الأحد 06 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

ميراث القهر.. كتاب جديد يلاحق الذين ظلموا المرأة: الأب والزوج والشيخ والمرأة نفسها!

حرف

- أشكال قهر المرأة تتغير.. أما الوصاية والتهميش والاستغلال فتجد طرقًا جديدة للبقاء

- هناك فقهاء ومفكرون دافعوا عن حقوق المرأة لكن المشكلة تكمن فى هيمنة التأويلات الأكثر تشددًا

- المرأة رغم ما كفلته لها الأديان والقوانين من حقوق لم تحصل دائمًا على كامل مستحقاتها الإنسانية فى ظل رسوخ قيم المجتمع الذكورى وثقافة القبيلة

إحصائيات حديثة ومتعددة ترصد حجم العنف الذى تتعرض له النساء فى مصر، وتكشف عن أن ما يصل إلى وسائل الإعلام أو جهات الإبلاغ ليس سوى جزء من واقع أكبر. ففى تقرير حديث لمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، ارتفعت وقائع العنف ضد النساء والفتيات التى جرى الإبلاغ عنها أو تناولها إعلاميًا بنسبة 20.81% خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضى؛ إذ رُصدت 598 جريمة عنف خلال الفترة من يناير إلى يونيو، مقابل 495 جريمة فى الأشهر الستة الأولى من 2025.

ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة الحجم الحقيقى للظاهرة، إذ تظل وقائع كثيرة خارج نطاق الرصد والإبلاغ، سواء بسبب الخوف أو الوصمة الاجتماعية أو غياب سبل آمنة للوصول إلى العدالة. وفى الوقت نفسه، تتسع أشكال العنف التى تتعرض لها النساء، من التحرش والقتل والاعتداء الجسدى والعنف الأسرى، إلى صور جديدة من العنف الرقمى، الذى ساهم تطور أدوات الذكاء الاصطناعى فى توسيع نطاقه، خاصة مع سهولة فبركة الصور ومقاطع الفيديو واستخدامها للإساءة إلى النساء وابتزازهن.

 

تشير البيانات إلى أن العنف لا يأتى دائمًا من الغرباء أو من خارج الدائرة القريبة للمرأة؛ فالزوج يأتى فى مقدمة مرتكبى الوقائع المرصودة، يليه الأب، بما يكشف عن مفارقة مؤلمة: إن المكان الذى يفترض أن يوفر للمرأة الحماية قد يتحول فى كثير من الأحيان إلى أحد مصادر الخطر عليها.

ويعزز ذلك تقرير مرصد ملاذ لدعم المرأة، الذى رصد ٦٠ واقعة عنف ضد النساء خلال الربع الأول من عام ٢٠٢٦، وارتفع العدد إلى ١٢٨ واقعة خلال الربع الثانى، بزيادة بلغت نحو ١١٣٪. ويكشف التقرير عن ازدواجية واضحة فى مصادر العنف؛ فبينما ترتفع نسبة التحرش والاعتداء فى المجال العام عندما يكون الجانى مجهولًا، تظل العلاقات الزوجية والأسرية مصدرًا رئيسيًا للوقائع الأكثر جسامة، بما فيها الاعتداءات الخطيرة وجرائم القتل.

الخطير فى هذه البيانات هو اتضاح أن العنف ضد النساء فى مصر أصبح نمطًا متكررًا من الانتهاكات يتشكل داخل سياقات اجتماعية ومؤسسية تسمح باستمراره وإعادة إنتاجه، بما يعكس طبيعة بنيوية للظاهرة تتجاوز حدود الحوادث الفردية. لذا فإن قراءة هذه الوقائع باعتبارها مجموعة من الحوادث المنفصلة قد تحجب السؤال الأهم: كيف يصبح العنف ضد النساء قابلًا للتكرار والاستمرار؟ وما الذى يجعل أنماطًا معينة من القهر تنتقل من جيل إلى آخر، وتتغير أشكالها بينما تبقى جذورها؟

من هذا السؤال ينطلق كتاب «المرأة.. ميراث من القهر» للدكتورة أمانى فؤاد، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، متتبعًا الأشكال المتعددة التى اتخذها قهر المرأة تاريخيًا، وكيف أعادت الثقافة والمجتمع والسلطة إنتاجه فى صور مختلفة. فالكتاب لا يقصر القهر على العنف الجسدى أو الاعتداء المباشر، وإنما يوسّع دائرته لتشمل التهميش والإقصاء والوصاية على المرأة وصورتها عن ذاتها، وتحويل جسدها إلى موضوع للسيطرة أو الاستغلال، سواء عبر الخطابات الدينية المتشددة أو السلطة الأبوية أو الثقافة الاستهلاكية الحديثة. 

