الثلاثاء 28 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

5 أسئلة حرجة فى قضية محرجة.. فخ الإرهابى حسن الصباح

حسن الصباح
حسن الصباح

- الصباح فى الحشاشين شره واضح جلى هو فقط يعبر عنه بهدوء

- استولى على أملاك الغير بطرده أمير قلعة «ألموت» وتهديده بالقتل

هل أحببنا حسن الصباح؟

هل كان بالفعل على هذا القدر من الجمال؟

على هذا النسق تتردد العديد من الأسئلة هذه الأيام، بلا كلل، وفى جميع وسائط ووسائل الإعلام بعدما وقع الكثير فى غرام الإرهابى الأهم والأشهر والأكثر دموية فى التاريخ الإسلامى، حسن الصباح.

الجميع يتحدث عن خطأ فادح وقع فيه صناع المسلسل وأولهم كاتبه عبدالرحيم كمال، وهذا الخطأ كان المبالغة، والمبالغة كانت فى إظهار محاسن هذا السفاح، وإن شئت الدقة إظهار أن له محاسن من الأساس. 

بدأت المبالغة باختيار كريم عبدالعزيز الفنان الجماهيرى الناجح صاحب الكاريزما الطاغية، الأمر الذى أعطى «الصباح» رصيد إعجاب لدى المشاهدين من قبل حتى أن تبدأ إذاعة حلقات المسلسل.

وما إن بدأت الحلقات إلا وازداد معها الإعجاب والانبهار بهذا الكائن الأسطورى، الهادئ، الوسيم، حلو الحديث، الدارس والعالم فى كثير من المجالات، صاحب الحجة والبرهان، القادر على الإقناع، المدرك لأبعاد وخفايا النفس البشرية، العادل حتى لو كان فرض العدل على حساب أقرب أقربائه، ومن أقرب لديه من ولده الذى قتله لتحقيق القصاص؟

هل اكتملت الصورة؟ ليس بعد، لقد حقق الصباح معجزة أخرى، فبجانب كل ما ذكرناه سابقًا هو أيضًا محب لزوجته، يكيل لها من عبارات الحب الكثير، يعيش وفيًا لها وحدها ولم يرفع طرف عينيه فى حوريات الجنة اللاتى كان يعدهن فى القلعة مكافأة لمن يختاره لمهام الاغتيال، جميعهن كن رهن إشارة من سيدهن، بل كان حلمهن فقط هو رؤيته، لكنه كان زوجًا لم تر البشرية له مثيلًا، رجلًا امتلك كل هؤلاء الجميلات وعاش فقط لامرأة واحدة.

الصورة التى رسمها عبدالرحيم كمال لو أنها بهذا الشكل فعلًا فهى كفيلة بخروج الملايين من جميع أنحاء العالم صوب قلعة «ألموت» للتطوع تحت راية سيدها، هذا الرجل الذى ليس له مثيل فى الدنيا، ليس هذا فقط لكن الأهم أن اتباعه هو سبيل النجاة فى الآخرة أيضًا، لأنه ببساطة صاحب مفتاح الجنة.

الجملة الأخيرة هى صك براءة عبدالرحيم كمال، فالشخص القادر على تسويق هذه الجملة فى ذلك الزمن الغابر، واقناع كل هؤلاء بأن الخطوة الأخيرة بينهم وبين الخلود فى جنة الله لا بد أن يكون مختلفًا بحق، وأن ما قدمه المسلسل يمكن أن يكون أقل مما كان عليه بالفعل، وللحق فإن تغيير مسار التاريخ لا يحدث على أيدى الأشخاص العاديين، بل الاستثنائيون فقط هم من يصنعون الأحداث ويغيرون الثوابت ويقلبون الأوضاع رأسًا على عقب، والصباح كان استثنائيًا بالفعل.

وقبل أن تنزعج دعنا نطرح بعض الأسئلة التى تكشف لماذا ظهر الصباح بهذه الصورة؟

هل الحشاشين وثيقة تاريخية؟

وهل أنت كمشاهد تنتظر الحصول من المسلسل على معلومات دقيقة؟

الإجابة قطعًا لا..

