شهر نجيب..
لاهوت الحرافيش.. الكتاب المقدس فى أدب نجيب محفوظ
- اقترب كثيرًا من الرؤية الكتابية التى تكشف أن الإنسان قد يُظلم رغم صلاحه
- شخصية عاشور الناجى تحمل جانبًا يذكّرنا بتجربة هوشع النبى
علاقة الله بالإنسان فى الكتاب المقدس ليست مجرد مجموعة من الأحداث التاريخية أو القصص الدينية، بل هى رحلة إنسانية عميقة تكشف طبيعة البشر: ضعفهم، وسقوطهم، وصراعاتهم الداخلية، ومحاولاتهم المستمرة للعودة إلى الله. ولهذا تركت هذه الرؤية أثرًا واضحًا فى وجدان كثير من الكتاب والأدباء والروائيين عبر التاريخ؛ لأن الكتاب المقدس قدّم نماذج إنسانية كبرى تتجاوز الزمان والمكان.
ومن أبرز الأمثلة التى تستحق التأمل ملحمة «الحرافيش» أو «السيرة العاشورية» لنجيب محفوظ، تلك الملحمة الروائية التى عالجها دراميًا محسن زايد وحسن عبدالله، فحوّلا عالمها إلى صورة بصرية تحمل الكثير من الدلالات الروحية والإنسانية.
وليس هذا الحضور للرموز الدينية جديدًا على عالم نجيب محفوظ؛ فالمتأمل فى مشروعه الأدبى يكتشف أن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان، وعلاقته بالله، والعدل، والرحمة، والخير والشر، كانت حاضرة بقوة فى كثير من أعماله.
تأتى رواية «أولاد حارتنا» مثالًا بارزًا على ذلك، إذ استخدم محفوظ فيها الرموز والإيحاءات المرتبطة بقصص رجال الله، ليطرح أسئلة فلسفية عميقة حول الإنسان والبحث عن الحقيقة.
وعند العودة إلى «الحرافيش»، نجد أن القارئ الذى يتأمل الملحمة ويرى تنفيذها الدرامى قد يشعر بلمسة لاهوتية ومسيانية واضحة، خاصة إذا كان قد تأمل من قبل طريقة تعامل الله مع البشر فى الكتاب المقدس.


تمثل الحارات فى عالم نجيب محفوظ أكثر من مجرد مكان تجرى فيه الأحداث؛ فهى عالم كامل يحمل ملامح البشرية نفسها. فيها القوى والضعيف، الظالم والمظلوم، الباحث عن الحق والساعى وراء مصلحته الخاصة. ومن خلال هذا المكان المغلق نسبيًا، استطاع نجيب محفوظ أن يقدم صورة واسعة عن طبيعة الإنسان.
وهذا التصور يقترب من الفكرة الروحية والكتابية عن عالم الإنسان بعد السقوط؛ عالم لم يفقد الخير تمامًا، لكنه أصبح يعيش فى صراع بين النور والظلمة. فالإنسان يحمل داخله القدرة على المحبة، لكنه فى الوقت نفسه قد ينحرف وراء الطمع أو الكبرياء أو الرغبة فى السيطرة.
ولذلك فإن تعاقب الأجيال سواء كان فى «الحرافيش» أو فى روايات أخرى مثل أولاد حارتنا يحمل دلالة مهمة؛ فالإنسان لا يعيش منفصلًا عن تاريخ من سبقه، بل يرث آثار اختيارات الآخرين، كما يترك هو أيضًا أثرًا لمن يأتى بعده. وهذه الفكرة نجدها كثيرًا فى الكتاب المقدس، حيث نرى كيف تؤثر اختيارات الآباء والملوك والقادة فى مسيرة الشعوب، سواء نحو الاقتراب من الله أو الابتعاد عنه.


شخصية عاشور الناجى، تحمل جانبًا يذكّرنا بتجربة هوشع النبى، فعاشور الذى شعر بأن هناك قوة داخلية تدفعه إلى الزواج من «فلة»، التى كانت تعمل فى مقهى درويش، أو كما عبّر النص الأدبى «غُرزة»، يفتح أمامنا إشارة لأمر الله لهوشع النبى: «اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلَادَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ».
