ليست ثروة قومية.. مصـر أكبر من شيرين عبدالوهاب
- من العيب أن نصدّر هذا الانهيار النفسى على أنه وجه مصر
- مصر تستحق أن تتباهى بأبنائها الأحياء المبدعين المنضبطين لا بأشباح يتاجر بألمهم الإعلام
- كفوا عن إقحام مصر فى مأساة شخصية هى من اختارت كتابتها بيديها وهى من أضاعت فرصها الواحدة تلو الأخرى
تابعت، كما تابع كل مصرى، أخبار المطربة شيرين عبدالوهاب، ولهجة بعض الإعلاميين الغريبة والمريبة التى تناشد جهات غير معلومة بالتدخل لإنقاذ المطربة المصرية.
وفى الحقيقة اختلج فى صدرى شعور ثقيل بالريبة، لأنها ليست المرة الأولى التى تفيض فيها أزمات شيرين كالسيل على منصات التواصل الاجتماعى، لكن سبحان الله، سرعان ما وجدت لهذه الريبة تفسيرًا منطقيًا حين شاهدت ذلك الإعلامى وهو يشيح بوجهه عن جلال حادثة مأساوية، ليصرخ مهللًا بانفعال هستيرى لهدف كروى، ثم لا يلبث فى الكادر التالى مباشرة أن يرتدى قناع الوعظ بتأثر، متحدثًا بنبرة تفيض بدراما مفتعلة عن شيرين، واصفًا إياها بأنها ثروة قومية.

هنا فهمت أن المسألة ليست بتلك الطيبة والإنسانية المرهفة، أدركت أننى أمام عرض مسرحى رخيص، وأن هذا الخطاب غير أمين، يوهمنا بأن أمن مصر الثقافى بات مرهونًا بحنجرة مطربة، وهذه المطربة هى شيرين، المدمنة، وأقصد بالإدمان هنا هو إدمان الأدوية طبعا لا شىء آخر، لا سمح الله.
وهذه هى أحد أوهام فلاسفة وجهابذة الإعلام، فهم لم ينسوا ولن ينسوا أن مصر كانت تتغنى فى أوج مجدها الفنى بصوت أم كلثوم وعقل عبدالوهاب، فاستبدلوا تلك القمم بشخصيات ونماذج غير منضبطة، تسىء لمصر أكثر مما تسىء لنفسها، وكأنهم يريدون أن يقنعونا بأن هذه هى الحدود القصوى لإبداعنا الآن.
وإذا كان الإعلام يحاول تصوير شيرين كضحية للأقدار أو للمحيطين بها، فإن القراءة المتأنية لتاريخها تخبرنا بشىء آخر تمامًا.
الحقيقة العارية التى يجب أن نواجهها هى أن شيرين ليست ملاكًا كما يحاول البعض تصويرها؛ فهى التى ضحت باستقرارها وبحياتها منذ زمن بعيد لمجرد نزوة التمرد.
أتذكر جيدًا أنها تركت زوجها ووالد بناتها، الموزع محمد مصطفى، رغم اعترافها الصريح والعلنى بأنه شخص طيب وحنين ومحترم، ورجل مشهود له بالرصانة والالتزام.

لكنها، وفى لحظة كاشفة، قالت بملء فمها: «أنا طول عمرى بحب أكون مجنونة وهو مش زيى»، فكان الانفصال.
هنا ندرك أن شيرين هى من ضحت بأمانها واستقرارها الأسرى لمجرد فكرة سكنت دماغها، وهى أن تعيش فى فضاءات غير منضبطة، أو ما يمكن تسميته بـ«الانحراف السلوكى» الواعى.
إن مأساتها الشخصية تكمن فى أن أحدًا لم يظلمها، بل هى من ظلمت نفسها بعدما نالت كل شىء: فرصة ذهبية، ونجومية، وتقديرًا لموهبتها لم ينله حتى من هم أفضل منها صوتًا وثقافة.
لقد اختارت الجنون على الاستقرار، واليوم مضطرون أن ندفع ثمن هذا الاختيار من وعينا الجمعى.

لكن الإعلام لا يرى ذلك، وهذه النوعية من الإعلاميين تتغاضى عن كل الشواهد، وهذا معروف ومرصود، فالحالة هى حالة تضخيم متعمد لشيرين، وتصويرها كأنها السد العالى للغناء، بينما الحقيقة أنها مطربة وخلاص.
والمتأمل فى مسيرة شيرين خلال السنوات الأخيرة، يجد نفسه أمام متاهة لا نهاية لها، لا أفهم لماذا ندعو جهات للتدخل؟
لقد تكررت محاولات الإنقاذ عدة مرات بالفعل، تارة بتدخل الأهل، وتارة بتدخل الزملاء، وتارة بمناشدات الدولة.
وفى كل مرة، كان الجميع يظن أنها المرة الأخيرة، لنتفاجأ بأنها هى من تختار العودة إلى ذات النقطة.
وهنا ألمس معكم جانبًا نفسيًا عميقًا لا يلتفت إليه أحد، وهو «إدمان حالة التعاطف».
يبدو أن شيرين قد استمرأت دور الضحية، وأصبحت تتغذى على تساؤلات الجمهور القلقة: «أين شيرين؟»، «ماذا حدث لشيرين؟».
هذا النوع من النرجسية الجريحة، يجعل الفنان يرى فى شفقة الناس وقودًا لحضوره بدلًا من فنه.

