الإثنين 02 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

وريث الزعيم.. عصام عمر.. عجينة عادل إمام الخام

حرف

- عادل إمام وعصام عمر يتشابهان فى الذكاء الفنى

- الإثنان ولدت نجوميتهما على يد مدرسة فؤاد المهندس

لفتتنى مؤخرًا وجهة نظر، تقارن بين الفنان الشاب عصام عمر والزعيم عادل إمام. 

وفى الحقيقة، ليست هذه هى المرة الأولى التى يندفع فيها البعض لمقارنة وجوه شابة بعادل إمام، رغم إدراكى التام لصعوبة، بل واستحالة، عقد مقاربة منطقية بين أى شاب وبين ظاهرة «الزعيم»، لأسباب واعتبارات كثيرة سآتى على ذكرها.

لكن بتفكير بسيط، شعرت أن المسألة تتطلب منا قراءة أهدأ وأكثر رصانة؛ قراءة تتجرد من الانفعال، فلا تظلم الشاب فى بداياته، ولا تجور على هيبة التاريخ وثقله. فالمقارنة بعادل إمام ليست مجاملة ولا فخًا، بل ظاهرة تستحق الفهم. ولكى نفهم الظاهرة، علينا أن نعرف أولًا، كيف أصبح عادل إمام زعيم الفن العربى؟!

تأمل معى مسيرة عادل إمام فى بداياته. 

لا كان وسيمًا، ولا وجهًا يصلح للنجومية، فى أقصى تقدير كومبارس متكلم.

ومع ذلك كان واثقًا بنفسه، ولم يسع لتقليد نجوم الشباك فى الستينيات أو أن يذوب فى عالمهم، بل أسس كما قال لمصطلح «قوة الرفض»، أى أنه لا يقبل أى دور والسلام، بل اختار بوعى كامل أن يكسر هذا الصنم. 

اختار طريقًا شاقًا، وظل لسنوات طويلة يلعب أدوار الظل، يدرس جمهوره، ويصقل موهبته فى صمت، بالصبر وتراكم الأدوار الصغيرة، سواء فى المسرح أو السينما. 

وهذا تحديدا كان سرّه الأول، فرأى الجمهور نفسه فى هذا النحيف الأسمر، لا صورة متخيلة عنه، فأعجبوا به. 

فأدرك الفنان بفطنته أن البقاء ليس للشكل، بل للانضباط والذكاء الفنى.

واليوم، حين تنظر إلى عصام عمر، ربما تجد تلك السمة نفسها؛ وجه قريب منك، تجده فى كل مكان حولك، فى عربة مترو أو ميكروباص، وربما تجده يقف بجانبك أمام ثلاجة الجبنة عند البقال. 

كما أن خطواته هادئة، ويؤمن بنفس المصطلح «قوة الرفض»، وهذه ملاحظة دقيقة، فهو الوحيد فى جيله، الذى يرفض الظهور فى برامج المقالب، ولا يثير الجدل، ولا يسمع أحد عنه شىء، بل إن وسائل الإعلام لا تعرف سنه الحقيقية، لأنه لا يريد حتى أن يعرف الناس سنه، الذى هو ٣٥ عامًا نفس عمر الزعيم حينما حصل على أول بطولة.

هذا بالنسبة للتشابه فى سنوات التكوين والخطوات الأولى. 

الكوميديا أيضًا تجمعهما بطريقة لافتة. 

عادل إمام، لا يعتمد على الإفيه وحده، بل على رد الفعل الذى يخلق المفارقة بين الواقع وما يدور فى ذهن الشخصية. 

هذه المدرسة، التى خرجت من رحم المسرح، نراها واضحة فى أداء عصام عمر، خاصة فى لحظات الصمت التى تسبق الضحك. 

إنه نوع من الكوميديا، التى تترك المهمة على عاتق الجمهور ليكتشف المفارقة بنفسه، وهو أسلوب نادر فى زمن الإيقاع السريع الذى نعيشه اليوم. 

ولا يمكن تجاهل دور المسرح فى تشكيل الاثنين.

الزعيم خرج من مسارح الجامعة والتليفزيون، وعصام عمر أيضًا قضى سنوات فى المسرح المستقل، والمشاهد الصغيرة فى التليفزيون، فالمسرح علّم الاثنين شيئًا واحدًا: أن الضحك الحقيقى سره اختيار التوقيت الدقيق لإضحاك الناس.

لكن المقارنة التى أقدمها هنا لا تعنى التطابق.

فى النهاية، عادل إمام نشأ فى زمن كانت السينما فيه هى الملكة، وكان عليه أن ينافس أسماء راسخة وسط صناعة تقليدية، لها معاييرها وأسلوبها وطريقتها بل وثقافتها. 

أما عصام عمر فيعيش فى عصر المنصات الرقمية، التى تصنع نجمًا فى يوم وليلة، وتقضى عليه فى نفس الليلة التالية. 

التحدى هنا مختلف، وربما أخطر؛ لأن البقاء ليس مرهونًا بالموهبة فقط، بل بقدرة الفنان على مقاومة فوضى الحضور التى تفرضها مواقع التواصل.

