الزمان والمكان المعاشين، وسنجد مجموعة من القصائد تدور حول الذات والمكان «ممر البستان» لكن الملاحظ فى قصائد الديوان، أن المرارة والحزن والشعور بالفقد هى المشاعر المسيطرة على أجواء الديوان بدلًا من السخرية الناقدة فى «إمبراطورية الحوائط»، كما تراجع الولع بالتجريب والبحث عن فورمات جديدة للقصيدة قياسًا بما تحقق فى إمبراطورية الحوائط، يقول فى قصيدة بعنوان «تورتة هذا العيد»:
«تورتة» هذا العيد تختلف تمامًا
وكذلك الحفل
هناك أناس لا أعرفهم
وأشباح تصبّ لنفسها النبيذ وأكواب البيرة
لكنهم لا يحسنون الغناء
لن ينشدوا لى أغنية عيد الميلاد المشهورة
ولن أنحنى بابتسامة خجلى لأطفئ الشمعة
الوحيدة، فليس من اللائق غرس كل هذه
السنوات فى تورتة واحدة.
هناك فقط خنجر لامع
مغروس بقوّة
ولن يهتزّ لنفحاتى اللاهثة
وهناك طقس جاءوا جميعًا من أجله
أولئك الأشباح الذين لا أعرفهم
ففى منتصف الحفل تمامًا
يجب أن أنتزع الخنجر بحركة واحدة
رغم عدم تدرّبى عليها، لأغرسه
فى بطنى على طريقة الهاراكيرى».
هل يمكن أن يعود أحمد طه إلى الشغف بالتجريب الموجود فى «إمبراطورية الحوائط» ليستكمل الطرق الجديد التى عبّدها ولم يسر فيها طويلًا؟ هل يمكن أن نرى أعمالًا جديدة تتجلى فيها تصورات «طه» فى الكتابه وجرأته فى الإمساك بالصور والجمع بين المتناقضات، كما رأينا فى قصيدة «حائط التكوين».. آمل وأنتظر.