فى قراءته لأشكال قهر المرأة، يتوقف الكتاب عند ما يراه ميراثًا ثقافيًا وفكريًا امتد من الماضى إلى الحاضر، مؤثرًا فى الطريقة التى تُعرَّف بها المرأة، والحدود التى تُرسم لحريتها، والأدوار التى يُطلب منها الالتزام بها. 

لا يمكننا إغفال- على سبيل المثال- الأمثال الشعبية التى ترسخ صورة مسيئة ودونية للمرأة وتُشجع على قمعها، مثل: يا جايب البنات يا شايل الهم للممات، صوت حيّة ولا صوت بنيّة، شور المرأة خايب، اكسر للبنت ضلع يطلع لها ٢٤، وغيرها. كذلك هناك مقولة شهيرة يؤمن بها المجتمع القبلى تقول «الستات حيائهن خوف»، وتعنى ضمنيًا أن على الرجل أن يُخيف المرأة كى يضمن حذرها وعدم خروجها عن قوانينه وقواعده. 

هذه الثقافة المتأصلة فى الوعى الجمعى يناقشها الكتاب، من بين محاوره. كذلك يناقش حضور المرأة فى الخطاب الأصولى السلفى، فى مقابل صورتها فى خطاب الحداثة، محاولًا تفكيك التناقضات التى تحكم موقعها بين هذين الخطابين، وما يترتب عليها من أشكال مختلفة من التهميش أو الاستغلال. 

كذلك يلقى الكتاب الضوء على الطريقة التى أُلبست بها بعض هذه التصورات، الخاصة بقهر المرأة، مسحة من القداسة، تحت شعارات التكريم والصيانة والحماية، وباعتبارها «جوهرة مُغلفة مصونة» يُفترض حمايتها، بينما تُسلب فى الوقت نفسه قدرتها على الاختيار والاستقلال وتحديد صورتها عن ذاتها. 

ولا يكتفى الكتاب بتتبع صور الهيمنة التى تُمارس على المرأة، وإنما يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا حول الطريقة التى يمكن أن يتحول بها النسق الثقافى نفسه إلى أداة لإعادة إنتاج القهر. ففى ظل الهيمنة الذكورية قد تتحول المرأة، دون وعى، إلى حارسة للثقافة التى تنتقص من كينونتها وحقوقها؛ فمع تكرار هذه التصورات عبر الأجيال لا تعود المرأة مجرد متلقية لها، وإنما قد تصبح واحدة من أكثر من يعيدون إنتاجها والترويج لها، من دون إدراك كامل للأبعاد التى تحملها هذه الخطابات من خديعة وتبعاتها على حريتها وحقوقها.

تلخص أمانى فؤاد دوافعها للعودة إلى قضية المرأة، مؤكدة أن النقاش حول حقوقها لا يزال مفتوحًا، فى ظل استمرار أنماط اجتماعية ودينية وثقافية تحد من حضورها واستحقاقاتها، فتقول: «ستظل قضية المرأة وحقوقها تطرح للنقاش لإدراكنا أننا بحاجة لإعادة النظر فى الأعراف الاجتماعية، وطبيعة الخطاب الدينى السائد عن المرأة، وتصوراته عن ماهيتها ووظيفتها وحقوقها، واختزال أدوارها وحصرها فى دورها الأسرى المحدود والنظرة الجسدانية لها، والتمييز القائم على أفضلية الرجل، واستلاب استحقاقها فى المشاركة السياسية والوظائف القيادية ومناصب القضاء، ووقوعها تحت سلطة التأويل النفعى للنصوص، وهيمنة النزعة الذكورية».

