الأحد 07 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

لماذا ننـام؟!.. دواء مجانى يحميك من السرطان وأمراض القلب

حرف

- يميل المجتمع إلى تمجيد مَن يستيقظون مبكرًا بينما يُوصم الآخرون بالكسل

تخيل أن هناك دواء مجانيًا، متاحًا للجميع، يطيل العمر، يعزز الذاكرة، يزيد من جاذبيتك، ويحميك من السرطان وأمراض القلب. يجعلك أكثر صحة وتقبلًا للحياة. تبدو هذه وكأنها دعاية زائفة بعيدة المنال، والحقيقة أن هذا الدواء موجود بالفعل، ونملكه جميعًا، وهو النوم.

تقول الشاعرة الإنجليزية شارلوت برونتى: «الذهن المضطرب يجعل الوسادة غير مريحة»، وعليه، فإن قلة النوم تؤدى لاعتلالات نفسية وجسدية كبرى». هكذا ذكر عالم الأعصاب البريطانى ماثيو ووكر فى كتابه «لماذا ننام؟.. اكتشف قوة النوم والأحلام»، والمترجم عن دار التنوير للنشر، مؤكدًا أن نومًا أقل يعنى عمرًا أقصر. ويكشف لنا كيف يؤثر النوم على إبداعنا، وصحتنا النفسية، والجسدية، وكيف يمكن لليلة نوم جيدة أن تغير مجرى حياتنا بالكامل.

فى كتابه، الذى ترجمه الحارث النبهان، يأخذنا «ووكر» فى رحلة علمية عميقة ليفك شفرة هذا النشاط الحيوى الذى نهمله فى عصرنا الحديث الصاخب، فلم يعد النوم مجرد فترة راحة سلبية، بل هو ركيزة الصحة الأساسية. وفى هذا المقال، نستعرض كيف يُعيد هذا الكتاب تشكيل فهمنا لليل والنهار، ولماذا قد تكون قلة النوم هى الوباء الصامت الأكبر فى عصرنا، وهذا تؤكده منظمة الصحة العالمية التى اعتبرت الأرق حالة وبائية منتشرة فى الأمم الصناعية كلها. 

تشير التقارير الطبية ومؤسسات أبحاث النوم إلى أن حوالى من ٣٠٪ إلى ٥٠٪ من سكان العالم البالغين يعانون من أعراض الأرق أو اضطرابات النوم فى مرحلة ما من حياتهم، وأن ثلث البالغين «حوالى ٣٥٪»، ينامون أقل من ٧ ساعات بانتظام، ويفشل ثلثا البالغين فى البلدان المتطورة كلها فى تحقيق فترة ساعات النوم الليلى الثمانى الموصى بها. كذلك ما بين ٧٥٪ إلى ٩٠٪ من الأشخاص الذين يعانون من الأرق المزمن، ترتفع لديهم احتمالية الإصابة بأمراض طبية خطيرة مثل السكرى، وضغط الدم المرتفع، وأمراض القلب والشرايين. 

كذلك، قلة النوم لا تُدمر الصحة فقط، بل تضرب اقتصاد الدول بسبب غياب الموظفين وتراجع الإنتاجية. فعلى سبيل المثال تشير الإحصائيات إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها تخسر ما يصل إلى ٤١١ مليار دولار سنويًا بسبب قلة النوم والإنتاجية المهدرة، تليها اليابان بخسائر تصل إلى ١٣٨ مليار دولار سنويًا. 

وتمتد هذه الخسائر الكبيرة إلى ما يسمى علميًا بـ«الحاضر الغائب»، وهى الحالة التى يأتى فيها الموظف إلى مكتبه بجسده، لكن عقله المحروم من النوم يعانى من بطء اتخاذ القرار، وضعف التركيز، وتراجع القدرة على الابتكار، فالدماغ المرهق يميل تلقائيًا إلى اختيار المهام الأسهل والأقل إنتاجية، ويصبح أكثر عرضة لارتكاب الأخطاء المهنية التى تكلف الشركات مليارات الدولارات لإصلاحها.