اللافت أيضًا أن الاثنين يتشابهان فى الذكاء الفنى. 

عادل إمام لم يقفز إلى القمة فجأة، بل قضى عقدًا كاملًا يتنقل بين الأدوار المساعدة، يراقب ويتعلم ويختار اللحظة المناسبة للانطلاق.

عصام عمر يبدو وكأنه فهم هذه القاعدة مبكرًا؛ يتحرك بخطوات محسوبة، يبتعد عن الفضائح والترندات المدفوعة، ويراهن على الدور الحلو لا على عدد مرات الظهور.

ومن المفارقات الجميلة أن الاثنين ولدت نجوميتهما على يد مدرسة فؤاد المهندس. ففؤاد المهندس هو من قدم الزعيم فى دور عمره «دسوقى» فى مسرحية «أنا وهو وهى»، وكذلك المخرج فؤاد المهندس، حفيد الأستاذ الراحل، الذى كان أحد أسباب انطلاقة عصام عمر فى عمله الأبرز «بالطو»، وكأن الزمن يبعث نفس الروح مرة أخرى، بنفس العقلية والصدق فى آن واحد.

وإذا كنا قد وضعنا أيدينا على نقاط التماس المدهشة فى مرحلة البدايات وسنوات التكوين، فإن السؤال الأهم الذى يفرض نفسه الآن هو: كيف يتجنب عصام عمر فخ هذه المقارنة، وتصبح نجوميته مستدامة ليستحق لقب وريث الزعيم؟ 

التاريخ الفنى يخبرنا، بلا مواربة، أن كثيرين حاولوا ارتداء معطف الزعيم، فغرقوا فيه وتاهت ملامحهم. 

عادل إمام لم يستمر نصف قرن متربعًا على القمة لأنه ظل حبيس شخصية «دسوقى» أو «بهجت الأباصيرى»، بل لأنه امتلك مرونة التخلى عن جلده القديم فى الوقت المناسب.

لقد أدرك الزعيم بفطنة فى أواخر السبعينيات أن الكوميديا وحدها لا تكفى لصنع أسطورة تعيش، فانعطف بذكاء شديد نحو الدراما والسياسة، وتحالف مع عقول وكُتاب بحجم وحيد حامد، ليقدم سينما تشتبك مع هموم المواطن، وتفكك تناقضات المجتمع.

لم يعد حينها مجرد «مضحكاتى»، بل أصبح صوتًا يعكس تحولات الشارع المصرى.

وهنا تكمن النصيحة الأغلى التى يجب أن يضعها عصام عمر نصب عينيه: لا تبحث عن مسار عادل إمام لتسير فيه خطوة بخطوة، بل ابحث عن «عقليته».

عادل إمام كان ابن أزمات زمنه، وعليك أن تكون أنت ابن زمنك المعقد.

أولى خطوات هذا الطريق تتمثل فى القبض بيد من حديد على مبدأ «قوة الرفض» الذى بدأ به.

المنصات الرقمية وشركات الإنتاج اليوم لا ترحم؛ فهى تعمل بمنطق «المفرمة»، وتسعى لاستنزاف نجاح أى فنان فى أجزاء متتالية وأعمال «مسلوقة» لركوب موجة النجاح السريع. 

على «عصام» أن يحذر بشدة من الجراد الإنتاجى وشركات العلاقات العامة، التى ستحاول استغلال ملامحه الهادئة وقبوله الساحق ليحيله إلى نمط مكرر وممل يستهلك رصيده عند الناس.

هذا أولًا..

أما ثانيًا، فلكى تكتمل أركان الاستمرارية، يحتاج هذا الشاب إلى العثور على مشروعه الفنى الخاص؛ أن يخلق ثنائيته مع كُتاب ومخرجين يمتلكون رؤية حقيقية لجيل التكنولوجيا، والوحدة، والاغتراب النفسى.

وربما تكون خطواته الأخيرة فى الدراما الاجتماعية، وتوجهه لسينما المهرجانات، إشارات مبشرة تدل على أنه يقرأ الخريطة جيدًا، ولا يريد أن يسجن للأبد فى سترة الطبيب عاطف.

فى النهاية، يقف عصام عمر الآن فى منطقة حرجة، أشبه بعنق الزجاجة. 

المقارنة بعادل إمام هى فى ظاهرها وسام شرف رفيع، وفى باطنها عبء ثقيل ومسئولية قد تسحق من لا يمتلك إرادة قوية. 

لكن الذكاء الفنى والانضباط الذى نلمسه فى هذا الشاب، يجعلنا نراهن باطمئنان على أنه لن يسعى ليكون «عادل إمام الجديد»، بل سيكتب تاريخه ليكون «عصام عمر الأول» بعقلية عادل إمام.

فالفن يفتح أبوابه دائمًا لمن يمتلكون جسارة التجربة، وصدق الموهبة، والصبر على غواية الشهرة اللحظية.

ومصر دائمًا ولّادة، وهذا الشاب السكندرى الهادئ يثبت لنا أن جيناتها الفنية العظيمة لا تزال تنبض بالحياة.