حسام الناجى.. عندما قال العميد: هل يحلم فى حارتنا إلا المجانين؟!
- كيف لا يتحقق الانتصار الأول بقيادة رجل تشاجر مع ساقه المصابة بعد أن منعته عن اللعب؟!
نحن الآن فى استاد القاهرة الدولى، بتاريخ 28 يناير 2001، حيث تُقام أولى مباريات المنتخب الوطنى الأول لكرة القدم فى تصفيات بطولة كأس العالم 2002، أمام المنتخب الذى كان وقتها «عقدة» الفراعنة، منتخب المغرب الشقيق. انتصفت المباراة، وأصيب حسام حسن، قائد المنتخب الوطنى وأبرز نجومه، فى العضلة الخلفية، ودخل اللاعبون غرف خلع الملابس، ومن بينهم اللاعب الشاب وقتها، أحمد حسام «ميدو».
نجم أياكس أمستردام آنذاك لم يسمع سوى صوت يخرج من بين العروق، صوت غاضب مشتعل لو مر على البلاط لخلعه!
هذا الصوت كان صوت حسام حسن، يتشاجر مع قدمه المصابة، ويقول لها كأنها شخص من لحم ودم وروح: «لن تمنعينى من اللعب يا بنت الـ....».

قبل هذا المشهد بـ١١ عامًا كاملة، كان حسام وإبراهيم حسن قد صنعا المجد، بمساهمتهما الكبيرة فى صعود منتخب مصر إلى كأس العالم إيطاليا ٩٠، بعد الفوز على المنتخب الجزائرى المدجج بالنجوم، خلال مباراة استاد القاهرة الشهيرة.
وقتها أوقعتنا القرعة فى «مجموعة الموت» ببطولة كأس العالم، رفقة هولندا وإنجلترا وأيرلندا. ورغم التعادل التاريخى أمام هولندا، تعادلنا مرة أخرى أمام أيرلندا، ثم خسرنا ضد إنجلترا، لنودع كأس العالم.
وبينما الجميع يحتفل بـ«الخروج المشرف»، والمشاركة فى كأس العالم بعد غياب أكثر من نصف قرن، عقب انتهاء المباراة الأخيرة أمام المنتخب الإنجليزى، دخل إبراهيم فى نوبة بكاء، من أول الملعب إلى آخره، لم تفلح فى تهدئتها كل محاولات لاعبى «الفراعنة» وجهازهم الفنى بقيادة محمود الجوهرى.

تولى حسام حسن تدريب منتخب مصر أخيرًا، ووصل إلى نصف نهائى كأس الأمم الإفريقية، بعد أن توقع الغالبية خروجه من أقرب الأدوار، وتأهل إلى كأس العالم ٢٠٢٦، وتوقع الغالبية أيضًا الخسارة أمام المنتخب البلجيكى فى بداية مشوار «الفراعنة» بالمونديال.
لكن حسام حسن، الذى يدخل فى شجار مع قدمه حتى لا تمنعه من «إسعاد المصريين»، قاد «أم الدنيا» للتقدم على بلجيكا بأداء لم نقدمه من قبل، ولولا هدف لوكاكو لفاز بالمباراة.
انتهت مباراة بلجيكا بالتعادل، وحصل منتخب مصر على أول نقطة فى المونديال، وأشاد الجميع بأداء «الفراعنة»، لكن الحلم ما زال بعيد المنال، والعقدة ما زالت معقودة: تحقيق أول انتصار لمنتخب مصر فى كأس العالم بعد ٩٢ سنة عجاف!

حان وقت الانتصار الأول يا مصر، المنافس منتخب نيوزيلندا، المنتخب بكامل قوته ونجومه، والقيادة الفنية له على أعلى مستوى.
ملايين المصريين فى الشارع، كلهم آثروا مشاهدة منتخبهم على النوم، والكل يمنى النفس بتحقيق الانتصار الأول.
لكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، ويتقدم «الكيوى» النيوزلندى على «الفراعنة» بهدف نظيف، وينتهى الشوط الأول على هذه النتيجة.