هذا الميراث لا يمكن اعتباره بقايا زمن مضى، حيث ترى أمانى فؤاد فى كتابها أن كثيرًا من تصورات الماضى لا تزال تجد طريقها إلى الحاضر، وإن تغيرت صورها وأدواتها. فالأعراف والتقاليد، والتأويلات الدينية، والممارسات الاجتماعية والسياسية، يمكن أن تتقاطع جميعها فى إعادة رسم الحدود التى تتحرك داخلها المرأة، وتحديد ما يُعد لائقًا أو غير لائق، ومقبولًا أو مرفوضًا بالنسبة إليها.

ومن هنا نكتشف أن السؤال الذى يطرحه الكتاب يتجاوز سؤال «إذا كانت المرأة قد حصلت على حقوق أكثر مما مضى أم لا»، إلى تساؤلات «إذا كانت قد تحررت فعلًا من المنظومة التى كانت تنتقص من إنسانيتها وتعيد تعريفها وفق احتياجات المجتمع الذكورى». 

وحسب الكتاب، ما يتغير قد يكون الشكل؛ أما الأفكار التى تقف خلف بعض صور الوصاية والتهميش والاستغلال فتجد لنفسها طرقًا جديدة للبقاء. فالقهر ميراث يستمر كلما أُعيد إنتاج الأفكار نفسها فى الخطاب والممارسة، وكلما جرى التعامل مع القيود المفروضة على المرأة باعتبارها أعرافًا طبيعية أو مسلّمات لا تحتاج إلى مراجعة. ومن هذه النقطة يبدأ الفصل الأول من الكتاب فى تفكيك واحدة من أهم هذه المنظومات: الهيمنة الذكورية.

فى الفصل الأول «المرأة والهيمنة الذكورية» يتتبع الكتاب كيف تحولت الأعراف والتقاليد مع الوقت من مجرد ممارسات موروثة إلى سلطة تفرض حدودًا على المرأة حتى عندما تتعارض هذه الممارسات مع مبادئ العدالة والمساواة. وفى المجتمع العربى، يرى الكتاب أن سلطة العُرف أسهمت فى ترسيخ تصورات تنتقص من حقوق المرأة وحريتها، وتقاطعت مع تأويلات دينية وممارسات اجتماعية وسياسية منحت هذه التصورات شرعية وقدرة على الاستمرار.

ويشير الكتاب إلى أن المرأة، رغم ما كفلته لها الأديان والقوانين من حقوق، لم تحصل دائمًا على كامل مستحقاتها الإنسانية، فى ظل رسوخ قيم المجتمع الذكورى وثقافة القبيلة. ويذهب إلى أن بعض التصورات الفقهية والممارسات الاجتماعية أسهمت فى ترسيخ صورة المرأة باعتبارها «كائنًا من الدرجة الثانية»، لتظهر أسئلة حول أهليتها وولايتها واستقلالها فى الزواج وشهادتها وميراثها، وغيرها من القضايا التى تحولت إلى ساحات لإعادة تعريف موقعها وحدود حقوقها.

وتقول أمانى فؤاد فى هذا السياق: «تمت شرعنة اعتبار المرأة كائنًا من الدرجة الثانية بأقلام بعض رجال الدين على مستوى التنظير والمعالجة الفقهية، والممارسات الاجتماعية، والأداء السياسى. ولعل ذلك يتضح بالنظر لقضايا فقهية من قبيل: أهلية المرأة، وولايتها، وهل تصح إمامتها، أو استقلالها بعقد النكاح، وشهادتها التى تعدل نصف شهادة الرجل، وميراثها الذى لا تُمكّن من الحصول عليه، ومناقشة وطرح قضية هل هى إنسان مثل الرجل من الأساس؟ وغير ذلك من المسائل التى تغص بها كتب الفقهاء، ومقولات تم تداولها من قبيل أن المرأة عورة، قاصرة العقل، تخضع لقوامة الرجل الذى يسىء تنظير وممارسة تفسير معنى القوامة بمخالفة صريحة لمقصود النص الدينى، فاحتكر الرجل تفسير النص، وتطبيقه».

