الأولة فى أم كلثوم.. صور نادرة لــ «فاطمة إبراهيم البلتاجى»
بين والدها إمام المسجد وأمها السيدة صاحبة القلب الذى يشبه ما يحيطها من خُضرة كبرت أم كلثوم
«ثومة» كتبت فى مذكراتها: «شكوى والدىّ من الفقر عاشت معى وكانت تدوى فى أذنى»
أول أجر تقاضته من الغناء كان ١٠ قروش لها ولأبيها وشقيقها
أجرها ارتفع إلى 4 جنيهات مع ارتفاع سعر القطن قبل أن يزيد إلى ١٠ لاحقًا
وثيقة رسمية تؤكد أن تاريخ مولدها هو 1904 وليس 1898
بيتها طابقان من الطوب اللبن المغطى بالجص وتعلوه أطنان «البوص»
ارتدت ملابس شقيقها «خالد» عند الغناء خوفًا من ألسنة أهل الريف
فى حى الزمالك العريق، بالقرب من كورنيش النيل، جلست أم كلثوم فى إحدى غرف فيلتها المبنية منذ عام 1934.
نسيت ما وصلت إليه من شهرة، لم يعنها ما بلغته من مجد، ولم تشغلها مكانة رؤساء الدول وزعماء العالم التى بدأت خطواتها الأولى بركوب «حمار»، يحيط به والدها إبراهيم السيد البلتاجى، وشقيقها «خالد»، فى طريقهم لإحياء ليلة من ليالى الريف فى الإنشاد الدينى.
لم تعر انتباهًا إلى كل الأسماء التى جلست فى حضرتها على مدى سنوات طوال، تلك الأسماء التى يستحق كل منها كتابًا بل كُتبًا عن مسيرته ورحلة إبداعه فى أرض المحروسة.
هذه اللحظة ليست لحظة عبدالوهاب، ولا زكريا أحمد، ولا أحمد رامى، ولا القصبجى، ولا حتى مكتشفها الأول الشيخ أبوالعلا محمد. هذه لحظة والدتها: «فاطمة»، تلك السيدة الريفية، التى حملت «ثومة» قلبها وروحها وأصلها وصورتها، قبل اسمها، ووالدها، مكتشفها الأول وراعى موهبتها.

يا رب ساعد أمى
أم كلثوم، فى هذه اللحظة، كانت تكتب مذكراتها الشخصية، فخط قلمها، الذى لم يقل طلاوة عن صوتها، تلك الكلمات التالية: «تعلمت من أمى التواضع، وتعلمت منها الصدق، وتعلمت منها الإيمان بالله».

أيضًا لم تنسَ فضل والدها عليها، الذى له فضل على مصر كلها باهتمامه بصوت ابنته، بعد أن تحدى كل ما واجهه من صعاب وعثرات وألسنة، لولاه ما استطاعت «فاطمة» عليه صبرًا.
كتبت «ثومة» بدموعها قبل قلمها: «لـم أسـمع مــن أبـى و أمـى فــى يــوم من الأيام شكوى بصوت مسموع من الفقر والحرمان الذى نعيش فيه، كانا يحاولان دايمًا إخفاء الضيق عنا، وألا يكشفا عن هذا الضيق إلا بهمســات بعــد صلاة الفجــر، عند مــا يتصــوران أننــى وأخــى نائميــن لا نســمع شــيئًا، لكن هذه الهمسات عاشت معى، كانت تدوى فى أذنى، كنت أتصور أن كل ما أستطيع أن أقدمه لأمى، هــو أن أتطلــع إلــى الســماء، وأقول يا رب ساعد أمى».

من هذه الكلمات، يبدو الأثر الكبير الذى تركته «الحياة الأولى» على مسيرة أم كلثوم، هناك فى قرية «طماى الزهايرة» التابعة لمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، حيث يبدو أن «ثومة» وجدت ما هو أكثر من الدعاء، وقررت عدم الاكتفاء برفع يديها إلى السماء والترديد: «يا رب ساعد أمى».