فى كتابه، يذكر «ووكر» أنه بدأ حملة مع باحثين كثر كى يجعلوا الأطباء يصفون النوم فى روشتاتهم الطبية؛ فهو حل لمعظم الأمراض التى تصيب البشر خاصة فى حياتنا المحمومة الراهنة، خاصة أن الالتزام بالنوم، يعد واحدًا من أقل الأشياء ألمًا وأكثرها متعة.

ويضيف «ووكر»: «هل يمكننا المضى إلى حد القول بأن قلة النوم يمكن أن تقتلك حقًا؟ يمكن قول هذا فى حقيقة الأمر، وذلك من ناحيتين اثنتين على الأقل: أولًا، هنالك اضطراب جينى نادر جدًا يبدأ بظهور حالة متفاقمة من الأرق فى أواسط العمر. وبعد انقضاء شهور من تطور هذا المرض، يكف المريض عن النوم تمامًا. فى هذه المرحلة، يكون المريض قد بدأ خسارة كثير من الوظائف الأساسية للدماغ والجسم. يموت المريض، بعد اثنى عشر شهرًا، أو ثمانية عشر شهرًا من عدم النوم. صحيح أن هذه الحالة شديدة الندرة، لكنها تثبت أن قلة النوم يمكن أن تقتل الإنسان».

كذلك حالة اللامبالاة الاجتماعية تجاه النوم ناتجة، فى جزء منها، عن تقصير تاريخى من جانب العلم فى توضيح ما يجعلنا فى حاجة إلى النوم. لقد ظل النوم واحدًا من آخر الألغاز البيولوجية الكبرى. ولم تتمكن الطرائق العلمية الجبارة لحل المشكلات - فى العلوم الجينية والبيولوجيا اللاجزيئية، والتكنولوجيا الرقمية فائقة القدرة - من اقتحام أسرار النوم المعاندة. 

ويذكر «ووكر» أنه من المدهش حقًا أن الأطباء والعلماء ظلوا عاجزين، حتى وقت قريب، عن تقديم إجابة كاملة، أو منطقية عن هذا السؤال: لماذا ننام؟ فلنتذكر أننا نعرف منذ عشرات السنين، أو منذ مئات السنين، وظائف الدوافع الأساسية الثلاثة الأخرى فى الحياة: الأكل والشرب، والتكاثر، إلا أن الدافع البيولوجى الرئيسى الرابع الموجود لدى مختلف الأجناس فى المملكة الحيوانية كلها، أى الدافع إلى النوم، ظل آلاف السنين أمرًا مستعصيًا على العلم.

فى عالم يقدس الإنتاجية المستمرة، ويقيس النجاح بعدد ساعات السهر والعمل، بات النوم يُعامل كرفاهية يمكن التخلى عنها، أو كعلامة على الكسل، مقابل هذا تدفع عقولنا وأجسادنا الثمن، لذا فإن ماثيو ووكر فى كتابه أثبت بالدليل العلمى القاطع أن النوم هو أعظم ابتكار تطورى لحفظ الحياة.

فيذكر: «كشفت الأبحاث الحديثة عن أن النوم هو الشىء الوحيد الأكثر فعالية الذى نستطيع القيام به من أجل إعادة تهيئة دماغنا وصحتنا الجسدية فى كل يوم، وهو أفضل ما توصلت إليه الطبيعة من أجل مقاومة الموت».

على الرغم من أن لدى كل كائن بشرى إيقاعًا ثابتًا من أربع وعشرين ساعة، فإن نقطة الذروة ونقطة الحضيض فى هذا الإيقاع مختلفتان اختلافًا تامًا من شخص لآخر. فعند بعض الأشخاص، تكون ذروة اليقظة فى وقت مبكر من النهار، وتكون نقطة الحضيض «أى وقت الإحساس بالنعاس» فى وقت مبكر من الليل، هؤلاء هم أصحاب النمط النهارى، وهم يشكلون قرابة ٤٠ بالمئة من البشر، ويُطلق عليهم «عصافير الصباح». يفضل هؤلاء الناس الاستيقاظ عند الفجر تقريبًا، بل يسعدهم الاستيقاظ فى هذا الوقت، ويكون أداؤهم فى حالته المثلى فى هذه الفترة من النهار. أما أصحاب النمط المسائى فهم يعادلون نحون ٣٠ بالمائة من البشر، ويطلق عليهم «بومات الليل»، وعادة ما يفضل هؤلاء الذهاب إلى الفراش فى وقت متأخر والاستيقاظ فى وقت متأخر من الصباح التالى، أو حتى بعد الظهر فى اليوم التالى.