إنها حالة استعراضية لا تتعلق بالغناء، بل بالوجود وجذب الانتباه بأى شكل من الأشكال.
ولا يهمنى فى الحقيقة أن شيرين تعيش بوعيها، أو بلا وعيها، لكن المؤكد أنها تعيش حالة من الابتزاز العاطفى لجمهورها، مستخدمة آلامها الخاصة كأداة لتصدر المشهد حين ينطفئ البريق.
ومن الآخر ودون تجميل، شيرين سلكت «سكة اللى يروح ميرجعش».. سكة إدمان أدوية الاكتئاب التى تدمر الإرادة وتأكل العقل، وغيرها.
والرجوع عن هذا الطريق، لمن يعرف طبائع النفس، شبه مستحيل، خصوصًا إذا كانت إرادة من حولها أقوى من إرادتها الشخصية.

وهنا أتذكر ما كتبه «ناثانيل ويست» فى روايته «يوم الجراد»، لقد شرح «ويست» بعبقرية كيف تتحول الحاشية فى أروقة الشهرة إلى «جراد» حقيقى، جراد لا يحب النجم، بل ينهشه وهو حى.
إن المحيطين بشيرين يعاملونها كمنجم ذهب، يقصقصون ريشها ومالها، ويشحنونها بالدراما الرخيصة لضمان استمرار «السبوبة»، هى بالنسبة لهم مجرد ماكينة دولارات لا تنتهى، ومصدر لقصص تجذب المشاهدات.
وأقول بصدق إن هؤلاء الذين يحيطون بشيرين، من أهل وأزواج ومنتفعين، لا يريدون لها الشفاء الحقيقى، لأن شيرين «المتعافية» تعنى شيرين «المنضبطة»، والمنضبطة لن تسمح بهذا السيرك الإعلامى وستغلق بنكها المركزى المفتوح لكل عابر سبيل.

لذا، فهم يغذون فيها حالة الضعف، ويشجعونها على البقاء فى نفق الأدوية والمهدئات، لتبقى تحت سيطرتهم.
فضلًا عن كل ذلك، شيرين نفسها لا ترغب فى العمل مرة أخرى، وأتذكر جيدًا تصريحاتها القديمة، حين كانت تقول بملء فمها، إنها عندما تتم سن الأربعين ستعتزل الغناء وستتفرغ لحياتها.
كان ذلك وعدًا برغبة داخلية قادتها فى النهاية لنفس النتيجة ولكن بطريقة مختلفة.
لكن كل هذا كوم، ووصفها من قبل آخرين كوم آخر، بـ«ثروة مصر القومية»، شىء جنونى تمامًا، وهذا هو الاستحقاق المريب بعينه، حين تمنح صفة القومية لفنانة موهوبة نعم، ولكنها استسلمت لمزاجها الشخصى ولحياة الفوضى.
هنا تكمن المأساة، فمن العيب أن نصدّر هذا الانهيار النفسى على أنه وجه مصر.
مصر لا تقوى على احتمال هذا الابتزاز العاطفى، وإذا كنا نطالب الدولة والجهات المعنية بشىء، بحجة الثروة القومية، فالأولى أن نطالب ببناء أجيال جديدة فى كل المجالات.. فى الفن، والغناء، والأدب، والرياضة.

مصر التى أنجبت سيد درويش وعبدالوهاب والسنباطى وشادية وأم كلثوم، لا يمكن أن تختصر اليوم فى مطربة غير منضبطة، ومن العيب أن يشارك إعلاميون فى الترويج إلى أن صورة مصر تعادل صورة هذه المطربة.
شيرين عبدالوهاب فى نظرى إنسانة تحتاج إلى «مصحة» علاجية، لا إلى مناشدات إعلامية.
وإذا كانت مصر تريد فعلًا أن تساعد نفسها، فعليها أن تتبرأ من هذه الصورة من الأساس.
اتركوا مصر فى حالها.. وابنوا لها مستقبلًا حقيقيًا.

مصر تستحق أن تتباهى بأبنائها الأحياء، المبدعين، المنضبطين، لا بأشباح يتاجر بألمهم الإعلام.
وإن كان هناك من ثروة حقيقية، فهى فى تلك العقول الشابة التى لم تجد فرصة للظهور لأن «الجراد» الإعلامى منشغل بصراخ جرعات شيرين.
كفوا عن صناعة أيقونات من وهم، وابحثوا عن الذهب الحقيقى المدفون فى حوارى مصر وقراها.
أما شيرين، فدعواتنا لها بالشفاء كإنسانة، ولكن كفوا عن إقحام مصر فى مأساة شخصية هى من اختارت كتابتها بيديها، وهى من أضاعت فرصها الواحدة تلو الأخرى بحثًا عن جنون اختارته بحر إرادتها من البداية.





