الأحد 16 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

أرض الأشرار.. يوميات صحفية فى قلب اعتصام رابعة الإرهابى

حرف

- كان شباب الإخوان يشكلون سلاسل بشرية تتراص خلف بعضها وكانوا يحملون العصى

- جماعة الإخوان وصلت إلى قصر الاتحادية متوكئة على عصا  ثورة 25 يناير ودماء الشهداء

- تغوّل الإخوان على الأرصفة الملاصقة للأسوار العسكرية ونصبوا الخيام ونشروا ملابسهم عليها

- قيادات وعناصر الجماعة الإرهابية كانوا ينظرون لمطالب المعارضين نظرة دونية

- كان رجال الإخوان يحملون الشوم والعصىّ وينفذون ما يشبه حملة تفتيش داخلية

- عند دخولى الاعتصام انطلقت فتاة تتحسس جسدى بطريقة عنيفة ومستفزة وتنظر إلىّ متأهبة

- قيادات الجماعة كانت تذهب إلى شقق مجاورة لمسجد رابعة العدوية من أجل الاستراحة

- صفوت حجازى حرض على اقتحام الأمن الوطنى والحرس الجمهورى

فى 2013 كانت الزميلة فيروز عبدالعزيز تعمل محررة صحفية فى جريدة الفجر، وعندما بدأ اعتصام رابعة الإرهابى، قررت أن تذهب إلى هناك لتقوم بمغامرة صحفية تسجل من خلالها ما الذى يمكن أن يحدث فى هذا الاعتصام. 

حذرها الجميع من أن هذه المغامرة يمكن أن تدفع حياتها ثمنًا لها، فإذا ما اكتشف الإخوان هويتها الصحفية وعملها فى جريدة الفجر المعادية للجماعة، فحتمًا ستتعرض لتعذيب شديد، وليس بعيدًا أن ينتهى الأمر بقتلها. 

لم تلتفت فيروز لهذه التهديدات، قررت أن تمضى فى طريقها. 

دخلت الاعتصام يوم 2 يوليو 2013 ولم تخرج منه إلا قبل الفض بأيام قليلة، نشرت خلال تواجدها فى الميدان تغطيات صحفية عديدة، سبقت بما كتبته صحف ومواقع ووكالات أنباء، وكانت تفعل ذلك دون ذكر اسمها، حتى لا ينكشف أمرها، وكم كانت تتعذب لأن هذا المنشور لم يكن ينسب لها، لكنها ضحت بذلك حتى تتم مهمتها. 

بعد عام من فض اعتصام رابعة الإرهابى، جمعت فيروز أوراقها وأصدرت كتابًا عن تجربتها من دار كنوز، ومن هذا الكتاب ننشر بعض يوميات فيروز من قلب الاعتصام، بقناعة تامة أن هذا الكتاب الذى لم يلتفت له كثيرون من أهم وأدق ما نُشر عن الاعتصام، لأنها كانت أخبرتنا بأنها دخلت الاعتصام وهى محايدة تمامًا، تريد أن تعرف الحقيقة، وعندما عرفتها أدركت أن الاعتصام كان باطلًا.. وأن الإخوان كانوا على باطل.. فحتى الحياد كان فى النهاية ضد الإخوان. 

«هتافات عالية تغلب عليها اللغة العربية الفصحى، مزيج من الهتافات الثورية التى كنت أرددها وأسمعها فى ميدان التحرير، والهتافات الإسلامية التى سمعناها فى تظاهرات الإسلاميين من قبل». 

سرت باتجاه مصدرها.. كان إحدى شاشات التلفاز بمقر عملى.

حول الشاشة تجمع عدد من زملائى، بين ساخر ومؤيد، نظرت إلى المشهد المهيب، واختفت الابتسامة التى غطت وجهى قبل دقائق وأنا أتذكر مشاهد تظاهرات يوم ٣٠ يونيو ٢٠١٣.

الهتافات تخرج من حناجر «متسعة» عن آخرها، وجميع الموجودين ينظرون باتجاه منصة يقف عليها عدد من قيادات تيار الإسلام السياسى.

أحد الواقفين على المنصة يصرخ بصوت جهورى: «تكبيييير». 

فيرد عليه المعتصمون: «الله أكبر». 

انتابتنى حالة من الرهبة الشديدة أمام المشهد الذى لم أرَ مثله من قبل، وضعت كوب الشاى على مكتبى، واقتربت أكثر من الشاشة محدقة فيها، لعلى أكتشف الأمر، وأفهم ماذا يحدث.

لحظة بعد أخرى تأخذنى الهتافات إلى عالم من غموض أريد اكتشافه، وشيئًا فشيئًا تسربت إلىّ رغبة فى أن أكون بينهم لأعرف من هؤلاء؟ فيمَ يفكرون وماذا يريدون؟

هم بالتأكيد مختلفون عن معتصمى «التحرير»، لا يشبهونهم، وقد كانت اعتصامات التحرير بالنسبة لى «مانيفستو» الاعتصامات الثورية. ربما كان الدافع الأكبر لى هو فضولى الصحفى، لكن دافعًا إنسانيًا آخر لم أستطع تحديده على وجه الدقة، كان يُشعل رغبتى فى الذهاب إليهم.

كانت مصر كلها تقف على أعتاب المجهول، فقبل يومين خرج الملايين ضد جماعة الإخوان المسلمين، التى وصلت إلى قصر الاتحادية منذ عام تقريبًا متوكئة على عصا ثورة ٢٥ يناير ودماء الشهداء، وطوال هذا العام لم تفعل شيئًا أكثر من إدارة ظهرها لمطالب «يناير». 

ومنذ ٢٠ ساعة أصدر قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح السيسى البيان الذى عُرف بـ«مهلة الـ٤٨ ساعة»، طالب فيه السلطة والقوى المعارضة بالتوصل إلى حل للأزمة، وإنهاء حالة الصراع السياسى، التى تصاعدت مع إصدار الرئيس المعزول إعلانه الدستورى فى ٢١ نوفمبر ٢٠١٢.

بعد دقائق من تفحص الوجوه، والتركيز مع الهتافات التى يرددها الآلاف، وكأنها تخرج من حنجرة واحدة، والانتباه إلى الأداء الموسيقى الذى يردد به الواقفون على المنصة هتافاتهم، اتخذت قرارى: سأذهب إليهم.

طلبت من رئيسى السماح لى بالذهاب إلى اعتصام «رابعة العدوية»، وكتابة موضوعات صحفية من هناك. 

لم يرحب بالفكرة، وبدت على وجهه علامات الاستغراب، وهو ينظر إلى هيئتى، ولسان حاله يقول: «كيف تذهبين إلى هؤلاء وأنت هكذا؟».

انتبهت إليه وفكرت فيما يفكر فيه.. لا بد من تغيير هيئتى السافرة، قبل أن أذهب إلى أناس يرون أنى ناقصة دين، ولم يشغلنى الأمر كثيرًا فأسهل شىء فى مصر هو أن تغير هيئتك. 

لم يصمد رئيسى فى العمل ولم يدافع عن موقفه كثيرًا أمام إصرارى، واكتفى بتحذيرى من العواقب قائلًا: «خدى بالك من نفسك». 

 مرشد الإخوان محمد بديع على منصة رابعة
 مرشد الإخوان محمد بديع على منصة رابعة

انطلقت مسرعة إلى منزلى القريب، لأرتدى ملابس تتناسب مع الاعتصام، لكن من أين آتى بما يشبه ملابس نساء الإخوان، وبينما أسير بسيارتى فى شارع شهاب بمنطقة المهندسين، حيث منزلى، لفت انتباهى مبنى محل «التوحيد والنور»، فأدركت أن القدر يرسل إلىّ إشاراته، أوقفت السيارة وتوجهت إلى المحل. 

على الباب سألت العامل عن ركن بيع ملابس المحجبات، نظر إلى بنطالى القصير وقميصى عارى الكتف وشعرى المجعد بتسريحة «كيرلى»، وتلجلج قليلًا، ثم قال: «فى الطابق الثالث». 

صعدت إلى الطابق الثالث، ولم يختلف الأمر كثيرًا، حيث ظل العاملون ينظرون إلىّ نظرات استفهام أو استنكار أو تعجب، وكأنهم يتساءلون: «لماذا أنا هنا؟». 

بادرتهم بالحديث: أريد ملابس فضفاضة سوداء وغطاء للرأس وقفازين وجوربًا طويلًا، أسود اللون.. اشتريت ما أريد، وتوجهت إلى منزلى فى الشارع نفسه، ارتديت الملابس الجديدة فى دقائق، وغادرت المنزل مرة أخرى وسط استغراب حارس العقار الذى ظل ينظر إلىّ كثيرًا.

 محمد البلتاجى يحرض من أعلى منصة رابعة
 محمد البلتاجى يحرض من أعلى منصة رابعة

انطلقت بسيارتى فى اتجاه شارع «النصر»، ونشوة المغامرة تسيطر علىّ، خاصة بعدما نجحت فى تغيير هيئتى.. كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية بعد ظهر يوم ٢ يوليو ٢٠١٣، ولا شىء يوحى بشىء، والجميع يترقب ماذا يمكن أن يحدث، وماذا سيفعل الجيش بعد انتهاء مهلة الـ٤٨ ساعة.

بمجرد اقترابى من اعتصام الإخوان بمدينة نصر، بحثت عن إحدى منشآت القوات المسلحة لأركن سيارتى بجانبها، بعيدًا عن الاعتصام خوفًا من أن يتتبعنى أحد وأنا أغادره ويتعرف علىّ، لكن الأمر بدا وكأن الإخوان سيطروا على المنطقة بأكملها.

أوقفت سيارتى بجوار النصب التذكارى للجندى المجهول، وأفرغت متعلقاتى من حقيبتى، تركت كل البطاقات والكارنيهات التى تكشف شخصيتى الحقيقية، ولم أُبْقِ إلا على كارنيه الدراسات العليا بكلية الإعلام جامعة القاهرة.

على بوابة الاعتصام، الذى فُرض هنا بجوار مسجد رابعة العدوية، قبل أيام قليلة من مظاهرات ٣٠ يونيو، يشكل شباب الجماعة سلاسل بشرية تتراص خلف بعضها، وكانوا يحملون العصى. فى تلك اللحظة أدركت أن قدمى قادتنى إلى خطر يستوجب الانتباه والحرص فى كل خطوة أخطوها داخل المكان.