صوت مصر
عند العودة إلى زمن الطفولة والصبا فى حياة «ثومة»، لم أجد أفضل من قطاع الفنون التشكيلية!
أسمعك الآن تقول باستغراب: وما علاقة قطاع الفنون التشكيلية بطفولة وصبا أم كلثوم؟!
الإجابة بسيطة.
كان همى الأول فى البحث عن هذه الأيام هو الصورة، تلك اللحظة الجامدة التى سجلتها كاميرا ما، وقادرة على نقلك إلى عام ١٩٠١، حيث الطفلة «فاطمة» تجلس على «حِجر» والدها: إبراهيم السيد البلتاجى، داخل ستديو تصوير، لا تعرف إن كان فى القرية، وهذا مُستبعد، أم فى مركز السنبلاوين، وهذا جائز، أو فى المنصورة، وهذا الأقرب.

هدانى البحث إلى مجمع الفنون فى الزمالك «قصر عائشة فهمى»، حيث نظم قطاع الفنون التشكيلية، فى الفترة من ٢٣ أغسطس الماضى إلى ١٥ نوفمبر الجارى، معرضًا بصريًا فريدًا بعنوان: «صوت مصر – الصوت الذى ألهم الصورة».
المعرض استعاد سيرة أم كلثوم عبر أعمال فنية لـ٢٩ فنانًا من أجيال مختلفة، وكان بمثابة أول توثيق بصرى شامل لمسيرة «كوكب الشرق»، بعد حوالى ٥ عقود على رحيلها.
المعرض ضم قسمًا يوثق مسيرة أم كلثوم فى الصحافة المصرية على مدى قرن كامل، من خلال نسخ أصلية ونادرة من الجرائد والمجلات التى واكبت رحلتها الفنية وأخبارها. ومن خلال هذه النسخ أيضًا، قدم المعرض ما يمكن وصفه بـ«الكنز التوثيقى» بكل ما تحمله كلمة «كنز» من معنى.

هذا «الكنز» عبارة عن كتاب مُصوّر يحمل عنوان المعرض «صوت مصر»، تناول بدايات أم كلثوم، وأعمالها الفنية، ومحطّات رئيسية فى مشوارها، إضافة إلى وفاتها ومراسم تشييعها، وما كُتب عنها من قصائد ورثاء، اعتمادًا بشـكل رئيـسى علـى الصحـف والمـجلات التـى عاصـرت حضورهـا.
وبحسب الدكتور إسلام عاصم بيومى، الذى تحمل مسئولية البحث التاريخى والتوثيق، استغرق الإعداد للكتاب شهورًا طويلة من البحث والتنقيب، لتتبع حضور هذه الشخصية الفريدة فى الصحافة القديمة، وتحديدًا من خلال أرشيف مكتبة «البلدية» فى الإسكندرية، التى تحتوى جنباتها عشرات الآلاف من الصفحات عن أم كلثوم وحدها، منذ انطلاقتها الفنية فى العشرينيات.

1898 أم 1904؟
ما رأيك الآن أن نبحر سريعًا فى الأيام الأولى من حياة أم كلثوم، مع استعراض أهم الصور التى توثق هذه المرحلة، هناك فى «طماى الزهايرة»، حيث «كانت الخضرة تهمس بالتواشيح»، وحيث «طفلة تغنى بين بيوت الطين فى المجالس الريفية، ولم تكن تدرى أن صوتها، الذى كان فى البداية نداءً للغيب، سيصبح لاحقًا مقامًا ثابتًا فى وعى الأمة»، وفق د. «بيومى»؟

قالوا إنها ولدت فى عام ١٨٩٨، وأكد آخرون: بل فى عام ١٩٠٤، لكن المؤكد أن كاتبًا للتاريخ، فى هذه اللحظة، كان يكتب فصلًا من أهم فصول هذه الأمة، اسمه: أم كلثوم.
ولحسم الجدل، نعود إلى وثيقة ميلادها، التى تؤكد أنها جاءت إلى الدنيا فى الرابع من مايو عام ١٩٠٤.
الوثيقة تحمل فى أعلاها اسم وزارة الداخلية، ثم مديرية أمن الدقهلية.
بعد ذلك يأتى الاسم: أم كلثوم. واسم الأب بالكامل: إبراهيم السيد البلتاجى. اسم الأم بالكامل «لم يدون». تاريخ الميلاد كتابة: الرابع من مايو ألف وتسعمائة وأربعة ميلادية. جهة الميلاد: طماى الزهايرة.