نحن أمام دراما تاريخية، دراما مبنية على أصل تاريخى وليس فيلمًا وثائقيًا، وبالتالى فنسبة الخيال كبيرة ومساحة الابتكار واسعة والفرصة سانحة للكاتب باختراع شخصيات أو حذف أخرى، ورسم خطوط درامية غير موجودة، ولا مانع من بعض المبالغات فى رسم شخصيات تاريخية معروفة.

هل هذا تزوير؟

قبل أن تجيب أدعوك لمشاهدة بعض من الأعمال التى تربينا عليها وارتبطنا بها وتأثرنا بما جاء فيها، وهو بالمناسبة غير صحيح فى معظمه. الفيلم الملحمى الناصر صلاح الدين أحد أهم الأعمال التاريخية فى السينما المصرية مليئ بما هو غير دقيق وغير حقيقى تاريخيًا، فعيسى العوام ليس مسيحيًا وإنما مسلمًا، وبالتالى فقصة حبه مع لويزا قائدة الهوسبتاليين مجرد خيال درامى، لويزا نفسها شخصية غير حقيقية، ثم إن دور عيسى تاريخيًا لا يتجاوز سطورًا قليلة فى كل المراجع. وعلى هذا المنوال تأتى الكثير من تفاصيل الفيلم، فرجينيا جميلة الجميلات شخصية وهمية، صلاح الدين لم يكن له ولد مات فى حروبه مع الصليبيين، لم يذهب صلاح الدين لريتشارد قلب الأسد لعلاجه بعدما أصيب بسهم عربى مسموم. 

وعلى نفس القياس تأتى أفلام وملاحم تاريخية عديدة «وإسلاماه، الشيماء، شجرة الدر، رد قلبى، جميلة بوحريد»، وغيرها الكثير والكثير، جميعها استند إلى أصل تاريخى وبعدها انطلقت الدراما.

«الحشاشين» ملحمة درامية مستندة لأصل تاريخى، لا ينصح بمشاهدتها لمن ينتظرون منها درس تثقيف أو معلومات دقيقة عن أحداث الماضى، يكفيها فقط الالتزام بالحقائق التاريخية العامة والخطوط الزمنية المعروفة، ولمزيد من الدقة ندعوكم للعودة إلى المراجع والكتب وما أكثرها.

هل بالفعل أحببنا حسن الصباح؟

دعنى أقول لك فى البداية أنك إذا وقعت فى حب حسن الصباح فاعلم أن لديك مشكلة، ولكن للإنصاف أيضًا لديك عذرك.

شخص مثل الصباح كما ظهر فى المسلسل ليس من المنطقى أن يلقى نصيبًا من الحب فى قلبك، فهو قاتل بلا قلب، خائن بلا تأنيب ضمير، متمرد لأجل أهدافه الشخصية، مساند للصليبيين على حساب إخوته فى الإسلام، ولو جلسنا نعدد مساوئه لطالت بنا الجلسة، وعليه فمشاعرنا الطيبة تجاه الصباح هى فى الأساس أمر غير منطقى بالمرة.

إذن لماذا أحببناه؟

هنا الأسباب كثيرة، أولها البعد الزمانى والمكانى، فأنت تتعاطف مع شخصية تعلم جيدًا أنك لن يصيبك منها أذى، ولو أن خطرها كان قريبًا منك مكانيًا أو حتى زمنيًا لظهرت مشاعر الكراهية تجاهه، ببساطة لأنك وقتها ستصبح مهددًا أن يطالك بعض من شروره.

ولا نغفل هنا أيضًا أننا على علم بالنهاية، فحسن الصباح ودعوته وقلعته وأتباعه كلهم الآن جزء من التاريخ، مجرد أطلال رغم ما يقال أن بعض من أتباعه لا يزالون يعيشون فى سوريا. وقد يكون من دوافع المشاهدة هى رغبتنا أن نرى دراما نهايته، وكيف سيقدم لنا صناع المسلسل مشهد انتصار الدولة المنظمة الشرعية على مجموعة مارقة. عدنا مرة أخرى للحديث عن الدراما، فرغم علمنا بأن الصباح انتهى لكننا على شوق أن نراه ينتهى أمام أعيننا مرة أخرى.