مرت دقائق التفتيش ثقيلة، وبينما تعبث الفتاة فى حقيبتى تصبب العرق منى، حتى شعرت بأنه يغمر جسدى، ويتلاشى معه حماس القيام بالمغامرة، وقد أطالت الفتاة النظر إلى كارنيه الدراسات العليا، وذهبت به إلى سيدة تجلس على رصيف مجاور لحاجز تفتيش السيدات، تملكنى الخوف الشديد، الآن كُشف أمرى، وسينالنى من العقاب ما أستحقه، إلا أن السيدة أشارت للفتاة بما فهمت منه أنها تسمح لى بالمرور.

نقلتنى لحظات التفتيش من حالة الفضول لاكتشاف الأعماق الإنسانية للاعتصام والمعتصمين، إلى إحساس بأننى فى مهمة، وحتمًا سأدفع ثمنًا فى مقابلها، وأدركت أن المسألة أكثر من إشباع رغبة وإرضاء فضول، وأن الأمر يستوجب منى أن أحدد الآن إما أن أكمل طريقى وأتحمل المسئولية وأستعد لدفع الثمن أيًا كان، وإما أن أعود إلى بيتى. 

سعدت باجتياز مدخل الاعتصام بعد الإجابة عن أسئلة الفتاة، التى تولت مهمة تفتيشى، تستفسر عن سبب حملى كاميرا، وهل أعمل فى الإعلام أم لا.

حاولت أن أطمئنها لتسمح لى بالمرور. ورغم أن الابتسامة لم تكن تفارق وجه هذه الفتاة، فإنها كانت ابتسامة صفراء تبعث على الخوف وتقلقنى، وكنت أشعر بأن وراءها خطرًا ما.

أدرت ظهرى للحاجز الأمنى، ونظرت إلى الداخل، فإذ بى أرى عالمًا مليئًا بالإثارة.. خيامًا منتشرة على جانبى الطريق المؤدى لوسط الميدان، وأعدادًا كبيرة من أعضاء الجماعة وأنصارها من تيارات الإسلام السياسى الأخرى، يفترشون الأرض ويتبادلون الحديث، وكثيرون منشغلون بقراءة القرآن.

صوت هتاف المحيطين بالمنصة الرئيسية يملأ الميدان، وكانت مظاهر البيع والشراء التى بدأت تصاحب التظاهرات فى ميدان التحرير، خلال أيام الثورة الثمانية عشر الأولى، تظهر بوضوح فى محيط رابعة العدوية، فعلى اليسار يفترش بائعو الحقائب والملابس الأرض، وعلى اليمين عربات المأكولات والمشروبات الساخنة والباردة.

لم يكن الاعتصام أخذ شكله الذى بدا عليه فى الأيام التالية لعزل محمد مرسى، وكان الوصول إلى المنصة الرئيسية لا يستغرق وقتًا كبيرًا، والأعداد أقل مما حاولت أن تظهره القنوات الفضائية حينها، كما أن أعداد النساء المشاركات فى الاعتصام كانت قليلة، وتبادر إلى ذهنى أن هناك مكانًا مخصصًا للسيدات، فسألت أحد المعتصمين أين توجد النساء؟. 

استنكر لفظة النساء وأشار بيده تجاه المنصة، وقال: الأخوات يتجمعن هناك.

لم تكن هناك وسائل إعلام كثيرة، فقط الموالية للإخوان، وكان واضحًا انتشار كاميرات قناة «الجزيرة» والعاملين بها فى أرجاء المكان، خاصة بالقرب من المنصة، وكانوا يضعون شارة «الجزيرة»، وهو ما لم أرَه فى الأيام التى تلت عزل مرسى. 

كان لافتًا بالنسبة لى فى هذا اليوم غياب نجوم الجماعة، وقد تملكنى إحساس حينها بأن الجمع يسيطر عليه السلفيون والجماعات الإسلامية الأخرى. وكان السواد الأعظم منهم إما شبابًا صغيرًا أو شيوخًا، وبينما كان الشيوخ أكبر من ٦٠ عامًا غير معروفين، كان عدد كبير من الشباب معروفين ونشطاء فى فعاليات التيارات الإسلامية، وبدا أنهم متمرسون على التعامل مع التظاهرات، وظهر ذلك فى طريقة استقبالهم الاحتفائية بالقادمين للمشاركة فى التظاهر، بعد المرور من حواجز التفتيش.

وقد كان الجمع أشبه بجلسات ومؤتمرات نشر الدعوة، والمنصة الرئيسية متواضعة من حيث التجهيزات وقلة عدد اللافتات المعلقة عليها، بالمقارنة بالأيام التالية لعزل مرسى، واقتصرت هذه اللافتات على التنديد بالإعلام الكاذب والإعلاميين «سحرة فرعون»، والتأكيد أن الرئيس الإخوانى هو صاحب الشرعية. 

تجولت فى المكان لأعرف حدود الاعتصام، كانت له بوابتان الأولى عند «طيبة مول»، وهى أقل تأمينًا من الثانية عند مدخل «طريق النصر». كان سهلًا وأنت تتجول فى الميدان أن ترى جدران المؤسسات العسكرية القابعة فى محيط الميدان، يصطف أفراد حراساتها أمامها، دون أن تلمسها يدى المعتصمين، بينما اختفى ذلك فيما بعد حيث تغوّل الإخوان على الأرصفة الملاصقة للأسوار العسكرية ونصبوا الخيام ونشروا ملابسهم ومتعلقاتهم عليها. كما أن عقارات منطقة رابعة لم يكن طالها ما طالها بعد عزل مرسى من استيلاء على حرمها ومداخلها. كما أن بعض الشقق المحيطة بالاعتصام كانت تعلق أعلام الإخوان وصور مرسى، ولافتات مكتوبًا عليها «لا إله إلا الله»، خاصة فى العمائر الواقعة يمين مدخل «النصر». 

التجول فى الميدان لم يكن يستغرق أكثر من ١٠ دقائق، ولم تصل يد الإخوان إلى مبنى الخدمات التابع لمسجد رابعة العدوية ولا حديقته، ولا إلى مدينة الطالبات. وحين سألت عن قيادات الإخوان، قالوا إنهم كانوا موجودين بالأمس.

وبينما أتجول بالميدان ممسكة بكاميرا تصوير فوتوغرافى يلتصق كتفى بإحدى المراسلات الأجنبيات لنتبادل الابتسامات الخاطفة قبل انطلاقها مسرعة لتصوير إحدى المسيرات محدودة العدد، وبينما أتفحص ملابس الفتاة المتبرجة يتسرب إلىّ الندم لقدومى متنكرة بملابس سوداء ثقيلة جعلتنى أتصبب عرقًا، وكان من الممكن المجىء متبرجة مثل مراسلات الصحف الأجنبية، لم أدرك يومها كيف وفرت لى هيئتى التنكرية الشبيهة بملابس الأخوات معايشة حقيقية لم يكن من المقدور توافرها بهيئتى المتبرجة.

غادرت الميدان بعد ساعات قليلة، فلم أجد ما يثيرنى ويدفعنى للبقاء؛ فالقابعون بالميدان سيطرت عليهم كل مساوئ السلطة من غرور وغطرسة وعدم إدراك للواقع، يرفضون أى حديث عن تنازلات ويسخرون من مجرد الدعوة لإقالة حكومة هشام قنديل رئيس الوزراء الإخوانى، الذى ظلت المعارضة تطالب بإقالته قبل شهور من «٣٠ يوليو». ينظرون لمطالب المعارضين نظرة دونية جعلتهم يصفونهم بالعلمانيين الكفرة، يتحدثون عن بقائهم فى السلطة لعشرات من السنين، ويشيرون بأصابعهم لصور رئيسهم محمد مرسى، إشارة الواثقين فى قدرته على تجاوز المرحلة، وسحق المعارضين وتلقينهم درسًا يعيد إليهم صوابهم، فالمعارضون للإخوان من وجهة نظرهم، عملاء وخونة، وعديمو الدين ومرتزقة. 

خرجت من الميدان، ولدىّ قناعة بأن شيئًا ما يتعاطاه القابعون فى «رابعة»، يجعلهم متفقين فى كل شىء، لديهم القناعات نفسها، والحجج نفسها، فالجميع ينتظر ما سيفعله الرئيس محمد مرسى، انتظار الفاتح، يتحدثون عن مذبحة للمعارضين، وبناء دولة تتسع لهم، ومَن سواهم سيعيش ذليلًا، يُكفّر عن ذنب معارضته لحكمهم الإسلامى، الذى يتيح للحاكم الشرعى تطبيق الحدود على الخارجين. 

وبخطى متعجلة ذهبت مسرعة فى اتجاه بوابة الخروج، وبالقرب من البوابة صادفت مهندس كمبيوتر كنت أعرفه، وبمجرد أن شاهدنى أمامه، قال: «ما شاء الله.. مبروك على الحجاب»، وقد كنت أعرف هذا الرجل منذ فترة، ولم أكتشف لحظة واحدة أنه إخوانى، إلا فى لجنة الانتخابات الرئاسية بمساكن الضباط فى الرماية، حيث مَسْكنى القديم، فقد كان مسئولًا مع آخرين عن حملة «مرسى» داخل اللجنة، وبدا من تعامله وقتها أنه قيادى بالمنطقة.

استيقظت من النوم بعد الظهر يوم ٣ يوليو، وكانت الحياة بالنسبة لى متوقفة تمامًا، ننتظر خبرًا سعيدًا بعزل مرسى، أو غير سعيد بتأكيد بقائه، ليتحدد مصير البلد.

كانت لدىّ رغبة حقيقية فى ألا أغادر منزلى، لكن أصدقائى أقنعونى بضرورة النزول لدعم الجيش لاتخاذ قرارات لصالحنا، وكان اليوم هو أكثر الأيام التى تلقيت فيها اتصالات تحثنى على الذهاب إلى الاتحادية، وذهلت من العدد المهول الذى وجدته هناك، كنا فى انتظار خطاب السيسى الذى تأخر، ما زاد حالة القلق، ولاحظت ظهورًا مكثفًا لأعضاء التيار الشعبى المصرى، وكان واضحًا أن لهم دورًا كبيرًا فى الترتيب لاعتصام أمام الاتحادية، إذا جاء خطاب السيسى فى مصلحة الإخوان.