ولا يقف الكتاب عند النصوص أو المقولات فى حد ذاتها، وإنما يناقش السلطة التى اكتسبها بعض التأويلات حين خرجت من الكتب إلى الحياة اليومية، فأصبحت مرجعًا لتحديد ما يجوز للمرأة وما لا يجوز، وما تستطيع أن تفعله وما ينبغى أن تُمنع عنه. وهنا يبرز سؤال أساسى فى الكتاب: مَن يملك حق تفسير النص؟، ومَن يملك سلطة تحويل هذا التفسير إلى قاعدة تحكم حياة المرأة؟

فحسب الكتاب، لم تتوقف المشكلة عند وجود تأويلات متشددة، وإنما فى احتكار الرجل فى بعض السياقات لتفسير النص وتطبيقه داخل الأسرة والمجتمع، بما عزز ولايته على المرأة، وأنتج أشكالًا متعددة من الحجب والحجر والوصاية، وحدّ فى أحيان كثيرة من حقها فى العمل والاستقلال والمشاركة السياسية والاقتصادية.

وترى أمانى فؤاد أن هذه الخطابات لم تفقد تأثيرها رغم قدم بعضها، فهى لا تزال حاضرة فى المجتمع، وتؤثر فى نظرة الناس إلى المرأة، خاصة حين تُقدَّم باعتبارها رأيًا دينيًا صادرًا عن أهل العلم. وهكذا تتحول الفتوى من رأى قابل للنقاش إلى معيار يحدد ما يجوز للمرأة وما لا يجوز، وما يُقبل من سلوكها وما يُرفض.

فتقول: «تصبح الأغلبية مقيدة بتلك الفتاوى، متأثرة بكل ما يصدر عنها، بل تعد مقولاتها هى الصواب لأنها تصدر عن أهل العلم والدين».

لكن الكتاب، فى الوقت نفسه، لا يضع كل الخطاب الدينى فى خانة واحدة، وإنما يميز بين النص المقدس وتأويلاته البشرية، ويشير إلى وجود فقهاء ومفكرين تبنوا اجتهادات أكثر انفتاحًا، ودافعوا عن حقوق المرأة وقيم العدل والمساواة. المشكلة، كما يقدمها الكتاب، تكمن فى هيمنة التأويلات الأكثر تشددًا عندما تتحول إلى سلطة اجتماعية تفرض نفسها على الواقع.

يوسّع الكتاب مفهوم الهيمنة، فتتجاوز كونها نتاجًا للخطاب الدينى وحده، إلى نسق أوسع يتداخل فيه السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى. فالذكورية، حسب تعريف الكتاب، اتجاه عام فكرى سلوكى يسعى إلى تأكيد فوقية الرجل والحفاظ على امتيازاته، حتى عندما يكون ثمن هذه الامتيازات سلب حقوق المرأة أو تقييد حريتها.

ويظهر هذا النسق فى العادات والأعراف، وفى طريقة توزيع السلطة داخل الأسرة والمجتمع، وفى المؤسسات والتشريعات، كما يظهر فى التصورات التى تمنح الرجل حق مراقبة المرأة ومعاقبتها إذا خرجت عن القواعد التى رسمها المجتمع الأبوى.

ومن أبرز الأمثلة التى يتوقف عندها الكتاب جرائم الشرف، باعتبارها واحدة من أكثر الصور عنفًا لاستخدام الثقافة الذكورية فى السيطرة على المرأة، فخروج المرأة عن القواعد التى تضعها المنظومة الأبوية قد يُعامل باعتباره مساسًا بشرف الأسرة أو الرجل، بما يجعل جسدها وسلوكها ساحة للحفاظ على امتيازات اجتماعية ذكورية.

وفى تعبير لافت ومؤلم فى الوقت نفسه، تقول أمانى فؤاد: «يصبح الشرف هو القناع الذى تحته يستمر استعباد الرجال للنساء».

