كُتَّاب ومبدعون نسيناهم 6
محمد مندور.. الإعدام التعسفى لـ«مواهب إبداعية كثيرة»
- هناك من النقاد من يسهمون بدرجات وعى مختلفة فى تسويق وترويج أعمال أدبية ذات شأن قليل القيمة
فى كتابه الاستثنائى «النقد المنهجى عند العرب»، ذهب الدكتور محمد مندور جادًا وثاقب الرؤية- قديمًا وعميقًا- نحو تعريف دقيق وموسع لماهية التاريخ الأدبى، وراح يطرح سلسلة من الآليات المنهجية التى تجعل من التأريخ الأدبى علمًا يقتضى به، لا بد أن يتم إنشاؤه وتدريسه فى الجامعات وكل معاهد تدريس الأدب، وإحداث حالة حراك حقيقى لهذا العلم الذى يعتبر أحد الأسس التى تنبنى عليها ثقافة الأجيال المتعاقبة فى أى مجتمع يأمل فى التقدم والتحضّر الثقافى، والاجتماعى، والفكرى، والسياسى، كما طرح عددًا من الأسئلة التى كان يلقيها القدماء على أئمة الرأى والفكر فى كل العصور، تلك الأسئلة التى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بكل ما يحيط بالتأريخ الأدبى ذاته.
وأقرّ الدكتور مندور بأن النقد الأدبى نشأ عربيًا وظلّ عربيًا صرفًا، وذلك لأن أساس كل نقد- كما كتب- هو الذوق الشخصى، تدعمه ملكة تحصل فى النفس بطول ممارسة الآثار الأدبية، وبالتالى فالنقد الأدبى ليس علمًا- كما رأى-، ولا يمكن أن يكون علمًا، ولكنه أردف قائلًا: «وإن وجب أن نأخذ فيه بروح العلم».

وإذا كان الدكتور مندور قال بعدم علمية النقد، وإن كان العلم ليس بعيدًا، إلا أنه افترض بضعة خصائص لا بد أن تكون متوافرة فى الناقد، مثل الدربة والممارسة كما كان يقول ابن سلّام الجمحى الذى قال: «قال قائل لخلف: إذا سمعت أنا بالشعر واستحسنته فما أبالى ما قلت فيه أنت وأصحابك، فقال له: إذا أخذت أنت درهمًا فاستحسنته فقال لك الصرّاف إنه ردىء، هل ينفعك استحسانك له؟»، وكما فطن الجمحى إلى ضرورة الدربة والممارسة عند الناقد، فطن أيضًا- كما يقول مندور- إلى أهمية تحقيق صحة النصوص وصحة نسبتها، أما بالنسبة لدور للتأريخ الأدبى فهو علم محض، ولكنه ينبنى بشكل كبير على النقد الأدبى، ولا بد أن يكون هناك- فى التاريخ- كتابات نقدية، ليتخذ منها المؤرخون مادة لرصد وتحليل وقراءة وتأويل كل النصوص الأدبية التى مرّت فى الحقب الزمنية المطروحة للدرس النقدى والتأريخى، واعتبر أن التأريخ الأدبى لا بد أن يتخذ منهجية علمية تحدد خطواته.
هذا مقتطف من أسئلة دكتور مندور التى استفاض فيها وأعاد، وشرح شروطها بإسهاب يتسم بالدقة والتحديد والصرامة، ولكن ما نخلص إليه هنا، هو، لا بد أن يتأكد الباحث والمؤرخ من صحة المادة النقدية التى تنبنى عليها عملية التأريخ عمومًا، والتأريخ الأدبى خصوصًا، ودراسة العناصر المحيطة بالظروف والملابسات التاريخية التى أحاطت بالكاتب، أو الظاهرة المدروسة، كذلك عمليات البحث فى الهامش والمستبعد والمهجور والمغضوب عليهم، وعندنا نماذج كثيرة يضجّ بها تاريخنا الأدبى والفكرى والثقافى.

