الثلاثاء 25 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

التقوى والغواية.. شمس البارودى تشرق من جديد

حرف

- لماذا تضطر سيدة فى السبعين من عمرها لمواجهة شلالات الكراهية لمجرد زيارة قبر زوجها بكامل أناقتها؟

- الحاجة شمس تحاول تضميد جراحها ذاتيًا بالرجوع إلى ذكرياتها الحلوة مع حبيبها.. ما الجريمة فى ذلك؟

- حوار قديم لـ«الكواكب» يكشف نهم الفنانة الشابة بالقراءة المتعمقة للعقاد وسارتر ودوستويفسكى

- صالون عبدالحليم حافظ كان منفذ الضوء الأول للفتى الشقى حسن يوسف إلى عالم الثقافة والفكر

- ما جمع بين حسن وشمس كان أكبر من كونه «قصة حب».. والتعريف الأنسب أنها قصة حياة مضبوطة المقادير

- فشل تجربة الزواج الأولى لكل منهما كانت بمثابة عملية تجهيز مبكر لرباطهما الأبدى

- غلبت نبرة الأمومة على حوارات شمس الأخيرة قبل الاعتزال

- حرص الاثنان على الجهر بمشاعر الحب.. والتقدير كان كلمة السر فى جودة الحياة بينهما

ماذا يضيرك سيدى المراقب الكريم مالك صكوك الجنة والنار فى منشورات سيدة تخطت السبعين من عمرها وواجهت فى آخر السنوات اختبارين غاية فى القسوة، برحيل أقرب الناس؟

السيدة المقصودة اسمها «شمس الملوك جميل عزت البارودى، التى صارت منذ عقود تشتهر باسم «الحاجة شمس» بعد أن كان اسمها يُكتب بخط عريض على أفيشات السبعينيات الجريئة مختصرًا إلى «شمس البارودى».

تلك السيدة المهندمة المهذبة تواجه هذه الأيام حالة هجوم غريبة ومزايدة لا محل لها ولا إعراب، عبر تعليقات ثقيلة الظل على منشوراتها، فهذا يطعنها فى دينها ويتزيد على مسلكها الذى سلكته بعد سنوات من اعتزالها الفن أوائل الثمانينيات ويطالب برجوعها عنوة لأول عهدها وراء أسوار الوحدة انتظارًا للموت، «موتى وإنتى ساكتة»، وتلك تمصمص شفاهها وتعلق على ظهورها المتكرر بأن «عيارها فلت.. هو فيه أرملة حزينة تزور قبر جوزها على سنجة عشرة كده»، وثالث يدّعى الحكمة ويتصنع الحسرة على ما كان، قائلًا: «يا خسارة يا حجة».. ثم يذيل تعليقه بإيموجى باك إمعانًا فى «تقطيم» شمس التى «خلعت لباس التقوى وحنّت لغواية الماضى».

والجمل التى وضعتها بين الأقواس هى تعليقات حقيقية بالنص لبشر مثلنا منقولة من أسفل صورة نشرتها شمس مؤخرًا من زيارة المقابر.

الآن أتأمل بكثير من الدهشة والامتعاض مثل هذه التعليقات التى يتصنع أصحابها الحكمة وهم يلومون على سيدة لم تفعل شيئًا غير محاولة التشافى بالذكريات الحلوة، وجبر كسورها الداخلية ذاتيًا عبر تذكر حبيبها الغائب حسن يوسف.

فى رأيى أن العلاقة بين شمس وحسن أكبر وأعمق من وصفها بـ«قصة حب»، بل هى قصة حياة مثالية نضجت على نار شديدة الهدوء والتروى، بمقادير غاية فى الدقة والإتقان، لذلك كانت تفاصيل الأيام الأخيرة لحسن فى الدنيا بمثابة مشهد النهاية المنطقى لتلك العلاقة الجميلة.. مشهد مفعم بالشجن، ومحاط بالرضا والسكينة لآخر نفس، فقد مات حسن يوسف كما أراد هو وكما أرادت شمس، بعد أن قررت الأخيرة ألا تسمح بتركه يواجه لحظاته الأخيرة مكبلًا بأسلاك وخراطيم غرفة باردة قاتمة فى أى مستشفى، وأصرت بمنتهى الثبات أن يموت على سريره بعد أن حولت الحجرة التى ضمتهما عقودًا طويلة إلى حجرة مجهزة طبيًا على أعلى مستوى.