جزء مهم فى تعاطفنا مع الصباح نابع من انبهارنا به، فالصباح كما ذكرنا شخصية استثنائية فعلًا، وإلا ما استطاع الوقوف أمام الدولة السلجوقية فى عز مجدها وعنفوانها. كان استثنائيًا فى ثقافته وعلمه وشجاعته وفهمه للنفس البشرية وقدرته على الإقناع، وقبل ذلك كله فى إيمانه بفكرته وهدفه.

الصباح وأمثاله فى السينما والدراما كانوا مثار تساؤل فى الدراسات العلمية، لماذا نحب الأشرار؟ والإجابة نجدها فى كثير من المتلازمات وعلى رأسها متلازمة ستوكهولم التى ترى أن تعاطفنا مع الشرير نابع من بحثنا عن الأمان، لأننا بحبه وتعاطفنا معه لن نصبح مصدر تهديد له، وبالتالى لن نشعر بالخوف منه.

كما أن لدى فرويد تفسيرًا آخر لحالة الانجذاب للأشرار وهو أن الإنسان دومًا معاد للمجتمع، يريد الحصول على كل ما يريد وقتما شاء وهو ما لا يناسب الحياة فى مجتمعات لها قوانينها وتنظيمها، وبالتالى هو ينظر بعين الفخر والاعتزاز لمن يستطيعون فعل ذلك، وهم عادة الأشرار الخارجين عن القانون والمجتمع.

أما السيدات فلهن أسبابهن الخاصة لحب حسن الصباح، وهى نظرية الـ bad boys. كثير من الدراسات أشارت أن البنات فى سن المراهقة والشباب أكثر ميلًا للشباب السيئ إذا ما ترجمنا المصطلح بشكل حرفى من مصدره الإنجليزى، الشباب المتهور المتمرد الذى يأتى بأفعال لا يستطعن القيام بها ولا يرونها فى رجال دوائرهم الضيقة من الأهل والأقارب والمعارف، وحسن الصباح مرشح بقوة للحصول على لقب الـbad boy الأول فى التاريخ، فما بالك إذا كنا نرى هذا الـbad boy فى صورة نجم نجوم جيله كريم عبدالعزيز؟

وهل كل هذه الأسباب وغيرها مبرر للوقوع فى حب حسن الصباح؟

أقول لك وهل وقعنا بالفعل فى حبه؟

راجع نفسك قليلًا ستجد أنك لا تحمل له أى مشاعر إيجابية، فكر بعقل ومنطق وستجد نفسك تناصبه الكره والعداء، كما فعل هو مع العالم كله. وعندما تتأكد من ذلك ستعرف أن الحشاشين برىء من تحسين صورة حسن الصباح.

هل كان الصباح جميلًا؟ 

وهل هناك ما يفرض أن يكون الإرهابى قبيحًا؟

الإجابة هنا قد نجدها عند كثير من الفلاسفة الذين رأوا أن الشيطان نفسه جميلًا، وإلا ما استطاع إغواء أتباعه والتأثير عليهم. والحديث هنا ليس من جانبه الدينى الذى أقر بأن إبليس كان جميلًا ومقربًا من الله، وإنما من ناحية المنطق، فلو أن طلته قبيحة ما كان تأثيره الأول قويًا، والطبيعة البشرية تجعلنا نتأثر سريعًا بما يقوله ذوو الوجوه السمحة الجميلة.

ثم إن الرسومات الموجودة لحسن الصباح تشير بالفعل أنه كان صاحب طلة جيدة أو لنقل على الأقل إنه لم يكن منفرًا.. وبشكل عام، نعم، الغواية تتطلب جمالًا، ولذلك فكريم عبدالعزيز in cast جدًا لهذا الدور، وقد يكون الاختيار الأفضل بالفعل.