وقد يحلو لجمهرة القرّاء والباحثين والمؤرخين أن يختصروا الكاتب أو المبدع فى كتاب أو قصيدة أو ديوان أو رواية، وهكذا تضيع غالبية جهود الكاتب على مدى عمره تمامًا، وعلى سبيل المثال، الكاتب إسماعيل أحمد أدهم الذى قيل إنه انتحر عام ١٩٤٠، واعتبر كثيرون أن ذلك الحدث حقيقة لا تحتاج إلى بحث أو تأكيد، لأن أحدًا لم يمعن النظر فى صدقية أو وهمية أو تأليف خبر ذلك الانتحار المزعوم، ولكن الأهم من ذلك هو اختصار هذا الكاتب والمفكر والناقد الشاب- الذى قلب الدنيا ولم يقعدها- فى مقاليه الشهيرين: «لماذا أنا ملحد؟»، وقد أثار هذان المقالان جدلًا واسعًا آنذاك، وتم الردّ على الكاتب من أقلام عديدة، وأشهر الردود كانت للكاتب والمفكر الإسلامى محمد فريد وجدى، والذى كتب سلسلة مقالات تحت عنوان: «لماذا هو ملحد؟»، وراح يفنّد ما كتبه أدهم بشكل موضوعى، وجدير بالذكر أن أدهم كان يشرح فى مقاليه تلك الأسباب الصعبة التى أدّت به إلى الإلحاد، ولكن ما شاع غير ذلك، وقيل إنه يدعو للإلحاد، وكان إسماعيل أدهم قد رحل قبل أن يكمل عامه الثلاثين، وفى رحلته الفكرية القصيرة، استطاع أن ينتج إبداعًا فكريًا يفوق كثيرين قد طالت بهم الأعمار إلى ضعف عمره وأكثر، وكان قد كتب عام ١٩٣٨ أول كتاب عن توفيق الحكيم، وكتب سلسلة أبحاث موسعة عن شعراء معاصرين له، مثل أحمد شوقى وحافظ إبراهيم وجميل صدقى الزهاوى وغيرهم، كما أفرد مناقشات موسعة عن طه حسين والعقاد وأحمد لطفى السيد، تلك البحوث التى أعدّها- مشكورًا- وجمعها ونشرها الدكتور أحمد إبراهيم الهوارى، ونشرتها دار المعارف المصرية فى أواخر عقد الثمانينيات فى القرن الماضى.
ومن المهم أن نلفت النظر إلى أن شائعة الإلحاد والكفر والتجديف التى لحقت بكتّاب ومبدعين كثيرين، قد تركت لدى العديد من النقاد والباحثين والمتابعين قدرًا من النفور، فضاع من ضاع، واختفى من اختفى، دون أن يشعر باحث واحد بتأنيب الضمير، لسبب أساسى، فهم لا يملكون أى معلومات عن هؤلاء، كذلك فنحن لدينا بالفعل مؤسسات ثقافية ضخمة، ذات دولاب وظيفى ضخم، ولكنها فقيرة إلى حد كبير فى الإنتاج والمعرفة، وإهمال الجاد واللافت، ولدينا- على سبيل المثال- دار الكتب، والمفترض أنها هى الجهة المسئولة عن جمع التراث الضائع أو المهدور، لأن ذلك التراث هو الطريق الأقصر لمعرفة هويتنا وشخصيتنا القومية، ولكن هذه الدار لم يملك رؤساؤها المتعاقبون ذلك الحماس الوطنى والثقافى والفكرى الذى يجعل من تلك الدار مؤسسة قومية- بالفعل- تحيط بكل مجهول وغامض وتائه فى تراثنا الثقافى والفكرى والإبداعى، ولى تجارب مريرة فى التعامل مع تلك المؤسسة.

مثلًا، عندما علمت بأن المناضل المغتال شهدى عطية الشافعى فى ١٥ يونيو ١٩٦٠، له رواية نشرت فى جريدة المساء عام ١٩٥٦، توجهت إلى دار الكتب للبحث عن تلك الرواية الضائعة، وقوبلت بإجابة متكررة وهى الحلّ السحرى الذى يهرب به الموظف المسئول من أى مسئولية: «إن الجريدة فى الترميم»، ولم يكن أمامى سوى الذهاب إلى أرشيف الجريدة فى شارع رمسيس بمساعدة الصديق والشاعر الكبير يسرى حسان، وهناك قابلنى بالأستاذ مؤمن الهباء الذى كان رئيسًا لمركز المعلومات هناك، ووجدت رواية «حارة أم الحسينى»، تلك الرواية المهمة جدًا بالنسبة لشهدى عطية نفسه، كما أنها مهمة لتاريخ اليسار المصرى، وكذلك لتاريخ الرواية المصرية، فهذه الرواية تكشف عن موهبة أدبية حقيقية ضاعت فى أضابير السياسة، والمثير فى الأمر أن جريدة المساء نشرتها فى خمس حلقات دون ذكر لاسم شهدى عطية، وآثرت الجريدة أن تقول إن كاتب الرواية أراد هذا الأمر، أى أن تنشر الرواية دون اسمه، ولكن الحقيقة غير ذلك، فقد كان اسم شهدى ممنوعًا من النشر فى ذلك الوقت، فكان يتحايل على النشر بهذا الإنكار الغريب على النصوص الأدبية، واكتشفت فى ذلك السياق أن فى تلك الفترة نفسها كانت هناك دراسات تاريخية وأدبية تنشر له فى جريدة المساء باسم «أحمد نصر»، وعندما سألت الصديق العزيز الراحل صنع الله إبراهيم عن ذلك الاسم، أبلغنى بأنه هو نفسه شهدى عطية، كما أكد لى ذلك دكتور رفعت السعيد، ودكتور فخرى لبيب.
