مذكرات مدرس فى الأريـاف.. نص مجهول لـ عبدالفتاح الجمل
- بدأ عبدالفتاح الجمل فى كتابة «مذكرات مدرس فى الأرياف» فى 22 أكتوبر 1959
- «الجمل» عمل مدرسًا بعد تخرجه فى عقد الأربعينيات قبل أن يلتحق بقطار الصحافة
اليوم وصلت إلى دكرنس لأول مرة.. سألت عن المدرسة واتجهت إليها فورًا.. وجدت الباب مغلقًا.. باب عادى من أبواب البيوت لا المدارس.. طرقته مرات، وبعد لأى، ردّ صوت من الداخل:
- مين؟
- مين إيه يا خوى.. إحنا فين.. مش دى المدرسة؟
- أيوه هى.. إنت مين؟
- على إسماعيل المدرس الجديد
- أهلًا وسهلًا، حمد الله ع السلامة.
وسمعت صوت غراب ضخم من الحديد يرتفع، والباب المهرى يفتح على مصراعيه.. وأدخل خطوتين، فيلمحنى مدرس يقف فى فصله ويتهيأ لاستقبالى، أتجه إليه على الفور مقدمًا نفسى، فيزعق فى تلاميذه كصفارة الإنذار:
- قيام يا ابن الصرمة إنت وهو!
«ابن الصرمة»!، ياخبر أسود! ليه كده بس؟ أهكذا يمتهنون التلاميذ هنا؟..
يبدو أن الزمن قد عبأ لى الكثير، ولكن لا، أغلب الظنّ أنه كلما أفحش المدرس فى خلع النعوت، زاد فى التكريم.
«ابن الصرمة» إذن.. مبالغة فى تكريمى.


اليوم عدت من المنصورة متأخرًا بعض الوقت، رأيت ديزل خط الدلتا يصفّر صفيرًا متواصلًا مزعجًا، وامتدت أصابعى تسدّ آذانى.
نظرت فوجدت الفلاحين على الشريط، والصوت فوقهم لا يحركهم، عذرت السائق وأسرعت إلى المدرسة.
فى الفناء الأوسط الصغير، وجدت فصلًا يجلس فيه المدرس فى الوسط، ويحمل أصيصًا من من نبات الفول، وهو يزعق كصوت الطلقة:
- قولوا معايا.. «الساق يطلع فوق»
- الساق يطلع فوق.
- والجذر ينزل تحت.
- والجذر ينزل تحت.
- فاهمين ؟ تانى، والمرة دى تكملوا: «الساق»
- يطلع فوق.
- والجذر.
- ينزل تحت.
- فاهمين؟ تالت مع بعض، إيه اللى يطلع فوق؟
- الساق.
- وإيه اللى ينزل تحت؟
- الجذر.
«بقى ده اسمه كلام؟! بقى ده حصّة علوم؟!.
- إنت هناك.. الواد المستخبى ابن الرفضى اللى مستخبى ورا أبوزعبوط.. إنت ما بتزعقش ليه؟ كنت بتسبّخ للأرض، ولا بتشتغل فى الفاعل؟ إنت ابن يا ابن ستين..
«سنة كبيسة».


أمس الأول استقرّ بى المقام فى دكرنس مع زميلين، وتم نقل سرير لى وكرسى وترابيزة، والسكن شقة أرضية فى طرف البلد، وفى مواجهة مدرسة البنات، تلك المدرسة المسورة المحجبة.
حياتنا المنزلية تدور حول زير بقطارة، وقلّة ولمبة جاز.
ودكرنس البلد، البحر الصغير يشقها، وعلى ضفتيه تجرى حياتها كلها وحياتنا معها، المدرسة بالنهار، والقهوة أو الكازينو بالليل، الخواجة ينّى وأخوه ورد.
.. إننى أعجب كيف أتى هذان الجريجيان إلى هذا المكان النائى، هذا الريف القح، ليقيما قهوة وبارًا وفوقهما لوكاندة؟
إنه يلم أعيان المركز ومن شاف نفسه، ونحن نهرب من الريف، وأنا أتأفف وسأتفّف دائمًا..

