NAZA.. جنود إسرائيل يعترفون: قتلنا الفلسطينيين بـ«AI»
- الفيلم حصل على تصفيق لمدة 25 دقيقة متواصلة فى مهرجان «فينيسيا»
- الوثائقى يسجل اعترافات 24 جنديًا وعاملًا سابقًا فى الاستخبارات والجيش الإسرائيلى
- «NAZA» اختصار تستخدمه تل أبيب للإشارة لـ«عدد الضحايا المدنيين المحتملين»
لم يكن عرض الفيلم الوثائقى الإسرائيلى «NAZA» فى الدورة الـ83 من مهرجان «فينيسيا» السينمائى الدولى، قبل نحو أسبوعين، مجرد محطة جديدة فى مسيرة فيلم سينمائى يتناول الحرب فى غزة، بل تحوّل خلال أيام قليلة إلى قضية سياسية وإعلامية تجاوز صداها قاعات المهرجان.
يأتى ذلك بعدما فتح الفيلم ملفًا شديد الحساسية داخل إسرائيل، مستندًا إلى شهادات 24 من الجنود والعاملين السابقين فى أجهزة الاستخبارات والجيش الإسرائيلى، تحدثوا، مع إخفاء هوياتهم، عن آليات استهداف الفلسطينيين فى قطاع غزة، وطبيعة القرارات التى سبقت تنفيذ الضربات، ومن بينها استخدام «الذكاء الاصطناعى» لتحديد «الأهداف المقرر قتلها».

يكشف الفيلم عن استخدام أنظمة مدعومة بـ«الذكاء الاصطناعى» فى تحديد أهداف للقصف، وعن آليات تقدير أعداد المدنيين المتوقع وجودهم فى المبانى المستهدفة. وتتضمن شهادات الفيلم حقائق حول معرفة الجيش، فى حالات عرضها العمل، بوجود مدنيين داخل مبانٍ قبل قصفها، وأن مستويات مرتفعة من الخسائر المدنية المحتملة جرى قبولها مقابل استهداف أفراد من حركة «حماس». كما يتناول تدمير أحياء ومنازل مدنية وحوادث قتل فى مواقع لتوزيع الغذاء.
الفيلم الذى أخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل تسور، وشاركت فى إنتاجه صحيفة «الجارديان» البريطانية، حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة فى مهرجان «فينيسيا»، بعد عرض أثار تصفيقًا استمر نحو ٢٥ دقيقة متواصلة، فى واحدة من أطول موجات التصفيق التى شهدها المهرجان.
لكن الاحتفاء الدولى بالفيلم قابله غضب واسع داخل إسرائيل، وصل إلى حد مطالبة وزراء إسرائيليين بسحب الجنسية من مخرجيه. وفيما اتهم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الفيلم بـ«التحريض»، وصف رئيس أركان الجيش الإسرائيلى، إيال زامير، ما ورد فيه بأنه يتضمن «تشويهات متعمدة للواقع» واتهامات كاذبة للجيش وقادته، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».


حسب الشهادات التى يقدمها فيلم «NAZA»، كانت بعض عمليات القصف تستهدف منازل أشخاص يُصنّفون على أنهم «أهداف عسكرية»، مع معرفة أن عائلاتهم موجودة داخلها، وأن الهجوم قد يؤدى إلى مقتل أفراد الأسرة أيضًا.
ومن أبرز ما يلفت فى شهادات الفيلم الحديث عن تقدير أعداد المدنيين الذين يمكن أن يسقطوا خلال بعض الهجمات، وتحويل وجودهم إلى عنصر ضمن حسابات العمليات العسكرية.
وتتضمن الشهادات أيضًا روايات عن تدمير أحياء مع معرفة الجيش بأن مدنيين ما زالوا يحتمون داخل منازلهم فيها، إلى جانب الحديث عن حرق منازل مدنية وقتل فلسطينيين فى موقع لتوزيع المواد الغذائية.
ولا يقدم الفيلم ما جرى باعتباره سلسلة من الأخطاء الفردية أو تجاوزات ارتكبها جنود منفردون، بل يحاول تفكيك منظومة أوسع تضم الأوامر والسياسات وقواعد الاشتباك واللغة المستخدمة داخل المؤسسة العسكرية لتوصيف الضحايا والخسائر المدنية.
ويمتد فيلم «NAZA» لنحو ٨٠ دقيقة، وصُوّر على أسطح مبانٍ فى تل أبيب، خلال فترة امتدت لنحو ٣ سنوات، فى ظل إجراءات سرية هدفت إلى حماية المصادر التى تظهر فى الفيلم.