وحين بدأت إذاعة الخطاب ساد الهدوء محيط الاتحادية، وانصرف كل منّا إلى أقرب مكان يسمع منه جيدًا، وتجمعت الأعداد حول السيارات، التى فتحت أجهزة الراديو، واقتربت بصحبة أصدقائى من إحدى السيارات. هدأ القلق وراح التوتر والترقب مع إعلان السيسى عن خارطة الطريق وعزل مرسى، لكن الجميع ظل منصتًا حتى انتهى الخطاب وبدأوا فى التهليل والتكبير والتعبير عن الفرح، فانطلقت الزغاريد، واحتضن كل منا الآخر، وانهمرت الدموع على الوجوه.

ووقتها أدركت أن السيسى سيدفع ثمن خطابه، وظلت عيناى تدمع دموع الفرح، وأنا لا أصدق أن السيسى، الذى قيل لنا إنه «إخوان» وإن نساء أسرته منتقبات، انحاز للشعب ضد مرسى الذى عيّنه لأنه واحد منهم كما يراد لنا أن نصدق. كانت سماء الاتحادية تصدح بأجواء فرح عارمة ومكبرات الصوت على المنصة تذيع الأغانى الوطنية بصوت عبدالحليم حافظ، وشادية.. «يا حبيبتى يا مصر»، وزادت حماسة المتظاهرين.

صباح ٤ يوليو قررت الذهاب إلى اعتصام رابعة، استعددت نفسيًا جيدًا، علىّ أن أنسى أننى من الأعداء، وأخفى فرحتى بعزل مرسى قدر الإمكان، فلا بد أن القابعين على أبواب رابعة العدوية لن يرحموا أحدًا نزل ضدهم، أو حتى عارضهم بكلمة، لا بد أنهم لم يناموا ليلتهم الماضية بفعل الضربة الموجعة التى تلقوها.

فى الطريق إلى رابعة كان واضحًا أن الحياة بدأت تعود إلى الشوارع على عكس الأيام الماضية، التى كنت أشعر فيها بأن البلد تجمد وفى انتظار ما يذيب الجليد، وبمجرد وصولى إلى جامعة الأزهر بمدينة نصر، بدأت تظهر ملامح الاعتصام.

عدد كبير من السيارات مصطف على الناحيتين، والأتوبيسات تُنزل القادمين من الريف، وكل منهم يحمل فى يده كيس بلاستيك أو حقيبة سفر صغيرة، وسخانات الكهرباء الصغيرة، وقد زادت الحواجز الأمنية، واتسعت المساحة، وتغيرت وجوه المسئولين عن تفتيش القادمين، قابلت هذه المرة أشخاصًا أكثر احترافية فى تأمين الاعتصامات، وظهر الرجال الذين يحملون العصىّ والشوم، وأصبحت إجراءات التفتيش أكثر صعوبة وتستغرق وقتًا أكبر، وكانت مشكلتى مع اللجان الشعبية تتلخص فى الكاميرا التى أحملها لأسجل بها كل ما أستطيع تسجيله، فقد بدأت أتعامل مع الاعتصام بشكل مختلف، الآن أريد اكتشاف كل ما يدور داخله ورصده وتسجيله.

بدا واضحًا أن أعداد الخيام تضاعفت، وأضيف على من رأيتهم سابقًا خليط من البشر، وزادت أعداد النساء بشكل ملحوظ، بعضهن كان يساعد فى ترتيب الخيام ونصبها، كما تضاعفت أعداد الأطفال، وأصبح التجول فى الميدان أصعب بكثير من الأيام السابقة على عزل مرسى.

كان الجميع فى انشغال تام بتجهيز الميدان والاعتصام، أنت أمام خلية نحل، كل من فيها يتحرك، وفى اتجاهات مختلفة، وقد اصطدمت مرات عديدة بأشخاص يحملون معدات وخيامًا لنصبها.

دخلت الميدان فى الحادية عشرة صباحًا، وتركته فى العاشرة والنصف مساءً، وشكله كان يتغير كل ساعة تقريبًا، كل ساعة تزداد تفاصيل الزحام فيه، ويتضاعف عدد المشاركين. لحظة دخولى الميدان شاهدت سيارات ربع نقل كثيرة تحمل لافتات ومعدات وخيامًا وأعمدة خشبية، وكانت هناك مجموعات كبيرة من الشباب صغير السن، تفترش الأرض، وتكتب على هذه اللوحات ما يريدون من شعارات لتجهيزها وتعليقها فى أرجاء الاعتصام.

فى منتصف اليوم، وتحت الشمس الحارقة، زادت هيستريا الكتابة على جدران المبانى فى محيط الاعتصام، خاصة المبانى التابعة للقوات المسلحة، تصف ما حدث بـ«الانقلاب».. وبدأ أنهم قرروا ترسيخ كلمة «انقلاب» فى أذهان المصريين، وكانت كل بوستراتهم ولافتاتهم تؤكد ذلك. وحتى من كانوا يتحدثون على المنصة، ورغم أننى لم أتبينهم أو أميز أصواتهم، كلهم كانوا يصرخون بأصوات عالية وبطريقة هيستيرية رفضًا لـ«الانقلاب»، وعُلق خلفهم ملصق كبير بطول المنصة، يعتبر ما حدث انقلابًا على شرعية الرئيس.

معظم الإخوان يستغلون الأحداث والتجمعات الخاصة بهم لإقامة علاقات مصاهرة

وبعد منتصف اليوم بدأ الاعتصام يأخذ شكله، الذى ظهر به بقية الأيام، من حيث التنظيم. وكان الجميع- خاصة القواعد- فى حالة غضب غير طبيعية، والهتافات أغلبها صراخ، واتسعت حدود الاعتصام لتشمل من أول «التنظيم والإدارة» عند مدخل النصر، وحتى مبنى إدارة المرور من ناحية «طيبة مول»، وضمت الشوارع الجانبية، وبدا أن المسئولين عن تنظيم الاعتصام كانوا على علم بكل تفاصيل الشوارع الجانبية، والمنطقة المحيطة بالاعتصام، وكيف يستغلونها، فضموا دار المناسبات ومبنى سكن طالبات جامعة الأزهر. وقد بدأت تظهر الأسر، وتضم الخيام عائلات.

كنت أسمع، طوال اليوم، أن عائلات القيادات الإخوانية انضمت للاعتصام منذ الصباح الباكر، ورغم أننى ظللت أبحث عنها، وأسأل عن أماكن وجودها، فإننى لم أفلح فى العثور على أى فرد من أبناء القيادات، ولم يكن أحد يعلم أين هم، لكن الحديث عن وجودهم لم ينقطع.

وبحثت أيضًا عن أماكن الأخوات «كنت تعلمت أن أصفهن بالأخوات، وليس النساء»، وقد ذهبت إلى تجمعهن يسار المنصة. وبصعوبة شديدة تسللت إلى المنصة، وأمامها مئات النساء، أغلبهن شابات، وبعضهن تشير ملابسهن السوداء الأنيقة، التى تشبه ملابس الخليجيات، وهواتفهن المحمولة الغالية، إلى أنهن من أبناء أثرياء الجماعة، وكن يشكلن مجموعات صغيرة تضم كل واحدة منها ٤ أو ٥ فتيات يقفن بعيدًا عن الآخرين ويصلين معًا ولا يتحدثن مع الأخريات من العامة، حتى إننى شعرت بأن هذا الانفصال متعارف عليه فى الجماعة، وأنه لا يجوز للفقراء الاقتراب من الأثرياء.

جلست وسط الأخوات نحو ساعة ونصف الساعة، مرت خلالها صلاة العصر. وبعد الصلاة افترشت الأخوات الأرض وانشغل معظمهن بترديد الأذكار، وانشغلت الأخريات بالأحاديث الجانبية، وجلست بينهن أتفحص الوجوه الغاضبة المحتقنة، فى انتظار الانتهاء من ترديد الأذكار، ومرت الدقائق وعيناى تتفحص المحيطات بى من فتيات صغيرات تجمعن حول جهاز كمبيوتر محمول، يطالعن المواقع الإخبارية الإخوانية، فقد كنت ألمح الشعارات الإخوانية تعلو صفحة الكمبيوتر.

وبينما انشغلت عيناى بالتفحص والمراقبة، تابعت أذنى الهتافات الحماسية والصيحات التى تنطلق عبر المنصة، وتنتفض لها الأخوات وقوفًا، حتى إن بعضهن اصطدمن بى أكثر من مرة.

وحاولت استعادة توازنى، وتقليل مراقبتى للأخوات، والانضمام لهن فى الهتاف خلف الواقفين على المنصة، حتى بدأوا فى توجيه الدعاء على أعداء الإسلام، والدعوة بنصرة الرئيس المؤمن، وجدتنى أحرك شفتاى فقط دون تفاعل حقيقى مع ما يقال.

وشهد هذا اليوم وجودًا حقيقيًا لـ«الميديا» ووسائل الإعلام الغربية، وأيضًا سيارات البث الخاصة بالتليفزيون المصرى، وقد تغير شكل المنصة تمامًا، فقد أعادوا بناءها، وأصبحت أكثر اتساعًا وتم تجهيزها على مستوى عالٍ، وعُلقت عليها اللافتات والملصقات الكبيرة، وفُرشت أرضيتها بالسجاد، وتحول محيط المنصة، خلف الاعتصام، المواجه لصحن جامع رابعة، إلى ما يشبه ثكنة عسكرية سيطر عليها حراس الجماعة، وأعتقد أنهم كانوا غير مصريين، فلهجتهم مختلفة عنا! وأغلقوا الباب المؤدى إلى المنصة، وتم بناء حجرة بالخشب خلف المنصة وتمتد إلى أسفل المنصة، بوابة حديد، يقف عليها حارس ممنوع أى أحد يدخلها أيًا كان، إلا قيادات الجماعة.

 يومًا بعد يوم بدأت تظهر جنسيات أخرى داخل اعتصام الإخوان فى رابعة لا سيما السوريات

الذى كان له دور فعال وقتها وتحدث كثيرًا هو مذيع قناة الجزيرة أحمد منصور، والبلتاجى، وصفوت حجازى، وقيادات الجماعة الإسلامية، والجبهة السلفية، وجميعهم كان يتحدث فى اتجاه واحد هو رفض الانقلاب وعودة الشرعية.

يومًا بعد يوم بدأت تظهر جنسيات أخرى، لا سيما السوريات، وبدأ الاعتصام يأخذ شكل التجمعات السكانية، وانتشار الباعة، خاصة الأدوات التى يمكن استخدامها فى عمليات تجهيز الميدان للاعتصام ونصب الخيام.