بيت الست
البيت ريفى بامتياز. طابقان من الطوب اللبن المغطى بالجص. الطابق العلوى تعلوه أطنان «البوص»، فى زمن لم تكن بيوت الريف تعرف فيه حديد التسليح، ولا قلوبهم أيضًا!
باب خشبى «معمول»، منه خرج الكوكب الدرى، بل النجم الساطع الذى أنار قلوبنا بصوته، وملأها حبًا وفرحًا وبهجة وحزنًا وانكسارًا وانتصارًا وشجنًا وشوقًا.
نافذة خشبية مصنوعة هى الأخرى على يد نجار طبالى، يكاد طولها يقارب طول الباب الرئيسى. وفى الأغلب تخص غرفة المعيشة، أو تلك المخصصة لاستقبال الضيوف، واثنتان أخريان لغرفة، ربما مخصصة للنوم أو لتخزين الحبوب. بينما الطابق الأعلى- فى الأغلب- لغرف النوم.
لا يمكن اعتبار المنزل بسيطًا بتقدير تلك الأيام، ولا موغلًا فى الثراء. هو بين بين، ويناسب طبيعة عمل «الشــيخ إبراهيــم»، إمـام المسـجد ومُنشـد القريـة، الذى ينشـد روائع التواشـيح الدينية كل مساء فى «الليالى»، وقت أن كان السمر سمرًا والليالى ليالى!

وبين والدها إمام المسجد، والســيدة «فاطمــة»، السيدة الريفية صاحبة القلب الذى يشبه ما يحيطها من خُضرة، كبرت أم كلثوم.
وفى الريف، آنذاك، من العيب أن تكبر قبل أن تحفظ القرآن الكريم. فما بالك لو كنت «ابنة الشيخ إبراهيم». لذا التحقت أم كلثوم بـ«الكُتاب»، وأتمت حفظ القرآن الكريم، فى سنوات عمرها الأولى.
الجبة والقفطان
كان الأب «الشيخ إبراهيم»، والابن الأكبر «الشيخ خالد»، يدندنان فى المنزل كل يوم، فيما يشبه «البروفة» لحفلاتهما المسائية فى الإنشاد الدينى.
فجأة سكت الجميع. أشاهدهم الآن وكأن على رءوسهم الطير. حتى الطير خارج المنزل توقف عن الزقزقة.
صوت يصدح الآن سيغير تاريخ الغناء العربى، سيمنح الشرق كوكبه، والليالى ليلتها الألف. ويجعل كل «السميعة» يرددون، فى شبه غياب عن الوعى، أو ما يسمى التجلى عند الصوفية: «اللى شفته.. اللى شفته قبل ما تشوفك عينيا.. عمر ضايع يحسبوه إزاى عليا؟!».
فى هذه اللحظة، غنت أم كلثوم، ولم يغنِ أحد بعدها!
اتجه الأب إلى ابنته، اكتشف صوتها، لم ينهرها، لم يقل لها توقفى عن الغناء.. ومن يستطيع يا «شيخ إبراهيم»؟!
قرر أن يتبنى موهبتها، وصار يأخذها معه فى حفلات الذكر والإنشاد الدينى. ورغم خجلها الكبير، كانت تنسى كل شىء مع بدئها فى الغناء، وكأنها طفلة أخرى غير «فاطمة» أو «أم كلثوم».
لكن ما زلنا فى الريف، حيث الألسنة التى لا ترحم، حتى طفلة لم تتعدى سنوات عمرها الثمانى بعد، لذا لجأ والدها إلى حيلة لمواجهة الأمر.
ارتدت أم كلثوم ملابس شقيقها «خالد»: جبة وقفطان يغطيان كامل جسدها، وعقال يخفى كل شعرة تتوق إلى نسمة هواء.
صارت «ترند» قريتها والقرى المجاورة: الفتاة ذات الثمانية أعوام التى تنشد كالشيوخ فى زى الصبيان!