لحظة النهاية تلك تقودنا إلى لحظتين فارقتين فى حياة شمس وحسن، نبدأ باللحظة الأبعد التى شكلت عمود الخيمة لحياة مثالية مضبوطة المقادير، واللحظة التى أقصدها هى تلك التى اتخذت فيها شمس البارودى قرارها بالتخلى عن الأضواء الباهرة- ولسنا بصدد أى تقييم للقرار- وعلى ما يبدو أن شمس قررت فى اللحظة ذاتها حفر مسار آخر موازٍ أو قُل مقترن بقرار الانزواء، وهو مسار البناء، بناء أسرة متينة الأساس، فقد سخّرت النجمة السابقة حياتها لتكوين منظومة عائلية اسمها «بيت حسن يوسف»، بيت متماسك عصى على الهدم، واختارت «شمس» بكامل إرادتها التماهى داخل شخصية «حسن» خلال سنوات الانزواء الكامل خلف النقاب، أو حتى عندما خلعته واكتفت بالخمار، ظلت ترسخ لهذا التماهى الإنسانى مع رفيق العمر والحبيب الأوحد، وظل الرجل حتى الآن محور أحاديثها وحكاياتها بين الأصدقاء، وعندما اتسعت دائرتها الاجتماعية بعد ظهورها الإعلامى المتكرر عبر بعض المداخلات التليفزيونية أو عبر صفحتها على الفيسبوك، ظل أيضًا هو بطل الحدوتة ومبدأ الحديث ومنتهاه، راجع مداخلاتها التليفزيونية فى السنوات الأخيرة فستعرف ما أعنيه، فالسيدة شمس الملوك لا تتحدث عن نفسها حتى وإن حاولت مذيعة زحزحتها تجاه أيام نجوميتها الأولى، أدارت «الحجة» الدفة بلطف خفى تجاه مملكتها وإنجازها الأكبر المتمحور حول «بيت حسن».. فتجد الكلام عن الأكل والمطبخ والأبناء وزوجة الابن وكل التفاصيل المغموسة بدفء البيوت المصرية العادية.

ظلت شمس الملوك فى صورتها الجديدة بعد الاعتزال، ترقب شجرتها الأسرية التى سقتها بأيام عمرها كله وهى تنمو وتترعرع، فى شكل 4 أبناء، وتراقب أيضًا مزهوة نجاحات حسن التليفزيونية بعد أن توارت صورة الولد الشقى خلف خطوط الزمن، وغيّر «أبوعلى» بوصلته صوب الجهاز الذى يدخل كل بيت، وصارت طلته عبر الشاشة الصغيرة مميزة ولها مذاقها الهادئ تنساب إلى روح المتلقى بسلاسة مدهشة، خاصة فى المسلسلات الأيقونية التى حققت جماهيرية واسعة مثل «زينب والعرش» ثم ملحمة «ليالى الحلمية» ودوره الخالد «توفيق البدرى»، حتى عندما ركز حسن على الدراما الدينية كانت شمس وراء الكاميرا تنظر بفخر إلى زوجها وحبيبها متلبسًا شخصيات الإمام النسائى والإمام المراغى والإمام ابن ماجه، وحتى الشعراوى الرجل الذى كان سببًا رئيسًا لكثير من تحولات الاثنين، وعلى عهدة حسن نفسه فقد كانت شمس محركًا رئيسيًا فى أدائه لتلك الأدوار، حيث مثلت المستشار الأمين المثقف القارئ المتبحر فى قراءاته، ودائمًا ما كانت آراؤها وأفكارها وثقافتها تثقل العمل وتزيده غنى فنى ومعرفى.

ولأن الدنيا غادرة لعوب مهما أظهرت محاسنها، فكان لا بد لها من وجه قبيح قاسٍ يتخفى خلف الأيام، ظهر هذا الوجه فى لحظة صعبة أقسى من تصور شمس بعد أن فقدت «عبدالله» ابنها الأقرب فى مياه البحر الذى طالما استوعب لعبه ولهوه طفلًا، لكنه غدر به شابًا يافعًا، فى أحد أيام صيف ٢٠٢٣ وسلبه حياته غير عابئ بقلب أم ثكلى وأب يقاوم أمراض شيخوخته بجسد أوهن وأضعف من تحمل تلك الضربة أكثر من شهور معدودة.. حيث سلم حسن رايته فى العام التالى ٢٠٢٤، لتفقد شمس فى شهورٍ معدودات خير زادها فى الدنيا، الابن الأصغر والحبيب الأكبر. 