الموجودون داخل الاعتصام كانوا منشغلين بطريقة كبيرة بترتيب وضعهم داخل الميدان، مما أضعف فرصة الدخول فى أحاديث جانبية معهم.

وبدأ استقدام الأجهزة الكهربائية، من مراوح وتليفزيونات التى كانت تعمل فقط على المحطات الفضائية التى تنقل الاعتصام، مثل: «الجزيرة واليرموك والقدس»، وكانت جميعها معروفة للمتظاهرين شارتها وتردداتها. وبدا واضحًا الانتشار الملحوظ لحمَلة «الشوم». وعلى نهاية اليوم كانت أعمال تجهيز الميدان للاعتصام أوشكت على الانتهاء، وبدأ الميدان يأخذ شكله الذى اعتدناه فيما بعد، وبدأت تظهر ملامح مداخل الميدان ومخارجه، وفرض الإخوان سيطرتهم عليه، واتضحت فكرة توزيع الأدوار، وكان الناس فى الخيام يتحدثون بأصوات عالية وصراخ، خاصة مع تردد الأخبار عن موجة اعتقالات شملت قيادات الإخوان، خاصة القبض على المرشد العام محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر. وكان الجميع يتحدث بعنف ولا مشكلة فى إسالة الدماء، وأصبحت الغالبية مهيأة إلى فكرة الدخول فى معركة مع القوات المسلحة.

بدأت أتحرك من الميدان فى اتجاه الخروج من شارع النصر، بدا واضحًا أنهم قرروا استغلال كل شبر فى المنطقة المحيطة فى رابعة العدوية إما من قبل الباعة الجائلين أو من الإخوان. وعند خروجى اصطدمت بأفواج من الرجال تدخل الميدان، تبدو على هيئتهم أنهم من الصعيد، لم يكن بينهم أطفال ولا سيدات، كان يبدو عليهم التحفز والحماسة وبعضهم كان يحمل حقائب «هاندباج».

بعد مرورى من البوابة، إلى الخارج وجدت نحو ٥٠ أتوبيسًا اصطفت خلف بعضها، بطول شارع النصر، وتحمل لوحات بعضها من أسيوط والبعض الآخر من قنا، كان بعض هذه الأتوبيسات أفرغ حمولته والبعض الآخر ما زال. ولاحظت وجود عدد كبير من الدراجات البخارية يصل عددها إلى المئات مفصولة غالية الثمن عن الرخيصة، كان واضحًا أن هناك من يتولى عملية إنزال القادمين من الأتوبيسات وإدخالهم الميدان، لذا كان من الصعب الحديث مع أحد القادمين. اضطررت إلى أن أصل إلى سيارتى وأمكث فيها قليلًا حتى لا ألفت الانتباه، وعدت مرة أخرى لأسأل القادمين لماذا جاءوا، لكن بعدما تركت الكاميرا فى سيارتى.

عدت للميدان مرة أخرى بحجة أننى فقدت بطاقتى داخل الميدان، ودخلت مباشرةً إلى منتصف الميدان، ولأنى لم أكن قد رتبت ماذا أفعل، دخلت إلى دورة المياه فى الطابق الثانى فى دار المناسبات، لم أستغرق دقائق قليلة، وعدت فى اتجاه الخروج، ووقفت على بُعد ٥٠ مترًا من مدخل الميدان، وكانت الوفود الصعيدية ما زالت تتدفق، والغريب أنهم بمجرد دخولهم كانوا يندمجون بشكل سريع فى الاعتصام، ويتعرفون على بعضهم، والبعض الآخر يذهب فى اتجاه خيام معينة.

ذهبت وسألت أحدهم، كان يقف بين ٥ أشخاص: أنتم قادمون من الصعيد؟.

أحدهم رد بـ «نعم» والآخر سألنى لماذا أسأل، فقلت له إن أقاربى يريدون المجىء، وهناك من يقول إن الطريق مقطوع، فقال لى إن الطريق ليس مقطوعًا، هم من أى منطقة بأسيوط؟ قلت له قرية اسمها منقباد تابعة لمركز أسيوط.

نادى الرجل على شخص يُدعى حسن. شاب فى الثلاثينيات يبدو أنه متعلم، وتظهر عليه ملامح القيادة، كان يحمل ٣ هواتف موبايل، ومعه حقيبة أوراق. قال له الأخت تقول إن أقاربها فى مركز أسيوط، ولا يستطيعون المجىء إلى هنا، ويخافون من ظروف الطريق ويريدون وسيلة نقل.

لم يسألنى «حسن» عن أى تفاصيل، فقط قال لى أعطينى أسماءهم ومكانهم، ووسيلة اتصال بهم، وسنوفر وسيلة لنقلهم إلى هنا. كان الأمر بالنسبة لى مفاجئًا وكأنى ورطت نفسى، حاولت أن أبدو طبيعية وشغلت نفسى بالبحث فى حقيبتى واستخدام هاتفى المحمول لأهدأ قليلًا، وأفكر فى طريقة للخروج من المأزق، لكنه انزعج وبدأ يسألنى بعصبية عن أسمائهم وأين يسكنون؟ فاضطررت لأن أقول اسم شقيقى وعنوانه، ورقم هاتف منزلنا فى أسيوط، الذى لا يعمل منذ سنوات، فابتسم ابتسامته الصفراء المعتادة وقال لى: سنرتب كل شىء، بارك الله فيكِ.

جماعة الإخوان أحضرت عناصر من مختلف المحافظات من أجل المشاركة فى الاعتصام وتنظيم مسيرات

عرفت أن هؤلاء جاءوا من محافظاتهم لتنظيم مسيرة من «رابعة» إلى «الاتحادية»، ثم ستعود إلى «رابعة»، وأنهم سيعودون إلى محافظاتهم يوم السبت، وبعدها غادرت الميدان.

وفى لحظة الخروج تزايدت الوفود. وتراصت أتوبيسات المحافظات، بجوار سيارات فارهة، معظمها من ماركة مرسيدس، خارج الميدان.

عدت إلى منزلى فى الحادية عشرة مساءً تقريبًا، وجلست أمام شاشات الفضائيات، التى كانت تحلّل تداعيات عزل مرسى وإعلان خارطة الطريق، وتأدية الرئيس عدلى منصور اليمين الدستورية. داخل «رابعة» لا يمكن أن تعرف شيئًا مما يدور خارج الاعتصام، وكأنك تدخل عالمًا آخر، ومصدر الأخبار فقط كانت المنصة والقنوات الفضائية الداعمة للإخوان.

استيقظت فى الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة ٥ يوليو، على شائعات متناقضة حول تفاصيل القبض على رجلى الجماعة القويين، المرشد محمد بديع، ونائبه خيرت الشاطر، فطوال الليل تبارت القنوات الفضائية فى إذاعة أخبار القبض على الرجلين، والكل يضع شارة «حصرى». لكنى كنت فقدت الثقة فى كل من حولى. قررت الذهاب لأرى بعينى وأسمع بأذنى وأرصد بكامل حواسى حال معتصمى رابعة بعد القبض على قياداتهم.

انطلقت إلى رابعة، وبينما كنت أعلى كوبرى أكتوبر فى اتجاه شارع النصر، رأيت المشهد مهيبًا. مئات المتظاهرين ينتشرون خارج الميدان وحالة التأهب واضحة عليهم، رغم أن الساعة الآن لا تتجاوز الثامنة صباحًا. أبطأت سرعة سيارتى استعدادًا للنزول من الكوبرى، والخضوع للتفتيش، بعدما اكتشفت أن هناك نقاط تفتيش للسيارات والأفراد قبل حدود الاعتصام.

هذا المشهد لم أرَه من قبل، لم يكن امتد عمل اللجان الشعبية حتى كوبرى أكتوبر، ولم أرَ من قبل الحشود فى طريقها للميدان. تخيلت فى اللحظة الأولى أنهم يخلون الميدان، وأن الجماعة استعانت بشبابها الأقوياء لإرغام من يرفض مفارقة الميدان على الرحيل، بعد عقد صفقة. وأنا على الكوبرى تبين الأمر جيدًا، لم يفضوا الاعتصام، لكنهم تمددوا. أعضاء اللجان الشعبية يصطفون فى صفوف خلف بعضها، بين كل صف والآخر نحو ٥٠ مترًا. وكان الأمر شديد التنظيم، وبدا أنه طريقة جديدة لإعادة ترتيب أوضاع الميدان وعملية الدخول إليه.

الزميلة فيروز عبدالعزيز داخل اعتصام رابعة
الزميلة فيروز عبدالعزيز داخل اعتصام رابعة

سألنى شاب فى الثلاثينيات من عمره بصوت حاد ومتسرع: داخلة الاعتصام؟ 

- إن شاء الله.

طلب منى النزول من السيارة. فترجلت على الفور، وفتشوا سيارتى تفتيشًا متأنيًا ودقيقًا، ودون استئذان أخذ أحدهم حقيبة يدى وفتحها وفتشها، وأخذ كارنيه الدراسات العليا الخاص بى، وأعطاه للشاب الذى سألنى فى البداية.

ولم يلتفت أحد إلى حالة الاستياء والذهول البادية على ملامحى، وبعدما دقق الشاب الثلاثينى النظر فى الكارنيه وأعاد قراءة بياناته أكثر من مرة، سألنى عن الكاميرا التى أحملها وفيما أستخدمها، قلت له إننى أصور الاعتصام، وأنشر الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعى، فدقق النظر مرة أخرى فى الكارنيه وفى صورتى القديمة المتهالكة، وأعاده إلىّ، وطلب منى ركن السيارة والسير حتى الاعتصام، دون أن يعطينى أى فرصة لأسأله عن ضرورة هذه الإجراءات المشددة، عن الأيام السابقة.

بالفعل أوقفت السيارة بجوار منزل كوبرى أكتوبر، وحملت حقيبة يدى والكاميرا وسرت على قدمى، ولم أكد أتجاوز بضعة أمتار حتى استوقفتنى الحواجز الأمنية المنتشرة فى شارع النصر، ولم ينقذنى من بين أيديهم تأكيدى لهم أننى تعرضت للتفتيش قبل دقائق.

 دون استئذان أخذ أحدهم حقيبة يدى وفتحها وفتشها وأخذ كارنيه الدراسات العليا الخاص بى

فتشونى أكثر من مرة، وعندما أعلنت تذمرى مما يحدث، وأننى تعرضت للتفتيش أكثر من ٣ مرات، جاءنى شاب صغير برفقته فتاة، وطلب منها اصطحابى للداخل، حتى يتم تفتيشى ذاتيًا.. لقد حدث ذلك وبشكل مهين جدًا. أوقفتنى الفتاة فى ركن جانبى بجوار الحاجز الأمنى، الذى أصبح حائطًا، يقطع الشارع بطول مدخل الميدان.