وتضع هذه الفكرة مفهوم الشرف نفسه موضع مساءلة: لماذا يُختزل شرف العائلة فى جسد امرأة وسلوكها؟ ولماذا تتحول المرأة إلى الحارس الفعلى لصورة الرجل عن شرفه، بينما لا يخضع الرجل نفسه للمنظومة ذاتها بالقدر نفسه؟

ويمتد هذا السؤال إلى عدد من الممارسات التى يرى الكتاب أنها تعكس التعامل مع جسد المرأة باعتباره مجالًا للسيطرة، من جرائم الشرف إلى تبرير التحرش والاغتصاب بإلقاء جزء من المسئولية على ملابس المرأة أو سلوكها، وصولًا إلى الختان القسرى، وما يرتبط به من تدخل فى جسدها دون إرادتها. وفى مواجهة هذه التصورات، تطرح المؤلفة فكرة واضحة: «جسد المرأة ليس ملكًا لأحد سواها». 

المرأة، حسب هذا التصور، ليست ملكية خاصة للرجل لأنها ابنة أو زوجة أو أم، إنما كيان مستقل له إرادته وحقوقه. ومن هنا يرى الكتاب أن المشكلة لا تتعلق فقط بقصور بعض النصوص القانونية أو الحاجة إلى تشديد العقوبات، وإنما تمتد إلى الثقافة والموروثات والطريقة التى يُنظر بها إلى المرأة وحقوقها.

ويتوقف الكتاب عند التماس الأعذار للمغتصب أو المتحرش بحجة «سفور» المرأة، باعتباره صورة أخرى من صور نقل المسئولية من الجانى إلى الضحية. كما يناقش الختان باعتباره اعتداءً على الجسد الأنثوى وتجريدًا له من حقه فى تقرير مصيره.

ولا تتوقف السيطرة الذكورية عند العنف المباشر؛ إذ يعدد الكتاب أشكالًا أخرى من الوصاية تمتد إلى سفر المرأة وعملها واستقلالها الاقتصادى وميراثها، بما يكشف عن أن القهر قد يظهر فى تفاصيل الحياة اليومية، وفى القرارات التى تبدو فى ظاهرها اجتماعية أو أسرية، لكنها تحدد فى النهاية مساحة المرأة فى الاختيار والاستقلال.

ومن أكثر أفكار الفصل تعقيدًا ما يطرحه الكتاب حول دور المرأة نفسها فى استمرار الثقافة الذكورية. فالهيمنة، حسب الكتاب، تستمر بفعل تمسك الرجال بالامتيازات التى منحتهم إياها هذه الثقافة، وبمساهمة بعض النساء أيضًا فى تبنى بعض مرتكزاتها ومسلّماتها، بوعى أو من دونه، والدفاع عنها باعتبارها حقائق طبيعية أو قيمًا لا ينبغى تجاوزها.

تقول أمانى فؤاد فى هذا الصدد: «وللأسف أسهم كثير من النساء فى تأكيد هذه الثقافة بخضوعهن لها، وتبنيهن مرتكزاتها ومسلّماتها وعدم تفكيرهن فى تفكيك مقولاتها».

ويطرح الكتاب فى المقابل زاوية أخرى مهمة: إن الامتثال للأفكار الذكورية لا يعنى دائمًا الاقتناع. ففى بعض الحالات قد يكون التكيف مع القواعد المفروضة وسيلة للبقاء وتجنب الصدام، وهو ما تشير إليه المؤلفة بقولها إن بعض النساء أدركن ما يدور حولهن، لكنهن اخترن ادّعاء الغباء من أجل الحياة والاستمرار دون صدامات عنيفة. 

وهنا يصبح «ميراث القهر» أكثر من مجرد أفكار تنتقل من جيل إلى آخر، فالأفكار والقيود تستمر لأنها تتحول إلى عادة وآلية للبقاء، أو حين تتبنى المرأة نفسها بعض القواعد التى فُرضت عليها وتدافع عنها، فتقول الكاتبة: «وللأسف أسهم كثير من النساء فى تأكيد هذه الثقافة بخضوعهن لها، وعدم تفكيرهن فى تفكيك مقولاتها، للدرجة التى وصلت بهن للتوحد معها، والدفاع بقوة عجيبة عن قيمها وشروطها، كنوع من الولاء الغبى، والعبودية المختارة». وهنا يصبح السؤال: كيف تتحول الثقافة التى قهرت المرأة إلى شىء تعتاد عليه، أو تدافع عنه، أو تضطر إلى التعايش معه؟ 