منذ أن أودعت شمس رفيق عمرها فى قبره، قررت أن تواجه الانكسارة الكبرى بالذكرى الحلوة، وهو سلوك دفاعى مدهش لمن يقدر عليه، لذلك حوّلت الحاجة شمس صفحتها الشخصية على «فيسبوك» إلى نافذة جميلة للتشافى وجبر الكسور، عبر منشورات بليغة تفصح عن موهبة كامنة فى الكتابة لم تستغلها شمس للأسف، والحق أن منشوراتها المقروءة والمرئية لم تحمل أى شطط يستدعى هجوم جيوش المزايدين وحاملى لواء «التقطيم» القومى.. فقط تشارك الناس ذكرياتها الحلوة مع رفيق العمر الغائب علها تستأنس بكلمة طيبة هنا أو هناك تلطف جراح الفقد الغائرة العميقة. 

وها نحن ذا نشارك «شمس الملوك» تقليبها فى أوراقها القديمة، مدفوعين بإعجاب كبير بقدرتها على نسج الصبر من خيوط الذكريات.

استمرى يا حاجة شمس فى الإشراق.. ونحن معك إن أردتى.

«أقرأ كثيرًا للعقاد وسارتر ودوستويفسكى.. وهوايتى قراءة كتب علم النفس لأننى أهوى تحليل الشخصيات، إذا التقيت بإنسان أحلل شخصيته فلا يمكن أن يخدعنى».

تخيل أن هذا الكلام كان على لسان الممثلة الشابة شمس البارودى فى حوارها مع عائشة صالح فى «الكواكب» ٢٣ سبتمبر ١٩٦٩. شمس حينها كانت فى عز صولجانها وجرأتها الفنية التى كانت بلا حدود، لكن مع ذلك كشف حوارها مع عائشة عن وجه مختلف ومختفٍ، ولا بد أن نسجل هنا أن الصحفية الشابة حينها عائشة صالح كانت وظلت طوال حياتها الصحفية تؤسس أسلوبًا فريدًا فى الحوار الصحفى أعطى دائمًا قيمة مضافة لكل حوار أجرته مع أى نجم، لذلك فى حوارها مع الممثلة الشابة الجريئة شمس البارودى استطاعت عائشة أن تكشف مبكرًا عن جانب مثقف مطلع لم يكن باديًا خلف هذا الوجه الجرىء، ولا حتى متماشيًا مع صورة شمس نفسها المرافقة للحوار، والتى لا توحى أبدًا بأن صاحبته تقرأ روايات رومانسية للجيب حتى.

إذن فإن سنوات شمس الأولى فى السينما حتى قبل أن تقابل قدرها «حسن يوسف»، لم تكن سنوات جوفاء فكريًا كما أوحى المشهد العام لحياتها، بل إنها كانت حريصة على التزود ثقافيًا ومعرفيًا دون الاكتفاء بأضواء النجومية المبهرة، وتبذل مجهودًا فى ذلك كما قالت لعائشة فى نفس الحوار بالنص: 

قرأت أخيرًا كتاب سارتر «الأدب الملتزم»، وقرأت كتاب العقاد «أنا».. عمومًا أجد مشقة فى القراءة.. أقرأ الكتاب أكثر من مرة، فى المرة الأولى أخذ منه فكرته الأساسية، وفى المرتين الثانية والثالثة أتعمق فى دراسته.

إذن فهى تعترف بأن الكتب التى تقرأها كانت ثقيلة على بنت فى بداية العشرينيات، ومع ذلك كانت تقرأ الكتاب أكثر من مرة حتى تحصل على ما فيه من معارف جديدة عليها بطبيعة الحال.

فى المسار الموازى كان حسن يوسف الممثل الشاب تنحصر أدواره فى الأغلب الأعم فى صورة الولد الشقى رمزًا لجيل جديد اتهم بالانعزال الثقافى والضحالة الفكرية حينها، وحتى صورته الحياتية والزوجية كانت تصب فى نفس القالب الذى وضعته فيها أدواره السينمائية، وهى الصورة التى رسختها الصحافة بتغطية رحلاته ومغامراته.

القصد أن صورة حسن لم تكن تختلف عن صورة شمس المأخوذة ظاهريًا عن كل منهما، فمن غير المتصور أن يكون هذا الفنان الشاب مثقفًا أو أن يجد وقتًا بين مغامراته التى لا تنتهى كى يمسك كتابًا يقرأه، لكن هل كان حسن على هذه الصورة فعلًا؟.

الواقع يقول لا، وهنا نعود إلى لحظة تنويرية هامة فى حياة حسن كما حكى هو بنفسه.. وهى لحظة أن وضع القدر عبدالحليم حافظ فى طريقه، وهى لحظة مبكرة جدًا فى حياة الفنان الشاب عبر فيلم «الخطايا»، لأن الأمر كان أبعد من فكرة المشاركة فى الفيلم.. بل فتحت أمام عينيه عالمًا آخر لم يعتد عليه.