اليوم زارنا المفتش..
.. ازداد النشاط فى المدرسة والجرى والرمح، وانتشرت النظافة، وغادر الناظر مكتبه الأجرد، وأخفيت كراسات وأظهرت كراسات، وهرب تلاميذ، واستدعى تلاميذ.
حضر لى حصّة، وانبسطت أساريره، وشدّ على يدىّ وشكرنى أمام كل التلاميذ، ثم طالبنى بكراسة التحضير، فاعتذرت بأننى لم أحضّر، ففغر فاه وانسحبت كل خمائل الخير فى وجهه.
إن عدم التحضير جريمة الجرائم فى عالم التدريس.
- يا سيدى المفتش.. إنت مش شفت التلاميذ بنفسك؟، والدرس كان ماشى إزاى؟ يبقى التحضير هيعملى إيه؟
- صحيح شكليات، ولكن لا بد منها.. إنت تقدر تيجى المدرسة بجلباب؟، لالا يا أستاذ، دى غلطة كبيرة لا تُغتفر.
- لا تُغتفر؟! يعنى هتعملوا فىّ إيه؟ إيش ياخد الريح م البلاط؟ قالوا للقرد هيسخطوك، قال: عال ها بقى غزال..
اسخطنى والنبى، بس بسرعة المستعجل.
وكتب لى فى التقرير إننى مدرس مستهتر، لا يقدّر المسئولية، ومهمل فى تصحيح الكراسات.
والتهنئة لم تبرد بعد..
تصحيح الكراسات! لقد قفش بعض أخطاء إملائية، وأعادنى إلى ما عانيت فى الأيام الأولى.
.. من الجامعة والتحليق فى آفاق النظريات والأحكام المطلقة بالحق أو بالباطل.. إلى تدريس الهمزة فوق الألف، والياء والواو، ومفردة على نبرة، والخط، والجزم والنصب والجرّ..
.. ترهات وأعمال حواة ورياضيات، ورياضات شاقة، والعقول الغضة تائهة مستغربة بائسة..
لغات العالم تقرأ لتفهم، ولغتنا وحدها تفهم أولًا لتقرأ..
.. مساكين هؤلاء الأطفال، ومسكين معلم الأطفال.

أسبوع لا أعمل شيئًا بعد الخروج من الفصل، الأعمال التحريرية تتكدس.
بعد كل أزمة.. أجدنى كالإناء الذى أريق ما فيه، فارغًا خاويًا فاضيًا.
وأنا مُطالب بتصحيح الكراسات بدقة وفى مواعيدها.
سمعت أنهم يفكرون أن يركّبوا فى كل كراسة ساعة تملأ كل ساعتين، كساعات الغفر والعساكر، حتى يظلّ المدرس سهرانًا يقظًا فى درك الكراسات.


اليوم وجدت خرمًا فى سور مدرسة البنات، أرى منه شباك فصل من الفصول، ومن الزجاج المقفل ألمح مرة كل عشر دقائق وجه الأبلة.
- دول بيقفلوا الشبابيك ليه؟ كام نفس يا خويا فى الأوضه؟ الأبلة دى غير رياضية، أخليّها تاخد بالها إزاى؟!

فى الحصة التحريرى..
هوايتى أن أطلّ من شباك الفصل.. شارع واسع جدًا، يقسم البلد، يمتلئ بالبط والمعيز والحمير والناس والجاموس، ثم البيوت القصيرة المحدودبة، وهى تئن تحت أحمال الحطب والقش وعيدان الدرة والبامية ولباليب التيل.
والشبابيك حديدها صدئ.. والفلاحون الوافدون يربطون ركايبهم فيه، خصوصًا يوم السوق.
يزبل الحمار ويبول، والرائحة تهفّ وتملأ حجرة الدراسة.
واليوم الذى لا تهف فيه الرائحة كما يجب، يوم أسود حالك على أعصابى.. تسوء إجابات التلاميذ، وأتعشّى المرّ فى التصحيح.
كنت مغفّلًا حين اقترحت على حضرة الناظر- وأنا جديد العهد- أن يطلى حديد الشبابيك، حتى يخاف منه الفلاحون، فلا يربطوا حميرهم.
ولكن الناظر على كل حال لا يستجيب.. لا أحد هنا يستجيب بالمرة... الكلّ يأتى حديدًا محميًا، وعما قريب يعلوه الصدأ.