فكما واجه هوشع نظرة المجتمع واستغرابه من أمر يبدو صعبًا ومؤلمًا، واجه عاشور أيضًا نظرة الآخرين وعدم فهمهم لما يدور داخله، وهذا المعنى الإنسانى العميق، صراع الحب مع السقوط والرفض، هو ما تناولته فرانسيس ريفرز بتفصيل فى روايتها «الحب المحرر»، حين دخلت إلى أعماق الإنسان وصراعه مع ضعفه.
وتلفت «فلة» أنظارنا إلى أن الشخصيات النسائية فى أعمال نجيب محفوظ لم تكن مجرد عناصر مساعدة للأحداث، بل كانت فى كثير من الأحيان تكشف عن جوانب خفية من الشخصيات الرئيسية. فالمرأة فى عالمه قد تكون سببًا فى كشف ضعف الإنسان، أو اختبارًا يكشف حقيقة ما بداخله، أو نقطة تحول تغير مسار حياته، ولنا فى أم أدهم وزوجته مثالًا برواية أولاد حارتنا.
وهذا يجعلنا نتذكر حضور المرأة فى الكتاب المقدس، حيث ارتبطت شخصيات نسائية كثيرة بلحظات فاصلة فى التاريخ الإنسانى. فهناك حواء التى ارتبطت ببداية السقوط، وراعوث التى قدمت نموذجًا للأمانة الأسرية، والمرأة السامرية التى تحولت حياتها بعد لقاء المسيح، إضافة إلى نماذج أكثر تعقيدًا مثل دليلة التى أطاحت بشمشون أرضًا.
ومن هنا فإن حضور المرأة فى «الحرافيش» يمكن قراءته باعتباره جزءًا من السؤال الأكبر عن الإنسان: كيف تؤثر العلاقات الإنسانية فى تشكيل مصيره؟ وكيف يمكن للحب أو الضعف أو الاختيار أن يغير حياة الإنسان؟.

شخصية درويش هذا الشيطان الذى لطالما أرهق عاشور الناجى، تشبه كثيرًا شخصية إدريس الشخصية الشيطانية فى «أولاد حارتنا»، يتجلى فى الشخصيتين حضور واضح لفكرة الشر فى عالم نجيب محفوظ؛ فالشر عنده ليس مجرد قوة خارجية تواجه الإنسان، لكنه يمثل أيضًا صوتًا داخليًا يحاول أن يدفع الإنسان بعيدًا عن الطريق الصحيح، ويختبر مدى قدرته على التمسك بما يؤمن به.
فإدريس فى «أولاد حارتنا» لم يكن مجرد شخصية شريرة تقف فى مواجهة الجبلاوى وأبناء الحارة، بل كان رمزًا للتمرد والكبرياء والرغبة فى تجاوز الحدود. وكذلك درويش فى «الحرافيش» لا يظهر باعتباره خصمًا لعاشور الناجى فقط، بل باعتباره قوة مضادة تحاول دائمًا إفساد المعنى الذى يحاول عاشور أن يبنيه؛ فهو يمثل الإنسان الذى يستخدم الذكاء والقوة لتحقيق مصالحه الخاصة، دون أن يكون للرحمة أو العدل مكان حقيقى فى اختياراته.
وهنا يقترب نجيب محفوظ من الرؤية الكتابية عن إبليس؛ فالشيطان فى الكتاب المقدس لا يظهر فقط ككائن يدعو إلى الخطأ، لكنه يظهر أيضًا كمجرب يحاول أن يفصل الإنسان عن الله، ويزرع داخله الشك والكبرياء والرغبة فى الاستقلال عن مصدر الحياة. وهذا ما يجعل الصراع بين عاشور ودرويش يتجاوز الصراع بين شخصيتين داخل حارة، ليصبح صورة للصراع الإنسانى القديم بين الخير والشر.