القصة كما يحكيها حسن بنفسه، أن عبدالحليم عندما اختاره ليمثل دور أخيه فى فيلم الخطايا الذى كان تنتجه شركته مع عبدالوهاب، فقد لاحظ حليم أن الممثل الشاب يشعر بالرهبة من خلال حديثه معه عبر الهاتف أثناء الاتفاق ويناديه بالأستاذ عبدالحليم- لاحظ أن الفيلم كان سنة ١٩٦٢ والظهور الأول لحسن قبلها بأربع سنوات فقط- أى أنه يعتبر فنانًا ناشئًا بالمقارنة بعبدالحليم حافظ الذى كان قد استقر على قمة الغناء الرجالى منفردًا حينها، فما كان من عبدالحليم، حاد الذكاء، إلا أن طلب منه أن ينتقل للإقامة معه فى بيته حتى ميعاد تصوير الفيلم كى يتأقلم على التعامل معه كأخيه الأصغر فعلًا، وبالفعل عاش حسن فى بيت عبدالحليم أيامًا غيّرت كثيرًا من إدراك حسن للأشياء، فقد كان بيت العندليب ملتقى ثقافيًا حقيقيًا بجانب الملتقى الفنى، داخل صالون البيت جلس وتسامر مع مصطفى أمين وكامل الشناوى وموسى صبرى ومأمون الشناوى، حيث كان عبدالحليم بذكائه الفطرى يحب أن يجلس فى حضرة هؤلاء، وطبقًا لمشاهدات حسن يوسف خلال هذه الفترة القصيرة كان حليم يحرص على أن يكون مستمعًا جيدًا أكثر من متكلم عندما يكون الحديث فكريًا أو ثقافيًا على لسان كبار الصحفيين والمفكرين والشعراء أصدقائه.

إذن فقد صار حسن يوسف صديقًا للمثقفين وصارت القراءة شيئًا أساسيًا فى حياته ليكشف عن وجه آخر غير وجه الفتى الشقى الذى تقمصه فى معظم أدواره لفترة طويلة، وانطبع على شخصيته فى ذهن الناس أيضًا. 

النقطة التى التقيا عندها حسن وشمس لم يكن الوصول إليها يسيرًا، فقد خاض كل منهما تجربة زواج فاشلة، قبل أن يصل لشريكه، وكل تجربة من الاثنين كانت محط أنظار الصحافة الفنية ومصدرًا هامًا للنميمة المحببة للقراء، فقد تزوجت شمس من الأمير خالد آل سعود زيجة قصيرة جدًا تتبعتها الصحافة الفنية القاهرية والبيروتية، من الألف إلى الياء حتى إن مجلة الكواكب اتخذت صورة شمس غلافًا لأحد أعداد عام ١٩٦٩، وأفردت فى نفس العدد تغطية كاملة على ٤ صفحات لقصة الزواج التى كانت حديث الوسط الفنى حينها، والسبب لم يكن شمس وحدها، بل كان الأمير السعودى صاحب تاريخ مع صحافة الإثارة والصحافة الفنية حينها لمغامراته النسائية الكثيرة، وجاء عنوان الغلاف معبرًا عن ذلك «شمس البارودى.. الزوجة الخامسة للأمير خالد سعود».

أما حسن يوسف فقد أفردت الصحافة الفنية له عشرات الصفحات لتغطية قصة زواجه مع الفنانة الشابة متعددة المواهب لبلبة منذ عقد القران يوم ٢٣ نوفمبر ١٩٦٣ وتوقيع العقد بمصلحة الشهر العقارى، لأن العروس أرمينية الجنسية حينها، كما ذكرت مجلة الليالى اللبنانية فى عدد ٩ ديسمبر ١٩٦٣، وظلت الصحافة الفنية تلاحق حسن ولبلبة فى كل خطواتهما وصارت زيجتهما من أشهر زيجات الوسط الفنى، الجاذبة للمقروئية العالية.. منذ شهر العسل وحتى طلاقهما وكواليسه التى كانت مباحة على كل الصفحات الفنية المتعطشة لمثل تلك الأخبار، وقد وقع الطلاق فى بداية السبعينيات بعد خلاف حاد أفردت له المجلات تغطية كبيرة حينها، ويتم تداوله حتى الآن وكان السبب اعتراض حسن على مشاهد لبلبة فى فيلم بنت بديعة، من إخراج حسن الإمام.. وتم الطلاق على أى حال، فى الوقت الذى انتهت سريعًا زيجة شمس القصيرة غير المتكافئة، وبدا وكأن الأقدار تجهزهما لبعضهما البعض ليحدث اللقاء الأول الذى جاءت كواليسه كثيرًا على لسان حسن يوسف فى لقاءاته التليفزيونية تحت بند التندر على الخناقة العاصفة التى بدآ بها تعارفهما.