أشاهده الآن فى ملعب «بى سى بليس» بمدينة فانكوفر الكندية، يغادر ملعب المباراة بين الشوطين إلى غرفة خلع الملابس، دقات قلبه تتسارع، وعيناه ترقب من بعيد عشرات الآلاف الذين جاءوا خصيصًا لتشجيع منتخب بلادهم من المدرجات.
غرق حسام حسن فى هم كبير كعادته، وهو خارج بين شوطىّ اللقاء، يفكر فى حزن ملايين المصريين، وابتعاد حلم تحقيق أول انتصار تاريخى فى المونديال.
فى غرفة خلع الملابس، لا صوت سوى السكون، ولو سارت نملة آنذاك لسمع وقع خطوتها الجميع.
كان من المفترض أن يقطع هذا الصمت صوت «الكابتن حسام». لكن الرجل كان مستغرقًا فى التفكير.
تذكر هدفه فى الجزائر الذى كسر صوم ٥٦ عامًا من الجفاف المونديالى. تذكر الانكسار فى ليلة «أم درمان». السداسية الحزينة يوم العيد فى كوماسى، والسقوط فى ٣ مباريات متتالية بمونديال روسيا.
تذكر سنوات الجفاف المونديالى الثانية من ١٩٩٠ حتى ٢٠١٨، تذكر فرصة محمد عمارة فى ملعب «٥ جوليه»، وفرصة مجدى طلبة، وتسديدة محمد بركات التى أنهت حلم التأهل لمونديال ٢٠١٠.
تذكر حسام حسن كل هذا، ثم وقف منتصبًا كعادته، نظر إلى عيون اللاعبين، وقال بكل ثقة: لن يحدث ذلك مرة أخرى، جئنا اليوم للانتصار ولن نرحل بدونه. موعدنا اليوم ولا سواه.. لن يعود ملايين المصريين إلى بيوتهم مكسورى الخاطر، جئنا هنا لإسعادهم، وسنفعل!

نزل لاعبو منتخب مصر أرض الملعب فى الشوط الثانى، وهم لا يرون سوى ملايين المصريين، فى القاهرة والإسكندرية والدلتا والصعيد وسيناء، فى كل بقعة من بقاع المحروسة.
نزل لاعبو المنتخب أرض الملعب وهم لا يسمعون سوى صوت الملايين تهتف: «مصر.. مصر»، وفى خلفية المشهد حسام حسن يحفز، ويربت على قلبه، ويشير إلى المدرجات مُذكرًا إياهم بمن جاءوا لإسعادهم.
فرصة وراء فرصة والحظ ما زال يخرج لسانه!
بدأ جميع من فى الملعب يتساءل: هل سيحدث كما يحدث كل مرة؟! هل يلعب سوء التوفيق لعبته المعتادة؟
وقبل أن يتسرب اليأس إلى داخل المستطيل الأخضر، يأتى صوت حسام حسن، الرجل الذى أجرى عملية جراحية، ويوم خروجه من المستشفى توجه إلى تدريب الفريق الذى يقوده، كما حكت ابنته فى لقاء تليفزيونى قبل أيام: «هنكسب.. والله هنكسب!».
يرفع محمد هانى عرضية متقنة يستقبلها مصطفى عبدالرءوف «زيكو» برأسية أكثر إتقانًا، تعانق الشباك وتكتب هدف التعادل لـ«الفراعنة». وبينما يحتفل الجميع، يشير حسام حسن بيديه: عودوا إلى منتصف الملعب بسرعة، جئنا اليوم للفوز لا التعادل.
«وان تو» بين محمد صلاح و«زيكو» يحرز من خلاله «مو» هدف التقدم، قبل أن يختتم محمود حسن «تريزيجيه» الليلة التاريخية بالهدف الثالث، الذى جاء ليكتب عبارة عريضة على غلاف كتاب التاريخ: مسيرة حسام حسن تستحق أن يكون أول انتصار مونديالى فرعونى بقيادته.
تحقق الانتصار الأول، وخرج ملايين المصريين إلى الشارع فرحين مبتهجين بالفوز التاريخى، بينما يتسرب إلى آذانهم صوت «العميد» وهو يصرح بعد انتهاء المباراة: «الحمد لله أنا طول عمرى وأنا بلعب وأنا بدرب، نفسى أفرح الشعب المصرى. أنا كنت خايف الناس تروح زعلانة وهما برا بيوتهم فى الوقت ده عشان يتفرجوا علينا.. بهدى الفوز للشعب المصرى الغبان الطيب».
انتصار وليلة لم تأتِ من فراغ، بل تتويج مستحق لمدرب صبر كثيرًا، ومنتخب عانى الأمرين مع سوء الحظ والتوفيق لسنوات طويلة.. انتصار «أنفق فيه أصحابه بياض الأيام وسواد الليالى» كما يقول نجيب محفوظ.
تساءل الجميع بعد انتهاء المباراة: ماذا قال حسام حسن للاعبى منتخب مصر بين شوطىّ مباراة نيوزيلندا، وجعلهم يحوّلون التأخر بهدف إلى انتصار «ثلاثى الأهداف».
لا يعرف أحد ما قاله «حسام» سوى اللاعبين والجهاز الفنى، لكن صدقونى، من يعرف «العميد» جيدًا، منذ أن كان ناشئًا فى صفوف الأهلى، سيعرف جيدًا ما قاله فى هذه اللحظة التاريخية:
وقف حسام حسن ونظر فى عيون الجميع، ثم تساءل مقتبسًا من رواية «أولاد حارتنا» لـ«أديب نويل»: «إذا ذهبنا فمن ذا الذى يخلص آل جبل من العفاريت؟!»، قبل أن يضيف بطريقته المعتادة، من نفس الرواية: «فى هذه الحوارى من حولنا لا يحلم إلا المجانين!».
حلم حسام حسن وخلّصنا جميعًا من «عفاريت/ عقدة» المونديال!