يعتمد العمل بصورة أساسية على شهادات ٢٤ من أفراد الاستخبارات والجيش الإسرائيلى، الذين تظهر وجوههم وأصواتهم بصورة مُعدَلة لإخفاء هوياتهم.
وحسب مخرجى الفيلم، فإن اختيار هذه الطريقة لم يكن عنصرًا فنيًا فقط، وإنما كان ضروريًا لحماية الأشخاص الذين قرروا الحديث عن تجاربهم داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية.
ويقول يوفال أبراهام، أحد مخرجى الفيلم، إن فريق العمل طلب من هؤلاء الأشخاص ببساطة أن يشرحوا ما فعلوه، وكيف تعمل الأنظمة التى استخدمت خلال الحرب. وحسب روايته، جاءت الإجابات أحيانًا دون إبداء الندم، وأحيانًا أخرى مصحوبة بشعور بالندم، فيما تحدث بعض المشاركين بلا مبالاة وآخرون بنبرة فخر.
وبين هؤلاء أشخاص عملوا فى وحدات استخبارية صهيونية شديدة السرية، بينها وحدة قال أحد المشاركين فيها إن مهمتها كانت «إحباط السلام».
واسم «NAZA» هو مصطلح يقدمه الفيلم باعتباره اختصارًا يستخدم داخل أجهزة إسرائيلية للإشارة إلى عدد الضحايا المدنيين المتوقع سقوطهم خلال عملية عسكرية أو غارة جوية.
ويحاول الفيلم الانتقال من الحديث عن أرقام الضحايا إلى السؤال عن الكيفية التى تدخل بها احتمالات سقوط المدنيين ضمن عملية اتخاذ القرار العسكري.
وحسب الشهادات التى يعرضها «NAZA»، فإن «أنظمة تعتمد على تحليل كميات ضخمة من بيانات الاتصالات والهواتف يمكن أن تساعد فى تحديد أهداف داخل قطاع غزة»، ثم «تأتى القرارات العسكرية البشرية فى مراحل لاحقة من عملية الاستهداف».
وتتحدث إحدى الشهادات عن نظام يعتمد على إشارات الهواتف لتحديد مبانٍ يُعتقد أن عناصر من حركة «حماس» موجودون فيها. فيما تتناول شهادات أخرى نسبًا مُحدَدة للخسائر المدنية التى يمكن قبولها عند استهداف هدف معين، وفق «الجارديان».
وتكمن حساسية هذه الروايات فى أنها لا تأتى من مراقبين خارجيين، وإنما من أشخاص عملوا داخل المنظومة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية.
ورغم أن الجيش الإسرائيلى يشكك فى الروايات التى يقدمها الفيلم، لاعتماده على «مصادر مُجهلة»، يرى مخرجاه أن طبيعة المعلومات التى يتناولها العمل تفرض حماية هوية المصادر، خاصةً أن هؤلاء تحدثوا عن عملهم داخل أجهزة عسكرية واستخباراتية خلال حرب مستمرة.
وخلال مقابلة مع قناة إسرائيلية، دافع يوفال أبراهام عن منهجه فى تقديم العمل، قائلًا إن الشهادات التى ظهرت فيه خضعت للتحقق.


يحمل فيلم «NAZA» أهمية خاصة بسبب هوية مخرجيه، فالثنائى يوفال أبراهام وراشيل تسور كانا ضمن فريق فيلم «No Other Land»، الوثائقى الذى تناول أوضاع الفلسطينيين فى الضفة الغربية، وحصل على جائزة «الأوسكار»، قبل أن ينتقلا فى «NAZA» إلى الحرب فى قطاع غزة.
لكن الفرق بين العملين واضح فى الأسلوب والمكان. فبينما اعتمد «No Other Land» بدرجة كبيرة على متابعة حياة الفلسطينيين وتجاربهم اليومية، يأتى «NAZA» من داخل المجتمع الإسرائيلى نفسه، ويضع جنودًا وعاملين بأجهزة الاستخبارات فى قلب الرواية.
ونقلت «الجارديان» عن «أبراهام» قوله إن فيلمه الجديد جاء فى لحظة مختلفة تمامًا، معتبرًا أن الأجواء القاتمة التى تسيطر على «NAZA» تعكس المرحلة التى تمر بها المنطقة.
أما راشيل تسور، فركزت فى تصريحاتها على التناقض بين استمرار الحياة اليومية فى تل أبيب والحرب التى تدور على مسافة عشرات الكيلومترات، معتبرة أن تجاهل ما يحدث فى غزة يمثل جزءًا من الأزمة التى يحاول الفيلم طرحها.