أراد المنتجون استغلال نجاح الثنائى حسن يوسف وسعاد حسنى فى أكثر من فيلم منذ بداية الستينيات وعلى رأسها فيلم «للرجال فقط» وفيلم «الثلاثة يحبونها» وغيرهما، فكان فيلم «حكاية ٣ بنات» الذى قام على اسمهما وانضمت إليهما شمس البارودى لتصير اسمًا ثالثًا على الأفيش ببنط أصغر مع محمد رضا وعماد حمدى ويوسف فخر الدين وعادل إمام وغيرهم.. وفى هذا الفيلم كان بداية التعامل الفعلى بين حسن المتزوج حينها من لبلبة، وشمس التى لم تكن خاضت حينها تجربة زواجها القصير بعد، وفى كواليس الفيلم كان الصدام الأول بين بطل الفيلم وصاحبة الدور الثانى الذى عنّفها عندما تأخرت عن التصوير فى أحد الأيام، فما كان من شمس إلا أنها رفضت لهجته الحادة واعترضت بشكل عملى عليه، بأن قررت عدم استئناف التصوير لولا تدخل المخرج والمنتج اللذين أصلحا بين الاثنين حتى يتم استئناف التصوير، ومن حينها غلب الطابع المتوتر على علاقتهما ولم تتطور علاقة العمل إلى صداقة إنسانية.. ومرت السنوات التالية بزخمها وتجاربها على الاثنين، حتى جاء عام ١٩٧٢ بالمفتاح الذى سيفتتح به الثنائى حسن وشمس حياة ممتدة لعقود.

المفتاح ببساطة كان فيلمًا سورى الإنتاج، حيث كانت مصر ما زالت تعيش سنواتها الثقال بين النكسة والنصر وما تبع ذلك من تأثير سلبى على الإنتاج السينمائى المصرى لصالح الإنتاج الشامى الذى أضر صناعة السينما أكثر مما أفادها فى تلك الحقبة، عبر إنتاج أفلام قليلة الكلفة المادية والقيمة الفنية أيضًا، مع المغالاة فى العرى لتعويض هذا النقص الفنى، لكن الفيلم المقصود الذى جمع حسن مع رفيقة عمره شمس لم يكن من تلك النوعية وهو فيلم «رحلة حب»، الذى كانت كواليسه مهدًا لهذا الحب الذى سيستمر للنهاية، فالفيلم يصور فى سوريا الموطن الأصلى لجد شمس لأبيها وقابلت هناك أبناء عمومتها، وكانوا كرماء معها يحضرون التصوير لاصطحابها إلى الغداء فى بيوتهم، ليجد حسن فرصته بعد أن تحركت مشاعره تجاه شمس ورأى فيها مشروع زوجة وحبيبة له، فكان ينتهز الفرصة لفرض نفسه على لقاءات أقاربها السوريين وعزوماتهم حتى يتقرب أكثر منها.. ولم ينتظر حسن انتهاء التصوير والعودة للقاهرة حيث عقد العزم على الارتباط بشمس وفاتح أباها الذى حضر خصيصًا لدمشق، وتم إعلان خطبة حسن يوسف وشمس البارودى فى أول سنة ١٩٧٢، لتتلقف الصحافة الفنية فى مصر والشام الخبر وتطرب به فرحًا منتظرة الكواليس واللقاءات والخلافات وكل ما هو وقود لزيادة توزيع الجرائد والمجلات.. ويا حبذا لو وقع «الطلاق» فيزداد الأمر التهابًا، وهو ما حدث فعلًا بعد شهور قليلة عندما أعلن حسن عن طلاقه لشمس لعدم التفاهم، لكن الأمر لم يأخذ وقتًا طويلًا وأعلنت مجلة «الشبكة» فى عددها يوم ٢٦ مارس ١٩٧٣ عن عودة حسن لشمس، وحكت فى تحقيقها على لسان شمس كيف استطاع هو أن يذيب الجليد سريعًا معها ويعودان أفضل من الأول، وأما حسن فقد أغلق باب النميمة الصحفية عن طلاقهما القصير نهائيًا عبر برقية سريعة بعثها إلى مجلة الشبكة لأنها كانت الأكثر اهتمامًا بهما ونشرتها مع التحقيق فى نفس العدد، وجاء نص خبر البرقية كما نشرته المجلة: 

بعد كتابة هذا التحقيق، تلقى رئيس تحرير الشبكة من النجم حسن يوسف البرقية التالى نصها: «الخميس القادم بإذن الله سأعود إلى الإنسانة التى أحببتها وأخطأت فى حقها.. الإنسانة التى جعلتنى أكتشف نفسى بكل طاقاتها.. وسأندم على الأيام التى عشتها بعيدًا عنها.. وسأعود إلى شمس الملوك جميل البارودى.. تحياتى وخالص شكرى».