هذه حكاية ليست نادرة، ورغم غرائبيتها، إلا أنها متكررة فى الحياة الأدبية المصرية، وهى غيض من فيض، فالناقد الدكتور على الراعى كان يكتب مقالاته فى مجلة «الفجر الجديد» التى كانت تصدر فى الأربعينيات باسم «على الكاتب»، وكان معه مجموعة من الكتّاب الطليعيين يكتبون بأسماء مستعارة مثل نعمان عاشور، وأنور عبدالملك، وأحمد رشدى صالح، ولطيفة الزيات وغيرهم.

وهناك كتّاب ومبدعون كثيرون أهلكهم العمل السياسى والصحفى، ولم تنتبه لهم الأقلام النقدية التى تنشغل عادة بما هو فوق السطح، أو ما يلمع ويروج له، وهذه السمة ما زالت تعمل حتى الآن، فمن يقدر على ترويج إبداعه وتسويقه، تكون دوائر الاهتمام به أكثر حضورًا، والأمثلة كثيرة قديمًا وحديثًا، وهناك كتّاب لم ينالوا- على مدى الحركة الأدبية- أدنى اهتمام، وهذا لأن هؤلاء الكتّاب جاءوا من مجالات أخرى غير المجال الثقافى، فمثلًا الكاتب والمؤرخ أمين عزالدين الذى أفنى قسمًا مهمًا من حياته فى التأريخ للحركة العمالية، وعمل على تقديم جهود مفيدة بشكل كبير فى هذا المجال، وربما كتب على مدى حياته عن شخصيات أدبية وفنية كثيرة، وضمها ونشرها فى كتاب تحت عنوان «شخصيات عمالية»، وكان على رأس هؤلاء الفنان خالد الذكر سيد درويش، ولكن أمين عزالدين فاجأنا قبل رحيله مباشرة برواية فائقة الجمال والروعة، وسوف نتعرض لها بالتفصيل لاحقًا، وهى رواية «الفيلق»، وقدّم لها الناقد والمبدع الدكتور أحمد الخميسى بمقدمة نقدية وافية، ونشرت الرواية فى مركز الفسطاط، الذى يديره الباحث والأديب عمرو كمال حمودة.
وينتمى إلى هذه الفئة المهجورة والمستبعدة بدرجات مختلفة كتّاب كثيرون، مثل الكاتب العمالى فكرى الخولى، والذى كتب روايته الوحيدة، ونشرها فى ثلاثة أجزاء، وقدّم لها الكاتب الصحفى والأديب صلاح حافظ، والرواية هى «الرحلة»، تتعرض لتأريخ صناعة النسيج فى مصر، وتعتبر هذه الرواية بمثابة التاريخ الأدبى لتطور تلك الصناعة فى مصر، وفيها يسرد بشكل ممتع الظروف والملابسات التى مرّت بها مصر على مدى القرن الماضى، ولا أعتقد أن ناقدًا من أساتذتنا الكبار المشغولين بالحركة الروائية فى مصر، قد انشغلوا بهذه الرواية أو تلك إلا القليل منهم مثل الناقد إبراهيم فتحى، والدكتورة لطيفة الزيات، رغم أن تلك الروايات تنطوى على قدر من الإمتاع لا يقلّ عما نجده فى الروايات الأخرى.