دون استئذان انطلقت الفتاة تتحسس جسدى بطريقة عنيفة ومستفزة، وتنظر إلىّ متأهبة، كما لو كانت تنتظر أى تذمر أو اعتراض منى، لتجد سببًا لتأديبى وربما صفعى على وجهى أو حتى تعذيبى. فكيف لى أن أعترض على إجراءات تأمين الميدان، حتى لو كانت عمليات التفتيش لا تنتهى؟

لم يكن أمامى غير امتصاص الغضب، وكتم دموعى حتى تنتهى. لكن الواقعة أعادتنى بالذاكرة إلى زيارة قمت بها مع صديقتى لأحد أقاربها فى السجن. تعرضنا للتفتيش بالطريقة نفسها، ما جعلنى أتيقن أن هذه الفتاة زارت السجن كثيرًا وتمارس علىّ ما كان يُمَارَس عليها.

حاولت جاهدة أن أبدو غير متذمرة، وأحسست وقتها بأن عينى ستخذلنى، وتذرف دموع الإحساس بالمهانة. وكم تمنيت لو شاهدت هذه الفتاة مرة أخرى بعيدًا عن الميدان. توقفت الفتاة وانصرفت وكلى غضب باتجاه الميدان. أعتقد أنهم عاقبونى على رفضى التفتيش المتكرر أو هذه طريقة لردع أى شخص يفكر فى الاعتراض على قراراتهم. وكان ذلك واضحًا فى طريقة استدعاء الفتاة وتعاملها معى.

وفى عز الغضب والعجز أفقت على الفتاة تنادينى.. أنتِ أنتِ، خذى حقيبتك. فقد كنت انصرفت دون أخذ حقيبتى. أدرت وجهى ناحيتها مرة أخرى، وأنا أنظر فى الأرض، خوفًا من أن تتلاقى عينها القوية وعينى المكسورة، وأفقد أعصابى وتكون العواقب وخيمة. مددت يدى وأخذت حقيبتى دون أن أنظر إليها وانصرفت.

ساقتنى قدماى باتجاه دورات المياه لأغسل وجهى، وألملم أشلاء نفسى، وأعود إلى بيتى وكفانى ما حدث. لكن ودون أسباب قررت البقاء فى الميدان.. ورغم أننى تعرضت للتفتيش كثيرًا طوال أيام الاعتصام فإن هذه المرة كانت الأكثر إيذاءً لى. والتفتيش الذاتى كان قرارًا لحظيًا لأعضاء اللجنة الشعبية، ولا قواعد ثابتة له.

وقبل أن أتجول داخل الميدان، اصطدمت بأعداد كبيرة من الرجال، يصطفون أمام الخيام، وينتشرون بينها، يحملون الشوم والعصىّ وينفذون ما يشبه حملة تفتيش داخلية، فقد كانوا يدخلون إلى الخيام ويفتشونها ويعرفون مَن بداخلها، وساكنو هذه الخيام لم يتذمروا أبدًا، بل تركوا حاجاتهم لهؤلاء يعبثون فيها كيفما شاءوا. والخيام شبه خاوية، رغم أن الوقت ما زال مبكرًا على صلاة الجمعة.

بصعوبة شديدة وصلت إلى حدود المنصة الرئيسية، أمام جامع رابعة العدوية، المشهد مزدحم بالتفاصيل، وعشرات الكاميرات معلقة فوق المنصة المكتظة بشباب يحملون معدات التصوير، التى يستخدمها العاملون بالمحطات الفضائية.

ظللت أتجول بعينى حولى، يمينًا ويسارًا، لأرصد حالة الميدان. وقد تعجبت من اختفاء حالة الغضب التى ظهرت أمس بسبب القبض على بديع والشاطر. واستقرت الجموع فوق المنطقة المحيطة بالمنصة، فلم يبقَ مكان لموطئ قدم، وحاولت المرور حتى الجهة اليمنى من المنصة، حيث توجد الأخوات، لكن دون جدوى. حتى تجاوزت الساعة الحادية عشرة.

لم تكن الوجوه منكسرة أو حزينة للقبض على قيادات الجماعة، وأيضًا لم تكن سعيدة، بل كانت تسيطر عليها حالة من النشاط والتأهب، وكانت الأنظار مشدودة نحو أمر ما، أنا لا أراه... حالة الهرج والمرج تسيطر على الميدان ومئات الشباب الصغار «طلاب جامعة» ينتشرون، ويهرولون يمينًا ويسارًا، ويحملون أشياءً ويصطحبون أشخاصًا ويوزعون العصائر وأغطية للرأس. وقفت أمام الحاجز الذى بُنى بأحجار تم خلعها من رصيف الشارع.

الأمر يوحى بأننا مقبلون على حدث كبير، حركة الميدان متسارعة، ومسيرات صغيرة تجوبه، وخيامه خالية من البشر؛ فالجميع يتحرك، ومداخله ومخارجه صارت أشبه بثكنات عسكرية بفعل عمليات البناء والتأمين، وسيارات ضخمة تنقل مواد البناء، وأصوات الهتافات تملأ الأرجاء. الكل منشغل بعمل ما يؤديه. كل ذلك كان يقول إننا مقبلون على حدث ضخم.

وقد كان مشهد السيارات التى تنقل مواد البناء غريبًا جدًا بالنسبة لى، فلم أفهم سبب وجود كل هذه السيارات، وما تحمله من مواد تكفى لبناء سور حول مدينة.

وبينما أسترق السمع علمت أن اليوم سيشهد مسيرات للشوارع المحيطة بالاعتصام، وستقطع خلاله الطرق وتعطل الحياة فى المنطقة للإعلان عن قوة الاعتصام. يريدونه مثل أيام ٢٥ يناير الأولى فى التحرير.

كانت حرارة الشمس أقل سخونة من الأحداث على أرض الميدان، وهناك من تسألنى عن كيفية المشاركة فى المسيرة المتجهة إلى شارع الطيران، وأخرى تسأل عن الانضمام للجان التفتيش النسائية عند البوابات.

وانتشرت أنباء عن لقاء أعضاء تحالف دعم الشرعية، خاصة القيادى الإخوانى عمرو دراج، مع مسئولين أمريكيين للضغط على الجيش لإعادة الشرعية، وشائعات تؤكد عودة الرئيس ما بين ليلة وضحاها، والحالة المعنوية فى ارتفاع ليس له مبرر من وجهة نظرى، فالجماعة الآن فى غرفة الإنعاش تقريبًا، لكن وجوه المعتصمين ومن ينتشرون بالميدان وحالة النشاط، توحى بأن شيئًا ما يحدث لا أستطيع توقعه.

ظللت أقف بجوار الحاجز فترة طويلة، لأستكشف المكان وأحاول استيعاب ما يحدث، وفوجئت بشاب يلقى على رأسى من أعلى سلكًا كهربيًا، ويطلب منى أن أساعده فى تركيبه. بينما يتحدث من يقفون بجانبنا عن مسيرات قادمة من كل بقاع مصر، خاصة المناطق القريبة من الاعتصام، وتحديدًا عين شمس.

وقال لى الشاب الذى ساعدته فى توصيل سلك الكهرباء من عمود الإنارة إلى مجموعة الخيام القريبة، إن ما يقرب من عشرين مسيرة تضم آلاف المؤيدين للشرعية رجالًا ونساءً، خرجت من عين شمس فى اتجاه الاعتصام للانضمام إلى مسيرات ستخرج اليوم عقب كلمة «سيدنا».

كنت قد سمعت كلمة «سيدنا» تقال ذات مرة، على المرشد محمد بديع، قالتها بالصدفة إحدى الفتيات التى انتقدت الإعلام والهوجة الإعلامية على «سيدنا» عندما وصف الإعلاميين بـ«سحرة فرعون». وعندما كررها الشاب فهمت لماذا حالة النشاط والتأهب العالية التى يبدو عليها الميدان، وتوقعت أن المرشد سيأتى أو ربما أتى بالفعل لإلقاء كلمة أمام المعتصمين.

خشيت أن أسأله، ماذا يقصد بكلمة «سيدنا»؟، فمعلوماتى وما ردده الإعلام أن بديع قُبض عليه مع الشاطر، فكيف سيأتى وقد قُبض عليه؟، قلت ربما يكون الشيخ يوسف القرضاوى، أو أحد كبار الجماعة. ولم أسأل الشاب حتى لا ألفت الانتباه إلى أننى لست منهم.

وقتها أدركت أهمية الذهاب إلى محيط المنصة للاستماع إلى كلمة المرشد، إن صدق توقعى، ثم بدأت الشائعات تنتشر: «سيدنا سيحضر الدكتور مرسى معه لإلقاء كلمة يعلن فيها قيام دولة الإسلام وتعليق المشانق لجميع المعارضة».

وفى طريقى للمنصة كنت أحاول جاهدة اختراق صفوف البشر، التى أصبحت متلاصقة تمامًا كأنهم بنيان مرصوص بمهارة وتنظيم، ولم أستطع الوصول إلى محيط المنصة فاعتليت أحد الأرصفة المجاورة لها، بصعوبة شديدة، وأمسكت الكاميرا، لأسجل بها كل ما يحدث على المنصة. وبدأ الأمر طبيعيًا، فليست هناك شخصيات مهمة، فقط بعض شباب الجماعة وشيوخها المعروفين، يتحدثون عن عودة الشرعية.

وفجأة، ودون سابق إنذار، أمسك أحدهم بالميكروفون، وكان يعرفه المعتصمون، فهتفوا وصفقوا له. وأخذ الرجل يردد عبارات إسلامية، بطريقة توحى لك بأننا مقبلون على معركة حربية.

وقد قال بصوت جهورى: الله أكبر.. الله أكبر ولله الحمد. ورددوا هم من خلفه بصوت زلزل أرجاء منطقة رابعة. كرروا الأمر عدة مرات، هو يهتف وهم يرددون. ثم بدأ كلمته وقال: بسم الله الرحمن الرحيم.. إن الله يدافع عن اللذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور، الحمد الله الذى جعلنا من الذين آمنوا، وسبحانه وتعالى هو المدافع عنا. من خان العهد وخان الأمة وخان القائد وخان الرئيس، إن الله لا يحبهم وسيقيم الحق ويبطل الباطل. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

وهنا ظهر «بديع» فوق المنصة، بعد أن ظللت لدقائق أتشكك فى شخصيته، لأن من يحيط به من شباب ضخم البنية، يخفونه بينهم.