وهى برقية على قصرها تؤسس لدور شمس فى حياة حسن، وأثبتت الأيام والسنون التالية أن محتوى البرقية لم تكن فيها مبالغة فى الامتنان لزوجته مجاملة أمام الناس، لأن حسن فى واقع الأمر حمل عرفانًا كبيرًا لشمس عبّر عنه بكل الطرق الممكنة كما سنرى بعد قليل.

لكن المهم هنا أن تلك الزيجة صارت من أكثر زيجات الوسط تغطية فى الصحافة بعد ذلك، خاصة بعد أن عززها حسن بإعلان توقيع عقد احتكار فنى لزوجته بحيث لا تعمل غير معه كما نشرت المجلات حينها الخبر عبر تغطيات مطولة مثل عدد الشبكة ٢٣ يوليو ١٩٧٣، الذى جاء عنوانه «حسن يوسف بطل كل أفلام شمس البارودى». ثم أكدت نفس المعنى فى عدد ١ أبريل ١٩٧٤ تحت عنوان «حسن يوسف يختم شفتى شمس البارودى بالشمع الأحمر».

بدأت حياة حسن وشمس الزوجية ليتكشف أمام كل منهما ميزات الآخر، وهى للمفارقة نفس الميزات التى ظلت تتردد على لسان الاثنين طوال السنوات التالية، ونعود لنقرأ معًا فى نفس الحوار الصحفى الذى أجرته مجلة الشبكة عبر مكتبها فى القاهرة فى عدد أبريل ١٩٧٤.. لتتضح الصورة. 

بدأ حسن كلامه عن شمس بقوله: رأيت فيها أشياء جميلة كانت خفية زادتنى ارتباطًا بها وحبًا لها، قبل الزواج كنت أرى فيها شمس الجميلة، لكن بعد المعايشة الكاملة والزواج رأيت شمسًا أخرى، وهى الإنسانة طيبة القلب وإحساسها بالحياة وأفكارها ومنطقها وأسلوبها وطريقتها فى التفكير. 

أما شمس فقالت فى نفس الحوار: اكتشفت فى حسن مزايا كثيرة، فبجانب الحب وجدت الحنان وتحمل المسئولية.. صحيح أنى أهتم كثيرًا بمنزلى، إلا أننى وجدت فى حسن الرجل المسئول مسئولية كاملة عن أسرته، إنه رب أسرة ممتاز، وهناك شىء مهم جدًا فى شخصيته أنه إنسان مرح يشيع جوًا من المرح فى منزلنا.

وفى نفس الحوار يعلن حسن وشمس أول قرار فنى يرسخ لتلك الصورة المثالية، وهو قرار شمس بعدم العمل مع أحد آخر غير زوجها، حتى لا تضطر أن تصور مشاهد تضايقه على حد قولها، وأضافت: 

أنا مصرة على ألا يكون العمل إلا مع حسن، لأننى أيضًا لا أريد أن أبعثر نفسى فى أكثر من مكان، لأننى الآن ست بيت ولا بد أن ينجح هذا البيت.

إذن فقد أعلنت شمس منذ الأيام الأولى عن أنها تضع «البيت» أولوية فى حياتها، حتى وهى تقوم بأدوار بطولة أمام زوجها حسن يوسف بعد أن حولا ثنائيتهما إلى مشروع فنى تقوم عليه شركة أفلام حسن يوسف، لكن مساحة الفن عند شمس أخذت فى الانحسار رويدًا رويدًا لصالح البيت الذى بدأ يضم أرواحًا جديدة وهم أولادها.

وليس أدل على التغيير الجذرى الذى حدث لشمس من عنوان «الشبكة» بعد ذلك بثلاث سنوات فى عدد مايو ١٩٧٧، حيث كانت تحتفل المجلة بعيد الزواج الرابع للثنائى، وجاء العنوان معبرًا للغاية عما تسير إليه شمس وهذا نصه: 

شمس البارودى فى زواجها الرابع: كسبت الأمومة والاستقرار وخسرت عشرين فيلمًا.