وهذا ليس رجمًا للنقاد المعاصرين، ولا تقليلًا من شأن جهودهم فى البحث والتنقيب والتحليل لأعمال إبداعية سابقة أو حاضرة، وأعرف أن المناخ الثقافى فى مصر، محاط بدرجات كبيرة من التشويش، وهذا لاختلاط عملية النقد الأدبى والفنى بمسارات أخرى سياسية ودينية وأخلاقية وفكرية، وما زلنا حتى الآن نحاكم كتّابًا ومبدعين لأنهم خرجوا عن عباءة الإجماع الدينى أو الأخلاقى، مثلما حدث للكاتب الشاب أحمد ناجى الذى حُوكم وحُكم عليه بالسجن من أجل رواية متخيلة، ومثلما حدث سابقًا مع الكاتب علاء حامد أو صلاح الدين محسن أو الشاعر حلمى سالم فى قصيدته «شُرفة ليلى مراد»، وسبقه فى ذلك الشاعر عبدالمنعم رمضان فى قصيدته «الوشم الباقى»، والتى نشرتها له مجلة إبداع، وأبلغ عنها- آنذاك- الكاتب ثروت أباظة، وكتب مقالًا عنها فى الأهرام، ومثلما حدث مع الكاتب «سمير غريب على»، والذى نشر رواية «الصقار» فى الهيئة المصرية العامة للكتاب، وبعدها انبرى الكاتب فهمى هويدى فى مقال بجريدة الأهرام لتسفيه وتكفير الرواية وكاتبها، وبعدها قامت ضجة كبرى حول الكاتب وروايته، فيغادر طالبًا اللجوء إلى فرنسا ولا يعود، وبعده فعل الأمر ذاته صلاح الدين محسن الذى حُوكم وسُجن، وبعد خروجه طلب اللجوء إلى كندا، وغادر بالفعل ليعيش هناك منفيًا من بلاده، وجدير بالذكر أن علاء حامد حصل على جائزة مؤسسة ثقافية أمريكية لأن الأجهزة المصرية- حسب تقرير المؤسسة- اضطهدت هذا الكاتب، وهكذا يتحول النص الأدبى إلى قضية دينية أو سياسية أو أخلاقية، وارتفعت هذه الوتيرة عندما أشعل الرجعيون المتسترون بتأويلات منحرفة ومغرضة ومتطرفة للنصوص الدينية، الحرب ضد الإبداع والمبدعين، وذلك فى أشهر واقعة أدبية عام ٢٠٠٠، أقصد ما حدث لرواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السورى حيدر حيدر، وخرجت المظاهرات من جامعة الأزهر للتنديد بالكاتب وبالرواية وناشرها «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، ورئيس التحرير الذى أجاز نشر الرواية الراحل إبراهيم أصلان، وفى ذلك الوقت اتخذت الدولة ووزير ثقافتها فاروق حسنى موقفًا إيجابيًا، ولكنها بعد شهور وقفت موقفًا عكسيًا تمامًا تجاه ما حدث إزاء روايات «أحلام محرمة» لمحمود حامد و«أبناء الخطأ الرومانسى» لياسر شعبان، و«قبل وبعد» لتوفيق عبدالرحمن، كانت الدولة قد تعلمت الدرس سريعًا، وأخذت خطوة للخلف لعدم إشعال الأجواء، واحتواء الأزمة، وأيقنت أن الرجعيين المتأسلمين أصبحوا لاعبين أساسيين فى الحلبة ولعبة التوازنات السياسية، فبدأت تضعهم فى الحسبان، وأخشى أن يكون ذلك ما زال قائمًا، رغم أن الأحداث السياسية أخرجت هؤلاء الرجعيين من اللعبة السياسية المعلنة الواضحة تمامًا، ولكنهم ما زالوا موجودين وفاعلين فى دولاب الدولة القضائى والسياسى الداخلى، والقصص فى هذا الأمر تطول، ويطول شرحها، ولكننى أؤكد أن هذا المنحى يعمل دائمًا على استبعاد الأعمال الأدبية الجيدة والجادة، وبالتالى يتم إعدام الكاتب وكتابه.