«جاءكم أستاذنا وحبيبنا ومرشدنا».. قالها الرجل الممسك بالميكروفون، وهو يقدمه.. الأستاذ الدكتور محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين فى مصر والعالم بأسره. ثم علت الصيحات والهتافات، وأخذوا يرددون أغنية أو نشيدًا خاصًا بهم.

وتوقف الزمان بالنسبة لى عند هذه اللحظة، ولأن الرجل قصير القامة والحراسة تحيط به من كل جانب، كان من الصعب أن تتأكد أنه هو المرشد بديع بالفعل، رغم أن من قدمه قال إن المرشد سيتحدث، والواقفون هللوا له، لكنى لم أستوعب ذلك، وربما لأنى ارتحت نفسيًا لمسألة القبض عليه. وعندما تأكدت منه وأنه هو فعلًا، ظننت للوهلة الأولى أن ما قيل عن إحضاره مرسى ربما يكون حقيقيًا، وربما بعد دقائق أجد مرسى على هذه المنصة، وبرفقتهما خيرت الشاطر. وقد بدأت أتهيأ لذلك نفسيًا.

استجمعت قواى وأخذت أنظر فيمن حولى فوجدت بعضهم يبكى فرحًا، والوجوه أعيدت لها الحياة، وتوردت، وملأتها الابتسامة، وأنا فقط أتفحصها، لا أصدق حالة الوَلَه التى أراها، الكل مشغول عن أى شىء لا ينظرون إلا إلى «سيدهم». لمحت وجوه النساء القريبة منى وقد بكت أعينهن، ربما كانت هذه المرة الأولى التى يرين فيها المرشد وجهًا لوجه.

وقبل أن يبدأ بديع الكلام رفع أحد الواقفين على المنصة يده عاليًا، وأشار، فصمت الجميع. كانت مهمة هذا الرجل أن يشير للمعتصمين، ليهتفوا ويشير لهم ليصمتوا. وبدأ المرشد يتحدث وأنصت أنا له، لأعرف ماذا سيقول، وقال:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وجنود الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، نضرع بها إلى الله، الحمد لله على هذا الجمع الكريم الذى يعبر عن مصر جميعها بكل طوائفها وعمالها واتجاهاتها.. الله أكبر على كل من طغى وتكبر، الله أكبر على كل خائن، الله أكبر على كل مفرّط فى حق مصر، الله أكبر على كل من باع دماء الشهداء، الله أكبر على كل ظالم.

وهنا صاح المعتصمون: «الله أكبر.. الله أكبر»، فرفع الواقف على المنصة يده وأشار لهم بالسكوت فصمتوا تمامًا.

واستكمل المرشد: يا جيش مصر.. عُد إلى شعب مصر، يا جيش مصر.. عُد إلى ثكناتك فى قلب المصريين.

كل واحد أخذ حريته بيده بعد ثورته المجيدة وأعطى الله لنا رئيسًا حرًا لم يكمم الأفواه ولم يقصف الأقلام.. واليوم يتم التحفظ على مهدى عاكف الرجل العجوز.. مهدى عاكف «رضى الله عنه وأرضاه» لا يجوز أن يتم التعامل معه كذلك.

إن الانقلاب العسكرى باطل، وكل الإجراءات التى تمت باطلة، ليس إلا رئيس واحد منتخب، ومجلس واحد منتخب وهو مجلس الشورى.

نحن أصحاب مبادئ ونحن بصدورنا العارية أقوى من الرصاص.. ورئيسنا محمد مرسى، كل الملايين ستبقى فى الميادين حتى نحمل رئيسنا المنتخب الرئيس محمد مرسى على أعناقنا، ونحن هنا إما نحمله على أعناقنا أو نفديه بأرواحنا.

أيها الجيش المصرى العظيم.. شعبك ينتظرك يا جيش مصر، نحن نحميك فى ظهرك وأنت تحمينا من أعدائنا، نحن نفديك وأنت تفدينا، يا جيش مصر.. عد إلى مصر، عد إلى مكانتك فى قلب المصريين.

يا شعب مصر فى كل ميادين مصر، الإخوان المسلمون عشتم معهم، تعرفونهم حق المعرفة، لا يسبقونكم ولا يتأخرون عنكم.. وفى ثورة ٢٥ يناير تشهدون كيف قضينا على نظام فاسد استبد بمصر، على يد رئيسنا الحر المنتخب المؤمن، رئيسى ورئيسكم، أعتز وأفتخر بذلك، ورئيس كل المصريين.

أحبابى الأعزاء.. والله إن النساء لتخزى الرجال وأشباه الرجال، الله أكبر يا نساء وشباب مصر، نحن نعيد حقوق المصريين إليهم من محاولة دنيئة للاستيلاء على السلطة.

أقول للجيش المصرى العظيم كما قلت بعد الثورة للمجلس العسكرى «الحمد لله أن أعزنا الله بثورتنا وبجيشنا، ونحن أكثر ناس تعرضت لمحاكمات عسكرية ومضينا فى السجون أكثر من ١٥ سنة بسبب النظام البائد الذى أراد أن يوقع بين أكبر قوة متماسكة وهى الجيش العظيم، وبين أكبر قوة شعبية متماسكة وهى الإخوان المسلمين، لينفرد بمصر وثرواتها وتحمّلنا السجون وخرجنا نحب جيشنا».. لكن اللواء العصار أذكره عندما قال: احملوا هم السياسة واتركونا نحمى الحدود، وها هو ينغمس فى السياسة. وأقول لكم عودوا عن السياسة مرة أخرى، هذا دوركم.. ونحن بعد أن يعود رئيسنا المنتخب الرئيس محمد مرسى سنتفاهم فى كل شىء، إن ثورتنا سلمية وستظل سلمية، وسلميتنا أقوى من الرصاص ومن الدبابات والمصفحات، لن نترك الميادين حتى نرفع رئيسنا المنتخب فوق الأعناق.

أنهى المرشد كلمته واختفى بعدها مباشرةً، دون أى تعقيب على رحيله من المعتصمين، الذين استمروا فى الهتاف خلف الواقفين على المنصة، لدقائق، وقد حاولت الذهاب إلى خلف المنصة لأحصل على تصريحات أو أجرى حديثًا قصيرًا مع المرشد، لكن التزحزح بضعة أمتار وسط هذا الجمع كان شبه مستحيل.

وفوجئت بالمعتصمين يرددون كلمات «بديع» فيما بينهم، وكأنهم حفظوها تمامًا، وكانوا يبالغون ويقولون إنه غامر وجاء إلى الاعتصام، لأنه شيخ وكبير فى السن.. وتأكد لهم الآن ما كانوا يرددونه دائمًا من أن الدولة لا تجرؤ على القبض على المرشد. ومعظمهم كان ينفى القبض على «الشاطر» أيضًا.

ورغم أن زوجة الشاطر ظهرت على المنصة، وقالت إن الأمن كسر عليهم الأبواب، وقبض عليه فى المساء، فإن بعضهم كان يرفض التصديق.

قررت المشاركة فى مسيرة محدودة للأخوات، ستجوب أرجاء الميدان، بعد انصراف المرشد، وسمعت من يقول إن سيدنا الشيخ المريض جاء للاعتصام بصحبة طبيبه، ليشارك أبناءه اعتصامهم وليحثهم على البقاء.

وقد وقفت امرأة منتقبة أمام الأخوات قبيل التحرك تتحدث عن تدين سيدنا وعلمه، وكيف واجه النظام الفاسد طوال سنوات عمره كله، وأنه أتى للميدان مجازفًا بحياته من أجل نصرة الإسلام، ولا أقل من أن تبذل الأخوات كل غالٍ ونفيس فى سبيل الدولة الإسلامية القادمة لا محالة، بعد عودة الرئيس قريبًا.

وانطلقت المسيرة تجوب الميدان فى صعوبة، يتقدمها شابان يفسحان الطريق للأخوات، وفتاة تهتف ونحن نردد خلفها: «إسلامية إسلامية رغم أنف العلمانية». 

وقبل أن تصل المسيرة إلى نهاية الميدان، أوقفنا شاب من الشباب الأشداء فى الجماعة، وتحدث مع الفتاة القائدة للمسيرة لمدة دقائق، عادت بعدها لتخبرنا بأنهم سيتوجهون إلى مقر الحرس الجمهورى لتحرير الرئيس المختطف من قبل سلطة «الانقلاب». وهنا لاحظت اختفاء صفوت حجازى ومحمد البلتاجى، وكان يطلق عليهما «فارسى الميدان»، لم أرهما منذ الصباح، ولا حتى بجوار المرشد، رغم أنهما كانا أول المسئولين عن ترتيب أوضاع الاعتصام.

وبينما أنا منشغلة بأفكارى، لفت انتباهى حديث قصير عن أن البلتاجى وحجازى يحشدان للذهاب إلى الحرس الجمهورى، وبالفعل اعتلى حجازى المنصة وأعلن التوجه إلى دار الحرس لتحرير الرئيس من مختطفيه. وفى دقائق انتشرت أعداد كبيرة خارج حدود الميدان تستعد للانطلاق إلى الدار.

وبينما اتخذت مكانًا موازيًا للتجمع لأصورهم، لاحظت وجودًا مكثفًا لـ«الميديا» الغربية وعشرات الكاميرات تصحبهم. وكانوا خليطًا من نساء وشباب وأطفال. لكن الغريب أنهم كانوا يحملون أكياسًا وحقائب بها متعلقاتهم الشخصية، ما جعلنى أشعر بأن الأمر لن يقتصر على المسيرة التى لا يحملون فيها إلا الملصقات واللافتات. وتوقعت أنهم سيعتصمون أمام الحرس، وصدقت توقعاتى عندما أعلنوا أنهم باقون حتى تحرير الرئيس. واستمر حشد المتظاهرين لنحو ساعة قبل الانطلاق باتجاه دار الحرس الجمهورى.