وقال صحفى المجلة فى مقدمته الصحفية للحوار إن هناك حبًا من نوع آخر ولد فى قلب شمس وهو حب الأسرة والبيت، وهو الحب الذى صار عند شمس الزوجة والأم أكبر بكثير من حب الشهرة والأضواء والسينما.. وفى ردها على أسئلة الصحفى كانت نبرة الأم والزوجة هى الأعلى، على الرغم من أن مناسبة الحوار أصلًا كان نجاح فيلمها الجديد «كفانى يا قلب» وهو الفيلم الذى أنتجه وأخرجه لها زوجها وشارك فى بطولته، لكنها تقول مثلًا نصًا فى موضع آخر من الحوار:

الأضواء لم تعد تبهرنى.. الأهم منها الاستقرار وراحة البال، وابنتى ناريمان عندى بكنوز الدنيا، وفى المجموع كسبت أسرة صغيرة سعيدة ولا أقول إننى خسرت ٢٠ فيلمًا، لأن كفة المكسب أرجح من الخسارة، أصبح البيت مملكتى الصغيرة التى أحبها وأحافظ عليها، ولا أحب أن تفسد الأضواء حياتنا.

ويسألها الصحفى: ألا زلت تصرين على العمل مع زوجك حسن يوسف فقط؟

فتقول على الفور بحسم: 

«نعم، وهذا ليس تزمتًا، وإنما نوع من الحرص على بيتنا، وحسن زوج مثالى يعمل من أجل الأسرة ويفكر دائمًا فى الشىء الذى يريحنى ويسعدنى، فهو زوج غير أنانى بالمرة».

وحتى الصور التى نُشرت مصاحبة للحوار، كانت غير مألوفة لطبيعة المجلة المتحررة المائلة إلى الإثارة، حيث غلب عليها الدفء الأسرى أكثر من كونها صورة لفنانة بطلة فيلم جديد فى السبعينيات، ورافقها فى الصور حسن فى بيتهما يلعبان مع الابنة ناريمان طفلتهما الوحيدة حينذاك.

كل ذلك كان مؤشرًا للمحطة التى ستصل إليها شمس بعد قليل مع بداية الثمانينيات عندما قررت شمس أن تغلق بيدها صفحة الفن نهائيًا لتبدأ معها نسخة جديدة كليًا من فنانة السبعينيات الجريئة، وهى النسخة التى استمرت حتى الآن.. نسخة الحاجة شمس.

مع حلول العام الثانى من عقد الثمانينات الثرى فى تفاصيله والفارق فى تأثيره على المجتمع المصرى كله، كانت شمس البارودى أمام القرار الأصعب الذى وضعها أمام مفترق الطرق الأكثر انحدارًا فى مسيرة حياتها، إلا أنه بقليل من التأمل كان متوقعًا تمامًا، مثلما بدا من خلال حواراتها الأخيرة فى النصف الثانى من السبعينيات، كما قرأنا، فالقرار يبدو أنه كان كامنًا فى جانب خفى من عقلها الباطن ينتظر الإشارة للتفعيل، والإشارة جاءت مع تجربة فريدة وجديدة عليها، تجربة العمرة وزيارة بيت الله الحرام، وهى الزيارة التى لا تمل الحاجة شمس من تذكرها وسرد تفاصيلها الروحية، التى تحب أن تحكيها باستفاضة، من أول رؤية النبى عليه الصلاة والسلام، فى غفوتها داخل الروضة الشريفة وحتى انخراطها فى حالة بكاء وتأمل وذهول.. أفضى هذا كله إلى القرار النهائى بالاعتزال فور أن خطت بقدماها أرض الوطن.

اعتزال شمس أربك حسن فى بادئ الأمر على حد قوله، حيث كانا الثنائى قبل العمرة بأيام يشتريان من باريس أزياء الفيلم الجديد الذى كان سيخرجه وينتجه حسن يوسف بعد أن اشترى قصته من صديقه منذ صالون العندليب «موسى صبرى»، ويصف حسن يوسف إحساسه بالتضارب فما بين المنتج المعرض للخسارة المادية الكبيرة، نتيجة ما صرفه من تجهيز للبطلة، وبين الزوج الذى فرح لقرار زوجته ورآه أصوب للبيت ويصب فى صالح صغاره الذين توافدوا على حياته واحدًا تلو الأخر.

المهم قضى الأمر ودخلت شمس البارودى فى حالة من التحول الداخلى الصارم جدًا، والذى جعلها تتزعم ما اصطلح على تسميته صحفيًا حينها بـ«الفنانات التائبات»، وكانت هى الأبرز والأكثر شهرة قبل أن تدخل أسماء أخرى مثل شادية ومديحة كامل وهالة فؤاد وسهير البابلى وغيرهن.