وهنا لا بد أن أذكر قصة قصيرة جدًا، ولكنها دالة على ذلك الإعدام التعسفى والظالم لمواهب إبداعية كثيرة، والتى وصل الأمر فيها إلى أن الكاتب هو الذى يحكم على نفسه بالإعدام الأبدى أو المؤقت، ففى عام ٢٠٠٥ أهدتنى صديقة فاضلة مجموعتها القصصية الأولى، ولم يكن لدىّ أى علم بأن هذه الصديقة تكتب إبداعًا، والمفاجأة أن المجموعة القصصية كانت جيدة بشكل كبير ولافت للنظر، وكان من الممكن أن تضع الكاتبة فى صف كاتبات لهن شأن أدبى كبير، ولكن كانت بعض القصص فى تلك المجموعة تنطوى على بعض الإيحاءات التى يمكن فهمها على نحو دينى أو أخلاقى مثير لتلك الجماعات الرجعية، وهذا ما دفع الكاتبة إلى أن تتصل بى، وبالبعض القليل الذين حصلوا على المجموعة، كى تسترد من كل واحد منهم كتابها، وعندما سألتها بشكل واضح: «لماذا؟»، أفضت لى بأن هناك من نصحوها بإعدام الكتاب على الإطلاق، وبالرغم من أن صديقتى لم تصرّ على استرداد الكتاب، إلا أنها أخذت منى وعدًا ومن الآخرين بأن ينسوا الكتاب والموضوع تمامًا، وبالتالى لم يصدر خبر واحد عن الكتاب القصصى الفارق فى ذلك الوقت، وكذلك لم أعرف أن صديقتنا شرعت فى نشر أى نصوص أدبية أخرى حتى الآن، رغم أن من يقرأ ذلك الكتاب المعدوم، ستتكون لديه رؤية بمستقبل إبداعى ذى قيمة لصاحبة الكتاب، ويمنعنى بالطبع الالتزام الأخلاقى مع الصديقة لذكر اسمها.
لا أريد أن أفرط فى سرد الحكايات، وكذلك هناك- على المستوى الأخلاقى- ما يقيّد قلمى ويحبسه فى بعض ما هو متاح، ولكنه بعيد عن البحث والذاكرة الأدبية، وهناك من النقاد من يسهمون بدرجات وعى مختلفة فى تسويق وترويج أعمال أدبية ذات شأن قليل القيمة، ومن الممكن أن يحدث ذلك عبر المجاملات والإنسانيات والصداقات، وهنا لا يفلت كبير أو صغير من تلك المجاملات، حتى طه حسين نفسه لم يفلت من تلك المجاملات التى كان يزينها بجميل القول، وقد كتب تقريظات عديدة لشعراء من طراز الأمير عبدالله الفيصل فى ديوانه «وحى الحرمان»، ومن طراز ثروت أباظة، وفى الوقت نفسه كان يسوط كتّابًا ونقادًا من طراز يوسف إدريس، وعبدالرحمن الشرقاوى، ومحمود أمين العالم، وعبدالعظيم أنيس، ومن الممكن أن تنطلق تلك الكتابات من قناعات راسخة لدى قامة كبيرة مثل طه حسين، ولكنها بالتأكيد ستكون فضيحة عندما يصل الأمر للكتابة عن إبداع معمر القذافى، وصدام حسين من الحكّام، وكما شابههما من الأمراء والمديرين ذوى الشأن المالى والوظيفى المرموق مثل الشميرى، وباشراحيل وأمثالهم.
ومن الطبيعى أن يكون التاريخ ذا عينين ثاقبتين وحادتى النظر، ولكنهما ليستا صائبتين تمامًا، فما زالت لدينا مجهولات ومعميات مدفونة فى أضابير المكتبات والصحف والمجلات، وعمليات البحث الشاقة التى يقوم بها أفراد «عزّل» إلا من عون الله وصحتهم وإبداعهم، وقليل من أموالهم التى تنفق على عملية جمع ذلك التراث، دون مؤسسات تنتبه للقديم المستبعد، أو الجديد المستهجن، أو الجميل المستقبح، أو الشريد المطارد، تلك المؤسسات المتحفية، والتى تعمل وفق عقل الموظف السياسى والدينى والأخلاقى والقانونى، متى تستيقظ بأهمية وجودها، ومتى يعرف المسئولون عن تلك المؤسسات أنهم لن يضيفوا سوى الرمال السوداء على تاريخنا المهمل؟، أظن أن المهمة ثقيلة وصعبة، ولكنها جليلة، والله وحده هو المعين، وبعض ما أملك من تراث، وفى الحلقات المقبلة سأحاول أن أكون عادلًا وقادرًا على تنحية ما هو أيديولوجى محض فى سبيل الكشف عن أحياء فى التاريخ، وقد أغفلهم التأريخ الأدبى والنقدى والفكرى والثقافى.