وعندما خرجت لأتابع رحيل المسيرة لاحظت أن الشباب الذى يشرف على تنظيمها، يجمعون بطاقات الرقم القومى، ولم أفهم سبب ذلك وقتها. كانوا نحو ٧ أو ٨ شباب، يبدو عليهم أنهم متعلمون ويعملون فى وظائف جيدة، أعمارهم فى الثلاثينيات، وهيئتهم تقول إنهم «أولاد ناس»، وكانوا مسئولين عن الإشراف على عملية التنظيم، من ترتيب المنصة، وإحضار المتظاهرين فى أتوبيسات وتسكينهم فى الاعتصام، وكانوا إلى حد كبير يشبهون بعضهم بعضًا فى بنية الجسد، والملبس الذى يبدو عليه أنه غالى الثمن، وشكل اللحية المهذبة.

بدأوا ينظمون شكل المسيرة، أفضل مجموعة فى الشكل والملبس أو أصحاب المناصب القيادية، سواء سيدات أو رجالًا، يقفون فى الصف الأمامى لقيادة المسيرة. وكانوا دائمًا يحرصون على أن تمثل المقدمة تشكيلًا مختلفًا من الطوائف والفئات، وألا تقتصر فقط على الإخوان، دائمًا ما كانوا يسألون عن سيدات غير محجبات للوقوف فى المقدمة، أو ينتقون الشباب الذين يوحى مظهرهم وملبسهم بأنهم لا ينتمون للجماعة، غالبًا كانوا يريدون أن يُظهروا أن المسيرة ليست للإخوان فقط.

وبعد انطلاق المسيرة، كان الجميع يتحدث عن ضخامة الأعداد المشاركة فيها، وبالفعل تركت المسيرة أثرها على الميدان، حيث بدا فارغًا، على عكس ما كان عليه طوال اليوم.. كانت قنوات التليفزيون، خاصة الجزيرة، تنقل المسيرة من «رابعة» إلى «الحرس الجمهورى»، وكانت الهواتف تستقبل سيلًا من الرسائل الإخبارية.

وعلمت من المعتصمين أن الذاهبين لتحرير الرئيس نصبوا الخيام بعد مشاجرة حدثت بينهم وبين حراس المبانى العسكرية، أسفرت عن مقتل ٥ منهم أو إصابتهم، دون تحديد على وجه الدقة، واكتشفت بعدها أن ذلك لم يكن صحيحًا بالمرة، بل مجرد شائعة مثل كل الشائعات التى كانت تتقاذف أمام أعيننا طوال الوقت.

وزادت الشائعات أكثر، فالبعض تحدث عن مهاجمة المتظاهرين للحرس الجمهورى، وأن قوات الحرس أطلقت عليهم الرصاص، والبعض تناقل رواية أخرى تناقض هذه الرواية تمامًا. وأخذ المعتصمون يرددون كلمات نسبوها للشيخ صلاح سلطان، مساعد وزير الأوقاف فى عهد مرسى، وحديث البلتاجى لضباط الحرس الجمهورى، وكيف أنهم سيعودون بالرئيس فجرًا أو بعد غدٍ على أقصى تقدير. وشاع أن ضباط الجيش تأثروا بكلام البلتاجى لدرجة أن بعضهم بكى، وذهبوا إليه وقبلوا يده ورأسه.

وظل الميدان طوال المساء منشغلًا بمحاصرة المعتصمين للحرس الجمهورى، ومن بقى هنا يُعلق الآمال العريضة حول المرابطين هناك، فقد شبّه المعتصمون من ذهبوا بفرسان الحروب الإسلامية، وظلوا يتحدثون عن قدراتهم وأنهم مدربون ولديهم قدرة قتالية عالية تجعلهم يتصدون للقوات العسكرية، ويفكون أسر الرئيس ويعودون به إلى الميدان.

كان كل حدث يشبهونه بأحداث تاريخية، إما وقعت أيام الرسول أو فى عصر الدولة الإسلامية، أو حتى أيام الرئيس جمال عبدالناصر.

ولم يتطرق أحد لأى أحاديث غير الحديث عن المرابطين أمام الحرس الجمهورى ومطالبتهم بفك أسر الرئيس بالقوة. وقد سمعت أثناء مغادرتى للميدان، أحد أفراد التأمين يقول لمرافقيه، إن الأبطال سيحررون الرئيس ويعودون به وسنقيم العرس غدًا بالميدان، والرئيس سيعدم الإعلاميين، والقضاة والداخلية.

ولأننى كنت قد اعتدت على شائعات الميدان، ومغالاة مَن به فى ذكر كل شىء، لم يشغلنى ما يقولون عن عودة مرسى، لكننى كنت أتوجس من مسألة المرابطة أمام الحرس الجمهورى، فقد شاهدت المتظاهرين أثناء مغادرتهم الميدان يحملون متعلقاتهم الشخصية، وما يلزمهم لقضاء أيام قادمة، وهذا يعنى نيتهم البقاء لأيام، وربما يحدث اشتباك أو احتكاك بينهم وبين قوات الجيش خاصة فى ظل حالة الشحن التى يتعرضون لها طيلة الأيام الماضية بالاعتصام، ومع إصرار القيادات وحثها الشباب على عدم العودة دون تحرير الرئيس.

كنت وصلت إلى ذروة الإرهاق والتعب، كان اليوم صعبًا والحر قاسيًا، حتى إننى وصلت منزلى فى حالة إعياء شديدة جعلتنى طريحة الفراش لليوم التالى، الذى كنت قد قررت ملازمة منزلى فيه، والاكتفاء بمتابعة الأحداث عبر التلفاز. وبالفعل ظللت أمام قناة الجزيرة طيلة يوم ٦ يوليو فى انتظار حدث كبير كنت أتوقعه أمام دار الحرس الجمهورى.

بعدما قضيت أمس السبت أمام شاشة التلفاز فى بيتى، قررت المرور على الميدان اليوم لاستطلاع الأحوال، ولم أكن أنتوى البقاء كثيرًا فيه، فارتديت ملابسى العادية تحت العباءة السوداء، حتى إن خرجت من الميدان نزعتها عنى ومارست حياتى بشكل طبيعى.

عندما اقتربت من الاعتصام، لاحظت أن إجراءات التشديد الأمنى، التى سيطرت على الأمور أمس الأول، يوم زيارة المرشد، اختفت وتراجع الحاجز الأمنى من عند مهبط كوبرى أكتوبر إلى مكانه أمام ميدان الاعتصام، وتحول من أشخاص وصفوف بشرية، إلى حجارة وكسر الرصيف المرصوص.

وبعد اجتياز التفتيش، دخلت الميدان، وقد عادت الأعداد التى اختفت ليلة الجمعة، مع خروج مسيرة الحرس الجمهورى، وامتلأ الاعتصام بالقواعد الإخوانية، وزادت أعداد غير المصريين، وانتشرت سيارات المأكولات وبيع الأدوات المنزلية والأحذية، وأغطية الرأس «القبعات»، والمستلزمات الشخصية، وتحول جزء كبير من أرض الميدان إلى سوق شعبية، وانتشر أطفال الشوارع يتجولون يمينًا ويسارًا، وبعضهم يحمل عصا غليظة ويمشى مزهوًا بنفسه.

وهكذا فقد عاد الميدان إلى شكله التقليدى خلال الأيام السابقة، خاصة أيام ثورة يونيو، وهو ما لم يتغير كثيرًا فى الأيام اللاحقة. 

والشائعات عن عودة الرئيس ما زالت متناثرة، والمنصة تعِد المعتصمين بالجنة والفردوس الأعلى.

وأعلن صفوت حجازى من على المنصة عن تصعيد جديد، والتجهيز لتحركات ضخمة تعيد الرئيس المختطف إلى الحكم، وأن هناك استعدادات كبيرة لمسيرتين مساء اليوم إحداهما تنطلق إلى مقر الأمن الوطنى، والثانية تنضم للمرابطين أمام الحرس الجمهورى، وقد ظل الإعداد للمسيرتين والإعلان عنه عبر المنصة مستمرًا حتى انتهاء صلاة العشاء، ثم انطلاقهما.

وسرت شائعات أخرى عن انضمام بعض المشاهير لمسيرة الحرس الجمهورى، خاصة نجوم كرة القدم وبعض الفنانين والسياسيين ورموز حركة شباب ٦ أبريل.

وانتشر بالميدان المراسلون الأجانب، وكأنما تم استدعاؤهم على وجه السرعة، فهم يتجولون حول المنصة ولا يعنيهم ساكنو الخيام. ولم أشهد طوال الفترة التى قضيتها فى «رابعة» مراسلًا أجنبيًا يتجول بالكاميرا بين المعتصمين فى الخيام، أو يتحدث معهم. كان عملهم يقتصر على التسجيل مع قيادات الاعتصام كل يوم، ومتابعة ما يقوله مشاهير المنصة وتصوير الحشد الدائم أمامها. كانوا نحو ١٠ مراسلين.

كنت مرهقة من أحداث يوم الجمعة، والشمس حارقة، فقررت الجلوس داخل مصلى السيدات فى مسجد رابعة، لأستريح وأنتظر حتى تنخفض حرارة الشمس. ومساحة المصلى تصل إلى ٨ أمتار فى ٨ أمتار تقريبًا، تأخذ ربعها كراتين كثيرة مخزنة. 

كانت الأخوات يتحدثن عن مهاجمة قوات حراسة دار الحرس الجمهورى المعتصمين ومحاولاتها طردهم وفض الاعتصام، لكن «المعتصمين المجاهدين صابروا ورابطوا وانتصروا عليهم وظلوا فى أماكنهم»، وسمعت سيدة وجهها أبيض منتفخ تفوح منها رائحة الثراء، تخبر الأخوات بأنها أرسلت أخوات إلى هناك بصحبة أزواجهن وأطفالهن لإعداد الأطعمة للمعتصمين هناك، ولم تُخفِ قلقها من أن تهاجم قوات الحرس المعتصمين وبينهم الأطفال.

واستطردت تحكى عنهن، وكيف أنهن أخوات مناضلات، لديهن استعداد لفداء الرئيس بأرواحهن. وقد فاجأنى حديث المرأة وهى ضخمة البنية، وفى الأغلب من زوجات القيادات، لأنهن كانوا ينادونها «يا دكتورة». وقد كان ملحوظًا انتشار الطبيبات بين الأخوات، فأغلب من يتولين تنظيم المسيرات وتحركات الأخوات طبيبات، خاصة منهن زوجات القيادات.

ظللت أستمع لأحاديث الأخوات، حتى تسرب إلى أذنى حديث عن شقق مجاورة لمسجد رابعة العدوية، يذهب إليها القيادات للاستراحة، غمضت عينى تمامًا وألقيت يدىّ بجوارى، وأخرجت صوتًا خفيفًا يؤكد أننى نائمة فى سُبات عميق.

