فى انتظار المعنى.. كيف غيّر اللا معقول وجه المسرح؟
رجلان يقفان على طريق خالٍ. لا يعرفان لماذا ينتظران، ولا متى سيأتى من ينتظرانه، ولا حتى إن كان سيأتى أصلًا. يملآن الوقت بأحاديث متقطعة، ويكرران الأفعال نفسها، بينما يمر الزمن ببطء شديد. لا يحدث شىء تقريبًا، ومع ذلك لا يستطيع المشاهد أن يرفع عينيه عن خشبة المسرح. شيئًا فشيئًا يكتشف أن الحكاية ليست عن هذين الرجلين، بل عن الإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذى يقضى عمره فى انتظار معنى، أو أمل، أو خلاص قد لا يأتى أبدًا.

بهذه الصورة الصادمة دخلت دراما اللا معقول تاريخ المسرح الحديث. لم تأتِ لتروى قصة بطل، أو تقدم نهاية سعيدة، بل جاءت لتطرح سؤالًا ظل يؤرق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية: ماذا يحدث إذا فقد العالم منطقه؟.
خرجت أوروبا من الحرب مثقلة بالدمار، لكن الخسارة الأكبر لم تكن فى المدن التى تهدمت، بل فى الأفكار التى انهارت. فقد تزعزعت الثقة فى القيم التى طالما اعتُبرت أساس الحضارة، وأصبح الإنسان يشعر بأن العالم لم يعد مكانًا مفهومًا، وأن العقل لم يعد قادرًا على تفسير كل ما يحدث. من هنا ظهر أدب العبث أو اللا معقول، بوصفه مرآة لهذه الأزمة، لا بحثًا عن حلول لها.
كان للفيلسوف والكاتب الفرنسى ألبير كامو أثر واضح فى تشكيل هذه الرؤية، خاصة من خلال أفكاره عن عبث الوجود، التى رأت أن الإنسان يبحث باستمرار عن معنى فى عالم لا يمنحه إجابات جاهزة. وفى الوقت نفسه كان المسرح يبحث عن لغة جديدة تستطيع التعبير عن هذا الشعور، فظهرت أعمال كسرت القواعد التقليدية، وجعلت الصمت، والتكرار، والانتظار، جزءًا من الحدث المسرحى.
وجاءت الانطلاقة الأبرز مع صامويل بيكيت فى مسرحيته «فى انتظار جودو». لم تكن غرابة المسرحية فى قصتها، بل فى غياب القصة نفسها؛ فلا أحداث كبرى، ولا نهاية تحسم المصير، بل انتظار طويل لا ينتهى. وهنا تحوّل الانتظار إلى رمز لحياة الإنسان، وأصبح الزمن يدور فى دائرة مغلقة، بينما تتكرر الأفعال والكلمات بلا نتيجة.
ولم يكن «بيكيت» وحده فى هذا الاتجاه، فقد أسهم يوجين يونسكو فى ترسيخ ملامح اللا معقول من خلال مسرحيات جعلت التواصل بين البشر يبدو مستحيلًا. ففى «أميديه» تكبر جثة داخل المنزل حتى تملأ المكان، فى صورة رمزية لاتساع المسافات بين الناس. وفى «الكراسى» ينتظر الجميع خطيبًا يحمل الحقيقة، ليكتشفوا فى النهاية أنه أخرس. أما «المغنية الصلعاء» فتكشف عالمًا فقدت فيه الشخصيات ذاكرتها، وأصبحت الكلمات تُقال دون أن تصنع أى تواصل حقيقى.

لهذا لم يكن مسرح اللا معقول يهتم بحبكة متماسكة أو صراع تقليدى، بل ركز على الإحساس الإنسانى بالوحدة، والاغتراب، وفقدان المعنى. كما اعتمد على السخرية، والرمز، والمبالغة، والأحلام، ليكشف التناقضات التى يعيشها الإنسان، ويجعل المشاهد يطرح الأسئلة بدلًا من أن يتلقى الإجابات.
ولم تتوقف هذه التجربة عند أوروبا، بل وصلت إلى المسرح العربى فى ستينيات القرن الماضى. تأثر بها توفيق الحكيم فى «يا طالع الشجرة»، حيث امتزج الواقع بالخيال، وأصبح الحوار بين الشخصيات يدور فى خطوط متوازية لا تلتقى. كما استفاد صلاح عبدالصبور من تقنيات اللا معقول فى «مسافر ليل»، ليقدم رؤية رمزية عن السلطة والإنسان، قبل أن تمتد تأثيرات هذا الاتجاه إلى عدد من المسرحيين العرب والعراقيين.
ورغم أن دراما اللا معقول ظهرت قبل أكثر من نصف قرن، فإنها لا تزال قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر. فالعالم اليوم، بما يحمله من حروب وأزمات وعزلة، يعيد إنتاج كثير من الأسئلة التى انطلق منها هذا المسرح. وربما لهذا السبب لا تزال شخصيات بيكيت ويونسكو تبدو مألوفة لنا، وكأنها تعيش بيننا، وتنتظر معنا الشىء نفسه.
لهذا لم يكن اللا معقول دعوة إلى الفوضى أو اليأس، بل كان محاولة فنية لفهم عالم فقد يقينه، وإعادة طرح السؤال الذى لا يكف الإنسان عن ملاحقته: إذا لم يكن للحياة معنى جاهز، فهل يستطيع الإنسان أن يصنع معناه بنفسه؟.