ترى الكاتبة أن استمرار هذه الثقافة لم يكن منفصلًا عن البنية الأوسع للمجتمع، إذ ارتبطت الهيمنة الذكورية، على مدى قرون، بالسياسة والاقتصاد والقانون والمؤسسات، إلى جانب التفسيرات الدينية التى دعمتها فى بعض السياقات، مضيفة: «مما جعل من الصعب أن يتنازل الرجال عن الامتيازات التى حصدوها من سيادة هذه الثقافة، والتى باتت تحميها التشريعات القانونية المختلفة، وأجهزة الدولة ومؤسساتها، وتفسيرات رجال الدين للنص المقدس».

وهكذا لا يقدم الكتاب المرأة باعتبارها مسئولة عن القهر الذى تتعرض له، بل يحاول تفكيك الطريقة التى يمكن بها للمنظومة نفسها أن تجعل بعض ضحاياها يعيدون إنتاجها، سواء نتيجة الاقتناع بها أو الخوف من الخروج عليها.

أثر الثقافة الذكورية التى تناقشها الكاتبة يمتد إلى صورتها عن نفسها وقدرتها على التعقل والاختيار واتخاذ القرار. فالخطابات التى تصفها بأنها ناقصة العقل أو مترددة أو غير قادرة على ضبط انفعالاتها، تنتقص من مكانتها فى نظر المجتمع، من ناحية، ومن ناحة أخرى تدفعها هى نفسها إلى تصديق هذه الصورة والتعامل معها باعتبارها حقيقة.

وتحذر الكاتبة من أثر المقولات، التى تنتقص من عقل المرأة وأهليتها وتبرر الوصاية عليها، فى تكوين الوعى الجمعى، فما يتكرر على الإنسان من أفكار وقيم يترسخ بمرور الوقت حتى يصبح جزءًا من الطريقة التى ينظر بها إلى نفسه وإلى الآخرين. وعليه، فإن تغيير واقع المرأة لا يبدأ فقط من تعديل قانون أو مواجهة ممارسة، وإنما من تفكيك الأفكار التى منحت هذه الممارسات شرعيتها واستمرارها.

وتلخص المؤلفة هذه الفكرة بوضوح فى قولها: «تلك الثقافة تخلق من النساء هذا الكيان الذى يُقدّم على أنه منتقص وغير كامل الأهلية. وتلك المقولات لا تهزم المرأة وحدها بل تهزم المجتمع بكامله».

وإذا كانت الهيمنة تبدأ من الأفكار التى تُرسخ صورة معينة عن المرأة وتنتقل إلى وعيها بذاتها، فإن هذه الصورة لا يصنعها خطاب واحد. فالكتاب يتتبع حضور المرأة فى مساحات أخرى متعددة، فيكشف كيف تتقاطع السياسة والإعلام والأدب فى إعادة تعريفها، ورسم حدود حضورها، وتكريس صور مختلفة للسلطة والوصاية عليها.

يناقش الكتاب علاقة المرأة بالواقع السياسى، وكيف يتجلى حضورها فى مواد التشريع، وموقف المؤسسة التشريعية والقانونية من المرأة، ومشاركتها السياسية، وآلية تواجدها العملى بالوظائف القيادية والقضائية ومناصب صنع القرار. 

وتشير الكاتبة إلى أنه «ليست هناك أى وثائق تاريخية فى القرن التاسع عشر فى مصر أو المنطقة العربية من ١٨٠٠ حتى ١٩٠٠م تشير إلى أى نشاط للمرأة فى الشأن العام أو العمل السياسى أو المجتمعى، ولقد كانت آخر إشارة لعمل المرأة بالسياسة فى التاريخ القريب هى الإشارة إلى شخصية (شجرة الدر) وموقفها من قيادة الدولة بعد موت زوجها الملك الصالح، والموقف الذكى الذى اتخذته واتسم بالحيلة والدهاء».

