الأربعاء 17 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

على هامش الجدل الدائر حول «الحشاشين».. العامية المصرية تنتصر

الحشاشين
الحشاشين

معركة ثقافية تشتعل مع كل عمل فنى وأدبى، صراع قديم يتجدد من حين لآخر، صرخات تنادى بالعامية، وأخرى تُطالب بالفصحى.

آخر هذه المعارك، أثارها مسلسل «الحشاشين»، فبين مؤيد اعتبر العامية فى المسلسل «لغة شعبية تقرب الأحداث من المشاهد»، ومُعارض يرى «اختلاط اللغتين تشويهًا للتاريخ»، تبقى الأسئلة: 

من المحق فى هذه المعركة؟ وأين تكمن حدود الإبداع اللغوى فى الأعمال الفنية؟ هل سيحُسم الصراع؟ أم سيبقى هاجسًا يطارد كل عمل فنى؟.

قبل أن أجيب، تذكرت ما كتبه النقاد عن أدب نجيب محفوظ، وكيف أعابوا عليه استخدام الفصحى فى حوارات رواياته، ومن هؤلاء الدكتور عبدالعظيم أنيس فى كتابه «فى الثقافة المصرية»، الذى كتب فيه: «نجيب محفوظ يستفز القارئ بحواره الفصيح الذى يجرى على لسان شخصيات من صميم قلب الشعب المصرى والأحياء الشعبية»، وانتقد أكثر من شخص أديب نوبل فى هذه المسألة أيضًا، لأن اللغة الفصيحة على لسان شخصياته الروائية تبدو بالنسبة لهم غير واقعية، لكن محفوظ دافع عن خياره، مؤكّدًا أهمية اللغة الفصحى كلغة قومية ودينية، مع سعيه لتقريبها من أذهان الناس.

وقال فى مذكراته التى كتبها رجاء النقاش نصًا: «أستخدم الفصحى لأنها لغة قومية ودينية، وأنا أعطيها حياة وأقرّبها إلى أذهان الناس، وأبتعد عن الألفاظ الصعبة التى تزخر بها، حتى تكون صالحة للاستخدام الروائى». مع ذلك، لم يرفض محفوظ العامية بشكل تام، بل وظّفها أحيانًا عندما شعر بأنها تُعبّر عن المعنى بشكل أفضل وأكثر وضوحًا، كما اعترف لرجاء النقاش. 

ومن هنا، ندرك أن نجيب محفوظ نفسه.. عملاق الأدب العربى والعالمى، لم يسلم من هذه المعركة، فهذا النقاش يطارد كل مبدع، بغض النظر عن مكانته.

ونستخلص من محفوظ درسًا مهمًا، هو أن اللغة، بكل أشكالها، أداة فنية نستخدمها لإيصال رسالتنا الفنية والإبداعية، وأن الحكاية بأكملها لا تحتاج إلى هذا الصراع الصفرى الذى يريد فيه كل طرف أن يلغى الآخر.

■ هل الفصحى أدق لغة نستخدمها فى الدراما التاريخية؟

فى الحقيقة أتفهم ما يثير بعض الجمهور حاليًا بخصوص مسلسل «الحشاشين» وقبله مسلسل «الإمام الشافعى»، فهم لم يعتادوا سماع العامية فى هذا النوع من الأعمال، ويرون أن الفصحى تُضفى على أداء الممثلين جوًا اجتماعيًا حقيقيًا يليق بالشخصيات التاريخية.

ولكن، هذا التصور خاطئ تمامًا، فاللغة الفصحى التى نسمعها فى المسلسلات التاريخية، سواء مصرية أو سورية، لا تعكس الواقع التاريخي.

لذلك فى العصر الفاطمى مثلًا الذى تدور فيه أحداث «الحشاشين»، لم تكن اللغة العربية الفصحى لغة أهل مصر، وحتى لو كانت الفصحى لغتنا وقتها، فالفصحى نفسها لها أكثر من مستوى، وتختلف خصائصها من منطقة لأخرى.

وهناك قول مأثور عن أبى عمرو بن علاء شيخ مشايخ العربية، يؤكد فيه اختلاف اللغة الفصحى نفسها عبر الزمان بين العرب، القول هو: «ما لسان أهل اليمن بلساننا ولا لغتهم بلغتنا».

وفى كتابه «اللهجة المصرية بين التراث والمعاصرة»، يشرّح الدكتور عطية سليمان، عملية التطوير التى طرأت على اللغة المصرية عبر التاريخ حتى العصر الفاطمى، يقول: «استمر التحول من القبطية إلى العربية زمنًا طويلًا من الصراع خاصة فى اللسان العامى، ونتيجة لهذا الصراع الذى انتهى بغلبة العربية على القبطية واليونانية وغيرها من لغات مصر، تكونت للغة العربية ثلاثة أنواع، أولها الفصحى وثانيها لغة الحديث اليومى، ولغة ثالثة هى بين عربية ميسرة لا تكمل فصاحتها ولا تتسم بلغة الحديث اليومى». 