الغناء بـ10 قروش
هل لنا أن نحترف الغناء يا أم كلثوم؟
أول غناء أمام جمع كبير لأم كلثوم كان عند مأذون قريتها، ولم تحصل منه على أى مقابل، لمكانته فى القرية آنذاك.
تطور الأمر شيئًا فشيئًا، وتن استدعائها للغناء فى ليلة زفاف قريب لهم.
ما زلنا فى القرية.. لم نخرج منها بعد.
فى اليوم التالى، وفق كتاب «صوت مصر»، دُعيت لتغنى فى فرح خفير نظامى، فى عزبة قريبة من قريتها. هناك أطربت الحضور من التاسعة مساءً حتى الثانية صباحًا. وفى تلك الليلة تقاضت أول أجر لها وهو ١٠ قروش، والتى كانت أجر الفرقة كاملة: «أم كلثوم وأبيها وشقيقها. بعدها بـ٥ أيام، دعيت لتحيى ليلة أقامها أحد تجار الغلال الكبار فى السنبلاوين، وكان الأجر ٢٥ قرشًا.
هل آن الأوان لـ«تنظيم حفل» يدخله الجمهور بمقابل يا «ثومة»؟

فكر أحد تجار «محطة أبوالشقوق» فى إقامة «ليلة» تحييها أم كلثوم، ويكون الدخول إليها بأجر ٥ قروش للدرجة الأولى، و٣ قروش للثانية، ومجانًا لـ«الواقف فى آخر الخيمة».
نجحت أول حفلة لأم كلثوم، وكان الأجر جنيهًا ونصف الجنيه. ثم بدأت فى تلقى دعوات لإحياء حفلات زفاف فى المنصورة ومراكزها وقراها.
بـ«حمار» كانت أم كلثوم تذهب إلى هذه الحفلات، فى القرى والعزب القريبة. كان ذلك فى عام ١٩١٥. تركب الحمار، ووالدها على يمينها، وشقيقها «خالد» على اليسار. وإذا كانت السكة طويلة، تنزل ويصعد والدها، ثم أخوها، وهكذا حتى الوصول. ومع زيادة أجرتها، فى العام التالى، أصبح لكل منهم حماره الخاص.

أما الحفلات والليالى فى المراكز البعيدة فكانت تذهب إليها بالقطار. ولم تكن تركب سوى «الدرجة الثالثة»، حتى عام ١٩١٩. وكان الكمسارى يتركها ووالدها وشقيقها يجلسون فى «الدرجة الثانية» شريطة أن تغنى طول الطريق. كانت لا تتوقف عن الغناء إلا فى المحطات.