وبعد حصول الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة فى «فينيسيا»، لم يركز يوفال أبراهام فى كلمته على الجائزة بقدر ما ركز على الجمهور الإسرائيلى. وقال «أبراهام»: «من المهم أن يشاهد الإسرائيليون الفيلم، لأنه يتناول أفعالًا يقول إنها تُرتكب باسم دولتهم».
ويؤكد المخرجان أن الفيلم امتداد لتحقيقات صحفية نُشرت خلال السنوات الماضية، بينها تقارير نشرتها «الجارديان» بالتعاون مع «+٩٧٢ Magazine» و«Local Call»، مشيرين إلى رغبتهما فى الانتقال من النصوص والتقارير إلى شهادات مباشرة وصورة سينمائية أكثر تأثيرًا.
وكان العرض العالمى الأول للفيلم فى مهرجان «فينيسيا» نقطة التحول الأساسية فى قصته.
عُرض «NAZA» ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان، وكان الفيلم الوثائقى الوحيد فيها، قبل أن يحصل بعد العرض على تصفيق استمر قرابة ٢٥ دقيقة.
وبعد يومين، حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، ليصبح أحد أبرز أفلام الدورة المنقضية للمهرجان وأكثرها إثارة للجدل.
ولم تتوقف رحلة الفيلم عند «فينيسيا»، إذ من المقرر طرحه فى دور العرض الأمريكية ابتداءً من الأربعاء المقبل الموافق ٣٠ سبتمبر الجارى، مع خطط لتوزيعه دوليًا.


بعد انتهاء العرض، انتقل الجدل سريعًا من المهرجان إلى إسرائيل، بداية من رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الذى هاجم الفيلم، معتبرًا إياه «جزءًا من حملة تحريض عالمية ضد إسرائيل واليهود»، قبل أن يضيف: «التحريض يصبح غير محتمل عندما يأتى من إسرائيليين»، فى إشارة إلى مخرجى الوثائقى وصناعه والجنود الظاهرين فيه.
أما رئيس أركان الجيش الإسرائيلى، إيال زامير، فرأى أن الفيلم لا يمثل نقدًا للجيش أو محاولة للوصول إلى الحقيقة، وإنما يتضمن ما وصفه بـ«افتراءات دموية وتشويهًا متعمدًا للواقع واتهامات كاذبة ضد جنود وقادة الجيش».
وحسب «رويترز»، وجّه «زامير» المستشار القانونى العسكرى إلى بحث الإجراءات القانونية الممكن اتخاذها بشأن الفيلم والأشخاص المرتبطين به.
أما التصعيد الأكبر فجاء من وزير الثقافة الإسرائيلى، ميكى زوهار، الذى دعا إلى سحب الجنسية الإسرائيلية من «أبراهام» و«تسور»، متهمًا إياهما بـ«الإضرار ببلدهما من أجل الحصول على التصفيق فى الخارج»، وفق قوله.
وكعادته فى عدم ترك أى مناسبة، هاجم وزير الأمن القومى، إيتمار بن جفير، مخرجى الفيلم الوثائقى، موجهًا إليهما اتهامات بـ«الخيانة»، فى ظل تزامن موقفهما مع الحرب الجارية، و«خدمة إعداء إسرائيل».
وفى تطور لاحق، أعلن «نتنياهو» عن أنه سيسعى إلى تشريع قوانين جديدة تسمح بسحب الجنسية من أشخاص يتهمون بـ«تشويه سمعة جنود الجيش الإسرائيلى».
واللافت أن عددًا من المسئولين الذين هاجموا الفيلم لم يكونوا قد شاهدوه كاملًا وقت صدور تصريحاتهم، وفق تقارير صحفية إسرائيلية وأمريكية، أهمها تقرير فى وكالة «أسوشيتدبرس».
ولم يتوقف الأمر عند التصريحات السياسية، إذ أفادت تقارير بوقوع احتجاجات وتهديدات ضد المخرجيّن، شملت تجمعات أمام منازل أفراد من عائلاتهما. بينما وقع أكثر من ١٥٠٠ من العاملين فى صناعة السينما الإسرائيلية على عريضة تضامن معهما ودفاعًا عن حرية التعبير.
واتهمت تقارير صحفية إسرائيلية مخرج الفيلم بأنه على علاقة قوية بنشطاء فلسطينيين مرتبطين بحركة «حماس».
وقال الصحفى الإسرائيلى، إيتان فيشبرجر، إن المخرج يوفال أبراهام تربطه علاقة طويلة بالصحفى والناشط الفلسطينى، أحمد النوق، المرتبط بحركة «حماس»، وفق زعمه.