مضيفة أن «أول إشارة فى عصر النهضة لنوع من تأثير النساء فى المجتمع ومخالطة الرجال كانت فى عام ١٨٨٠م؛ من خلال صالون ثقافى أقامته نازلى فاضل، ابنة أخ الخديو إسماعيل، والتى استضافت فيه ألمع أعلام النهضة مثل سعد زغلول، محمد عبده، جمال الدين الأفغانى، قاسم أمين، وعددًا من رجالات نهضة مصر الحديثة الذين تبلورت أفكارهم تجاه المرأة وتحررها من خلال المساهمة والمناقشة فى هذا الصالون، ولقد أسهمت فعاليات هذا الصالون، مع أسباب أخرى، فى انطلاق الدعوة لتعليمها وخروجها من عصر الحريم، كما نوقشت فيه قضايا الشأن العام أيضًا التى تخص المجتمع».

وهكذا، امتد نضال المرأة المصرية من أجل حقوقها السياسية إلى أوائل القرن العشرين، وظهرت ملامحه فى مشاركتها فى مظاهرات ثورة ١٩١٩ بقيادة هدى شعراوى وصفية زغلول، ثم فى الاحتجاجات التى أعقبت دستور ١٩٢٣، للمطالبة بحق المرأة فى الانتخاب والتمثيل البرلمانى، بقيادة نساء مثل الصحفية منيرة ثابت، كما دافعت الكاتبة أمانى فريد عن حق المرأة فى التصويت والترشح للبرلمان فى كتابها «المرأة المصرية والبرلمان» الصادر عام ١٩٤٧، مؤكدة أن تطور المجتمع وتعليم المرأة وخبراتها يجعلها كائنًا كامل الأهلية، خصوصًا مع مساواة التشريع بين حقوقها وحقوق الرجل. ولم يتحقق حق المرأة فى التصويت والتمثيل البرلمانى إلا عام ١٩٥٧، بدخول راوية عطية وأمينة شكرى مجلس الأمة لأول مرة.

واستمر نضال المرأة لزيادة حضورها السياسى والبرلمانى بعد ذلك، ووصل تمثيلها إلى أعلى مستوياته عام ٢٠١٠ بمساعدة نظام الكوتة، الذى أُلغى بعد ثورة يناير ٢٠١١ ثم أعيد طرحه لاحقًا. وبعد ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيو ارتفعت مشاركة المرأة المصرية فى الاستفتاءات والانتخابات، وبلغت نسبة ٤٩٪ ممن لهن حق التصويت. ومع تخصيص نسبة للمرأة فى الانتخابات البرلمانية، يطرح الكتاب أسئلة حول مدى وعى المرأة بالعملية السياسية والبرلمانية، وقدرتها على اختيار مَن يمثلها، ومدى وجود نماذج نسائية مؤهلة وقادرة على ممارسة دور برلمانى فاعل، باعتبارها أسئلة تتجاوز الحق القانونى إلى الوعى السياسى والاجتماعى.

ومن حقها فى التصويت والترشح، إلى حضورها داخل مؤسسات الدولة ومواقع صنع القرار، تطرح أمانى فؤاد سؤالًا حول شكل الدولة التى تضمن المساواة بين المواطنين، داعية إلى إعلاء دولة القانون التى يتساوى فيها الجميع، رجالًا ونساءً، والاحتكام إلى قواعد المواطنة والحقوق الإنسانية بعيدًا عن التأويلات التى يمكن استخدامها للانتقاص من حقوق المرأة. وترى أن إعادة إنتاج القضايا الخلافية القديمة قد تتحول إلى ذريعة لتعطيل ما حققته المرأة من حقوق، وإلى ثغرة يمكن من خلالها إعادة المجتمع إلى الوراء.

وتستشهد المؤلفة فى هذا السياق بمواقف شهدها القضاء المصرى، من بينها رفض تعيين خريجات فى مجلس الدولة لمجرد كونهن نساء، رغم ما تراه من تعارض ذلك مع مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص التى أقرها الدستور. وتلفت إلى أن تبرير الرفض بعدم استعداد المجتمع لتقبل أحكام تصدر عن قاضية امرأة لا يصمد أمام التجربة؛ فالمجتمعات، حسب طرحها، تعتاد ما كان جديدًا عليها حين تراه واقعًا وتمارسه، بدلًا من أن يُستخدم رفض المجتمع ذريعة لمنع المرأة من خوض التجربة أصلًا. وترى «أمانى» أن هذا النوع من التمييز لا يرتبط فقط بالنصوص القانونية، وإنما بالثقافة السائدة داخل بعض المؤسسات وبالرغبة فى الحفاظ على مواقع ظلت لفترات طويلة حكرًا على الرجال. 