مع ارتفاع سعر القطن، ارتفع أجر أم كلثوم ليصل إلى ٤ جنيهات، قبل أن يزيد إلى ١٠ جنيهات فى مرحلة لاحقة.
ثم جاء ما هو أهم من الأجر: القاهرة.
ذاع صيت أم كلثوم حتى تلقت فى يوم «تلغرافًا» من نعمان الأعصر، أحد «باشوات» المحلة، لإحياء ليلة فى المدينة الكبرى. ونظرًا لورود الطلب بـ«التلغراف»، لم يتم الاتفاق على الأجر، فتقاضت عن تلك الليلة ٣ جنيهات فقط.
المبلغ أقل بكثير عن أجرها الذى وصلته، لكن القدر فى هذه الليلة كافأها أفضل مكافأة، بعدما سمعها فى هذه الليلة الشيخ أبوالعلا محمد، صاحب الفضل الأول فى ذهابها إلى القاهرة، حيث فُتحت لها أبواب المجد.
ونشر كتاب قطاع الفنون التشكيلية صورة من تعاقد والد أم كلثوم لإحياء أول حفلة لأم كلثوم، فى كفرالشيخ، لإنشاد السيرة النبوية، وذلك فى عام ١٩٢٠.
وجاء فى نص العقد:
«فى تاريخه أدناه، اتفقت الموقع اسمى بخطى أدناه: إبراهيم السيد، من طماى مركز السنبلاوين دقهلية، مع أحمد إسماعيل، من الكوم الطويل مركز كفرالشيخ غربية «نعم كانت تابعة للغربية»، على حضورى مع كريمتى السيدة أم كلثوم لتلاوة القصة الشريفة النبوية، والحضور هو يوم الجمعة ذو الحجة سنة ١٣٣٨، ليلة الجمعة ٥ منه، على مقاولة قدرها مبلغ ٩٥٠ تسعمائة وخمسون قرش صاغ ميرى. وصلنا عربون مبلغ ٤٠٠ أربعمائة قرش صاغ ميرى، وباقى لنا طرف المذكور مبلغ ٥٥٠ خمسمائة وخمسون قرش صاغ ميرى. وقد تحررت هذه شروطًا بذلك».
وحمل التوقيع اسمى: إبراهيم السيد «مطاى» وأحمد إسماعیل «كوم الطويل غربية».

أخويا خالد مات!
من الأيام الأولى فى حياة «كوكب الشرق»، يأتى ارتباطها الكبير بشقيقها «خالد»، لمَ لا وهو الذى غنت معه أغنيتها الأولى، وارتدت ملابسه، ورفض نزولها من على الحمار الوحيد الذى يمتلكونه، قاطعًا مسافات طويلة على قدميه، خلال رحلاتهما معًا إلى الليالى والحفلات فى الدقهلية ومحيطها، فى بداية مشوارها الغنائى.

لذا، كان موت الشقيق مأساة كبرى فى حياة أم كلثوم. وزاد من فداحة هذه المآساة حدوثها أثناء فترة علاجها فى الولايات المتحدة الأمريكية، وخوف الجميع من إخبارها بالخبر الأليم، ولكن، ولأن قلب «ثومة» دليلها، كانت تعرف، من قبل أن ينطق أى من مرافقيها كلمة.
الحكاية نقلها الباحث والمؤرخ الفنى خليل زيدان، عن مقال كتبه الصحفى الكبير مصطفى أمين، ونشر فى عدد ١٦ سبتمبر ١٩٥٣ من مجلة «آخر ساعة»، بعد أن أرسله من واشنطن، حيث كان الصحفى الوحيد الذى يرافق «كوكب الشرق».

كان «خالد» قد توفى قبل شهرين. وبحسب الدكتور أمين حسن، الأستاذ بكلية الطب، الطبيب الملازم لأم كلثوم فى علاجها، اتصلت «ثومة» بشقيقها مساءً، وفى الصباح أسلم الروح، واتصل به مصطفى أمين ليبلغه بالخبر.
اتصل الدكتور «أمين» بفريق أطباء «ثومة» ليستشيرهم ماذا يفعل، وبعد اجتماعهم قرروا أن مثل ذلك الخبر قد يقضى على حياة أم كلثوم وهى تُعالج بالذرة، فلا بد أن تكون أعصابها هادئة تمامًا، ولا تسمع ما يصدمها، سواء كان خبرًا مفرحًا أو محزنًا، فاستشار سفير مصر فى الولايات المتحدة، الدكتور أحمد حسين، فأقر السفير رأى الأطباء.
رغم الاتفاق بقيت عقبة، وهى سعدية بنت أخت أم كلثوم، فقد كانت تقيم معها فى الفندق نفسه. ويجب أن تشترك «سعدية» فى المؤامرة لتخفى النبأ عن خالتها، فـ«خالد» أيضًا خال «سعدية»، وعندما تعلم بموته ستظهر آثار الصدمة عليها. وأم كلثوم شديدة الذكاء، فسوف تعرف من خلال ما يطرأ على وجه «سعدية».
بدأت الخطة بدعوة «سعدية» على الغداء خارج الفندق وأبلغوها بالنبأ تدريجيًا فانهارت، وراح الموجودون يقصون عليها أوامر الأطباء، وعليها أن تخفى حزنها عن خالتها لتتمكن بدورها من منع أى وسيلة أو شخص يخبر أم كلثوم، خاصة أنها كانت تقيم معها فى الحجرة نفسها.