الدنيا تمطر... واقعتنا سوداء مستنقعات، دكرنس تستيقظ من نومها الطويل ومن أحلامها... تحتدم وتتألب وتخرج من جوفها روائح الشرّ وزبانية البعوض.
الناموس يستيقظ ومعه الليل الطويل واللمسات والنفخ والأرق.. والزنّ اللحوح فى آذان النائم، ورنين صفعاته على خده، هو وجبهته وعينيه.
وأنا ليس لسريرى ناموسية، ماذا أفعل؟.. هل أترك وجهى ودمى ملطشة وغرزة لإبر الناموس؟!.
ولكن لا، عندى ناموسية من نسيج العنكبوت، معششة على سريرى، وتمسك به فى الحائط فلا يتزحزح.
وفى الصباح فى المدرسة ابتدرتهم:
- صباح الحبوب والبرابيق،
- هو وصلك؟ يا أستاذ اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم، لازم تتودك وتاخد، عشان تبقى بتن... لكن اللى أنا مستغرب له، إزاى ابن الفرطوس ده بيعرف طريق خروق الناموسية؟ إزاى؟ عنده رادار؟!، أنا باستغرب!
إننا فى حاجة إلى جزم صيد، لأن الجزمة العادية تنخلع وتغرق وتتوه فى معاجن الطين.
كيف الوصول إلى المدرسة فى الصباح والبيت بالليل؟
لا نجاة لنا إلا إن كنا من سكان شارع المأمور!.

قال لى حامد أفندى:
- إنت مخرّج نبيل إمبارح ليه؟
- نبيل مين؟
- ابن دكتور الصحّة.
- مين دكتور الصحة؟ أنا مش عارف حاجة أبدًا.
- ياه دا إنت راجل طيب أوى وعلى نياتك، بقى ما نتاش عارف دكتور الصحة؟ ما وردتش عليه؟ ما طلبتش إجازة مرضية منه أبدًا؟
- أبدًا.
- مسيرك تورد فى طلب إجازة غير شرعية، هتلاقيه راجل لطيف جدًا.. يا ابن الأكابر آدى الناس لبعضها يا أخى.
- ده واد فى منتهى الإهمال والغباء، وما ينفعش ببصلة.
- مهمل، وغبى، فيه السبعة وذمتهم، كل ده كوم، وكونه ابن مفتش الصحة كوم تانى.. أجيب هولك درس؟
- درس؟ لا مستحيل،.. يبقى فى فصلى وأديه درس؟ يعنى مزوّر ونصاب وذمة فى وسع طربوشك يا سى حامد أفندى؟! يا أخى قلتلك ميت مرة ماليش روح للدروس.. ومش عايز أعمل زى اللبّان والزبّال من شقّة لشقّة.
- الله... إنت هنا فى دكرنس، مش فى مصر؟ هنا لا لبن ولا زبالة، هنا جاموسة وبركة وبس، مع ملاحظة إن الدرس مش يعنى درس، ده حاجة اسمية كده وبس، وحييجى لغاية عندك.
- اسمية؟ يعنى إيه اسمية؟
- يعنى بالمفتشر قرشين وإنت مرتاح أربعة وعشرين قيراط، وكرامتك فى الحفظ والصون..
- إيه بس اللى هيدخل الكرامة، هى لازم تتحشر زى البقدونس فى كل حاجة؟ إنت غاوى شقا؟! مشّى حالك يا راجل، خليك ابن بلد، ما توقفش المراكب السايرة وتزعّل الناس منك.. ماتتبطرش ع النعمة وترفصها برجلك... أنا باقولك أهوه... ما تتبطرش.
- أستاذ حامد.. اتلم، والسيره دى ما تتفتحش تانى.