وتستعيد فى هذا السياق واقعة تقدّم الدكتورة عائشة راتب بطلب للتعيين فى مجلس الدولة فى سبعينيات القرن الماضى، وما انتهى إليه الرأى آنذاك من عدم وجود مانع دستورى أو قانونى أو شرعى من تعيين النساء، مع تأجيل الأمر إلى «الوقت المناسب». وتصبح المفارقة هنا أن هذا «الوقت» ظل مؤجلًا لعقود، بما يكشف عن أن المشكلة لم تكن دائمًا فى غياب النص القانونى، وإنما فى الإرادة المؤسسية والثقافة التى تحدد متى تحصل المرأة على حقها. ويمتد هذا التمييز، حسب الكتاب، إلى مجالات أخرى ظلت المرأة تواجه فيها عوائق أمام الوصول إليها، ومنها بعض الكليات والمؤسسات العسكرية، لتعود العبارة نفسها: «لم يَحِن الوقت». وهنا يتحول السؤال من: هل للمرأة الحق؟ إلى سؤال أكثر إلحاحًا: من يملك تحديد الوقت الذى تحصل فيه على هذا الحق؟

ومن مؤسسات الدولة إلى شاشات الإعلام وصفحات الكتب، يتتبع الكتاب مساحات أخرى تُصنع فيها صورة المرأة وتُرسم حدود حضورها؛ فالإعلام والأدب لا يكتفيان بعكس الواقع، وإنما يسهمان أيضًا فى تشكيل الطريقة التى ينظر بها المجتمع إلى المرأة وإلى أدوارها ومكانتها. فيناقش تجليات وجودها فى مرايا الإعلام؛ من البرامج الدينية والدراما والأعمال التليفزيونية وبرامج التوك شو، إلى الطريقة التى صوّرت بها الشاشة المرأة المصرية والعربية، والقيم التى كرّستها هذه الصور حول حضورها وجسدها وأدوارها الاجتماعية. ويمتد هذا التفكيك كذلك إلى الأدب، فيتتبع الكتاب صورة المرأة فى التراث العربى، وكيف عبّرت عنها الكتابة الذكورية ورسمت حدود وجودها الإنسانى ووظيفتها، فى مقابل محاولات المرأة المعاصرة التعبير عن ذاتها من خلال الكتابة. كما يتوقف عند نماذج أدبية، من بينها صورة المرأة فى أدب نجيب محفوظ، ليطرح فى النهاية سؤالًا يتجاوز حدود الكتابة نفسها: كيف ساهمت الخطابات التى أحاطت بالمرأة، دينية كانت أو سياسية أو إعلامية أو أدبية، فى تشكيل صورتها عن ذاتها وموقعها فى المجتمع؟ وكيف يمكن تفكيك هذا الميراث الذى تتغير أشكاله، بينما تبقى بعض جذوره ممتدة حتى اليوم؟

وفى النهاية، ربما يقودنا ما يطرحه الكتاب إلى سؤال يتجاوز مسألة حصول المرأة على حقوقها من عدمها، وهو «من يملك تعريف هذه الحقوق، وتحديد حدودها، والوقت الذى تصبح فيه قابلة للممارسة؟».

فمن التصويت والترشح إلى القضاء وصنع القرار، ومن صورتها فى الخطاب الدينى إلى حضورها على الشاشة وفى الأدب، ظل حضور المرأة محكومًا فى كثير من الأحيان بنظرة يضعها الآخرون عنها، ثم يحددون على أساسها ما يليق بها وما لا يليق، وما يجوز لها وما يجب أن تظل بعيدة عنه. ولهذا تبدو معركة المرأة، فى قراءة أمانى فؤاد، أوسع من استرداد حقوق سُلبت منها؛ إنها معركة على حقها فى أن تكون صاحبة التعريف الأولى والوحيد لذاتها، لا موضوعًا لتعريف الآخرين بها.