وقد واجهت شمس فى بادئ الأمر موقفًا جر عليها عاصفة من الانتقادات، حيث نشرت إعلانًا مدفوعًا فى الصحف والجرائد تتبرأ فيه من أفلامها القديمة بعد أن لاحظت استغلال المنتجين قرارها المفاجئ الذى صار ترند الثمانينيات حينها وقاموا بإعادة عرض واستغلال كل أفلامها القديمة ذات الطابع الجرىء المتحرر مع إضافات بهارات على الإعلانات، من قبيل «انتظروا الفيلم الأكثر سخونة للفنانة المعتزلة شمس البارودى»، وما تيسر من عبارات إعلانية مبتذلة لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة من قرارها بالاعتزال والنقاب، وحينها رأت شمس أن إعلان التبرؤ هو الحل، فنزل الإعلان فى صحيفتى الأهرام والأخبار بالصيغة التالية: 

«مَن ضار مسلمًا ضاره الله، ومن شاق مسلمًا شاق الله عليه.. تعلن السيدة شمس البارودى أن الأفلام التى تُعرض لها حاليًا أو مستقبلًا كلها أفلام قديمة تم تصويرها منذ سنوات بعيدة، كما تعلن أنها اعتزلت الفن نهائيًا منذ شهر فبراير عام ١٩٨٢ بعد أدائها العمرة، وحسبى الله ونعم الوكيل»

وخفت الأضواء عن بيت شمس من ناحيتها، لكن ظلت من ناحية حسن بعد نجاحات أدواره التليفزيونية التى مالت بوصلته الفنية بعد ذلك تجاه الأدوار الدينية التى تتناول سير أعلام إسلامية كبيرة تأثرًا بسنوات قربه من الشيخ الشعراوى، الذى مثل أيضًا دوره فى مسلسله الأشهر «إمام الدعاة».

أما علاقة حسن وشمس فلم تقل بهاءً أو يبهت بريقها جراء تسارع سنوات العمر والتحولات الجذرية فى نظرتهما للفن، وظل الحب والتقدير متبادلًا ومعلنًا بين الاثنين طيلة سنوات عمرهما قبل أن تودع الحبيبة حبيبها على بوابة القبر قبل سنتين.

من بين كل منشورات الحاجة شمس البارودى عبر صفحتها أسرتنى صورة جمعت فيها الزوجة مجموعة من الكروت التى كتبها الزوج والرفيق والحبيب فى مناسبات مختلفة وفى سنوات مختلفة، كان العامل المشترك فى محتواها جميعًا هى «التقدير والعرفان والتعبير المستمر عن الحب»، وهى فى ظنى الكلمات السرية التى حافظت على خصوصية تلك العلاقة التى ظلت على بهائها ورونقها منذ أول يوم وحتى هذه اللحظة، فالحب قد يوجد ويتوافر بكثرة بين اثنين لكنه يظل منقوصًا لو افتقد التعبير عنه والتقدير لدور الحبيب فى حياة حبيبه، وظل كلامهما حريصًا طول الوقت على التعبير شفاهيًا وتحريريًا عن قيمة حياتهما سويًا، وهو الأمر الذى حافظ على طزاجة الحب بينهما من البداية للنهاية، لذلك أرى أن خير ختام لقراءة هذا الموضوع عن شمس الملوك والشاطر حسن هو قراءة بعض من الكروت التى كتبها الحبيب الراحل لحبيبته الأمينة على الذكريات. 

ماذا كتب حسن؟ هيا لنقرأ:

١- حبيبتى.. فى هذه الذكرى الجميلة أجدد حبى وإخلاصى وعرفانى بجميلك علينا.. ربنا ما يحرمنا من حنانك وعطائك ويديم بينا الحب والمودة والرحمة.

٢- حبيبة عمرى شوشو.. كل سنة وإنتى منورة وإحنا حواليكى وربنا يخليكى لينا ١٠٠ سنة كمان ويفرج كربنا ويجمع شملنا فى حضنك الحنيّن.

بحبك. بحبك. حسن.

٣- ٣٧ عامًا منحتينى فيها يا حبيبتى الحب والعطاء والسعادة مرت كأنها ٧ أعوام ما شاء الله.. يبقى لى عندك ٣٠ سنة بإذن الله أمنحك فيها حبى وعطائى.. بحبك.

٤ - روح قلبى وحب عمرى شوشو حبى ليكى يتجدد كل يوم وليس كل عام.. كل سنة وإحنا على حب وربنا يديم علينا الحب والمودة والسكينة ويقر أعيننا بأولادنا

بحبك بحبك بحبك.

٥ - شمس حبيبتى.. كل سنة وإنتى طيبة يا روح قلبى وعقبال ١٠٠ سنة وإنتى منورة بيتنا بعطائك وحنانك.. ويا رب أكون معاكى إن شاء الله.

٦ - حبيبتى وروح قلبى شوشو كل سنة وإنتى منورة وربنا يخليكى لينا- هدية متواضعة ولكنى أهدى لك معها حبى وإخلاصى الذى يجدد ويزيد يومًا بعد يوم.