وتقع النسبة الباقية، أى نحو ٣٠٪ من البشر، بين النمطين النهارى والليلى، مع ميل بسيط فى اتجاه النمط الليلى. 

يستعرض «ووكر» فى كتابه تفاصيل تلك الأنماط، ملقيًا الضوء على الاختلافات بينهم واختلاف طريقة تعامل المجتمع معهم، فيقول: «عادة ما تكون بومات الليل غير قادرة على النوم فى وقت مبكر مهما حاولت فعل ذلك، ولا تتمكن من النوم إلا فى وقت متأخر من الليل. وبما أنها لا تنام حتى ذلك الوقت المتأخر، فمن الطبيعى أنها تكره الاستيقاظ فى وقت مبكر. ولا يكون أداؤها جيدًا فى هذا الوقت من اليوم. وذلك لأن أدمغتها- على الرغم من أنها مستيقظة- تظل فى حالة أقرب إلى النوم خلال ساعات الصباح الباكر. وعند إرغامها على الاستيقاظ فى وقت مبكر كثيرًا، فإن الفص الجبهى الأمامى لديها يظل غير نشط، وهو الجزء الذى يتحكم فى التفكير عالى المستوى وبالمناقشة المنطقية، كما يساعدنا على ضبط مشاعرنا».

ويكشف «ووكر» عن أن انتماء الشخص إلى بومات الليل أو إلى عصافير الصباح، وهو ما يعرف أيضًا بالنمط الزمنى، أمر تحدده الموروثات بدرجة كبيرة. والأمر المحزن هو أن المجتمع يعامل بومات الليل معاملة فيها شىء من قلة الإنصاف، وذلك من ناحيتين: أولًا يوصمون بأنهم كسالى، وذلك استنادًا إلى أنهم يظلون راغبين فى الاستيقاظ فى وقت متأخر نتيجة عدم استطاعتهم النوم قبل ساعة متأخرة فى الليل، يعاقب الآخرون، عصافير الصباح عادة، بومات الليل استنادًا إلى افتراض خاطئ مفاده أن تلك الصفة أمر اختيارى بالنسبة إليهم، فلو لم يكونوا كسالى لما وجدوا صعوبة فى الاستيقاظ فى وقت مبكر. إلا أن بومات الليل ليست هكذا بمحض اختيارها. إنهم أشخاص مقيدون ببرنامج زمنى متأخر بفعل تركيبتهم الوراثية التى لا يد لهم فيها. 

وأما الناحية الثانية، فهى أن برامج العمل فى المجتمع تمثل ملعبًا غير مواتٍ لهم، بل هو منحاز انحيازًا شديدًا إلى بدء النشاطات النهارية فى وقت مبكر. وهذا أمر فيه محاباة لعصافير الصباح وفيه ظلم للبومات. فبرامج العمل المعتادة ترغم محبى الليل على إيقاع نوم واستيقاظ غير طبيعى بالنسبة إليهم. ونتيجة لذلك، فإن أداءهم فى العمل- على وجه الإجمال- يكون متدنيًا فى الصباح، لأنهم محرومون من إظهار قدرتهم الحقيقية على الأداء فى الساعات المتأخرة من بعد الظهر وأول المساء لأن ساعات العمل المعتادة تنتهى قبل وصولهم إلى ذلك الوقت.

هذا التحيز الاجتماعى ليس مجرد رأى عابر، بل هو أشبه بـعنصرية زمنية تُمارس ضد ملايين البشر يوميًا، والحقيقة العلمية التى يفجرها ماثيو ووكر فى كتابه هى أننا لا نختار مواعيد نومنا استهتارًا أو انضباطًا؛ بل إن جيناتنا هى التى تحدد حكمها الصارم علينا عبر ما يُعرف بالأنماط الزمنية. لقد وزعت الطبيعة البشر بين مجموعة تشرق طاقة أجسادهم مع الشمس، ومجموعة لا تبدأ ماكينات إبداعهم وتركيزهم فى الدوران إلا عندما يخلد العالم إلى النوم.