استطاعت «سعدية» أن تتمالك أعصابها وتعود إلى الفندق وقد غسلت وجهها ومسحت دموعها، وعندما سألتها أم كلثوم عن احمرار عينيها قالت إنها أصيبت بألم ووضعت قطرة لعلاجها.. وفى الوقت نفسه أوقف الدكتور أمين حسن جميع التليفونات التى تتصل بغرفة أم كلثوم، وأيضًا منع البرقيات والصحف المصرية عنها.
وحتى السفارة المصرية فى واشنطن صادرت البرقيات التى وصلت من مصر والبلاد الشرقية إلى «ثومة»، وكان من ضمنها برقية من الرئيس محمد نجيب وجمال عبدالناصر وصلاح سالم تعزيها فى شقيقها الوحيد.
كانت «سعدية» تترك أم كلثوم وتدخل إلى الحمام لتبكى ساعات طويلة، ثم تغسل وجهها وتخرج لتحدث خالتها وكأن شيئًا لم يحدث. لكن أم كلثوم أحست أن هناك شيئًا غير عادى قد حدث، وقالت لأصدقائها: «يظهر إن مصر قد نسيتنى.. فقد كنت أتلقى عشرات المكالمات يوميًا من مصر، فتوقفت فجأة.. حتى الرسائل انقطعت تمامًا والصحف لم تعد تصلنى.. وأهلى أيضًا توقفوا عن الكتابة لى».

وذات يوم، استيقظت أم كلثوم من نومها وخرجت إلى الدكتور «أمين» و«سعدية» وقالت لهما: «أخى خالد قد مات»! بُهت الاثنان من المفاجأة.. كيف عرفت رغم الحصار المفروض حولها؟ وتنفس الاثنان الصعداء عندما قالت أم كلثوم: «لقد رأيت فى المنام أن أخى خالد قد مات». فقال لها الدكتور «أمين» وهو يغالب دموعه: «معنى هذا أن خالد سيعيش طويلًا».
لكن أم كلثوم قالت: «اطلبوا مصر، أريد أن أتحدث مع خالد فى التليفون»، وتجمد الاثنان فى مقعديهما.. كيف يتصرفان؟ ولم تنتظر أم كلثوم منهما ردًا، فقد أمسكت بالسماعة وطلبت شقيقها فى مصر، وأسرع الدكتور «أمين» إلى عاملة التليفون ليطلب منها إلغاء المكالمة، وأن تخبر «ثومة» بأن الخطوط بين مصر وأمريكا معطلة.
اشتركت الموظفة فى المؤامرة، فكلما طلبت «ثومة» مكالمة أجابتها بالرد نفسه، حتى طلب منها الرقباء بأن تخبر أم كلثوم بأن «خالد» يقضى الصيف فى رأس البر ولا توجد وسيلة للوصول إليه حتى صدقت أم كلثوم الأكذوبة.
وذات يوم دُعيت لتناول العشاء على مائدة السفير المصرى فى أمريكا، وكان الموجودون هم موظفى السفارة وزوجاتهم.. وفجأة وبغير مناسبة، راحت أم كلثوم تتحدث عن شقيقها «خالد» وحبها لها وأنه كل شىء لها فى الحياة، وإنها لم تتزوج ولم ترزق بأطفال، وهى تشعر بأنه أبوها وابنها وكل شىء لها فى الحياة. وراحت تروى حكاياته ونوادره معها منذ أيام الطفولة.. والسيدات المصريات يغالبن دموعهن وشهقاتهن، فكل من يجلس على المائدة يعرف أن «خالد» قد مات.. ما عدا أخت «خالد» نفسها.. ومرت الليلة بسلام.
واستمر هذا الحال حتى عادت إلى القاهرة، وتم إبلاغها بالخبر.