ومن اللافت أن وجود درويش فى حياة عاشور الناجى يشبه إلى حد كبير دور التجربة فى حياة رجال الله فى الكتاب المقدس؛ فالإنسان لا تظهر حقيقة إيمانه إلا عندما يواجه اختبارًا حقيقيًا. وكما تعرض أيوب لتجارب قاسية حاول من خلالها الشيطان أن يهز ثقته بالله، واجه عاشور أيضًا محاولات مستمرة لهدم ما يحمله من مبادئ ورؤية مختلفة للحياة.
لكن الفارق بين الشخصيتين يكشف أيضًا عن طبيعة الصراع؛ فعاشور لا ينتصر لأنه الأقوى فقط، بل لأنه يمتلك داخله إيمانًا بمعنى أكبر من القوة، بينما يبقى درويش أسيرًا لرغبته فى السيطرة والانتقام. وهذه الفكرة تتكرر كثيرًا فى الكتاب المقدس، حيث لا يكون الانتصار الحقيقى دائمًا لمن يملك السلطة أو السلاح، بل لمن يستطيع أن يحافظ على قلبه من الفساد.
ومن هنا يصبح درويش أكثر من مجرد شخصية شريرة فى الأحداث؛ فهو يمثل سؤالًا دائمًا فى عالم نجيب محفوظ: ماذا يحدث للإنسان عندما ينفصل عن الله؟ وكيف تتحول القوة، عندما تخلو من قيادة واستخدام الله، إلى أداة للهدم بدلًا من البناء؟ فالصراع بين عاشور ودرويش هو فى جوهره صراع بين رؤيتين للإنسان؛ رؤية ترى أن الإنسان يمكن أن يرتفع بالعدل والمحبة، ورؤية أخرى ترى أن البقاء لا يكون إلا بالقوة والسيطرة.


مشهد الحلم الذى جاء لعاشور الناجى وأنقذه من الوباء، فهو من أكثر المشاهد التى يظهر فيها مفهوم العناية الإلهية فى عالم نجيب محفوظ، فالمشهد يقترب كثيرًا من قصة لوط وخروجِه من سدوم وعمورة؛ ليس فقط فى فكرة النجاة من الهلاك، ولكن فى صورة الإنسان الذى يرى الخطر قبل الآخرين ويحاول تحذيرهم، رغم سخريتهم منه وعدم تصديقهم له.
وقد أبدع محسن زايد فى تحويل هذا المعنى إلى صورة درامية مؤثرة، حين جعل عاشور الناجى يذهب لتحذير الناس الذين يسخرون منه، فى صورة تذكّرنا بأصهار لوط الذين لم يصدقوا التحذير، ثم يعتزل بعد ذلك فى مكان بعيد «كهف»، كما حدث مع لوط بعد خروجه من سدوم.
من ناحية أخرى، تعد شخصية الفتوة من أهم الرموز فى عالم «الحرافيش»، فهى تمثل فكرة القوة التى يُفترض أن تكون موجودة لحماية الضعفاء وإقامة العدل. لكن محفوظ يكشف عن أن القوة وحدها ليست ضمانًا للخير، فالإنسان الذى يمتلك القوة دون ضمير قد يتحول من حامٍ للناس إلى مصدر خوف لهم.
وهذا السؤال نجده أيضًا فى العديد من النماذج الكتابية؛ التى تعطى إشارة إلى أهمية امتلاك الفرد عضلات روحية ليصبح فتوة روحيًا يُسند بنعمة الله، ليغلب كل الشهوات والملذات والخطايا، فالقوة فى الكتاب المقدس ليست قيمة مستقلة عن علاقتها بالله. فشمشون امتلك قوة جسدية هائلة، لكنه اكتشف أن القوة الخارجية لا تكفى عندما يضعف الإنسان من الداخل. وداود كان محاربًا عظيمًا، لكنه احتاج إلى التوبة عندما أخطأ، لأن الإنسان مهما امتلك من قدرات يظل محتاجًا إلى قيادة الله.
وفى المقابل، يقدم الكتاب المقدس صورة مختلفة للقوة فى شخص المسيح، حيث تظهر القوة فى المحبة والبذل والخدمة، لا فى السيطرة والانتقام. ومن هنا يصبح السؤال الذى تطرحه «الحرافيش» هو: هل القوة هدف فى حد ذاتها؟ أم أنها وسيلة لخدمة الإنسان وإقامة الخير؟.