المرأة هنا لا ترى.. العين لا تقع على المرأة إطلاقًا... فقط الفلاحات البائعات.. وهؤلاء كادحات ولسن نساءً.
السيد أفندى مدرس الأشغال الذى يتقاضى أربعة جنيهات ونصف، يملأ حيطان حجرته، تحت داير السرير، يملأها بالنهود والسيقان والعيون... والعاريات.
ومسلّم أفندى العجوز، يحكى لنا بإسهاب وحسرة على الشباب، كيف كان يأتى ببياعة اليانصيب ويحلق لها ويحميها.
وأبوزيد أفندى وأنا لا نفيق من الأحلام.
.. المدرسات.. ألا يخرجن؟ ألا يتفسحن فى هذا الخلاء الهاوى؟ ألا يبدو منهن خيال؟ ألسن آدميات؟ أهنّ فى دكرنس، ومحسوبات على حياتها؟
نحن نعيش فى قشلاق!

نسيم لا يظهر إلا بالليل، كم يحلو لى أن أشدّ كرسيًا من القهوة المقابلة وأجلس قربه فى الميدان، أرقبه وهو طينة والخطوط كلها بين أصابعه:
- محلة دمنة... يا محلة دمنة... وينفعل بالنداء والصوت يرتفع حتى يسمعه المتلطعون هناك على القنطرة.
- يا محلة دامناااه.. أنا نسيم.. نسيم يا دامناه.. يا دمنة اسمعى... القطر الليلة خد بلطه لحد محلة مشاق.. بلطة بس.. ما تزهقيش حيرجع، ما تستعجليش.. يا دمنة أنا نسيم..
نعم هو نسيم.. نسيم إيه؟ لا أعرف، ولا أحد يعرف.
يظهر بالليل وداخله الأسلاك وطينه... لأنه عامل تليفون فى خطوط الدلتا.
لا يتحدث إلا مع محلة دمنه.. ليه؟ لأنها أقرب خط إليه.
أسعد لحظاته، مناجاته لمحطة دمنة... يتمايل ويشبّ، ويشرئب، وينتفخ... وملابسه الفضفاضة تهاوده.. ملابسه الجاهزة التى لم تكوّ أبدًا..
إنه لا يعرف التفصيل والمكوة.. لا يعرف الحياة الاجتماعية التى تعارف عليها البشر.. لا يعاملها إلا من خلال الخطوط وبالليل.
أما متى يشرب وأين؟... فلا أحد يعرف.

اليوم الخميس... خرجت مسرعًا من المدرسة قبل دقّ الجرس، لألحق محطة محلة مشاق،... وإذ بى أرى واحدة...
هذا الوجه أعرفه... رأيته من قبل... قطعًا رأيته.. أين؟.. هو هو.. من خرم سور المدرسة.. الأبلة غير الرياضية.
رأيتها تركب الأتوبيس إلى المنصورة طبعًا.. جسمها كويس،.. ولم أتردد..
ركبت معها.. منصورة.. منصورة.. فرصة لا تعوّض.. فرصة لا تعوض..

اليوم الأربعاء، يوم السوق، والبلد تضرب تقلب، الناس والحيوانات والمحاصيل والثمار، والوقود فوق الأسطح والمواصلات، مولد.
لم أرَ السوق حتى اليوم، ولكننى رأيت ملامحها فى الخطوط الجديدة على وجوه الفلاحين والفلاحات المتشحات بالسواد، من بين حديد شباك الفصل.
والمدرسة، المدرسة وحدها هى الخاوية، كل المدز ودواجن وأقطان، كل المدرسين الذين من البلد والفراشين والتلاميذ، لهم فى دسوق أسباب وتجارات ومبادلات وسمن ورز ودواجن وأقطان، ونحن الغرباء علينا عبء المدرسة.
المدرسة هى وحدها الخاوية، ولكن لا، حديد الشباك مشكك بالحبال المربوطة، صف متزاحم من البرادع،
أسمع النفخ الحاد، والنخّ العميق، والتأوه والشهيق المستطيل، والنخير صف طويل من الحمير، ويسود الهدوء.
ثم تتحرك عقد الحبال وتتشابك أطرافها، ويلمع الحديد من بينها، حديد الشبابيك لامع من تحت، صدئ من فوق.
15 أكتوبر 1949