وعادت الأخوات يتحدثن عن شقة بجوار الاعتصام، فى بناية أُقيم بها مائدة عشاء فخمة بالأمس، حضرها البلتاجى وقيادات تحالف دعم الشرعية، وآخرون أشير لهم بعبارات «الناس بتوعنا، وأقاربنا، ورجالتنا، والناس اللى انضموا لينا». لم أفهم مَن هم هؤلاء وكنت أتمنى لو أن الحديث طال بعض الشىء لأعرف مَن المقصودين، لكن إحدى الفتيات انتبهت إلى وجودى، فركلتنى بقدمها وهى تقول الصلاة حانت، اذهبى للوضوء لأن النوم يفسد الوضوء. استجبت لها وانصرفت فى هدوء، وقد بدا واضحًا ما أعانيه من إرهاق وتعب شديدين، فبادرتنى إحدى الجالسات بسؤالى: 

- أنتِ مريضة؟

- آه.

- بماذا تشعرين؟

- إرهاق وتعب بفعل شدة حرارة الشمس، وقد ظللت طوال يوم الجمعة واقفة على رجلى دون راحة.

سعدت بعض الأخوات بما قلت واعتبرنه نضالًا، وانتفضن لمساعدتى، وقالت إحداهن لأخرى: خذيها إلى أعلى تستريح، وقدمى لها شيئًا تشربه، وأعطيها دواءً مسكنًا كى تستطيع النوم.

هنا سمعت صوت المرأة الضخمة عاليًا تسألنى: ما اسمك؟

- فيروز.

- اسمك بالكامل.

- فيروز عبدالعزيز.

صمتت لدقائق، وكأنها تراجع فى ذاكرتها قوائم العائلات الإخوانية وتبحث عن اسمى بينها، ثم نظرت إلىّ وسألتنى: أنت طالبة؟

- طالبة بالدراسات العليا فى كلية الإعلام جامعة القاهرة، وأصور أحداث الاعتصام لصالح وكالة أنباء عالمية أعمل معها بالقطعة.

عنف سيدات جماعة الإخوان
عنف سيدات جماعة الإخوان

نظرت إلىّ نظرات لم أفهمها، واستمرت فى الأسئلة: أنت هنا لوحدك لا قريب ولا صديقة برفقتك؟

حاولت أن أنهى الحوار بإظهار أننى على وشك الانهيار، وقلت لها: للأسف جميعهم كلهم يعارضون مجيئى إلى الميدان ما يضطرنى إلى القدوم بمفردى. 

أنقذتنى من أسئلة السيدة، شابة لاحظت ما علىّ من إجهاد وتعب وأننى أهتز يمينًا ويسارًا من شدة الإعياء، فأمسكت بيدى وقالت لهن: اتركوها لى سأذهب بها وأبقى معها حتى تتعافى.

وبالفعل أمسكت الفتاة بيدى، وكنت أستند عليها، وخرجنا من الاعتصام حتى عمارة قريبة، دون أن يلتفت إلينا أحد ويوقفنا ليسألنا إلى أين؟

دخلت العمارة بصحبة الشابة التى علمت فيما بعد أن اسمها «جهاد»، وهى مسئولة عن شعبة داخل تنظيم الأخوات. طرقت جهاد باب الشقة القابعة فى الطابق الأرضى، ففتحت لنا شابة أخرى ترتدى ملابس النوم، وتخفى وجهها خلف نظارة طبية كبيرة نسبيًا.

كنت بالفعل أشعر بإعياء شديد، زاد فى المسافة الصغيرة بين مسجد رابعة والعمارة التى وصلنا إليها. تركتنى جهاد أجلس على أحد المقاعد الخشبية المرصوصة فى صالة الشقة، التى لم أتبين تكوينها جيدًا، لتأثير الإعياء والتعب على قدرتى على التركيز.

دخلت جهاد تتفحص الحجرات، وتوفر لى سريرًا مناسبًا، وعادت بعد دقائق، واصطحبتنى لإحدى الغرف المطلة على مبنى المرور، وقالت لى: حاولى تنامى، وسأحضر لك عصيرًا اشربيه وسوف تستيقظين من النوم بصحة جيدة، ولو أردتِ العودة للميدان عودى، وإن أردتِ الذهاب إلى منزلك افعلى، فالأمر لكِ.

ورغم أننى كنت أدرك وقتها أهمية الفرصة التى منحها لى القدر، فإن التعب والإرهاق، كانا أقوى والرغبة فى النوم كانت أكثر إغراء، وبالفعل نمت بعد محاولة فاشلة للتنصت على حديث الفتيات خارج الحجرة. فقد دخلت فى نوبة نوم عميقة.

استيقظت بعد أكثر من ثلاث ساعات، لأجد جهاد تتناول طعامًا بصحبة شابات صغيرات فى مثل سنها بالحجرة المجاورة، الغريب أنهن أغلقن باب الحجرة علىّ بالمفتاح، ما جعلنى أطلب منهن فتحه، وكنت قد استعدت عافيتى بما حصلته من ساعات النوم.

دعتنى الفتيات للجلوس معهن وتناول الطعام، وكنت بالفعل جائعة، فجلست أشاركهن وجبات الأرز وقطع الدجاج والبطاطس المحمرة. وبعد دقائق انتهى الجميع، وذهب البعض لإعداد الشاى، وقررت الأخريات الذهاب إلى الميدان، بينما خلدت اثنتان إلى النوم.

كانت جهاد ترتدى ملابس منزلية، فطلبت منى مرافقة اثنتين من الشابات، حتى الميدان، لأنها تحتاج إلى النوم قليلًا. ذكرنى الوضع ببيوت الطالبات.

وبالفعل نزلت إلى الميدان بصحبة الشابتين، اللتين لم تتركا لى أى فرصة للحديث معهما، فقد كانت خطواتهما سريعة جدًا، وكنت أجرى خلفهما تقريبًا، حتى ضاعتا منى تمامًا داخل الميدان، وظللت واقفة أبحث عنهما دون جدوى. لكن بعد دقائق جاءتنى إحداهما تخبرنى بأن الأخوات تجهزن لتنظيم مسيرة تطوف الميدان، وطلبت منى الانضمام لهن، فمشيت خلفها بوجه مبتسم، وعلى بُعد أمتار قليلة، كان التجمع يضم الشابات والسيدات، اللاتى يبدو عليهن الشقاء والفقر وتردى الأوضاع المعيشية. انضممت إليهن وغابت عنى من اصطحبتنى للمسيرة.

 كانت طالبات الإخوان تبدو عليهن علامات الامتعاض ويتساءلن لماذا نخرج نحن فقط فى المسيرات؟

وجدت نفسى بمفردى وسط هذا الجمع من الناقمين على الجيش ومؤيدى السيسى و«٣٠ يونيو»، ويكيلون السباب، والدعاء لا يتوقف لحظة، والغضب يسيطر على الوجوه.

كانت أغلب بنات المسيرة من طالبات الجامعة، تبدو عليهن علامات الامتعاض، ويتساءلن لماذا نخرج نحن فقط فى المسيرات؟ ولماذا لا يخرج الرجال؟ وقد وجدت نفسى أشبههن، تمامًا وكأنى تحولت إلى واحدة منهن، مصطلحاتى مثلهن، تفكيرى قريب منهن، حتى علامات الإعياء البادية على وجهى أشبه بما تعانيه وجوههن. تحركت مع المسيرة وتركتها فى منتصف الطريق لأتحدث فى الهاتف المحمول.

أردت شراء بسكويت وعصير. كان «الكشك المتواضع» على مقربة منى أمام إحدى الخيام. وكان يقف بجواره شخص متواضع جدًا فى كل شىء: الشكل والمستوى الاجتماعى، كان قصير القامة وضعيف البنية، وله لحية مشعثة ويبدو من ثيابه أنه فقير. سألنى عن أخبار المسيرة، فقلت له أنا تعبت ولم أستطع السير.

فأكمل أسئلته: من أين أنتِ؟

- الصعيد.

- قدمتِ مع أسرتك؟

- لا، أنا هنا بمفردى مع صديقاتى فقط.

- كيف تأتين بمفردك دون أهلك؟

- أدرس فى جامعة القاهرة، وصديقاتى فى المسيرة.

- هل أهلك غير مؤيدين للدكتور مرسى ويدعمون الانقلاب؟

- أنا أعيش هنا وأدرس هنا وهم يشاركون بالفعاليات الاحتجاجية فى بلدنا.

- وأين تسكنين؟

- فى المدينة الجامعية.

- أنا أسكن فى منطقة فيصل ويمكن أن تعطينى رقمك لننسق ونأتى الاعتصام معًا.

هنا بدأت أشعر بأن الكلام ليس بريئًا، فصددته بقوة وقلت له: لا، وما تقوله لا يصح، أنا أجىء مع صديقاتى.

ولما شعر بالإحراج قال لى إنه رجل متدين، ويعمل موظفًا فى مؤسسة حكومية، ويبحث عن واحدة يتزوجها. فتركته ورحلت. 

لم أكن أتوقع أن أتعرض لمثل هذا الموقف داخل الاعتصام، فكيف يأتى هذا الرجل إلى هنا، والأمور مضطربة ويتربص هكذا بالنساء بدعوى أنه يبحث عن زوجة، لكن من خلال أحاديثى المتكررة مع الفتيات اكتشفت أن معظم الإخوان يستغلون الأحداث والتجمعات الخاصة بهم لإقامة علاقات مصاهرة بين الجميع، ولا يمنع أن يكون الحدث فرصة للارتباط والزواج، حتى إن أبناء صفوت حجازى قالوا لى فى مقابلات لاحقة إنهم تعرفوا على أبناء أسامة ياسين وأبناء الدكتور مرسى لأول مرة فى الاعتصام.

قررت الرحيل إلى البيت، وكان الواقف على المنصة يتحدث عن أن قوات الجيش تضيّق الخناق على المعتصمين عند الحرس الجمهورى، وأنها تقتلع خيامهم وتحاول طردهم من هناك. والمفروض أن يذهب المعتصمون برابعة إلى هناك، بما لا يسمح بتقليل الأعداد هناك حتى لا يتم الإخلاء.

وأنا فى طريقى إلى الخروج كانوا قد بدأوا فى ملء أجولة الرمال ورصها فوق بعضها، وبناء الأسوار الأسمنتية، وبدأت تقل أعداد الحراسة، بينما تزيد عمليات التحصين. ولم يكن وقتها المستشفى الميدانى قد تم بناؤه.