وضرب الدكتور عطية سليمان أمثلة من لغة المصريين فى العامية الفاطمية، وأبرز ما أحدثوه من تحولات صوتية فى اللغة العربية الفصيحة، وكيف أحلت الظاء محل الضاد، مثل ما ورد فى المجموع الصفوى لابن العسال قوله: «ولا يخدع أسقف أورشليم لغيره من الأساقفة، بل يكونوا فى كل شىء خاظعين للرووسا»، فأبدل الظاء مكان الضاد، وقوله أيضا: «يفسد فى الحال الحاظر»، أى الحاضر. 

وأمثلة أخرى فى تاريخ الشيخ أبى صلح الأرمنى، قوله: «واستمر على طغيانه وتمسك بظلالة شيطانه»، أى بضلالة. 

ودلّل «سليمان»، بأمثلة عديدة فعلها المصريون فى العربية، وكيف حذفوا الهمزة من الكلمات مثل قولهم: «قضا» بدلًا من «قضاء»، وشرح أسباب ذلك.

وفى هذا الجدل، يؤكد الدكتور أحمد مختار عمر فى كتابه: «تاريخ اللغة العربية فى مصر»، أن المصريين دمروا اللغة العربية، ولم يتحدثوا بها ولا بلغة شبه الجزيرة العربية، وأحدثوا تغييرًا كبيرًا فيها، وأرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب، السبب الأول هو نزوع المصريين نحو السهولة وتوفير الجهد، والسبب الثانى: اللا مبالاة، أما السبب الثالث فهو وجود لغات أخرى كاللغة القبطية واليونانية وغيرها فى مصر، لذلك تكلم المصريون بالعربية كما تيسر لهم، وتطورت معهم حتى وصلت إلى وقتنا الحاضر. 

والخلاصة، هى أن استخدام اللغة الفصحى فى مسلسل «الحشاشين» لن يحقق الدقة التاريخية، فلا هى لغة المصريين وقتها، ولا هى لغة الأتراك والفرس أساسًا، أما لو استخدمنا اللغة الأصلية التى كانوا يتحدثون بها، فلن تتناسب مع وعينا الحالى، ولن نفهمها، كما أن التراكيب الصوتية للغة كانت مختلفة عن وقتنا الحاضر وغريبة علينا، ولذلك استخدام اللغة الحقيقية لن يكون فى صالح الدراما ولا فى صالحنا كمشاهدين، كما أن اللجوء إلى الفصحى لن يضفى أى واقعية كما يتصور البعض، إذن ما الحل؟.. الإجابة لديكم.

■ هل العامية عجز وتهاون وخيانة للفن والأدب؟

يُردد البعض أنّ اللغة العربية هى تراثنا، ونُحاسب على إهمالها، وأنه لا يجوز استخدام العامية فى الفن والأدب، وأقول لهؤلاء إنه يجب التعامل مع العامية أيضًا أنها جزء من هذا التراث، وأنه بعد مئات السنين من الآن ستصبح هذه اللهجة تراثًا بالنسبة للأجيال القادمة. 

ويتصور البعض أن العامية عجز من المبدعين وهذا غير صحيح، وأنقل لكم ما قاله المفكر الراحل جلال أمين حول هذه المسألة، فى مقال له: «يجب أن نعترف بأن للغة العامية فصاحة وقدرة على التعبير عن المشاعر، قد تفوق قدرة الفصحى فى كثير من المواقف. ولكن ليس معنى هذا أن علينا أن نحكم على كل حالة على حدة، فنقول إن العامية قد تكون ركيكة أو غير ركيكة، وأن المطلوب فقط هو الامتناع عن استخدام العامية المبتذلة، وأن نترك تحديد المبتذل وغير المبتذل للذوق الشخصى لكل منا». 

ويضيف المفكر الراحل: «الامتناع عن استخدام العامية فى الكتابة كان من شأنه أن يحرمنا من أعمال عظيمة، يجمع المصريين على حبها وتقديرها، كأشعار بيرم التونسى وصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم، فكيف تستقيم مهاجمة استخدام العامية فى الكتابة مع تقديرنا وإعجابنا بهذه الأشعار الجميلة؟». 

وفى عدد يونيو من عام ١٩٤٢، من مجلة «الأديب»، كتب الشاعر والقاص اللبنانى رشاد دارغوث، مقالًا، عن استخدام العامية فى مسرحيات محمود تيمور، ودافع عن تيمور أمام تتار المهاجمين رغم حبه وتعلقه بالفصحى وتعصبه لها، لكنه كتب يقول: «فى اللهجة المصرية موسيقى ناعمة وجرس رائق ومرونة بديعة، وأنا أقرأ مسرحيتى الأستاذ تيمور: المخبأ رقم ١٣ وعروس النيل، لا تشوبه شائبة، لا شك أنه غير عاجز عن كتابة مسرحية بلغة الأدب وقد فعل فى سواها، ولكنه شاء أن يكتب للناس بلهجتهم الدارجة ليكون الأثر المرجو فيهم أبلغ وأصدق». 