ومن أكثر الأفكار التى تستحق التأمل فى «الحرافيش» فكرة الثواب والعقاب، ليس باعتبارهما مجرد نتيجة مباشرة لأفعال الإنسان، بل باعتبارهما جزءًا من رحلة الإنسان فى اكتشاف معنى العدل. ويظهر ذلك بوضوح فى شخصية عاشور الناجى، الذى بعد نجاته من الوباء لا يكتفى بالابتعاد عن الناس أو البحث عن خلاصه الشخصى، بل يعود ليعيد بناء الحارة من جديد، ويحاول أن يمنح أهلها حياة مختلفة بعد الخراب الذى حل بها.
لكن المفارقة الدرامية أن هذا الفعل الذى كان يحمل معنى العطاء والإصلاح، لم يقابله المجتمع بالتكريم أو الاعتراف، بل انتهى الأمر بحبس عاشور الناجى على يد شيخ الحارة، وكأن صاحب الفضل أصبح هو المتهم، وصاحب الإصلاح أصبح هو من يُعاقب. وهنا يفتح محفوظ سؤالًا إنسانيًا عميقًا: هل يحصل الإنسان دائمًا على جزاء أعماله الصالحة فى حياته؟ وهل معيار البشر للعدل يتطابق دائمًا مع العدل الحقيقى؟.
وهذا المعنى يقترب كثيرًا من الرؤية الكتابية التى تكشف أن الإنسان قد يُظلم رغم صلاحه، وأن البر لا يعنى دائمًا غياب الألم أو التجارب. فنجد أيوب البار الذى فقد الكثير رغم استقامته، ونجد يوسف الصديق الذى تعرض للظلم والسجن رغم أمانته، لكن النهاية تكشف أن الله يرى ما لا يراه البشر، وأن الظلم المؤقت لا يلغى عدل الله.
فحبس عاشور الناجى لا يمكن قراءته فقط كعقوبة داخل أحداث الرواية، بل يحمل دلالة أعمق عن صراع الإنسان الصالح مع واقع قد لا يفهمه. فكما رفض أهل سدوم تحذير لوط، وكما لم يفهم إخوة يوسف ما يحمله المستقبل، قد يرفض المجتمع أحيانًا من يأتى بخير حقيقى لأنه يهدد المصالح القديمة أو يكشف فسادًا اعتاد الناس عليه.
ومن هنا يصبح عاشور الناجى قريبًا من نموذج الإنسان الذى يعمل الخير لا انتظارًا لتكريم البشر، بل لأنه يحمل داخله رسالة يؤمن بها. فالثواب الحقيقى فى الرؤية الكتابية لا يرتبط فقط بما يناله الإنسان من الناس، بل بعلاقته بالله وبأمانته فى العمل الذى دُعى إليه، حتى لو مرّ طريقه بالألم أو الرفض. وتبقى مأساة عاشور الناجى تذكيرًا بأن التاريخ كثيرًا ما ظلم أصحاب الإصلاح فى بداياتهم، قبل أن يدرك الناس قيمة ما قدموه

من أكثر الخطوط الإنسانية عمقًا فى «الحرافيش» رحلة شمس الدين الناجى وسليمان الناجى، التى تستدعى إلى الذهن تاريخ ملوك إسرائيل، وبالأخص ملوك يهوذا «المملكة الجنوبية»، حيث تكررت فى حياتهم دورة الاقتراب من الله ثم الابتعاد عنه ثم محاولة الرجوع إليه، حيث تكشف الشخصيتان عن حقيقة الإنسان الذى قد يبتعد طويلًا عن الطريق، لكنه يظل قادرًا على العودة عندما يستجيب للصوت الداخلى الذى يدعوه إلى مراجعة نفسه. فمحفوظ لا يقدم الإنسان باعتباره كائنًا ثابتًا لا يتغير، بل يقدمه فى حالة بحث دائم بين السقوط واليقظة، وبين الابتعاد والرغبة فى المصالحة مع الذات.