هذا التنوع البيولوجى كان ميزة تطورية قديمًا لحماية القبائل طوال الـ٢٤ ساعة، لكن المنظومة الحديثة قررت تجاهله تمامًا. عندما تجبر القوانين الاجتماعية وساعات العمل والمدارس التقليدية الجميع على الاستيقاظ فى السادسة صباحًا، فإنها لا تبنى مجتمعًا منظمًا، بل ترتكب جناية بيولوجية بحق محبى الليل، حيث تقطع نومهم عمدًا فى ذروة مرحلة الأحلام العميقة. وعليه، فإن إجبار كائنات ليلية على الإنتاج فى الصباح الباكر هو تدمير حتمى لإنتاجية وإبداع نصف كوكب الأرض، وعقاب جماعى للبشرية بذنب لم تقترفه سوى فى شفرتها الوراثية.

والحديث عن الشفرة الوراثية لا يتوقف عند توقيت النوم فحسب، بل يمتد ليشمل عدد ساعاته أيضًا، وهنا يظهر استثناء يثبت القاعدة؛ إذ تكشف الأبحاث عن وجود مجموعة نادرة جدًا من البشر يُطلق عليهم «نخبة قلة النوم»، يكتفون بالنوم لست ساعات فقط فى الليلة الواحدة، دون أن يظهر عليهم سوى الحد الأدنى من الضرر الجسدى أو العقلى. والمثير للدهشة أنه حتى لو مُنحوا حرية كاملة للنوم ساعات أطول، فإنهم سيكتفون بفترتهم القصيرة تلك دون أى زيادة. هذا الأمر ليس مهارة مكتسبة أو قوة إرادة، بل هو مرتبط بطفرة جينية فريدة تولد لديهم القدرة البيولوجية على الاكتفاء بهذا القدر القليل. لكن ووكر يحذرنا بشدة: نسبة هؤلاء فى العالم لا تتعدى جزءًا صغيرًا من ١٪، وفرصتك فى أن تكون واحدًا منهم تشبه فرصة أن تضربك صاعقة برقية؛ لذا فإن محاولة تقليدهم دون امتلاك جيناتهم هى انتحار بطىء.

بعد رحلة علمية وتشريحية مكثفة تمتد عبر نحو ٥٠٠ صفحة، لا يتركنا ماثيو ووكر غارقين فى بحر التحذيرات المرعبة من عواقب الحرمان من النوم؛ حيث أرفق ملحقًا خاصًا يلخص فيه سنوات أبحاثه تحت عنوان «اثنتا عشرة نصيحة من أجل نوم صحى». يدرك «ووكر» أن تغيير عاداتنا فى عصرنا الحديث يحتاج إلى خطوات محددة، لذلك يقدم فى هذا الملحق خريطة طريق تبدأ من أبسط القواعد مثل الالتزام بجدول نوم ثابت حتى فى عطلات نهاية الأسبوع، وتجنب الشاشات والمحفزات قبل النوم، وصولًا إلى ضبط حرارة الغرفة وجعلها مائلة للبرودة. هذا الملحق يحول الكتاب من مجرد وثيقة علمية تبهر القارئ، إلى دليل تطبيقى يسعى لإنقاذ حياة البشر ليلة بعد ليلة. 

فى النهاية، يمكن القول إن كتاب «لماذا ننام؟» يعد تنبيهًا لأنفسنا ولضميرنا البيولوجى فى عالم يناهض الراحة والاسترخاء. أثبت لنا «ووكر» بالأدلة المفصلة أن النوم هو منظومة دعم بيولوجى غير قابلة للتفاوض، تحمى عقولنا وقلوبنا، وإبداعنا البشرى.

إن استعادة ليلنا وتلبية نداء أجسادنا بالنوم لثمانى ساعات ليست علامة على التراجع أو الكسل، بل هى الخطوة الأولى والأهم لعيش حياة أطول، وأكثر صحة، وإشراقًا. ففى المرة القادمة التى تقرر فيها السهر لمتابعة عمل أو شاشة هاتف، تذكر أن صحتك وعمرك يدفعان الثمن، وتذكر دائمًا أن تنام جيدًا، كى تحيا بشكل أفضل.