هل كان الصباح مقنعًا؟

هذا رجل تجاوز كل ما عرفته البشرية عن فنون الإقناع، تفوق على كل أصحاب قدرات التسويق وكل دراسات الترويج واستطاع بيع ما لم يستطع الأنبياء أنفسهم فعله، استطاع أن يبيع الجنة، ليست أى سلعة والسلام، فالرجل هو صاحب مفتاح الجنة يفتح أبوابها لمن يشاء، ويرقى أصحابها ممن سمح لهم بدخولها كيفما رأى، هل تريد إقناعًا أكثر من ذلك؟

أريدك فقط أن تركز أن هذا المستوى من التأثير على العقول حدث فى زمن بلا أى أدوات، فلا سوشيال ميديا، ولا راديو، ولا تليفزيون، ولا إنترنت، ولا أى وسيلة تواصل جماهيرية تسمح له بالوصول إلى الجماهير بسهولة وسرعة وكثافة وتأثير، فتخيل أن شخصًا استطاع أن يزرع تلك الأفكار فى عقول المئات والآلاف للدرجة التى تجعلهم يضحون بحياتهم «فداءً لصاحب مفتاح الجنة»، كل ذلك حدث وأعظم ما يمتلكه من أدوات هو الحمام الزاجل.

هل كان الصباح شريرًا؟

هنا السؤال الأهم، وللإنصاف قد تكون هذه هى الشخصية الأكثر شرًا على الشاشات منذ زمن بعيد جدًا، وقد لا نكون مبالغين إن قلنا أكثرها شرًا على الإطلاق، لكنه الشر الناعم، شر الثعابين، حسن الصباح ظاهره ناعم وباطنه ما لا يستطع إنسان تخيله من أذى وتدمير لكل شىء وأى شىء من أجل السيطرة. «الصباح» فى ظاهره هادئ وفى داخله بركان من الشر، وإذا كنت ترى أن المسلسل لم يظهر ذلك فأتمنى عليك أن تشاهد الحلقات مرة أخرى. 

شر الصباح واضح جلى منذ اللقطات الأولى التى اختار فيها الظلام حتى ينجو من البئر، وكل موقف تلا ذلك يظهر جانبًا من شره. فهو الخائن لصديقه نظام الملك منذ التخطيط لاغتيال الخليفة وحتى قتل نظام الملك نفسه، وهو المحرض على القتل بمنتهى السهولة ولأتفه الأسباب منذ أن دفع تابعه زيد بن سيحون لقتل مؤذن الجامع، وهو المستولى على أملاك الغير بطرده أمير قلعة «ألموت» وتهديده بالقتل، وهو الكذاب الذى يخدع مريديه بحلم الجنة والحور العين بدخان الحشيش، كما أنه المنافق الذى يطمئن مساعديه الرئيسيين زيد بن سيحون وبرزك أميد ويؤكد لكل منهما أنه الأقرب لقلبه وإنه خليفته، ولا ينسى أثناء ذلك أن يحرض كل منهما ويقلبه على الآخر بدافع الغيرة، وهو المستمتع بتعذيب أسيره يحيى معتبرًا ذلك تسلية لا يحق لأحد أن يحرمه منها، كل ذلك وغيره الكثير مما يمكن تلخيصه فى الجملة التى قالها الصباح على لسان كريم عبدالعزيز «عايز الرعب يملأ القلوب».

الصباح فى الحشاشين شره واضح جلى، هو فقط يعبر عنه بهدوء أو إن شئت الدقة، يعبر عنه بشكل بشرى طبيعى دون تشنجات أو عروق نافرة أو قلب الحاجبين أو الصوت العالى المحشرج، وغير ذلك من كتالوج الشر الذى اشتراه كثير من الممثلين من على الرصيف تقريبًا ومضمونه الوحيد كيف تتعلم الشر بـ٣ تعبيرات؟. كريم عبدالعزيز هنا يقدم الشر بشكل إنسانى، ولو إنه سار على نهج «الوش المقلوب» والصوت المحشرج وتعبيرات الجسد غير المفهومة لاكتشف مريدوه شره، وهو ما لا يرجوه قطعًا، فهدفه الأول والأخير أن يطمئن إليه الناس ليأخذ بأيديهم إلى الجنة، وهو ما لن يحدث مع شخص يملؤه الشر فى داخله وخارجه.