وتحمل رحلة شمس الدين وسليمان الناجى صدى واضحًا من رحلة سليمان الحكيم فى الكتاب المقدس؛ ذلك الملك الذى وصل إلى قمة المجد والحكمة والغنى، لكنه فى نهاية حياته اكتشف أن كل ما امتلكه من أمور العالم لا يستطيع أن يمنح الإنسان المعنى الحقيقى بعيدًا عن الله. ففى سفر الجامعة نسمع صوت رجل اختبر كل شىء، ثم عاد ليعلن أن الإنسان مهما امتلك يظل محتاجًا إلى أن يضع الله فى مركز حياته.
وهذا المعنى نجده فى رحلة شمس الدين وسليمان الناجي؛ فبعد سنوات من الصراع والانشغال بالقوة والبحث عن المكانة، تأتى لحظة المواجهة الداخلية التى يكتشف فيها الإنسان أن ما كان يظنه انتصارًا قد لا يكون سوى فراغ، وأن السلام الحقيقى لا يأتى من السيطرة على الآخرين، بل من العودة إلى الحق.
أما شخصية خضر الناجى، الذى تحمّل ظلم رضوانة زوجة أخيه بكر، وما نتج عن ذلك من هجره للمكان سنوات طويلة وكراهية بكر له، فتحمل صدى واضحًا من قصة يوسف الصديق. فالإنسان الذى ظُلم من أقرب الناس إليه، وتحمل ظلم زوجة فوطيفار وكراهية إخوته، لكنه لم يسمح للألم بأن يحوّل قلبه إلى الانتقام.
وهنا تظهر فكرة «صوت الله» فى عالم نجيب محفوظ، ليس بالضرورة فى صورة معجزة مباشرة، لكنه يظهر من خلال صوت الضمير، ومن خلال لحظة التأمل التى يواجه فيها الإنسان حقيقة نفسه بعيدًا عن ضجيج الحياة. وهذه الفكرة قريبة من الطريقة التى تعامل بها الكتاب المقدس مع توبة كثير من الشخصيات؛ فالله لا يتوقف عن دعوة الإنسان حتى بعد ابتعاده، بل يظل يفتح أمامه باب الرجوع.
وكما عاد سليمان الحكيم فى نهاية رحلته ليعلن عن أن مخافة الله هى جوهر حياة الإنسان، يصل شمس الدين وسليمان الناجى إلى لحظة إدراك أن الإنسان لا يُقاس بما جمعه أو بما امتلكه من قوة، بل بما تركه من أثر، وبمدى اقترابه من المعنى الحقيقى للحياة.
وهنا تظهر عبقرية محفوظ فى أنه لا يقدم التوبة باعتبارها لحظة خوف من النهاية فقط، بل باعتبارها لحظة نضج واكتشاف. فالإنسان قد يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يرى ما كان واضحًا أمامه، وقد يمر بتجارب كثيرة حتى يسمع الصوت الذى كان يناديه طوال الوقت. ولذلك فإن نهاية رحلة شمس الدين وسليمان الناجى تحمل معنى كتابيًا عميقًا: أن باب العودة إلى الله يظل مفتوحًا، وأن الإنسان مهما ابتعد لا يفقد فرصة أن يجد الطريق من جديد.
وفى النهاية، سواء كان نجيب محفوظ يقصد هذه الرموز بشكل مباشر أو لم يقصدها، فإن الأعمال الأدبية الكبرى كثيرًا ما تلتقى عند الأسئلة الإنسانية الخالدة نفسها:
لماذا يتألم البار؟
لماذا يسقط الإنسان؟
هل يستطيع أن يعود؟
وكيف تعمل يد الله وسط ضعف البشر وفوضى الحياة؟
الخلاصة: أعتقد أن كثيرًا من الروائيين قد قرأوا الكتاب المقدس، وأن قصص تعامل الله مع البشر تركت بصمتها فى أعماقهم، فظهرت آثارها فى رواياتهم ومعالجاتهم الدرامية.