وأضاف الصحفى الإسرائيلى أنه فى عام ٢٠١٩، تواصل «أبراهام»، الذى كان حينها صحفيًا شابًا، مع «النوق» لمناقشة ما يعرفه ويفكر فيه شباب غزة حول السياسة فى القطاع، قبل أن تتوطد العلاقة بينهما حتى إطلاقهما مبادرة «عبر الجدار» فى العام ذاته.
وأشار إلى شقيق «النوق» ويدعى «أيمن» كان «عضوًا فى المقاومة»، قُتل فى عام ٢٠١٤ على يد قوات الأمن الإسرائيلية. وفى مقابلة مع موقع «زمان يسرائيل» عام ٢٠٢١، وصف «أبراهام» مقتل «أيمن» بأنه «مأساة عظيمة للغاية».

من بين أكثر الملفات إثارة للجدل فى الفيلم مسألة استخدام «الذكاء الاصطناعى» فى تحديد «أهداف القتل».
الفيلم يقدم شهادات تقول إن أنظمة تكنولوجية يمكنها تحليل بيانات الاتصالات وتحديد مبانٍ وأهداف محتملة، وهو ما يثير سؤالًا حول الدور الفعلى للإنسان فى اتخاذ قرار الضربة.
لكن الموقف الإسرائيلى الرسمى يختلف عن الرواية التى يقدمها الفيلم. فالجيش الإسرائيلى أقر باستخدام أدوات تعتمد على «الذكاء الاصطناعى» للمساعدة فى تحديد الأهداف، لكنه يقول إن القرار النهائى بشأن تنفيذ الضربة يتخذه شخص من أفراد الجيش، وليس النظام الآلى وحده، وفق «أسوشيتدبرس».
وهذه النقطة تحديدًا تمثل أحد أهم محاور الخلاف. فبينما يركز الفيلم على ما يقدمه شهوده من روايات حول طبيعة استخدام التكنولوجيا ضمن منظومة الاستهداف، يؤكد الجيش أن استخدام أدوات تكنولوجية لا يعنى ترك قرار القتل للآلة.
.. وإن كان قرار القتل هذا يُتخذ فى كل الأحوال!
والمفارقة الأساسية فى قصة «NAZA» أن الفيلم لم يصل بعد إلى جمهور إسرائيلى واسع، ومع ذلك أصبح موضوعًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا داخل إسرائيل.
فبينما حصل العمل فى الخارج على جائزة لجنة التحكيم الخاصة فى «فينيسيا»، وتصفيق استمر ٢٥ دقيقة، دخل فى إسرائيل إلى قلب نقاش حول الحرب وحرية التعبير، وحدود انتقاد الجيش، والمسئولية عن أفعال الدولة.
وفى المقابل، يدافع مخرجا الفيلم عن حق الجمهور الإسرائيلى فى مشاهدة العمل والحكم عليه بنفسه. بينما تؤكد «الجارديان» أن الفيلم نتاج أكثر من ٣ سنوات من التحقيقات الصحفية، وأن الشهادات الواردة فيه جرى التعامل معها باعتبارها مصادر صحفية سرية.
وهكذا أصبح «NAZA» يتجاوز كونه فيلمًا عن الحرب فى غزة. فهو بات أيضًا فيلمًا عن الصراع داخل إسرائيل حول كيفية الحديث عن الحرب نفسها، ومن يملك حق روايتها، وما إذا كان كشف شهادات من داخل المؤسسة العسكرية يمثل نقدًا مشروعًا أم، كما تقول الحكومة الإسرائيلية، تشويهًا للجيش وتحريضًا ضده؟!
وبينما يستعد الفيلم للعرض التجارى فى الولايات المتحدة، الأسبوع المقبل، يظل السؤال الأبرز فى رحلته المقبلة مرتبطًا بوصوله إلى الجمهور الإسرائيلى، الذى وضعه مخرجاه فى صدارة الجمهور المستهدف.
فالفيلم الذى بدأ من أسطح تل أبيب ليوثق شهادات مجهلة لضباط وجنود إسرائيليين، انتقل خلال أيام من شاشة مهرجان «فينيسيا» إلى قلب معركة سياسية وإعلامية، جعلت اسمه حاضرًا فى تصريحات رئيس الحكومة ووزرائه وقيادة الجيش، بالتوازى مع احتفاء دولى به وحصوله على إحدى جوائز المهرجان الرئيسية.
وبذلك تحول «NAZA» من وثيقة سينمائية عن الحرب إلى واحدة من أكثر القضايا الثقافية والسياسية إثارة للجدل فى إسرائيل، خلال سبتمبر ٢٠٢٦.