لذا نفهم من هذا وأكثر، أن العامية ليست عجزًا من الفنان أو المبدع، وليست تهاون مع اللغة العربية الفصيحة، وأن العامية يمكن أن تكون أكثر فصاحة ودلالة فى صدق المشاعر أكثر من الفصحى. 

وهنا يتساءل الشاعر محمد الشرقاوى، وهو باحث فى اللسانيات واللهجات العربية: «أنا مثلًا لو حابب أقدم مسلسل أو فيلم عن حياة الفراعنة، هل سنتكلم باللغة القبطية؟ ولو توفرت الأدوات لنفعل ذلك مثلما حدث فى موكب المومياوات، هل سيفهم الناس؟ لا، الناس لن تفهم».

وأضاف «الشرقاوى» لـ«حرف»: «اللغة ليست أداة تواصل فقط، ولكنها حيلة بلاغية تؤدى غرضًا ما فى العمل الفنى، وتظهر المستويات بين الشخصيات، ولا مشكلة أن يتحدث أبطال الحشاشين بالعامية بتراكيب لغوية تتناسب مع الدراما وطبيعتها». 

وأوضح «الشرقاوى»: «هناك أربع مستويات للغة العربية، هى اللغة العربية القديمة وهى لغة ما قبل الإسلام، ولغة إسلامية، واللغة الحديثة التى تخلصت من أصداء الصحراء، واللغة العامية، والعامية نفسها مستويات، هناك عامية فصيحة وهى عامية المثقفين، والعامية البيضاء، التى تختلف من شخص لآخر على حسب وعيه، وهناك العامية الشعبية». 

■ الفرق بين اللغة واللهجة ودلالات الاستخدام فى العمل الفنى؟

لا تعتبر العامية المصرية لغة مقابلة، هى مجرد تفاوت فى النطق، وحسب ابن منظور فى لسان العرب، فهى «طرف اللسان أو جرس الكلام»، وحسب المجمع اللغوى، فهى «طريقة من طرق الأداء فى اللغة»، إذن هى لهجة لأنها فرع من أصل. 

ويقول الباحث محمد الشرقاوى: «اللهجة المصرية لا تنفصل عن الفصحى، وفيها كتير منها، لذلك يفهمها كل العرب، كل الاختلاف فى بعض الصرف لكنها محتفظة بالرتبة وتراكيب الجملة والمستوى الصوتى كما هو، لكن ضبط النحو اختلف تمامًا، لكنها لها نفس الدلالة». 

وفى كتابه «البلاغة العصرية واللغة العربية»، يؤكد المفكر الكبير سلامة موسى، أن اللغة فى تفاعل لا ينقطع مع المجتمع الذى ينطق أفراده بها، والقيم اللغوية فى تغير دائم لهذا السبب، والمحاولة لوقف هذا التغير، هى تعطيل للتطور الذهنى للأمة. 

ويضيف: «الكلمات رموز فقط، فنحن نشترى بنقود المعدن حاجات الجسم، ولكنا نشترى بالكلمات حاجات الذهن والروح»، وتحدث فى كتابه عن الصراع بين الفصحى والعامية قائلًا: «إذًا لم ننتبه إلى أن اللغة بمستوياتها مجرد رمزيات، فإننا نقع فى ألوان من السخف ونتورط فى أنواع من المعانى التى قد تضرنا بدلًا من أن تنفعنا، وتستبد بنا بدلًا من أن نستخدمها».

وأرجع «موسى» سبب تأخر اللغة العربية فى العلوم الحديثة وقدرتها على التعبير عنها هو الجمود والتعصب، وأن العربية أصبحت خرساء ولا تتطور مع العلم بسبب هذه الصرخات التى تثور ضد تطور اللغة واتخاذها أشكالًا ودلالات مختلفة. 

ولا أبلغ مما قاله «موسى» فى أحد فصول هذا الكتاب حول الحالة العصبية التى تصيب البعض حين يرى العامية مكتوبة فى الكتب أو مسموعة فى الأعمال الفنية، قال: «يجب أن تكون البلاغة بلاغة المنطق والمعرفة، بدلًا من بلاغة الانفعال والعقيدة، ويجب أن نتأنق فى التعبير تأنق الذكاء وليس تأنق البهرجة البديعة، ولا يجب أن نحيل الوسائل إلى غايات، فاللغة وسيلة وليست غاية، وليس للحياة غاية سوى الحياة والأدب والفن والبلاغة إنما هى جميعها مُسخّرة فى خدمتنا». 

وأضيف إلى ما قاله مفكرنا الكبير وأختم به كلامى: فى الفن حياة، وبلاغة الفن، أهم عندى من فصاحة اللغة ومعاركها.